﵀
كان ملكًا جليلًا جوادًا كريمًا كثير المعروف غزير الإحسان حليمًا صفوحًا حسن الأخلاق كامل الأوصاف جميل العشرة طيب المحادثة والمفاكهة قريبًا من الرعية يؤثر العدل ويكره الظلم وزاد ملكه على ملك أبيه وجده فإنه ملك بلاد الجزيرة كحران والرها والرقة ورأس عين وما معها من البلاد وملك حمص كما ذكرنا ثم ملك الشام كما ذكرنا بعد قتل الملك المعظم فملك دمشق وبعلبك والأغوار والسواحل والمعاقل والحصون إلى غزة وصفا له الشام والبلاد الشرقية وأطاعه صاحب الموصل وصاحب ماردين وعظم شأنه جدًا، ثم دخل بعساكره إلى الديار المصرية سنة ثمان وأربعين وكسر عساكرها وخطب له بمصر وقلعة الجبل وكان يملك الإقليم ويستولي على الممالك الصلاحية كلها لولا ما قدره الله من ظهور طائفة من عسكر مصر وانهزامه إلى الشام ومقتل مدبر دولته الأمير شمس الدين لؤلؤ وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة الملك المعز عز الدين أيبك التركماني ﵀ فيما تقدم، وأقام الملك الناصر بدمشق عشر سنين حاكمًا على الشام والشرق إلى أن قدر الله تعالى ما قدر من استيلاء التتر على البلاد وذهابه إليهم ومقتله ﵀ ولم يكن لأحد من الملوك قبله مثل ما كان له من التجمل بكثرة الطعام وغيره فإنه كان يذبح فقي مطبخه كل يوم أربعمائة رأس من الغنم وأما غير ذلك من الدجاج وفراخ
[ ٢ / ١٤٠ ]
الحمام والخراف الرضع والأجدية فلا يحصى فكانت تنزل فضلات السماط ويبيعها الفراشون والطباخون وأرباب النوالات والجرايات عند باب قلعة دمشق بأبخس الأثمان فكانت تعم أهل دمشق وكان أكثر الناس بدمشق يغنيهم ما يشترونه منها عن الطبخ في بيوتهم، وقال علاء الدين علي بن نصر الله جاء السلطان الملك الناصر ﵀ إلى داري بغتة ومعه جماعة كثيرة من أصحابه فمددت له في الوقت سماطًا فيه من الأطعمة الفاخرة ومن أنواع الدجاج المحشو بالسكر والمقلوبات شيء كثير فبقي متعجبًا وقال في أي وقت تهيأ لك عمل هذا كله فقلت والله هذا كله من نعمتك ومن سماطك ما صنعت لك شيئًا منه؟ وإنما اشتريته من عند باب القلعة وحكيت له ما يباع من ذلك، ومثل هذا لم يتفق لملك قبله وكان يصل إلى الرسل والوافدين إليه والقاصدين بابه من إحسانه وعطاياه وبره ما لم يصل من أحد من الملوك إلى من يقصدهم.
وحكى لي بهاء الدين عبد الله بن محبوب ﵀ وكان متوليًا نظر الحوائج خاناة التي له بدمشق أن نفقة مطابخه وما يتعلق بها في كل يوم فوق عشرين ألف درهم، وكان الملك الناصر ﵀ حليمًا إلى الغاية عظيم العفو عن الزلات لا يرى المؤاخذة والانتقام بل سجيته الصفح والتجاوز تجاوز الله عنه وعفا عن سيآته، اعترضه شخص يومًا بورقة فأمر بأخذها منه وقرأها فوجد فيها الوقيعة فيه وذمه فقال لبعض غلمانه
[ ٢ / ١٤١ ]
قل له يخرج من دمشق إلى حيث شاء فأنا ما أوذيه ولا أقابله على فعله، وتقرب إليه جماعة من الأدباء والفضلاء فكان يحاضرهم أحسن محاضرة وكان على ذهنه شيء كثير من الأدب وأشعار العرب وغيرهم من المتأخرين، وينظم نظمًا حسنًا وله نوادر حلوة وأجوبة مسكتة ولما بنى الشيخ نجم الدين الباذراني ﵀ مدرسته بدمشق وذكر فيها الدرس بنفسه حضر الملك الناصر ﵀ والأكابر من الأمراء والفقهاء وغيرهم وجرت المناظرة بين الفقهاء، وكان ممن حضر تاج الدين الإسكندري المعروف بالشحرور وكان كثير الصياح قليل الفوائد فصاح في ذلك اليوم صياحًا كثيرًا والفقهاء معرضون عن جوابه فقال