كان مالك بن منيف بن شيحة الحسيني قد قصد الملك الظاهر سنة خمس وستين بهدية جليلة لعلمه ما بين الملك الظاهر وبين عمه عز الدين جماز من الوحشة فقبلها وكتب له توقيعًا بالمدينة وبعث معه سليمان بن حجى فلما عاد وجد جماز بالفلاة فهجمها في هذه السنة واستولى عليها وحلف له أهلها وخرب دار جماز واستنجد جماز بأهل مكة وينبع وسار إليها فحصرها أيامًا ووقع بينهما قتال أجلى عن قتلي كثير ثم اختلف جمازو أصحابه.
وفيها قتل السلطان ركن الدين صاحب الروم وجلس ولده السلطان غياث الدين كيخسرو على التخت وعمره مناهز العشر سنين والبرواناة في نيابة السلطنة عن أبغا وجعل ابنه مهذب الدين على متكفلًا بأمر غياث الدين واستولى البرواناة على جميع البلاد ونفذ حكمه فيها لا يشاركه في ذلك غيره، ثم توجه البرواناة إلى أبغا وأخذ معه فرس
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ركن الدين وسلاحه وهدايا جليلة لأبغا ووجوه دولته ووافى عنده صاحب سيس فجرت بينهما محاورة كل منهما يدعي على صاحبه أنه يكاتب صاحب مصر ثم عاد البرواناة ومعه أحأى أخو أبغا وصمغرا ليكونا معه في البلاد فلم تطل غيبته، فلما بلغ السلطان غياث الدين قدومهم خرج من قونية لتلقيهم فاجتمع بهم على سيواس.
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة ابن مقدام بن نصر أبو إسحاق عز الدين المقدسي الحنبلي مولده في شهر رمضان سنة ست وستمائة سمع من أبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني وغيره وحدث وكانت وفاته في التاسع عشر شهر ربيع الأول بجبل الصالحية ظاهر دمشق ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀، وكان إمامًا علامًا فاضلًا زاهدًا عابدًا ورعًا كريم الأخلاق لطيف الأوصاف لين الجانب شديد التواضع للفقراء والمساكين والضعفاء كثير الصدقة والبر والمواساة حريصًا على قضاء حوائج الناس وإدخال السرور عليهم لم يكن في هذا الوقت من يضاهيه في ذلك فيما علمنا، وهو من بيت العلم والعمل والصلاح وكان والده الشيخ شرف الدين عبد الله ﵀ شيخ الحنابلة والمشار إليه فيهم وجده شيخ الإسلام أبو عمر محمد فشهرته تغني عن الأطناب في وصفه ﵏ أجمعين.
أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم أبو يوسف كمال الدين الحلبي المعروف بابن العجمي، كان رئيسًا عالمًا فاضلًا حسن الخط والإنشاء كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ ثم كتب للملك الظاهر
[ ٢ / ٣٨٨ ]
ركن الدين وكان من أعيان الكتاب وأماثلهم واسطة خير غزير المروءة حسن العشرة كريم الأخلاق وكانت وفاته ظاهر صور من بلاد الساحل في العشر الأول من شهر ذي الحجة وحمل إلى ظاهر دمشق فدفن بمقابر الصوفية ﵀.
