لما قتل هولاكو رسل بركة وسحرته جمع عسكرًا من سائر الآفاق التي استولى عليها ورحل من علا دار ووصل إلى دمر قانو وقطر نهر كوثا فصادف عسكرًا لبركة فأوقع به وأقام خمسة عشر يومًا فجمع بركة عساكره وقصده فالتقى به وتقاتلا فكانت الدائرة على هولاكو وقتل من أصحابه خلق كثير وغرق منهم في النهر المذكور أكثر مما قتل ونجا هولاكو بنفسه في شرذمة قليلة، فلما رأى بركة كثرة القتلى بكى وقال يعز علي أن أرى المغل تقتل بسيوف بعضهم بعضًا لكن كيف الحيلة في من غير آسة جنكزخان، ولما عاد هولاكو مهزومًا مر ببلاد أران فوجد طائفة من أصحاب بركة بنواحي شروان وشماخي فأوقع بهم ولما وصل أردوه استشار كبراء دولته في جمع عسكر ليقصد به بكرة فثبطوه.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وفي شهر رمضان جهز الملك الظاهر رسل بركة وبعث معهم عماد الدين عبد الرحيم العباسي والأمير فارس الدين آقوش المسعودي وجهز معهما هدية سنية جليلة المقدار فيها من الحيوان الغريب وجوده في تلك البلاد خدام حبش وجواري طباخات وزرافة وقرود وهجن وخيل عربية وحمير مصرية وحمير وحشية وغير ذلك ومشاعل فضة وشمعدانات فضة وحصر عبدانية وأمتعة اسكندراني وثياب من عمل دار الطراز وسكر نبات وبياض وغير ذلك مما لا يحصى كثرة وضمن الرسالة الدخول في الأيلية والطاعة وطلب المعاضدة على هولاكو على أن يكون له من البلاد التي تؤخذ من يده مما يلي الشام نصيب، فلما صولا القسطنطينية وجدوا الباسلوس كرميخائيل صاحبها غائبًا في حرب كانت بينه وبين الفرنج فلما بلغه وصولهم طلبهم فساروا إليه عشرين يومًا في عمارة متصلة واجتمعوا به في قلعة أكشاثا فأقبل عليهم ووعدهم بالمساعدة ووافوا عنده رسلًا من هولاكو فاعتذر عن تأخير توجههم لخوفه من إطلاع هولاكو على ما وصلوا بسببه ثم أمرهم بالرجوع إلى القسطنطينية والمقام بها حتى يعود ويجهزهم ولم يزل يمطلهم سنة ثلاثة أشهر فبعثوا إليه أن لم يمكنك المساعدة على توجهنا فلنأذن في الرجوع فأذن للسيد عماد الدين بمفرده واعتذر من منعهم من التوجه لكونه بعيدًا عن بلاده المجاورة لمملكة السلطان ركن الدين وأنه متى سمع أني مكنت صاحب مصر من التوجه إلى بركة توهم انتقاض الصلح بيني وبين هولاكو، فيسارع إلى نهب ما جاوره
[ ٢ / ١٩٧ ]
من بلاد وأما أنا قريب منها حتى أذب عنها فعاد عماد الدين وتأخر الفارس مدة سنتين حتى هلك أكثر ما كان الحيوانات وفسد غيرها.
وفي أثناء هذه المدة قصدا عساكر بركة القسطنطينية وأغارت على أطرافها وهرب الباسلوس من القلعة التي كان فيها إلى القسطنطينية وبعث بالفارس إلى مقدم عسكر بركة يعلمه أن البلاد في عهد الملك الظاهر وصلحه وإن بركة في صلح من صالحه وعهد من عاهده فطلب منه أن يكتب له خطة بذلك فكتب وكتب أيضًا أنه يقيم باختياره بمنع التوجه لأنه أنكر عليه طول المقام فرحل العسكر واستصحب معه السلطان عز الدين وكان محبوسًا في قلعة من قلاع قسطنطينية فأخرجوه منها كما تقدم، ثم أن الباسلوس جهز الفارسي إلى بركة وبعث معه رسولًا من جهته برسالة ضمنها أن يقرر على نفسه مما يحمله كل سنة ثلاثمائة ثوب أطلس على أن يكون معاهدًا ومصالحًا له ومدافعًا عن بلاده صاحب زعوراء فتوجه الفارس إلى بركة، فلما اجتمع به سأله عن تأخره حتى هلك أكثر ما كان معه فاعتذر أن صاحب القسطنطينية منعه فأخرج له خطه بما كتب لمقدم عسكره ثم قال أنا ما أواخذك لأجل الملك الظاهر وهو أولى من وأخذك على كذبك وإفساد ما بعثه معك.
وكتب السلطان عز الدين إلى الملك الظاهر يعرفه بما صدر عن الفارس من التقصير وكونه رحل عسكر بركة عن صاحب القسطنطينية بما أوهمه من كون البلاد في عهد املك الظاهر وكان قادرًا على أن
[ ٢ / ١٩٨ ]
يأخذ منه في مقابلة ترحيله عنه قيمة ما فسد من الهدية لاضطراره إلى ذلك فلما قفل الفارس إلى مصر واجتمع بالسلطان نقم عليه ما فعله وقبض عليه وأخذ منه ما كان وصل معه من البضائع وقيمتها أربعون ألف دينار وكان وصوله في جمادى الآخرة سنة خمس وستين.
وفيها خلق المقياس وكسر الخليج يوم الاثنين ثالث عشر شوال سنة إحدى وستين وانتهت الزيادة إلى ثلاث عشرة إصبعًا من ثمان عشر ذراعًا وكان الملك الظاهر بالإسكندرية فخلف عنه الأمير عز الدين أيدمر الحلبي نائب السلطنة بالقاهرة.