مالي نوبة وكرر ذلك مرارًا فأشار الملك الناصر بأصابعه الثلاث يعني نوبة حمى ربع وهي المعروفة عند العوام بالمثلثة، وكان ﵀ حسن المباسطة مع جلسائه وكان في خدمته جماعة كثيرة من الفضلاء والعلماء والأدباء والشعراء وغيرهم ولهم عليه الرواتب السنية وكان حسن العقيدة والظن بالصالحين يكرمهم ويبرهم ويجري عليهم الرواتب ولما توجه والدي ﵀ إلى دمشق سنة خمس وخمسين قصد زيارته إلى جبل الصالحية بزاوية الشيخ علي القرشي ﵀ ولما دخل عليه بالغ في التأدب معه وحسن الاستماع لحديثه ولم يستند إلى الحائط في جلوسه، ثم لما عزم والدي ﵀ على العود إلى بعلبك جهز له محفة وعدة بغال وجماعة من المحفدارية وغيرهم فركب بها إلى بعلبك وأجرى للناس من
[ ٢ / ١٤٢ ]
الفقراء والعلماء وأرباب البيوت من الرواتب ما يجل مقداره ويعظم مبلغه هذا أنشأه هو خارجًا عما استمر به مما أطلقه الملوك قبله وكان إذا مات من له من ذلك شيء لا يخرج به عن ولده ومن مات من أرباب المناصب وله ولد فإن كان كافيًا رتبه عوض أبيه وإن كان صغيرًا استناب عنه إلى حيث يتأهل للمباشرة، وكان الصاحب شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصاري ﵀ يتردد إلى دمشق في مهمات مخدومه الملك المنصور صاحب حماة وكان الملك الناصر يكرمه ويعظمه جدًا وكان يقيم في خدمته المدة الطويلة، وبره الكثير واصل إليه ويحضر عنده في غالب الأوقات ويحاضره ويقع بينهما في حال الغيبة مكاتبات كثيرة وللشيخ شرف الدين فيه مدائح نادرة وكان سافر في خدمته إلى مصر سنة ثمان وأربعين وكتب إليه الملك الناصر ﵀ مرة كتابًا بخط نظام الدين بن المولى وكتب الملك الناصر بخطه بين أسطر الكتاب من شعره:
إن طال ليلك يا عبد العزيز لقد أسهرت في وصفك الشبان والشيبا
وإن رميت لأجلي إن عرضك لم يعرض له دنس يومًا ولا شيبا
وصبر يوسف أدناه إلى شرف فاصبر ألست من الأنصار منسوبا
وأكرم به نسبًا عز النبي به وصار في النيرات الزهر محسوبا
وكتب بخطه إلى وزيره مؤيد الدين القفطي ﵀.
[ ٢ / ١٤٣ ]
أيا راكبًا يطوي الفلا بشملة عذافرة وجناء من نسل شدقم
إذا حلبا وافيتها حي أهلها وقل لهم مشتاقكم لم يهوم
ومن شعره ﵀:
الأهل يعيد الله وصل الحبائب فقد طال حزني من دموعي السواكب
كمجمر جرت في حلة الشوق من دمى وحرث دموعي الشهب مثل الجنائب
يروم اللواحي من سواي تصبرًا وكم خاب مني من عدو وصاحب
قضى الصبر في توديع بعض ترائبي وأودع نارًا في سويدا ترائبي
جفا النوم عيني حين فاضت مدامعي وخاف هلاكًا في خلال السحائب
وكيف أرجى النوم بعد بعادكم وفي قلبي الأشواق من كل جانب
وقيل إنه إنما قتل بالسيف كما قتل من معه رحمهم الله تعالى وخلف عدة أولاد ذكورًا وإناثًا درج أكثرهم بعده إلى رحمة الله تعالى وتزوج الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة لإحدى بناته، وقيل كان قتله في الخامس والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وستمائة وعمل عزاؤه في سادس وعشرين ربيع الأول سنة تسع وخمسين وستمائة بقلعة الجبل من الديار المصرية ﵀، ورثاه غير واحد من شعراء دولته وغيرهم فممن رثاه أمين الدين علي بن عثمان بن علي بن سليمان بن علي السليماني ﵀ وسيأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى فقال حين توجه الملك الناصر إلى التتار وانقطعت أخباره والتبس أمره:
[ ٢ / ١٤٤ ]
بكى الملأ الأعلى على الملك الأعلى وأصبحت الدنيا لفقدانه ثكلى
