لما رجعوا مع الملك المغيث مفلولين سير إليهم الملك الناصر جيشًا مقدمه الأمير محي الدين إبراهيم - بن أبي بكر - زكرى والأمير
[ ١ / ٩١ ]
نور الدين عسلي بن الشجاع الأكتع والتقوا بغزة فكسرتهم البحرية وقبضوا على فخر الدين ونور الدين وحملوهما إلى الكرك فلم يزالا بها معتقلين إلى أن أخرجهما الملك المغيث فسيرهما إلى الملك الناصر لما اصطلحا كما سنذكره إن شاء الله تعالى فقوى عند هذه الكسرة أمر البحرية وامتدوا في البلاد فعند ذلك برز الملك الناصر للقائهم وضرب دهليزه قبلي دمشق وقربت البحرية من دمشق وجاء الأمير ركن الدين البندقداري مقدمهم في بعض الأيام وقطع أطناب خيمة الملك الناصر المضروبة وكثر الأرجاف بهم في دمشق.
وفيها توفي إبراهيم بن يحيى بن أبي المجد أبو إسحاق الأسيوطي الفقيه الشافعي مولده سنة سبع وخمسون تقريبًا وتولى الحكم ببعض البلاد من الأعمال المصرية ودرس بالجامع الظافري بالقاهرة مدةً وأفتى وكان مشهورًا بمعرفة المذهب وحسن الفتوى وسعة الفضل كثير الإيثار مع الإقتار، والأفضال مع الإقلال، كريم الأخلاق لطيف الشمائل وله شعر فائق في توفي سابع ذي القعدة بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم ﵀.
أحمد بن أسعد بن حلوان أبو العباس نجم الدين الطبيب المشهور الحاذق المعروف بابن العالمة ولد بدمشق سنة أربع وتسعين وخمسمائة وقرأ الطب على الحكيم صدقة السامري وبرع فيه وصنف مصنفات كثيرة وخدم الملك المسعود صاحب آمد وتقدم عنده فلما فتح الملك
[ ١ / ٩٢ ]
الكامل أمد استخدامه مدة ثم خدم صاحب صهيون وغزة وانتقل إلى بعلبك وأقام بها مدة وله ترسل حسن، وتوفى بدمشق في هذه السنة أعني سنة ست وخمسين رحمه الله تعالى، وقد ذكره الحكيم موفق الدين أحمد بن أبي القاسم بن خليفة الخزرجي في طبقات الأطباء فقال هو الحكيم الأجل العالم الفاضل نجم الدين أبو العباس أحمد بن أبي الفضل أسعد بن حلوان ويعرف بابن العالمة لأن أمه كانت عالمة دمشق وتعرف ببنت دهين اللوز ومولده بدمشق في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة كان أسمر اللون نحيف البدن حاد الذهن مفرط الذكاء فصيح اللسان كثير البراعة لا يجاريه أحد في البحث ولا يلحقه في الجدل واشتغل على شيخنا الحكيم مهذب الدين عبد الرحمن بصناعة الطب حتى أتقنها وكان متميزًا في العلوم الحكمية قويًا في علم المنطق مليح التصنيف جيد التأليف فاضلًا في العلوم الأدبية ويترسل ويشعر وله معرفة بالضرب بالعود حسن الحظ وخدم بصناعة الطب الملك المسعود صاحب أمد وحظي عنده واستوزره ثم بعد ذلك نقم عليه وأخذ جميع موجوده وأتى إلى دمشق واشتغل عليه جماعة بصناعة الطب وكان متميزًا في الدولة وكتب إليه الصاحب كمال الدين يحيى بن مطروح في جواب كان منه يقول.
لله در أنامل شرفت وسمت فأهدت أنجمًا زهرا
وكتابة لو أنها نزلت على الملكين ما ادعيا إذًا سحرا
[ ١ / ٩٣ ]
لم أقرأ سطرًا من بلاغتها إلا رأيت الآية الكبرى
فأعجب لنجم في فضائله أنسى الأنام الشمس والبدرا
وكان نجم الدين لحدة مزاجه قليل الاحتمال والمداراة وكان جماعة يحسدونه لفضله ويقصدونه بالأذية وأنشدني يومًا متمثلًا
وكنت سمعت أن الجن عند اس تراق السمع ترجم بالنجوم
فلما أن علوت وصرت نجما رميت بكل شيطان رجيم
وفي آخر عمره خدم الملك الأشرف ابن الملك المنصور صاحب حمص بتل باشر وأقام عنده مديدة يسيرة وتوفي رحمه الله تعالى في ثالث عشر القعدة سنة اثنين وخمسين وستمائة، أنشدني عز الدين أبو بكر المقدمي له يمدح الملك الأشرف وأظنه ابن صاحب حمص.
يا ريم حتى كم اكتم دائي أنت الحبيب وفي يديك دوائي
هذاهواك أذاب جسمي كم لنا أخفيه حتى فت في أحشائي
قلبكم أكني عن هواك بغيره حتى لقد أغربت في السماء
طورًا بسعدي أو بعلوة تارة وبنعم والسر في عفراء
وكذا بنجد والعقيق وشعبه والمنحنى والقصر من تيماء
لا أستطيع وصاله في بعده والوصل غاية راحتي وشفائي
ومع الدنو أكون من إجلاله مخف هواه فهو دان نائي
متقسم بين الهوى ويد النوى قلبي فما يخلو من البرحاء
يا أيها المملك الذي إن قسته بالبحر فاق البحر بالإنداء
إني أعيذك أن تغير عادة عودتها بمقالة الأعداء
[ ١ / ٩٤ ]
٤٥ب - يا ابن الملوك الصيد من قد أورثواشرفا على الأباء بالأبناء
اشبهت يا موسى لموسى في الذي أوتيته كتشابه الأسماء
فله اليد البيضاء كانت آية ولكم لجودك من يد بيضاء
وحكى لي أخوه لأمه القاضي شهاب الدين محمد بن العالمة توفي مسمومًا ولنجم الدين من الكتب كتاب التدقيق في الجمع والتفريق وذكر فيه الأمراض وما يتشابه في اكثر الأمر وكتاب هتك الأستار عن تمويه الدخوار وتعليق ما حصل له من تجارب وغيرها وشرح أحاديث نبوية تتعلق بالطب وكتاب المهملات في كتاب الكليات وكتاب المدخل إلى الطب وكتاب العلل والأعراض وكتاب الإشارات المرشدة في الأدوية المفردة وذكر قبله والده موفق الدين النفاح هو الحكيم العالم الأوحد أبو الفضل أسعد بن حلوان أصله من المعرة واشتغل بصناعة الطب وتميز فيها وتميز في أعمالها وخدم الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب في الشرق وبقي في خدمته سنين وانفصل أمره وكانت وفاته في حماة سنة اثنين وأربعين وستمائة.
أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي العدل المعروف بابن المزين ومولده بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة سمع من خلق كثير وقدم الديار المصرية وسكن الإسكندرية وحدث بها واختصر صحيحي البخاري ومسلم اختصارًا حسنًا وشرح مختصره لصحيح مسلم بكتاب سماه المفهم وصنف غير ذلك
[ ١ / ٩٥ ]
وتوفي بالإسكندرية في الرابع عشر من ذي القعدة ﵀.
أحمد بن محمد بن أبي الوفا بن أبي الخطاب بن محمد بن الهزبر آبي الفضل شرف الدين الربعي الموصلي المعروف بابن الحلاوي الشاعر المشهور كان من احسن الناس صورة وألطفهم أخلاقًا وأكرمهم عشرةً مع الفضيلة التامة في الأدب والمشاركة مع غيره وامتدح الخلفاء والملوك والأعيان وأقام بالموصل عند صاحبها الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ ولبس زي الجند وشعره في نهاية الجزالة والرقة وجودة المعاني فمنه ما نظمه ليكتب على مشط للملك العزيز صاحب حلب رحمه الله تعالى وهو
حللت من الملك العزيز براحة غدا لثمها عندي أجل الفرائض
وأصبحت مفتر الثنايا لأنني حللت بكف بحرها غير غائض
وقبلت سامي خده بعد كفه فلم أدخل في الحالين من لثم عارض
وقال يمدح الملك الناصر داود رحمه الله تعالى.
أحيا بموعده قتيل وعيده رشأ يشوب وصاله بصدوده
تقمر يفوق على الغزالة وجهه وعلى الغزال بمقلتيه وجيده
يا ليته يعد الملال فإنه ما زال ذا لهج بخلف وعوده
٤٦ب - يفتر عن عذاب الرضاب حياتنافي ورده والموت دون وروده
واعف عني عفو مقتدر أنا عبد مذنب وكفى
برد يذيب ولا يذوب وربما أذكى زفير الوجد رشف بروده
[ ١ / ٩٦ ]
لم أنسه إذ جاء يسحب برده والليل يخطر في فضول بروده
والصبح مأسور أحد لأسره جنح الظلام تأسفًا لفقيده
والليل يرفل في ثياب حداده والصبح يرسف في وثاق حديده
ولذاك لم تنم النجوم مخافة من أن يعاني الصبح فيك قيوده
بمدامة صفراء يحمل شمسها بدر يغير البدر عند سعوده
كأس كأن مدامها من ريقه وحبا بها من ثغره وعقوده
مازال يرشفنا شقيقة ريقه طيبًا ويلثمنا شقيق خدوده
حتى تحكم في النجوم نعاسها والتذ كل مسهد بهجوده
ورأى الصباح تخلًا من أسره فأتى يكر على الدجى بعموده
قمر أطاع حسن سنة وجهه حتى كان الحسن بعض عبيده
أنا في الغرام شهيده ما ضره لو أن الجنة وصله لشهيده
يا يوسف الحسن الذي أنا في الهوى يعقوبه منى آل داوده
أشكو إليك من الزمان فإنه ملك يشيب سطاه رأس وليده
ملك إذا اللاواء لاح لواؤها هزمت كتائبها طلائع وجوده
غمرت مواهبه العفاة فأصبحت ترجو المواهب من وفود وفوده
آراؤه تغنيه في يوم الوغى والسلم عن راياته وبنوده
ملك يسير النصر تحت لوائه حتى كأن النصر بعض جنوده
[ ١ / ٩٧ ]
وإذا العدو يحت لدن رماحه فبكت ثعالبها بقلب أسوده
من كل أسمر في الملاحم طالما عاد الردى مهج الكماة بعوده
غصبت عواملها ظلام نجومه والبان قد سلبته لين قدوده
سمر إذ الجبار سام دفاعها وردت أسنتها نجيع وريده
عذباتها صفر كوجه عدوه بالنصر تخفق مثل قلب حسوده
ملك الآن لنا الزمان وإنما داود معجزه بلين حديده
وقال:
حكاه من الغصن الرطيب وريقه وما الخمر إلا وجنتا وريقه
هلال ولكن أفق قلبي محله غزال ولكن سفح عيني عقيقه
وأسمر يحكي الأسمر اللون قده غدا راشقًا قلب المحب رشيقه
على خده جمر من الحسن مضرم يشب ولكن في فؤادي حريقه
أقر له من كل حسن جليله ووافقه من كل معنى دقيقه
بديع التثني راح قلبي أسيره على أن دمعي في الغرام طليقه
على سالفيه للعذار جريره وفي شفتيه للسلاف عتيقه
يهدد منه الطرف من ليس خصمه ويسكر منه الريق من لا يذوقه
على مثله يستحسن الصب هتكه وفي حبه يجفو الصديق صديقه
[ ١ / ٩٨ ]
ولا حل في حي تلوح قبابه ولا سار في ركب يساق وسيقه
ولا بات صبا بالفريق وأهله ولكن إلى خاقان يعزى فريقه
له مبسم ينسى المدام بريقه ويخجل نوار الأقاحي بريقه
٤٧ب - تداويت من حر الغرام ببردهفأضرم في ذاك الحريق رحيقه
إذا خفق البرق اليماني موهنًا تذكرته فاعتاد قلبي خفوقه
حكى وجهه بدر السماء فلو بدا مع البدر قال الناس هذا شقيقه
وأشبه زهر الروض حسنًا وقد بدا على عارضيه آسه وشقيقه
رآني خيالًا حين وافى خياله فاطرق من فرط الحياء طروقه
وأشبهت منه الخصر سقمًا فقد غدا يحملني كالخصر ما لا أطيقه
فما بال قلبي كل حب يهيجه وحتام طرفي كل حسن يروقه
فهذا ليوم البين لم تطف ناره وهذا لبعد الدار ماجف موقه
ولله قلبي ما أشد عفافه إن كان قلبي مستمرًا فسوقه
أرى الناس أضحوا جاهلية ودّه فما باله عن كل صبّ يعوقه
فما فاز إلا من يبيت صبوحه شراب ثناياه ومنها غبوقه
وكتب إليه لغزًا في شبابة:
وناطقة خرساء باد شحوبها تكنفها عشر وعنهن تخبر
[ ١ / ٩٩ ]
يلذ إلى الأسماع رجع حديثها إذا سد منها منخر جاش منخر
فكتب جوابه.