بولص الراهب المعروف بالحبيس، قد ذكرنا طرفًا من خبره في حوادث سنة ثلاث وستين وأنه كان كاتبًا ثم ترهب وانقطع في جبل حلوان من الديار المصرية فيقال أنه ظفر بمال مدفون في مغارة فواسى به الفقراء من كل ملة وقام عن المصادرين بجمل عظيمة ولم يزل على ذلك إلى هذه السنة فأحضره الملك الظاهر وطلب منه المال وان يعرفه من أين حصل له فلم يعرفه وجعل يغالطه ويدافعه ولا يفصح له بشيء البتة وهو عنده داخل الدور فلما يئس منه وأعياه أمره حنق عليه فعذبه حتى مات في العذاب ولم يقر بشيء فأخرج من قلعة الجبل ورمى ظاهرها على باب القرافة وكانت وصلت فتاوى فقهاء الإسكندرية إلى الملك الظاهر بقتله وعللوا ذلك بخوف الفتنة على ضعفاء النفوس من المسلمين فقتله كما ذكرنا وقيل أن مبلغ ما وصل إلى بيت المال منه وما واسى به في مدة سنتين ستمائة ألف دينار محصيًا بقلم الصيارف الذين كان يجعل عندهم المال ويكتب إليهم أوراقه وذلك خارج عما كان يعطيه سرًا بيده ومع هذا كان لا يأكل من هذا المال شيئًا ولا يلبس منه وكان النصارى يتصدقون عليه بما يمونه ويلبسه فانظر إلى هذه
[ ٢ / ٣٨٩ ]
النفس الأبية مما هي عليه من الضلال ولم يظهر بعد موته من تلك الأموال الدينار الواحد فما يعلم هل نفدت مع نفاد أجله وخفي أمر ما بقي منها ولم يطلع عليه وقيل كان اسمه ميخائيل ولم يشتهر إلا بالحبيس الراهب والله أعلم.
عبد الخالق بن علي بن محمد بن الحسن أبو محمد تاج الدين، كان كاتبًا مجيدًا عارفًا بصناعة الحساب وولي عدة جهات ومناصب ببعلبك وأعمالها وكان من عدول بعلبك وأكابرها وكان ينبز بأحمر عينه لحمرة كانت في عينه.
ووالده القاضي مهذب الدين أبو الحسن علي بن محمد الأسعردي ولي الحكم ببعلبك مدة في الأيام الصلاحية وغيرها وكان مشكور السيرة مشهورًا بوفور العلم والدين والسداد في الأحكام ﵀، وكانت وفاة تاج الدين المذكور في ويوم السبت تاسع ذي القعدة من هذه السنة وهو في عشر الثمانين ودفن بالقرب من دير إلياس ﵇ ظاهر بعلبك رحمه الله تعالى.
عبد العزيز بن منصور بن محمد بن محمد بن محمد بن وداعة أبو محمد عز الدين المعروف بابن وداعة الحلبي وقيل أنه كان في بداية أمره خطيبًا بجبلة من أعمال الساحل ثم اتصل بالملك الناصر صلاح الدين يوسف وصار من خواصه ولما ملك دمشق ولاه شد الدواوين بدمشق وأعمالها وكان يعتمد عليه ويثق به وكان عز الدين يظهر التنسك والدين ويقتصد في ملبسه وسائر أحواله وكانت حرمته في الدولة الناصرية
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وافرة ولما انقضت الدولة الناصرية وأفضت المملكة إلى الملك الظاهر ركن الدين ولاه وزارة الشام فلما ولي الأمير جمال الدين آقوش النجيبي ﵀ نيابة السلطنة بالشام حصل بينهما وحشة باطنة وكان الأمير جمال الدين يكرهه. لتشيعه فإن الأمير جمال الدين المذكور كان غالبًا في السنة وكان عند عز الدين تشيع فكان الأمير جمال الدين يسمعه في كل وقت من الكلام ما يؤلمه ويهينه فكتب إلى الملك الظاهر يذكر أن الأموال تنكسر وتنساق إلى الباقي ويحتاج الشام إلى مشد تركي شديد المهابة مبسوط اليد ويكون أمور الأموال والولايات والعزل راجعة إليه لا يعارض في ذلك والدرك في