تولى صلاح الدين يوسف وانقضت محاسنه الحسنى وسيرته المثلى
وفارق ملك الشام والشرق عنوة فريدًا كما جردت من غمده نصلا
فأضحى أسيرًا في التتار مروعًا فبكوا عزيزًا لم يعرف الذلا
وإني لأرجو أن يكون كصارم يجرده قين ليحكمه صقلا
تناقضت الأخبار عنه لبعده فيا لحديث ما أمر وما أحلى
فيا ليت عيني عاينت كنه حاله لقد شفني حزني عليه وقد أبلى
أبكيه في الأسرى وأرجو خلاصه رجاء بعيد أو أرثيه في القتلى
ابن مخبرًا يا يوسف بن محمد أحي ترجى أنت أم ميت تسلى
ووالله يسلوك قلب ابن حرة جعلت له من طولك الفرض والنفلا
علام ثنيت العزم عما قصدته ولم لا تبوأت السماوة والرملا
وكنت كطير طالب غير وكره فحيث يحل الليل من وجهه حلا
وداومت أكل الأيم والضب برهة وثورت في البر النعامة والصعلا
إلى أن يؤوب الحظ أو ينجلي لنا دجى الخطب أو أن تأمن الخوف والخبلا
وقد كان محض الرأي قبل عواملا ملا مشرعة عرصانها تسبق النبلا
ترى لهم عند اللقاء تسرعًا إلى الطعن صعبًا عاينوا الأمرا وسهلا
[ ٢ / ١٤٥ ]
كما فعلت أبطال مصر وقيلها فيا طيب ما أبقى ويا حسن ما أبلى
غزوا في سبيل الله غزوة واحد فما قفلوا الأوقد دمروا الكلا
وجاؤا بهم قتلى وأسرى رؤوسهم على قصب المران تحسبها أثلا
وأول ما أرضي الإله ورسله وكان دليل النصر أن قتل الرسلا
فلو بادرت أقيالك الحرب مثلهم ظفرتم ولم يهتز عرش ولا ثلا
لحا الله قومًا أسلموك إلى العدى فما حفظوا عهدًا ولا راقبوا إلا
جعلت إليهم أمر ملكك برهة فما أحسنوا قولًا ولا أحسنوا فعلا
وما عذر قوم خلفوك بقفرة ومروا كما نفرت عن محرم رجلا
وحاق بهم ما أضمروه وصادفوا على أثر ذاك النهب والسبي والقتلى
لقد أفسدوا آراءهم وحلومهم وأموالهم والأرض والحرث والنسلا
وما لعبيد فارقوك جهالة لقد واصلوا من بعدك الويل والخبلا
زوى ملك مصر عنهم وجه بره فخابوا ولا علا أصابوا ولا نهلا
وكم أهيف يبدي لنا الذل قده وقد كان قبل اليوم يبدي لنا الدلا
وكم وجنة صفراء بعد احمرارها وكم مقلة قرحاء عهدي بها كحلى
وكم راكب نعليه بعد مطهم من الجرد لا يرضى الهلال له نعلا
وعلمك بالستر العلائي أنها مروعة من يوم فارقتها ثكلى
تضم علاء الدين ضم غريبة زوى الدهر عنها الملك والآل والبعلا
فهل رقة أو رحمة لغريبة غدت بعد ملك الشام كافلة طفلا
فؤادي وطرفي منزلاك على النوى فغيرك لا يحلو لدي ولا يحلى
وها أنا قد أعرضت عن كل منعم فلا أحد أدعوه بعدك للجلى
[ ٢ / ١٤٦ ]
ضممت يمينًا تعرف البذل دونه وما صنت محباقل ما عرف البذلا
قنعت فما لي حاجة غير ما دعت إليه ضروراتي ومن قنع استعلى
فما نازع النمل الرحال بقوة ذخيرته لكنهم نازعوا النملا
ولما بلغه أن التتار قتلوه ﵀ وتحقق وفاته قال يرثيه:
رمت الخطوب فاقصدتك نبالها والأرض من بعدك زلزلت زلزالها
أأبا المظفر يوسف بن محمد لا قلت بعدك للحوادث يا لها
خذلتك أسرتك الذين ذخرتهم للنائبات وقد وقفت حيالها
ماذا تقول جحافل ملمومة ملأت سهول بلادها وجبالها
رهبت وما شهدت وغي فاستسلمت من قبل أن تضع الحروب سجالها
تركوك منفردًا بقطية ذاهلا تسفى عليك العاصفات رمالها
تبكيك ولولة الحريم حواسرًا من كل معولة تضم عيالها
ومصونة في خدريها ما شاهدت قبل الرزية ما يروع بالها
برزت ولم تك برزة من قبلها كيما يشاهد ذو الحمية حالها
والقوم إرسالًا يوالي بعضهم بعضًا كسرب مهًا رات رئبا لها