نهاني النهى والحلم عن وصل مثلها فكم مثلها فارقتها وهي تصفر
وقال:
كن كيف شئت فإن الله ذو كرم وما عليك بما تأتيه من بأس
إلا اثنتين فلا تقربهما أبدًا الكفر بالله والأضرار بالناس
وقال يمدح الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي
تبدي له في الخد من نبط خط واخجل منه القد ما ينبت الخط
ولم ندر لما هز عامل قده وصارم جفنيه بأيهما يسطو
هو البدر وافى في الدجى ليل شعره يرينا الثريا منه ما حمل القرط
رحيقيّ ثغر بابلي لواحظ له سالف كالورد بالمسك مختط
من الترك لا وادي إلا ذاك محله ولا داره رمل المصلى ولا السقط
رشيق إلى خاقان يعزى نجاره فما مضر الحمراء يومًا له رهط
كليث الشرى في الحرب بساوسطوة وفي السلم كالظبي الغرير إذا يعطو
تحف به لين المعاطف مائسًا فيمنعه ثقل الروادف أن يخطو
حمى ثغره من مشرف القد عامل له ناظر ما العدل في شرعه شرط
له حاجب كالنون خط ابن مقلة يزينها كالخال في خده نقط
فللبدر ما يثنى عليه لثامه وللغصن منه ما حوى ذاك المرط
[ ١ / ١٠٠ ]
يقولون يحكي البدر في الحسن وجهه وبدر الدجى عن ذلك الحسن منحط
كما شبهوا غصن النقا بقوامه لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطوا
وليل كجلباب الغراب أدرعته إلى أن بدا للصبح في فوده وخط
على محلم الأرساغ مستخضد القرى غدا لشواه في ظلام الدجى خبط
كمثل عقاب الجو لما تسرعت إلى الصيد من أعلى التباريح تنحط
٤٨ب - سريت به والليل في عنفوانهفما صدني إلا ذوائبه الشمط
لكل رزين في الأمور مجرب خفيف على ظهر المطية إذ ينطو
أقول لصحب مدلجين تدرعوا جلابيب ليل عن سنا الفجر ينعطو
إذا جئتم أرض العواصم أو بدت لكم غرة الشهباء من حلب حطوا
ففي ساحة الملك العزيز فعرسّوا فما نافع في غير أبوابه الحط
مليك ينيل الدر بالجود باسمًا فمن يديه سمط ومن لفظه شمط
فراحته قبض على السيف في الوغى ولكن لها في يوم نائله بسط
مليك سما عن كل شكل وأغربت مواهبه عن نائل ماله ضبط
إذا أنشد الحرمان أموال غيره لمن خيره يسمو النوال فلم ينطوا
فأمواله ما زال ينشدها الندى لأية حال حكموا فيك فاشتطوا
وقال:
وافي يخر قوامه غصن النقا خذلان مخذول القوام مقرطقا
ومنعم لولا مرارة هجره وصدوده لم أدر ما نظم الشقا
دقت معانيه ولكن خصره قد زاد في معنى النحول ودققا
بمراشف منها الأماني تشتهى ولواحظ منها المنايا تتقى
[ ١ / ١٠١ ]
رشأ لبارق ثغره ولشعره الملوى أحببت اللوى والأبرقا
لا غرو أن تصبى منازل رامة قلبي فاطرب نحوهن تشوقا
وشفاه مبسمه العقيق وريقه ماء العذيب وثغره جذع النقا
وله في مديح قصر شعره:
قصرت شعرك كي تقل ملاحة فكساك أبهى الحسن وهو مقصر
وقطعته ليقل عنا شره واللائم أقتله القصير الأبتر
وقال:
واضيعة القلب في هوى صنم جار على القلب وهو كافره
له عذار أقام في الخد حول ين وما حال منه ناضره
والإنماء والعيون مصرفها إليه والدمع فيه ماطره
وكيف يزكو نبات عارضه وفاتر بالسواد ناظره
وكتب إلى قاضي القضاة محيي الدين أبو الفضل يحيى بن الزكي يصف خطه ويقول:
كتبت فلولا أن ذاك محرم وهذا حلال قست خطك بالسحر
فوالله ما أدري أزهر خميلة بطرسك أم درّ يلوح على نحر
فإن كان زهرًا فهو صنع سحابة وإن كان درًا فهو من لجة البحر
وقال:
أألقى من صدودك في جحيم وثغرك الصراط المستقيم
[ ١ / ١٠٢ ]
وأسهرني لديك رقيم خد فواعجبًا أأسهر بالرقيم
وحتام البكاء بكل رسم كأن علي رسمًا للرسوم
وقال في غلام اسمه حسن:
لحاظ عينيك فاتنات جفونها الوطف فاترات
فرق بيني وبين صبري منك ثنايا مفرقات
٤٩ب - يا حسن صده قبيحفجمع شملي به شتات
قد كنت لي واصلًا ولكن عداك عن وصلك العداة
لم يكن منك لي وفاء دنت لهجرانك الوفاة
حيات صدغيك قاتلات فما لملسوعها حياة
والثغر كالثغر في امتناع يحميه من لحظك الرماة
يا بدر تم له عذار بحسنه تمت الصفات
منمنم الوشى في هواه يا طالما نمت الوشاة
نبات حل حلاك حسنًا والحلو في السكر النبات
وقال:
جاء غلامي فشكا أمر كميتي وبكا
وقال لي لاش ك برذونك قد تشبكا
قد سقته اليوم فما مشى ولا تحركا
فقلت من غيضي له مجاوبًا لما حكى
[ ١ / ١٠٣ ]
تريد أن تخدعني وأنت أصل المشتكى
ابن الحلاوي أنا خل الرياء والبكى
ولا تخادعني ودع حديثك المعلكا
لو أنه مسير لما غدا مشبكا
فمذ رأى حلاوة الألفاظ مني ضحكا
اجتمع بالموصل جماعة من الأدباء منهم ابن الحلاوي - عند - شخص لقبه الشمس فقالوا له أطعمنا شيئًا فقال ما عندي شيء أطعمكم فقال أحدهم الطامع في منال قرص الشمس وارتج عليه ابن الحلاوي كالطامع في مثال قرص الشمس.