سائر هذه الأمور عليه ليلتزم بتثمير الأموال واستخراجها وزيادة ارتفاعاتها وكان قصده بذلك رفع يد الأمير جمال الدين عن ذلك وتوهم أن المشد الذي يتولى يكون بحكمه يصرفه كيف شاء ويبلغ به مقاصده وكان في الشد المسعودي وهو شيخ عاقل ساكن ليس فيه عسف ولا شر فرتب الملك الظاهر في الشد الأمير علاء الدين كشتغدي الشقيري وبسط يده حسبما اقترح عز الدين فلم يلبث أن وقع بينهما وكان الشقيري يهينه بأنواع الهوان فيشكو ما يلقى منه إلى الأمير جمال الدين النجيبي فلا يشكيه ويقول أنت طلبت مشدًا تركيًا وقد جاءك الذي طلبت ثم أن الشسقيري كاتب الملك الظاهر في حقه وأوغر صدره عليه فورد عليه الجواب بمصادرته فأخذ خطه بحملة عظيمة يقصر عنها ماله وأفضى به الحال إلى أن ضربه
[ ٢ / ٣٩١ ]
وعصره وعلقه في قاعة الشد بدار السعادة وجرى عليه من المكاره ما لا يوصف فكان كالباحث عن حتفه بظلفه وباع موجوده وأماكن كان وقفها وقام بثمنها في المصادرة ثم طلب إلى الديار المصرية فتوجه وحدثته نفسه بالعود إلى رتبته فأدركته منيته في الديار المصرية عقيب وصوله إليها فإنه تمرض في الطريق ودخلها وهو مثقل فتوفي ودفن بالقرافة الصغرى قريبًا من قبة الشافعي ﵁ وقد نيف على خمس وسبعين سنة ﵀ ومات في آخر ذي الحجة من هذه السنة وقيل أنه دفن في مستهل سنة سبع وستين وستمائة وهو في عشر السبعين وله وقف على وجوه البر وبنى بجبل قاسيون تربة ومسجدا وعمارة حسنة ولم يخلف ولد ولا رزقه في عمره كله ولا تزوج إلا امرأة واحدة في صباه وبقيت في صحبته أيامًا قلائل ثم فارقها كذا أخبرني علاء الدين ولد أخيه بدر الدين.
علي بن عدلان بن حماد بن علي أبو الحسن عفيف الدين الموصلي النحوي المترجم كان عالمًا فاضلًا أديبًا مفتنًا شاعرًا توفي بالديار المصرية في يوم الجمعة تاسع شوال ودفن من الغد بسفح المقطم ومولده بالموصل خامس وعشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة كتب إلى قاضي القضاة شمس الدين أبي العباس أحمد بن خلكان ﵀ لغزًا:
أيها العالم الذي فضل العا لم علمًا وسؤددًا وذكاء
[ ٢ / ٣٩٢ ]
والذي إن دعاه قاص ودان لملم عرا أجاب الدعاء
أي لفظ عكست منه بناء لا ترى عكسه يحيل البناء
وهو أن زال قلبه ينظر القلب كما كان قبل ذاك سواء
هو في الأرض كلها لا ترى الربوة تخلو منه ولا البطحاء
هو في الغرب موضع وترى التص حيف في الشرق بقعة غناء
يدخل الحصن غاديًا لا يرى الأذ ن ولو كان ربه عاد ياء
وله في طب الطبيب مضاف إن تأملته تجده دواء
إن تصحف ففرقه عطفت من بعد أخرى فقد كشفت الغطاء
أظلمت طرق حله فأبنه عادة الشمس أن تفيد الضياء
ذكر القاضي شمس الدين أنه حله فوجده سوس الطعام وكتب إليه القاضي شمس الدين من دمشق إلى مصر لغزًا في سراج:
أيها العالم الذي صار حبرًا ممارسا
والذي موضحاته يجتليها عرائسا
أي شيء ترى جمي ع الورى منه قابسا
أن في السرب نصفه حيثما كان كانسا
ثم صحف تمامه تلق ضوءًا مؤانسًا
واحذفن منه ثالثًا تنظرن فيه فارسا
من يصحفه عاكسًا يلف في الليل حارسا
فكتب إليه عفيف الدين في الجواب:
[ ٢ / ٣٩٣ ]
أيها العالم الذي قام للدين حارسا
والذي مبدعاته البستنا الطيالسا
صغت لفظًا جذوته كان مولاي جالسا