حتى إذا دنت الجياد مغيرة ووقفت فردًا لا تطيق نزالها
[ ٢ / ١٤٧ ]
أقبلت وجه الأعوجى مغارة تردي الملحج راكبًا أهوالها
ونزلتم بعد الكلال بقفرة عذراء يذعر جنها وغوالها
صرت جنادبها وهجر يومها واشتف حر هجيرها أو شالها
والخيل غائرة العيون من الظمأ صبرًا يقل على الوجى أمثالها
فإذا وردت بها المياه نواضبا جثمت تشف بركتها صلصالها
وطئت سنابكها مواقد حره لولا الحميم إذًا لذاب نعالها
حتى إذا الكرك استبان منارها متأمل ورأى الغلام قلالها
وافيتها فرأيت أمر مليكها وقفًا كما سمت اليمين شمالها
في حيث يطرح المروع سيفه أمنًا وتنبذ قينة خلخالها
حتى إذا ضاقت عليك برحبها ورأيت أبعد خطة أميالها
جنح الشقي إلى مسالمة العدى ليريك عاجل صرعة ووبالها
وطعمت في عود الممالك عامدًا نحو التتار فكان ذاك زوالها
كيف الخلاص من المنية لامرئ من بعد ما نصبت عليه حبالها
عظم المصاب فلو رآها شامت لبكى لها أو حاسد لرثى لها
أأبا المظفر يوسف بن محمد جرعت نفسي صابها وحبالها
إن الملوك إذا تخاذل بعضها عن بعضها ففعالها أفعى لها
ذكرى مصيبات الملوك تعللًا إذ كان حالك في المصيبة حالها
إني لاجتنب المراثي طامعًا ببقاء نفسك بالغًا آمالها
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقال السيف الشطرنجي يرثيه:
كل حي مصيره للفناء ثم لم يبق غير رب السماء
مالك قادر رؤوف رحيم باسط الرزق كافل بالعطاء
حامل للمقل كهف لذي الفا قة أرجوه عند يوم اللقاء
هو ربي وراحمي ومجيري ومعيني في بكرتي وعشائي
فالسعيد الذي يؤمل نعما هـ بحسن اليقين في الابتغاء
فانتهز فرصة التقى غير وانٍ لتكن في غدٍ من الأتقياء
ما الغنى السعيد والبائس المس كين حاليهما إذًا بسواء
من له الله فهو عبد منيب ومن احتال فهو في الأشقياء
إنما هذه الحياة غرور ومتاع الدنيا لنا كالهواء
بينما المرء راتع في رياض من شباب جار على الاستواء
غافل في نهاره وليال يه مجد في أخذه والعطاء
إذ أتاه داع من الموت يدعو هـ إلى حفرة من الغبراء
منها:
أين من كان للأنام جمال ومعينًا على بلوغ الرجاء
أين من كان جوده يخجل السحب وأين المرجو بالشهباء
أين كانت الملوك لديه تتوارى من خيفة وحياء
سلبته أيدي المنون فأمسى ثاويًا لا يعد في الأحياء
لم ترد الجيوش عنه قضاء لا وما قد أعد للأنكاء
[ ٢ / ١٤٩ ]
هتكت بعده وجوه نساء كن من قبل في حمى وخباء
واستبيحت دماؤهم في ديار جمعتهم في ساعة السراء
فلهم أسوة بآل رسول ال له في حال شدة ورخاء
كان والله مالكًا طاب أصلًا وهو فرع متوج بالبهاء
ناصر الحق مالك الأرض طرًا جامع الفضل أوحد في الذكاء
هو مولى أدعوه بالملك النا صر ملك سما على الجوزاء
ما رأى الناس مثله في زمان نحن فيه فكيف لي بالبقاء
كان والله للمقلين كنزًا وجوادًا يغني عن الأغنياء
ورؤوفًا بكل قاص ودان في دنو خال من الكبرياء
فعليه من الإله تعالى رحمة أنزلت على الأولياء
وله الحور في جنان أعدت لأولي العزم شاكر للعطاء
قد سقى يوسف الناس كأس صبر مرة لا تقر في الأحشاء
بفراق وبعد عهد وهجر وشتات خلا من الالتقاء
فهم في محل يعقوب في الحز ن وأجراء جمعهم بالبكاء
فسقى الله تربة هو فيها مزنة في صباحه والمساء
كي ترى تربها عبيرًا سحيقًا طبن نشرًا عن روضة غناء
لست أرجو من بعده اليوم خلقًا خاب سعي إذًا وقل رجائي
كدت من حرقة الفؤاد عليه أجري دمعًا من مقلتي كالدماء
فسقى عهده عهاد سحاب من رضا الحق لا من الأنداء
[ ٢ / ١٥٠ ]