وهو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس ﵁ وهو الإمام المستنصر بالله أبو القاسم أحمد بن الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن أبي المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد أمير المؤمنين بويع بالخلافة في قلعة الجبل ظاهر القاهرة من الديار المصرية يوم
[ ٢ / ٩٥ ]
الاثنين ثالث عشر شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة وأول من بايعه قاضي الديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب بن خلف الشافعي عند ما ثبت نسبه عنده ثم بايعه الملك الظاهر والشيخ عز الدين عبد العزيز ابن عبد السلام والأمراء والأعيان من أولى الحل والعقد وكانت بيعته في الأيوان الكبير بالقلعة المذكورة وكان المسلمون بغير خليفة منذ قتل التتار ابن أخيه الإمام المستعصم بالله أبا أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ﵀ في أوائل سنة ست وخمسين مدة ثلاث سنين ونصف وكان المستنصر بالله شديد السمرة جسيمًا وسيمًا عالي الهمة شديد القوى عنده شجاعة وإقدام وهو أخو المستنصر بالله أبي جعفر المنصور ونعت بنعته وهذا ما لم يجربه العادة فيما تقدم أن خليفة يلقب بلقب خليفة تقدمه من أهل بيته وقد ولى الخلافة إخوان وثلاثة إخوة إما أربعة أخوة ولوا الخلافة فأولاد عبد الملك بن مروان لا غير وثلاثة إخوة الأمين والمأمون والمعتصم أولاد هارون الرشيد والمستنصر والمعتز والمعتمد أولاد المتوكل والمكتفي والمقتدر والقاهر أولاد المعتضد والراضي والمتقي والمطيع أولاد جعفر المقتدر وإخوان فالسفاح والمنصور ولدا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵁ والهادي والرشيد ابنا المهدي والواثق والمتوكل ابنا المعتصم والمسترشد والمقتفي ابنا المستظهر والمستنصر منصور والمستنصر هذا ابنا الظاهر ومنه إلى العباس ﵁ أربعة وعشرون نفرًا وولي
[ ٢ / ٩٦ ]
الخلافة بعد ابن أخيه ولم يل أحد بعد ابن أخيه قبله إلا جده المقتفي بن المستظهر فإنه ولي أيضًا بعد الراشد بن المستظهر، وأما من ولى الخلافة بعد عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك من بني أمية ولي بعد عمه هشام ابن عبد الملك والمعتضد ابن الأمير الناصر بن المتوكل ولي بعد عمه المعتمد ابن المتوكل والراضي بالله بن المقتدر بن المعتضد ولي بعد عمه القاهر بالله ابن المعتضد ومدة خلافة المستنصر منذ بويع إلى أن فقد خمسة شهور وعشرون يومًا فمدة خلافته أقصر المدد من أهل بيته، أما من بني أمية فمعاوية بن يزيد بن معاوية ﵀ مدة خلافته أربعون يومًا ويزيد ابن الوليد خمسة أشهر وأخوه إبراهيم بن الوليد سبعون يومًا، ومن بني العباس ﵁ لم يستكملوا سنة أولهم المستنصر بن المتوكل بقي في الخلافة ستة أشهر والمهتدي بن الواثق بقي فيه أحد عشر شهرًا وأيامًا والحسن بن علي ﵄ بقي في الخلافة منذ بويع بعد قتل أمير المؤمنين ﵁ إلى أن نزع نفسه وبايع معاوية ﵁ سبعة شهور وأحد عشر يومًا وقيل غير ذلك.
ولما كان يوم الجمعة ركب من البرج الذي كان مقيمًا به في القلعة وعليه ثياب سود إلى الجامع بالقلعة للصلاة فصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس ثم استفتح وقرأ سورة الأنعام حتى بلغ قوله تعالى: " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ثم صلى على النبي صلى الله عليه
[ ٢ / ٩٧ ]
وسلم وترضى عن الصحابة ﵃ ودعا للسلطان ثم نزل وصلى بالناس.
وفي مستهل شعبان تقدم الخليفة بتفضيل خلعة سوداء وبعمل الطوق وقيد من ذهب وبكتب تقليد السلطنة للملك الظاهر ونصب خيمة ظاهر القاهرة، فلما كان يوم الاثنين رابعه ركب الخليفة والسلطان والوزير ووجوه الدولة والأمراء والقضاة والشهود إلى الخيمة فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وطوقه وقيده وصعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان رئيس الكتاب منبرًا نصب له فقرأ التقليد وهو من إنشائه وبخطه ثم ركب السلطان بالخلعة والطوق والقيد ودخل من باب النصر وشق القاهرة وقد زينت له وحمل الصاحب بهاء الدين التقليد على رأسه راكبًا والأمراء يمشون بين يديه وكان يومًا يقصر اللسان عن وصفه.