أبدًا لا برحت تج؟ لو المعاني عرائسا
يا ملاذي سررتني بعد أن كنت عابسا
والذي أنهج المعمى وإن كان طامسا
شرح الصدر لغزك ال؟ مستنير الحنادسا
أنت والله وصفه لامرئ كان قابسا
؟ صحف الشرح لفظه لا تصحفه عاكسا
فهو من مركب الرجا ل إذا كان فارسا
وهو إن زال ربعه فهو يبدي الوساوسا
جاءني بعد هجعة لم يخف فيه حارسا
فاقل عثرتي إذا كان ما قلت هاجسا
وكتب إلى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ من القاهرة إلى دمشق لغزًا في القطائف المحشو والمقلو وذكر أن البيتين الأخيرين منها لابن عنين:
أحاجيك يا قاضي القضاة ومن سمت به الهمة العليا إلى المنصب العالي
ومن قد غدا في كل فن مبرزًا على كل حبر كان في الزمن الخالي
وأوضح بالفكر اللطيف عوامضًا ثوت برهة ما بيننا ذات إشكال
بمطوية طي القباطي غذيت ألذ غذاء ثم علت بجريال
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وأخت لها من جنسها هائم بها جميع الورى لكن لها واحد قالي
عمر بن إسحاق بن هبة الله بن صديق بن محمود بن صالح أبو حفص الأمير عمد الدين الخلاطي مولده بخلاط في منتصف شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وكان فاضلًا عالمًا حازمًا جلدًا خبيرًا حسن التأني كريم الأخلاق جميل العشرة لطيف الحركات حلو المحادثة والمحاضرة توفي بحماة يوم الأحد الخامس والعشرين من المحرم ودفن من الغد ﵀ ومن شعره:
كلفت بوجه صاحب الحسن صاحبه تروي بماء الحسن فأخضر شاربه
حوى قصص العشاق خط عذاره ولاغرو في الإيجاز فالله كاتبه
وله:
لا تعجبن إذا ما فاتك المطلب وعود النفس أن تشقى وأن تتعب
إن دام ذا الفقر في الدنيا فلا تعجب مات الكرام وما فيهم فتىً أعقب
وله:
تجنب من الدنيا ولا تك واثقًا إليها وإن مالت إليك بمجهود
؟
[ ٢ / ٣٩٥ ]
فالطيب مأكول بها قيئي نحلة وأفخر ملبوس بها كفن الدود وله:
يا ليلة الحاجر هل عودة ترى لوصل النازح الهاجر
وهل يعيد الوصل قولي ترى هل عودة يا ليلة الحاجر
أحبابنا بانوا فلم يكتحل بالغمض من بعدهم ناظري
كان التمني فيهم أولى فصار يأسى منهم آخري
؟ وا حربا من عاذل عادل في الحكم عن إنصافه جائر
يأمرين بالصبر عنهم ومن أين لقلبي جلد الصابر
أبى شقائي في الهوى إنني أعيش إلا تعب الخاطر
فيا مريقًا دم عشافه بصارم من طرفه الساحر
بالأسود الفاتر حتى متى تفعل فعل الأبيض الباتر
وله:
سبت فؤاد المعنى لواحظ منك وسنى
يمرضننا حيث نرنو وهن أمرض منا
يا أكثر الناس حسنًا أقلهم أنت حسنى
رد الرقاد لعل ال؟ خيال يطرق وهنا
وله:
ولما دنا ممن أؤمل قربه بعادًا أذاب القلب بين الحوانح
وسارت نواجي العيس عن أرض بارق بكل نضير الخد للبدر فاضح
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وعاينت وخد الراقصات عشية وهز حدوج القوم بين الصحاصح
وألفيت أبناء الهوى شارفوا أسى مناياهم ما بين باك ونائح
ربحت دنو الدار دهرًا قضيته وكنت غداة البين آخر رائح
وله:؟ سحرته ألحاظ الحسان كما ترى وغذته البان الهوى فتحيرا
وغدا يصون لذكر نجد دمعه فلا جل ذلك ما جرى إلا جرى
يا طرف دع شكوى السهاد جهالة أنت الذي في بحره غرق الكرى
وأنا الذي أصبحت أنزح ماءة أبغي الغريق به وها أنا لا أرى