ولما توجه الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إلى بلاد العجم للاجتماع بهولاكو ملك التتر كان ابن الحلاوي المذكور في خدمته ولما وصلوا تبريز مرض بها وتوفي في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى وقد ناهز الستين سنة من العمر وقيل أنه توفي بسلماس رحمه الله تعالى.
أحمد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد أبو المعالي موفق الدين ويدعى القاسم أيضًا ومولده في ربيع الأول وقيل في جمادى الأخرى سنة تسعين وخمسمائة بالمداين وتوفي ببغداد هذه السنة بعد أن أخذ التتر لها بقليل وكان أديبا فقيهًا فاضلًاَ شاعرًا محسنًا مترسلًا مشاركًا
[ ١ / ١٠٤ ]
في أكثر العلوم وله أشعار كثيرة منها:
أسعد بدير سعيد أيها الساقي وامزج وخذ وأعطني من غير إشفاق
من خندريس كأني حين أشربها ملسوع هم تحسى كأسد درياق
نار ولكنها للماء عاشقةتزداد من وصله ضوءًا بإشراق ٥٠ب
شجت فألبست الساقي بصبغتها ثوبًا وألبسنيه ذلك الساقي
تجري الكؤوس فلا تجري محادثة مع الذي زاد في همي وأشواقي
لم أقض في عمري الماضي هوى حلب يا ليت شعري فهل أقضيه في الباقي
وذي قوام تثنى في غلائله مثل القضيب تثنى بين أوراق
نظمت من غزل في حسن صورته عقدًا تقوم به الدنيا على ساق
يا عقرب الصدغ في الخد الأسيل أما لمن لبست شفاء منك أوراقي
وقال وهو بدير ميخائيل بالموصل:
كل الورى فيك حسادي وعذالي يا فاقد المثل ما العشاق أمثالي
بكائي وقف عليكم بعد فرقتكم لا للوقوف على ربع وأطلال
رضا العواذل سخطي في هواك وفي وفاقهم خلف أغراضي وآمالي
يا ساكني دير ميخائيل لي قمر لكنه بشر في شكل تمثال
قريب دار بعيد في مطالبه غريب حسن وألحان وأقوال
[ ١ / ١٠٥ ]
سكرت من صوته لما أشار به ما لست أسكر من صهباء جريال
ما رمت أمسك نفسي عند رؤيته إلا تغيرت من حال إلى حال
يا ليلتي بفناء الدير لست كمن يقول يا ليلتي بالشيح والضال
قد صرت أنشد بيتًا صار لي مثلًا لولا وصالك لم يخطر على بالي
لو اشتريت بعمري ساعة سلفت من عيشتي معكم ما كان بالغال
وقال أيضًا:
مرحبًا بالخيال إذ زار وهنًا وشفى لوعة المحب المعنى
وقضى حاجة تسر وسرى همم القلب عن لبانا ولبنى
كلما قلت قد تسليت عنه عادني طيفه وعن فعسى
شادن لو بدا يفاخر بدرًا خجل البدر بالملاحة حسنًا
وإذا ما انثنى رأيت كثيبًا بند القبا يحمل غصنًا
ترك الرمح والحسام وأبدى سيف لحظ وهز بالقد لدنا
ليلة الدير حيث نسمع لحنًا حسن النظم ما يقارب لحنا
سعدت ليلة رأيت بها الشم س وجنح الظلام ينجاب عنا
بين صرعى محاجر وعيون بات بحيهم إذا ما تغنا
أيها الشمس من يقل فيك معنى لم يصب فيك أنت كلك معنى
قد نمت جوارح الناس طرًا أنها صيرت لأجلك أدنا
وله أيضًا:
لحظات طرفك أم شفار مهند هزمت جيوش تصبري وتجلدي
[ ١ / ١٠٦ ]
ما رنقت عيناك من سنة الكرى إلا لشقوة عاشق لم يرقد
عجبًا لطرفي لا يزال يعوم في ماء الملاحة وهو كالعطش الصدي
ولنور وجهك وهو قد هتك الدجى بضيائه إذ ضل فيه المهتدي
يا قاسم العشاق من متقلقل سكن الفناء وساكن مستسعد
١٥ب - ته كيف شئت فحسن وجهك قد غدامتوددًا فينا بغير تودد
وكأن خط عذاره في خده سيح أذيب على صفيحة عسجد
قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي رحمه الله تعالى أنشدني موفق الدين المذكور له:
قمر عدمت عواذلي في عشقه بل ما عدمت تزاحم العشاق
يبدو فتسبقه العيون وإنها مأمورة بالغض والإطراق
عيناي قد شهدا بعشقك إنما لك أن تقول هما من الفساق
قال وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى صديق له استعمل خاتمًا
يمينك تبغض أموالها وتهوى شبا القلب الذابل
فكيف استقر بها خاتم على كثرة الجود والنائل
لقد كاد يغرق في بحرها ولكنه كان في الساحل
أراني جبلت على حبكم وتأبى الطباع على الناقل
وقلت لمن كان لي عاذلًا الأم الطماعة للعاذل
[ ١ / ١٠٧ ]
وقال موفق الدين:
لو يعلمون كما علمت لما لحوا في حبه ولأقصروا إقصارا
هلا أحدثكم بسر لطيفة دقت إلى أن فاتت الأبصار
حاذت صقال خدوده أصداغه فتمثلت الناظرين عذارا
وله أيضًا:
بيت من الشعر في تشبيه وجنته لما أحاط به شطر من الشعر
كالظل في النور أو كالشمس عارضها خط من الغيم أو كالمحو في القمر
