لما وصل الملك المظفر إلى القيصر وبينه وبين الصالحة مرحلة واحدة ورحل العسكر طالبًا الصالحية وضرب الدهليز السلطاني بها وكان جماعة قد اتفقوا مع الأمير ركن الدين على قتله منهم سيف الدين أنص من غلمان الرومي الصالحي وعلم الدين صنغلي وسيف الدين بلبان الهاروني وغيرهم وكان الأمير ركن الدين قد طلب من الملك المظفر لما ملك الشام أن يستنيبه بحلب فلم يجبه فأثر ذلك عنده واتفق عند القصير أن ثارت أرنب فساق الملك المظفر عليها وساق هؤلاء المتفقون على قتله معه، فلما بعدوا ولم يبق معه غيرهم تقدم إليه الأمير ركن الدين وشفع إليه في إنسان فأجابه فأهوى ليقبل يده وقبض عليها وحمل أنص عليه وقد اشغل الأمير ركن الدين يده وضربه أنص بالسيف وحمل الباقون عليه ورموه عن فرسه ورشقوه بالنشاب فقتلوه ثم حملوا على العسكر وهم
[ ٢ / ١ ]
شاهرون سيوفهم حتى وصولا إلى الدهليز السلطاني فنزلوا ودخلوا والأتابك على باب الدهليز فأخبروه بما فعلوا فقال من قتله منكم فقال الأمير ركن الدين أنا فقال يا خوند اجلس في مرتبة السلطنة فجلس واستدعيت العساكر للحلف وكان القاضي برهان الدين قد وصل إلى العسكر ملتقيًا للملك المظفر فاستدعي وحلف العسكر للملك الظاهر ركن الدين واستقرت قدمه في السلطنة وأطاعته العساكر ثم ركب وساق في جماعة من أصحابه ووصل إلى القلعة ففتحت له واستقر ملكه وأحسن إلى الأمير جمال الدين ايدغدي العزيزي وكان البلدان قد زينا لمقدم الملك المظفر فاستمرت الزينة وأحسن إلى خشداشيته البحرية وأمر أعيانهم، وكانت هذا الواقعة في ذي القعدة ولما استقر في المملكة نفى الملك المنصور نور الدين على بن المعزو أمه وأخاه نصر الدين قاآن إلى بلد الأشكرى وكانوا معتقلين بالقلعة.
وكان الملك الظاهر لما ملك لقب نفسه الملك القاهر وكان الوزير بمصر زين الدين بن الزبير وكان فاضلًا في الأدب والترسل وعلم التاريخ فأشار بتغيير هذا اللقب وقال ما لقب به أحد فأفلح لقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل أيامه وخلع وسمل ولقب به الملك القاهر
[ ٢ / ٢ ]
ابن صاحب الموصل فسم فلم تزد أيامه في المملكة على سبع سنين فأبطل الملك الظاهر اللقب الأول ولقب نفسه الملك الظاهر.
وأما حوادث الشام ففي العشر الآخر من ذي القعدة أمر الأمير علم الدين الحلبي بتجديد عمارة قلعة دمشق وزفت بالمغاني والطبول والبوقات وفرح أهل دمشق بذلك وحضر كبراء الدولة وخلع على الصناع والنقباء وعمل الناس في البناء حتى النساء وكان يوم الشروع في تجديد عمارتها يومًا مشهودًا.
وفي العشر الأول من ذي الحجة دعا الأمير علم الدين الحلبي الناس بدمشق إلى الحلف له بالسلطنة فأجابوه وحضر الجند والأكابر وحلفوا له ولقب الملك المجاهد وخطب له على المنابر وضربت السكة باسمه وكاتب الملك المنصور صاحب حماة ليحلف له فامتنع وقال أنا مع من يملك الديار المصرية كائنا من كان.