؟ تشكو وأنت جنيت أسباب الهوى حتى حنيت بها العذاب الأكبر
ما كنت في خلدي لرائعة النوى قبل الحمام مقدرًا ومصورا
فدنا بها زمن أساء ولم يكن من قبلها بنوى الأحبة أنذرا
وأبادني ببعاد أهيف خده كالورد أزهر فوق غصن أزهرا
فسرى الفؤاد وما أقام وحبه بين الجوانح قد أقام وما سرى
وله:
ومهفهف رطب المعاطف ناعم عذب المراشف طيب الأنفاس
جمع المحاسن وجهه فكأنما هو روضة راقت على منعاس
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فالنرجس الطرف المضاعف لوعتي وأقاحها ثغر جني وسواسي
والخد يبدو محدقًا بعذاره كالورد حف به جني الآس
سبحان من أنشأه من إحسانه حسنًا فاصبح فتنة للناس
قال كنت مجردًا مع العسكر الناصري على غزة سنة خمسين وستمائة وضجر العسكر من التجريد وطول المدة وكان الناس يقولون إن الشيخ نجم الدين الباذراني رسول الخليفة خرج من دمشق متوجهًا إلى الديار المصرية للصلح بين الملك الناصر وصاحب مصر وبعضهم يقول ما خرج فعملت:
؟ قالوا الرسول أتى وقالوا أنه ما رام يومًا من دمشق نزوحا
كثر الخلاف وما ظفرت بمسلم يروي الحديث عن الرسول صحيحا
وكان عماد الدين المذكور له حرمة وافرة عند الملوك ومكانة لطيفة منهم وكان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل شديد المحبة له والوثوق به والميل إليه والاعتماد عليه لا يفضل عليه أحدًا من خواصه وأصحابه وكان مستحقًا لذلك ولما هو أبلغ منه، حكى لي الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ عنه ما معناه أنه قال لما مات الملك الأشرف ﵀ واستولى الملك الصالح عماد الدين على دمشق وما معها مما كان بيد الملك الأشرف من البلاد بالشام بلغه خروج الملك الكامل من الديار المصرية لقصده وانتزاع البلاد منه وعلم أنه يعجز عن مقاومته وأنه متى أظهر الانقياد إلى الملك الكامل تفلل عنه سائر من عنده من
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الأمراء وغيرهم طلبًا للحظوة عند الملك الكامل فلا يحصل على مقصوده منه: قال عماد الدين ما معناه فاتفقت معه في الباطن على أن يختلق لي حجة ويضربني بمحضر من الأمراء وأعيان الدولة ويعتقلني ويأخذ موجودي ففعل بي ذلك وأظهر أنه اطلع على أنني كاتبت الملك الكامل وبقيت في الجب أيامًا ثم شفع في فأخرجني بعد أن قطع خبزي وأبعدني عنه فركبت وقصدت الملك الكامل فوافيته في الطريق فلما قيل له عني تعجب وقال كيف يفارق هذا لأخي مع وثوقه به ومحبته له فقيل له ما وقع في حقي فسكت وأكرمني وعدت معه فلما كان بعد يومين من وصولي إلى خدمته كتبت إليه ورقة مضمونها سؤال الحضور بين يديه خلوة فأحضرني ليلًا وأخلى مجلسه وقال لي قل فقلت لما كنت في الجب بقلعة دمشق حملت رسالة إلى مولانا السلطان وحلفت أن لا أقولها إلا بعد أن يحلف مولانا السلطان باليمين التي استحلفه بها أنه لا يطلع عليها أحدًا من خلق الله تعالى فقال نعم إلا يوسف بن الشيخ " فما عن العجوز سمر محجوز " فقلت يا خوند إلا الأمير فخر الدين ابن الشيخ فأمر بإحضار المصحف الكريم واستحلفته على ما أردت فلما فرغ من اليمين قمت وقبلت الأرض وقلت يا خوند مملوك مولانا السلطان إسماعيل يقبل الأرض فعند ما ذكرت ذلك نهض قائمًا وخدم وتهلل وجهه وقال قل فقلت يقول أنه ما كان يحتاج مولانا السلطان بتكلف الحركة بل كان سيزقرا غلام من بابه الكريم بمثال شريف