وقال الصاحب جمال الدين عمر بن العديم في تاريخه أنشدني موفق الدين لنفسه
على ليال حلب بعدنا مني سلام رائح باكر
وكيف أنسى حاضرًا زارني فيها وقد طاب لنا الخاطر
قال وأنشدني لنفسه:
تقاسمت بي أقطار البلاد فقد أصبحت مجتمعًا في زي منشعب
في القدس عزمي وجسمي في دمشق بلا قلب وقلبي مع الأحباب في حلب
وقال يمدح تاج الدين محمد بن حسين الأرموي:
أردد لثامك حتى يستر اللعس وقف ليبعد عن أعطافك الميس
أني أغار على حسن حبيت به أصابه العين إن العين تختلس
[ ١ / ١٠٨ ]
يا غاصب الخشف أوصافًا مكملة لم يبق للخشف إلا السوق والخنس
وفاضح البدر إن البدر مقتبس في الدهن من خديك يقتبس
معدل الخلق لا طول ولا قصر مكمل الخلق لا هين ولا شرس
يصحني حبه طورًا ويمرضني فكم أبل من الهوى وأنتكس
حموه عن كل ما يشفي العليل به حتى على طيفه من شكله حرس
قد كنت أبصر صبحًا في محبته فعاد وهو بعينين كله غلس
٥٢ - مالي وللحب يلهو القلب عن مدحأوصافها فصح أضدادها خرس
كيف الذهول وتاج الدين خير فتى خير المديح بخير الناس يلتمس
حبر تفيض به نفس بهمتها لم يبق للشر لا روح ولا نفس
نور تلقته نفس منك طاهرة لولاه لم يبد فينا ذلك القبس
شاركت في الروح عيسى ما استبد بها كلاكما في البرايا روحه قدس
حكمت في العالم العلوي عن نظر صاف من الشك ما فكره دنس
ولو رأى منك جالينوس معجزةً ما قال في الكل إن الأمر ملتبس
وكاد يؤمن بقراط الحكيم بما يلقى إليه ولا يرتاب برقلس
وحومة مزجت شكا جوانبها فما درى الحبر فيها كيف ينغمس
أعيي الخواطر فيها حادث جلل وأستعبد النطق في أرجائها الخرس
حتى إذا جاء تاج الدين فرجها يغضى البيادق مهما عدت الفرس
وله في رجل جعل عارض الجيش بغداد وخرج من دار الوزير وعليه خلعة جديدة فعانقه موفق الدين وقبله وأنشده:
[ ١ / ١٠٩ ]
لما بدا رائق التثني وهو بأثوابه يميد
قبلته باعتبار معنى لأنه عارض جديد
وقال:
يا هاجري لما رأى شغفي به ما كان حق متيم أن يهجرا
إن الذي خلق الغرام هو الذي خلق السلو فلا يغرك ما ترى
وقال:
أفدي الذي زارني والخوف يقلقه يمشي ويكمن في العطفات والطرق
قبلت أطراف كفيه على ثقة من منّه وخديه على فرق
وكان في أخريات السمر مضطربًا إذا أراد انتظام اللفظ لم يطق
لله ما أحسن الصهباء منعمةً علي إذا علمته طيبة الخلق
أهدت إليه سرورًا نلت معظمه كالفعل ينصب مفعولين في نسق
وقال:
لو عاد وصلك لي لما عد الزمن واحسرتا مضت الشبيبة والسكن
لم ألق إلا من يذم زمانه قبل الممات فهذه الدنيا لمن
وقال:
معقل الحسن في محياك لا يطم ع فيه والثغر ثغر محصن
قد حماه عن الوصول إليه حاجب مقفل وصدغ مزرفن
وقال:
اللؤم فيك لجاجة من عاشق وافى يخادعني بلفظ العاذل
[ ١ / ١١٠ ]
٥٣ - ب ما كنت مجهولا لديه فلم أقلأمط اللثام عن العذار السائل
تولى موفق الدين المذكور قضاء المداين في أيام الإمام الظاهر بأمر الله ﵀ ثم أنتقل إلى بغداد وصنف كتابًا سماه الحاكم في اصطلاح الخراسانيين والعراقيين في معرفة الجدل والمناظرة وتولي كتابة الإنشاء وغير ذلك ﵀.
أسعد بن إبراهيم بن حسن بن علي أبو المجد مجد الدين الشيباني الأربلي النشابي ولد بأربل في صفر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة كان في أول أمره يعمل النشاب فنسب إليه وبقيت النسبة عليه ولما كبر سافر من أربل وتنقل في بلاد الجزيرة الفراتية والشامية ثم عاد إلى أربل وتولى كتابة الإنشاء لملكها الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكنوري ابن الأمير زين الدين علي بن بكتكين والظاهر أن ذلك كان في حدود سنة ثمان وعشرين وستمائة ولما توجه مظفر الدين إلى بغداد في سنة ثمان وعشرين وستمائة كان في خدمته ودخل مظفر الدين على الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور ابن الإمام الظاهر بأمر الله وهو بين يديه في نفر يسير من خاصته في يوم دخولهم بغداد ولما رفع الحجاب وقبلوا الأرض بين يديه تقدم المجد وقال:
جلالة هيبة هذا المقام تحير عالم علم الكلام
كأن المناجي به قائمًا يناجي النبي ﵇
ولو كشف الخطا لرأينا الملائكة بك حافة ووجدنا الروح الأمين يجدد تلاوة الوحي المنزل على أبن عم النبي المرسل ويقول هذا أكرم
[ ١ / ١١١ ]
الخلفاء وصلاة الله وسلامه يخصان الأكرم الأفضل.