[ ٢ / ٣٩٩ ]
منه سلم إليه البلاد وحضر بنفسه معه وليس هو عند نفسه ممن يقاوم مولانا السلطان أو يمانعه فقال اكتب إليه واخدمه مني وقل له يطيب قلبه ويحصن مدينته ويجتهد على حفظها فإني ما أختار أكسر حرمة أخي ولا حرمة دمشق عند الملوك ولا يزال علي إلى أن أقول له ما يفعل ثم قال لي والله كنت قد سقطت من عيني بمفارقتك لأخي والآن فقد نبلت عندي وعظمت في صدري فقبلت الأرض ودعوت له: قال عماد الدين فكتبت إلى الملك الصالح وعرفته ذلك وجاءني الجواب ولم تزل المكاتبة بيننا متواصلة فكنت أوقف الملك الكامل على كتب الملك الصالح وأكتب ما يأمرني به وحضر الملك الكامل وحاصر دمشق وأنا كل وقت أتقاضاه في تسلم البلد وهو يقول اصبر فلما كان في بعض الأيام طلبني فدخلت عليه فوجدته شديد الغضب لقتل بعض الأمراء الأكابر من أصحابه فلما وقفت بين يديه انتهرني وقال وصلنا إلى هذا الحد فقلت يا خوند لو رسمت دخلت القلعة يوم وصولك لكن مولانا السلطان اقتضى رأيه الشريف أن يجري الأمر على هذه الصورة فقال اكتب إليه وقل له يخرج فقد أخذت المسألة حقها وايش يريد أعطيه حتى أحلف له عليه فقلت يا خوند هو مملوك مولانا السلطان وأخوه وما يقترح شيئًا بل مهما تصدق به مولانا السلطان عليه قبله وإن رسم أن يكون رمحه تحت ركاب مولانا السلطان في الحلقة فهو راض بذلك فقال لا والله إلا أعطيه من البلاد ما يرضيه فكتب إليه فخرج تلك الليلة بالليل فتلقاه الملك الكامل وبالغ في احترامه وإعظامه وأعطاه
[ ٢ / ٤٠٠ ]
بعلبك وأعمالها وبصرى وغير ذلك وجميع الحواصل وأعاده في ليلته إلى القلعة فبات بها ثم خرج من القلعة وضرب دهليزه قريب دهليز الملك الكامل وكل يوم يحضر إلى الخدمة فيجد من إكرامه ما لا كان يرجوه، فلما كان بعد أيام قال لي الملك الكامل ما تقول للمولى الملك الصالح يروح إلى بلاده فقلت يا خوند يريد سنجقا وخلعة قال إيش هذا الكلام؟ الملك الصالح ملك مثلي يريد خلعة وسنجقا قلت والله يا خوند ما يروح إلا بهذا قال بسم الله وسير له خلعة عظيمة وعدة خيول وعشرة آلاف دينار مصرية وسنجقا فتوجه إلى بعلبك وودعه الملك الكامل ثم قلت للملك الكامل يا خوند مملوك
مولانا السلطان ليس له مكانا يجيئه منه سكر يأكله وما يحسن به أن يشتري السكر في أيام مولانا السلطان فأطلق له قرى في الغور يتحصل منها جملة عظيمة من السكر وغيره وسافر إلى بعلبك على هذه الجملة وأعطاني من ذلك الذهب خمسمائة دينار اشتريت بها مملوكًا، ووالده أبو البشائر قاضي خلاط كان فقيهًا شافعيًا عالمًا أصوليًا واعظًا شاعرًا حسن الكلام في الوعظ والتذكير، له مصنفات في علم الأصول وكان من محاسن القضاة وظرافهم يرجع إلى عفاف ونزاهة ودين قدم مدينة إربل واستوطنها إلى أن توفي بها يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة ومن شعره ﵀: مولانا السلطان ليس له مكانا يجيئه منه سكر يأكله وما يحسن به أن يشتري السكر في أيام مولانا السلطان فأطلق له قرى في الغور يتحصل منها جملة عظيمة من السكر وغيره وسافر إلى بعلبك على هذه الجملة وأعطاني من ذلك الذهب خمسمائة دينار اشتريت بها مملوكًا، ووالده أبو البشائر قاضي خلاط كان فقيهًا شافعيًا عالمًا أصوليًا واعظًا شاعرًا حسن الكلام في الوعظ والتذكير، له مصنفات في علم الأصول وكان من محاسن القضاة وظرافهم يرجع إلى عفاف ونزاهة ودين قدم مدينة إربل واستوطنها إلى أن توفي بها يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة ومن شعره ﵀:؟ وقفت وربع العامرية داثر ودمعي ووجدي سابق متواتر
وقفت وذكراها تجدد لوعتي وأبكي كما تبكي الغوادي البواكر
[ ٢ / ٤٠١ ]
واذكر أيامًا مضت ولياليا وأظهر فيها ما تجن الضمائر
غداة النقا بالباهلية آهل وحين الصفا بالعامرية عامر
وقفت أدير الطرف في عرصاتها وأطلالها دارت عليها الدوائر
ومن حب تلك الغانيات عواطلًا لقد سكنت فيها المها والجآذر
لنفرة أنس وانتفاء بمالكي تملك ربع الآنسات النوافر
فخالفني الآمال في سائر المنى ووافقني بيت من الشعر سائر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقلت لصحبي قد ثنتني عزيمة أوائل حزن ما لهن أواخر
إلى أشرف الأملاك موسى الذي له إياد على وجه الزمان زواهر
ومن شعره:
قالوا الهلال وعندي في مجالستي بدر بوجه على شمس الضحى سادا
وفي فؤادي لهذا البدر منزلة ما نالها أحد قبلي ولا كادا
ليس الهلال بمحبوب لذي إرب وإن حببناه أحيانًا وأعيادا
هذا يزيد حياتي في مجالستي وذاك ينقص عمري كلما زادا
محمد بن حامد بن كعب المنعوت بالقمر الشروي الأصل البعلبكي المولد والمنشأ والوفاة كان جسيمًا وسيمًا شجاعًا شديد القوى وهو مع ذلك رقيق الحاشية يذاكر بالأشعار والحكايات والنوادر وهو عنده مكارم أخلاق وفتوة ومروءة وعصبية وحسن عشرة ومعفرة بالأكابر والأعيان وكلمته مسموعة عندهم وحرمته وافرة ليدهم وكانت
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وفاته ببعلبك في شهر المحرم ودفن بظاهرها وهو في عشر الثمانين ﵀.
محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن محمد بن قاسم بن محمد ابن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن الحسين ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أبو عبد الله الحسيني الكوفي الأصل المصري المولد والدار المعروف والده بالحلبي مولده عشية السادس والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بالقاهرة قرأ القرآن الكريم واشتغل بالعربية والأصول وبرع فيهما وسمع من أبي طاهر محمد بن محمد بن بيان الأنباري والشريف أبي محمد عبد الله ابن عبد الجبار العثماني وأبي محمد عبد القوي بن أبي الحسن القيسراني والأمير أبي الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ وآخرين غيرهم وحدث وأقرأ العربية وغيرها مدة: وكان عالمًا فاضلًا رئيسًا صدرًا كبيرًا ذا فنون متعددة ومعارف جمة مع ما هو عليه من حسن الطريقة وكرم الأخلاق وكان مؤثر الانفراد والتخلي محبًا في الانقطاع والعزلة وعدم الاختلاط بالناس ذا جد وعمل وعبادة وأبوه أبو القاسم عبد الرحمن كان كان الفضلاء المشهورين وله تصانيف حسنة وطريقة جميلة ﵀ وكانت وفاة الشريف أبي عبد الله محمد المذكور ضحى نهار السادس من صفر بالقاهرة ودفن من يومه بسفح المقطم ﵀.