ولو جمع الأئمة في مكان وأنت به لكنت لهم إمامًا
فالله تعالى يؤيد هذه الدولة الشريفة بنصره ويرد كيد عدوها في نحره، ولما تولى وزارة أربل شرف الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن حرب عرف بابن الموالي الموصلي وغالب الظن أن ذلك كان في سنة ثلاث وعشرين وستمائة أو ما يقاربها عمل فيها المجد المذكور وكان إذا حضر إلى الديوان يصبح الجاويش له
فرحنا وقلنا تولى الوزير وأفلح ديواننا بالوزارة
فما زادنا غير جاويشه وفي كتابنا كتب بالإشارة
وكان قد وقع اختلاف بين الأخوين البدر الكامل محمد والملك الأشرف موسى بن الملك العادل والكامل يومئذ صاحب مصر والأشرف صاحب بلاد الشرق وخلاط فمال ملوك الشام والشرق إلى الكامل وتحاملوا على الأشرف فقال المجد المذكور في ذلك:
صاحب مصر ثنى الملوك عن الأش رف من كل مسعد عون
واحتج كل به فقلت وهل يؤ خذ موسى بذنب فرعون
وعمل المجد المذكور في شرف الدين أبي البركات المبارك بن أحمد بن موهوب وزير اربل وصاحب تاريخها المكين ويعرف في اربل بابن المستوفي قال:
إن المبارك فيه توقف ولجاجه صديقه أنت ما لم تعرض إليه بحاجة
وأهدى المجد المذكور إلى شرف الدين المذكور في بعض الليالي
[ ١ / ١١٢ ]
طبقًا فيه تفاح مخضب وسفرجل على يد غلام وكان جميل الصورة فوصل إليه وعنده جماعة منهم الحسام عيسى بن سنجر الدين بهرام الحاجري فعمل كل واحد من الحاضرين في ذلك شعرًا فعمل الحاجري:
أهدى لنا المجد تفاحًا وأحمره من خد من حمل التفاح مسترق
وللسفرجل من أعلاه رائحةً يضوع منها لمهديه ثنى وعبق
فظلت أعجب من حالين كيف حوى وصف الغلام ووصف السيد الطبق
ولم يزل المجد على رياسته وكتابته إلى أن نقم عليه مخدومه مظفر الدين فأخذه واعتقله في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة في قلعة يقال لها الكرخيني من أعمال أربل بينها وبين بغداد ولم يزل محبوسًا بها إلى أن مات مظفر الدين ﵀ في شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة وأرسل الخليفة عسكره فأخذوا أربل وأفرجوا عن المحابيس فكان المجد في جملة من خلص وذلك في شوال من السنة فخرج وتوجه إلى بغداد وتنقل في خدمها إلى أن استولى التتار عليها في صفر هذه السنة وقتلوا من ظفروا به وكان المجد في جملة من استخفى فسلم وخرج بعد سكون الفتنة ومات في بقية سنة سبع وخمسين وستمائة ﵀.
ومن شعره:
ولما رأى بالترك هتكى ورام أن يكتم منه بهجة لم تكتم
تشبه بالأعراب عند التثامه بعارضه يا طيب لثم الملثم
شكا خصره من ردفه فتراضيا بفصلهما بند القباء المكتم
[ ١ / ١١٣ ]
ورد جيوش العاشقين لأنه أتاهم بخط العارض المتحكم
وقال:
تقلد أمر الحسن فاستبعد الورى وراحت له الأفكار تنظم ديوانا
وعامله ولي على القلب ناظرًا فأصبح لما حل بالقلب سلطانا
غدا باحمرار الخد للحسن مالكًا ومن فيه أبدى للتبسم رضوانا
فأبدى لنا من ثغره ورضا به وعارضه راحًا وروحًا وريحانا
٥٥ - برأى خده ميدان حسن وخاله به كرة فأستعطف الصدغ جوكانا
أجل نظرا في خده يا معنفي تجد فيه من إنسان عينك إنسانًا
وقل لأسيلات الخدود أتيتنا تخاد عننا في الحب كان الذي كانا
وقال:
والأفق روض زهره يفتح لي كمامه
قبضت به كف الثريا فالهلال لها قلامه
والقلب من طعن الشمال برمحه فيه علامه
وأغن يشهد أن ريق ته الطلى عود البشامه
يصمى القلوب إذا رمى باللحظ يا رب السلامه
وقال من أبيات:
والبرق يخفق في خلال سحابه خفق الفؤاد لموعد من زائر
وقال من أبيات أيضًا:
كأن ائتلاف البرق من جنباتها سلاسل تبر أو سيوف قواضب
وكان مجد الدين المذكور من الفضلاء الرؤساء الأعيان غير أنه كان مذموم المعاملة لأهل بلده ومعارفه لا ينصفهم في الوداد ويتكبر عليهم
[ ١ / ١١٤ ]
فهجاه غير واحد بأهاجي قبيحة أضربنا عن ذكرها كان صدر الدين بن نبهان الآتي ذكره إن شاء الله تعالى صديق عارض الجيش ببغداد فعزل - ٥٦ ألف - ثم صار صدر الدين صورة وزير الأمير شجاع الدين العزي فتوفي العزي فاتصل الصدر بعده بالملك فتح الدين ذكري ﵀ فخرج فتح الدين من بغداد مغاضبًا فعمل مجد الدين النشابي في ذلك.
رجل ابن نبهان الأعيرج شؤمها معلوم ما دار قط بأحد الألقي المحتوم
قلع ملك وعزل عارض بهذا الشؤم وعاد جرر زعيمه مبعراخت البوم
وله يمدح الملك المنصور زنكي ابن أرسلان شاه بن مسعود ابن مودود ابن زنكي ﵀.
يا لقومي قد جئتكم مستجيرًا لا أرى منكم وليًا نصيرا
أنا ما بين عاذل ورقيب منهما خلت منكرًا ونكيرا
بابي شادن تبدي فأبدي من محياه بهجةً وسرورً
وعذار في ذلك الخد أبدى ببها الحسن جنةً وحريرا
وثنايا كأنها من لجين قدروها في ثغره تقديرًا
لا رعى الله يوم زموا المطايا أنه كان شره مستطيرًا
أودعوا حين ودعوا الصب وجدا وتناءوا والقلب يصلي سعيرًا
واسألوا الدموع من نرجس غض على الخد لؤلؤًا منثورا
فغدا الصب يرتضى الحب دينًا ويرى ناظر السلو حسيرًا
[ ١ / ١١٥ ]
وهدى قلبه السبيل فإما صابرًا شاكرًا وإما كفورا
صم سمعي عن الكلام كما ص رت بمدحي زنكي سميعًا بصيرا
ملك أشرقت به ظلم الده ر فأضحى لنا سراجًا منيرا
وأرانا نواله وسطاه فرأينا منه بشيرًا نذيرا
كل ساع داع له بدوام ال ملك ما زال سعيه مشكورا
كم سقى سيفه شرابًا حميمًا وسقى سيبه شرابًا طهورا
سرح الطرف في ذراه ترى ث م نعماء وملكًا كبيرا
لم ير النازلون في ظله المغمو ر شمسًا يومًا ولا زمهريرا
ويبيح الطعام والمال كم ع م يتيمًا بزاده وأسيرا
قسم الدهر بين بأس وبذل فدعوناه سيدًا وحصورا
إذ يعفى العفاة منه أجورًا يقذفون العداة منه دحورًا
وله في أصحاب الديوان:
قد قسمنا الديوان خمسة أقسا م عليها لكل قول دليل
رب حق فلا يطاع ومنسو ب إلى الظلم قوله مقبول
ثم شخص كأنه الحرف في النح ووفلا فاعل ولا مفعول
ومصر على التحيف والظلم بعيد عن الصواب جهول
وأخو حاجة يمشي أحوا لًا لديه أن جاءه البرطيل
أتراهم لم يعلموا أن كلًا منهم عن فعاله مسؤل
وله وقد حبس وزير أربل جماعة الديوان لعمل الحساب.
[ ١ / ١١٦ ]
جماعة الديوان في ليلة شحط مظلمه
وقد غدت أيدي الوز ير منهم منتقمه
لا رحم الله الذي يرحم قومًا ظلمه
وقال في المعنى:
جماعة ديواننا أصبحوا وهم في العذاب لسوء الحساب
فإن يرجو الوزير الثواب فقتلهم من جزيل الثواب
وقال لما حبس يعقوب النصراني مشرف ديوان أربل وتولى المختص النصراني مكانه.
فرحنا بيعقوب اللعين وحبسه وقلنا أتانا ما يطيب به القلب
فلما ولي المختص فالشر واحد إذا ما مضى كلب أتى بعده كلب
وكتب إلى مؤيد الدين وزير بغداد هذه نهاية أقدام على غاية أنعام وهداية أقلام إلى أعلام، أعلام. وفاتحة حمد. إلى خاتمة مجد، يتشعب منها شعب الإرجاء، إلى ابنة شعيب الرجاء، وقد جاءت تمشي على استيحاء، إلى عصم تأوى الطريدة، يبتغي غضارة عيدان السماحة، والمجد عرض يعرضها عارض مستمطر ألوية، وحامل ألوية، وكافل أدعية، لا يلوى إلى طمع، ولايأوى إلى طبع، يعتصم من طوفان الحرض لجودي العفاف، ويرهب الخشع بسطوة الكفاف.
إذا قيل هذا منهل قيل قد رأى ولكن نفس الحر تحتمل الظمأ
وإذا خامر الهوى قلب صب فعليه لكل سقم دليل
[ ١ / ١١٧ ]
اللهم غفرا من دعوة تفقر إلى برهان وقول لا يترجح له ميزان إلا بعيار الامتحان
زنى القوم حتى تعلمي عند وزنهم إذا رفع الميزان كيف أميل
فلا لا بعدها أن والت قريحة عاثرة أو تأولت بصحة قاصرة وهاهو مستدرك فارط ما أخره من حقوق خدم لو قدمتها لأضاءت شاكلة الصواب ومستغفر من زلة قهره إقدام مدح يرجو أن يدخل عليه مليكه العذر به من كل باب ولئن بقيت وإن بقيت لتسمعن مدحا تخب بها الرواة وتوجف حتى يقال صام نهار أدبه وغسق ليل هيدبه ولسعسع فم طرسه وجاء في عسه وبسه لتعدو أنفاسه علة مضغة من أرض الفلا وألوية مقاصده في الإطراء على تلك الآلاء كالعقاب العسراء يتلقى كل رائة منها عرابة مجد بيمين حمد يحف بذلك الموكب المؤيدي والنادي الندي ما لها كتيبة ثناء يقال معها جاء محمد والخميس وجحفل إطراء ينادي به الآن حمي الوطيس
واعتذاري إليك فرض وإن ك نت بريئًا لعظم قدرك عندي
وقد كان يجب على هذا العبد المقصر أن يرفعه في كل يوم بل في كل ساعة حدبه يقف بها كوقوف ابن حجر الكندي وطرفة العبدي وعمرو بن معد والنابغة في السؤال والأعشى بالأطلال والطائي ومديح للانه والشحيح الذي ضاع في الترب خاتمه بل كوقوف عبد المسيح على سطيح ووقوف وفد العرب باليمن على سيف ابن
[ ١ / ١١٨ ]
ذي يزن
وكنت جديرًا حين أعرف منزلًا لآل سليمى أن يعنفني صحبي
وما صده عن مخاطرة الخاطر واقتحام حومة أقوال العواذل والعواذر سوى التحرز من الأستمهان والتهجم بنفاق ما قد كسد في هذا الزمان.
ولما تمادى قلت خذها عريقة فإنك من قوم جحاجة زهر
ولقد ناجاه فكره بهذه المناجاة وثقة ظنه بسلوك سبيل هذا النجاة متيقنًا أن تلك الألمعية التي تدرك الأشياء بعين التحقيق وتنظر المغيبات من وراء ستر رقيق لا يخفى عنها لمن أولى من ولى وجه صدق يعيده إلى شطر تلك القبلة واستمسك بالعروة الوثقى من تلك الكعبة ودخل في زمرة الداخلين للسلام وزاحم في تلك الكتاب الكريم؟ لا يكاد يخلص من كثرة الزحام ولو ظفرت بلقياه لشاهدي وكل حاجة لي في الثناء فم لكنه علم أن ظاهر أمره يغنيه عن اعتذاره وإيثاره سد باب القول يبعث ذوي المكارم على المسامحة بهذا الإيثار
ومن يغو في امرأتاه فإنه إلى أن يصيب الرشد في الأمر جاهد
وهو كالطبيب الذي يرى حفظ الصحة على وجهين أحدهما ما يوافق الإنسان والثاني ما يضر بالأبدان وكمال الطب هو العلم بحفظ الصلاح وموضوعه التحرز من الخلل قبل وقوعه وأن آخره قدر عن مثوله بجسمه فإنه يرسل كل يوم قلبه إلى ذاك الباب العالي فيعود على بينة من علمه وربما سمع النداء أو وجد على النور هدىً
[ ١ / ١١٩ ]
ولولا أن القلوب تنتقل من مكان إلى مكان لما قيل أنها بين إصبعين من أصابع الرحمن وهذا قول له عند أخوان الصفا مثل معروف وكذلك قيل لسارية الجبل حتى كشف ما لم يكن لغيره بمكشوف وهاهو العبد يحافظ على شريعة تلك المحامل التي هي غير منسوخة ولا مبدلة ولا مستعارة ولا مهملة إذ لابد لكل شريعة من حافظ إما أن يكون معصومًا أو غير معصوم فإن كان معصومًا
فهو المطلوب وإن لم يكن معصوما كان عنده القوة وأمانة وحفظ قام مقام العصمة وبيان ذلك بالامتحان والتكلف لإثبات الحكمة فإن قيل ما الواسطة أيها المدعي في إقامة البرهان على أقدار هذا الصاحب الألمعي والصدر اللوذعي حتى تعاطيت ولاء الولاء ونصبت على التمييز والإغراء ورفعت الخبر والابتداء وشاركت حمزة والكسائي في إعدام اللام في الراء ولم تواط على الإيطاء ولا أسندت إلى النادي رواية الأكفاء ولا نكلت قوة وقيل عن الإقواء ولهجت بعروض شكره في كل مكان كأنه الضرب الكامل في الأوزان هذا ولم يخرجوا ذا ملك في مضار فضله ولا ضربت معلا قداحك لدى وارف ظله ولو نسي لك ذلك لكانت حياض بلاغتك بمر لهجة مترعة ورياض فصاحتك بأوصافه بمرعة وقد وجدت مكان القول ذا سعة.