قليج أرسلان بن السلطان غياث الدين كيخسرو بن السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن آتس بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلطان ركن الدين السلجوقي صاحب الروم كان ملكًا جليلًا شجاعًا كريمًا لكنه لم يكن أحكمته التجارب فترك الحزم وفوض الأمور إلى معين الدين سليمان البرواناة واشتغل بلهوه فاستقل البرواناة بالتدبير واستفحل أمره ثم رام ركن الدين قتله والراحة منه واستشعر البرواناة ذلك منه فعمل على قتله حتى قتل في هذه السنة، وشرح الحال في ذلك إن البرواناة لما عظم شأنه واستولى على الممالك ولم يبق للسلطان ركن الدين معه كلمة استشعر البرواناة منه فرتب ضياء الدين محمود بن الخطير معه حريفًا ونديمًا ليطلعه على سره في حال السكر ويكون عينًا للبرواناة عليه فحمل السلطان ركن الدين السكر على أن قال لضياء الدين ابن الخطير قد اتخذت سكينًا لقتل البرواناة وكانا بقونية فكتب ضياء الدين إلى أخيه شرف الدين بن الخطير يعرفه فأخبر شرف الدين البرواناة بذلك فكتب البرواناة إلى أبغا يذكر أن نية ركن الدين قد تغيرت فيك وربما كاتب صاحب مصر ليسلم إليه البلاد فعاد الجواب إذا ثبت ذلك عند نوابي المغل فافعل ما تختار ثم إن ركن الدين بعث يستدعي البرواناة فكتب إليه خواجا على الوزير يحذره من الوصول إليه فقصد البرواناة أمراء المغل وهم نابشي ويينال وكداي وبرد وأبكان ونوغاتمر
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وغيرهم بهدية سنية ففرقها فيهم وعرفهم أن السلطان ركن الدين استدعاه ليقتله وينتمي إلى صاحب الديار المصرية ويقتلكم عن آخركم فرحلوا معه وقصدوا أقصرًا فلما وصلوها كتبوا إلى السلطان ركن الدين كتابًا يطلبون الحضور ليجتمع معهم على مصلحة أمرهم بها أبغا، فلما وقف على الكتاب خرج من قونية وأشار عليه خواصه أن لا يفعل فلم يصغ إلى رأيهم فلما بلغ البرواناة قدومه ركب ومعه المغل فلما التقوا ترجل البرواناة على عادته وقبل الأرض فقال له السلطان كيف أنت يا أبي؟ فقال يا خوند تقصد قتلي وتسأل عني فقال له حاشاك ثم نزل إلى الدار وشرب مع المغل فدك عليه البرواناة سما فأدرك ذلك فخرج وقاء ما شربه وركب فرسه وانصرف لينجو بنفسه فتبعه الصاحب فخر الدين خواجا وتاج الدين مبشر وغيرهما وأشاروا عليه بالرجوع ليقرأ عليه يغلغا فقال لهم إني أخاف من القتل فحلفوا له فرجع معهم وأنزلوه بخركاه نابشي بمفرده ولم يصحبه غير مملوك واحد وجميع من كان معه من الجند والمماليك وقوف على بعد ثم دخل عليه المغل وفاوضوه في الكلام وقالوا له لم عزمت على قتل البرواناة فقال لم يكن ذلك وإن كنت قلته ففي حال السكر فقالوا: إن أردت أن تنجو فقل لنا من كان اتفق معك على قتله؟ فذكر لهم جماعة فلما سماهم لهم قام أحد المغل ووضع في حلقه وترًا وخنقه به حتى مات، وكان حول الخركاه جماعة من المغل يصفقون ويلغطون لكي لا يسمع صوته وضربه شرف الدين بن الخطير
[ ٢ / ٤٠٥ ]
فكسر يده ثم جعلوه في محفة وكتموا موته وأذاعوا أنه ضعيف ولم يزالوا يدخلون عليه في سيره بالمأكول والمشروب إلى أن وصلوا قونية فاظهروا موته وأنه وقع من على الفرس فمات وكان عمره يومئذ ثماني وعشرين سنة وأجلسوا ولده غياث الدين كيخسرو على التخت.
؟؟