وما على مادح أطراه من تعب فمدحه قبل نظم الشعر ينتظم
وقال يمدح الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور ويشير إلى ذكر الخلفاء:
[ ١ / ١٢٠ ]
الجد يرتع في المقام الأفخر والعز يرتع في الجانب الأخضر
والدهر من بعض القطوب بدا لنا يزهو كوجه الضاحك المستبشر
وتجلت الدنيا على أبنائها تدعو بحي على الفلاح الأكبر
وغدا بها الإسلام يحمل رايةً سوداء راية منذر ومبشر
أعلى الأئمة من سلالة هاشم قدرًا وأشرف محتدًا من عنصر
ورث النبوة طاهرًا عن طاهر إرثًا ينزه عن مقالة مفتري
وبحقه أرث اللواء وبرده وحسامه وقضيبه والمنبر
وإذا رأى الراؤن نور جلاله لم تلق غير مهلل ومكبر
أعطى إلى أن قالت الدنيا قد وحبا إلى أن قال سائله اقصر
جمعت مكارمه الشراق جميع أو صاف الخلائق مفخرًا عن مفخر
فبكل وصف منه نعت خليفة كالفعل شق ثنائه عن مصدر
فنوا له السفاح والمنصور كالمن صور سيدنا الإمام الأنور
مهدي هذا العصر والهادي إلى ال أمر الرشيد بنور هدى مبصر
وأمين أمة أحمد وإمامها حقًا ومأمون لها في المحشر
لو بي بمعتصم به من واثق من فضله بأواصر لم تخفر
كم مقتر أضحى على أنعامه متوكلًا أمسى بمال مكثر
لم يرض منتصر ببعض عبيده أن شبهوه بتبع في حمير
ما بات غير المستعين بعزه في جنة من جوده أوعبقري
[ ١ / ١٢١ ]
لو شاء معتز به أن يملك ال دنيا رأها خاتمًا في خنصر
نصب الصراط المستقيم لمهتد وأفاض نائله العميم لمعتر
ولكل معتمد يدًا لم تقتر ولكل معتضد يدًا لم تقهر
والمكتفى بعزيمة من بأسه يطأ البلاد بكل ليث مخدر
مازال مقتدر المرامي وقاهرال أعداء بالجد السعيد الأطهر
فالله راض بالذي يرضى به إن قال خلق غير هذا يكفر
فرضاه تقوى المتقي ولكل مس تكف بنائله كنور الأبجر
فاز المطيع له فطائع أمره يومًا متى أصفى السريرة يؤجر
ملك البلاد فكان اقدر قادر وبحكمه قد دان كل مقدر
ما شأنه إذ كان قائم هديه متقدما في عصره المتأخر
فالمحتذى من وجوده المتوفر كالمقتدي بعلائه المستظهر
وإذا استقل بقوة مسترشد وجد الهداية مثل لمحة منظر
هو راشد للمقتفي ومساعد للمعتفي ومعاند للمجتري
هذا الذي أضحى الزمان بعزمه مستنجدًا في الحادث المستكبر
وإذا ادلهم الخطب كان مناره للمستضيء ضياء صبح مقمر
لله سيف منه ناصر دينه وبغيره دين الهدى لم ينصر
فاليوم برهان النبوة ظاهر بخلافة المستنصر المستبصر
ومنها في ذكر الوزير مؤيد الدين:
[ ١ / ١٢٢ ]
سلطان كل معمم ومطيلس ومليك كل متوج ومسور
ورد مجد الدين المذكور دمشق سنة أربع وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى ذكر عز الدين محمد بن أبي الهيجاء رحمه الله تعالى أنه شيباني ورأيت بخط كمال الدين أحمد بن العطار أنه أنصاري والله أعلم.
إسماعيل بن محمد بن يوسف بن عبد الله أبو إبراهيم برهان الدين الأنصاري الأندلسي إمام الصخرة كان رجلًا صالحًا كثير الخير والعبادة أخبر عن بعض الأولياء المجاورين بيت المقدس أنه سمع هاتفًا يقول لما خرب القدس.
إن يكن بالشآم قل نصيري ثم خربت واستمر هلوكي
فلقد أتيت الغداة خرابي سمر العار في حياة الملوك
توفي البرهان إسماعيل المذكور ليلة الخميس الثالث والعشرين من المحرم بالقدس رحمه الله تعالى.
بكتوت بن عبد الله الأمير سيف الدين العزيزي أستاذ دار الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ كان من أكبر الأمراء بالدولة الناصرية وله الحرمة الوافرة والمكانة العالية والمهابة الشديدة ويده مبسوطة وآمره نافذ في المملكة وبيده الإقطاعات العظيمة وله الأموال الجمة والخيول والجمال والمواشي الكثيرة وغير ذلك ظاهر التجمل شجاعًا حسن السياسة والتدبير مليح الصورة بهي الشكل وكان مجردًا في الجهات التي قبلي دمشق فتوفي هناك ودخل غلمانه وحاشيته دمشق
[ ١ / ١٢٣ ]
بالأعلام المنكسة والسروج المقلبة على الخيول المهلبة ومماليكه وقد قطعوا شعورهم ولبسوا المسوح السود فكانت صورة مؤلمة مبكية ووجد له من الحواصل ما لا يوصف وسمعت أنه سم وأن الذي تولى ذلك عز الدين عبد العزيز بن وداعة وأنه سمه في بطيخة خضراء وكان سيف الدين المذكور يحب البطيخ الخضر ويجلي إليه حيث كان فاتفق أني سألت حسام الدين اتش العزي ﵀ أستاذ دار ابن وداعة إذ كان متوليًا قلعة بعلبك عن ذلك فأنكر أن يكون أستاذه فعله بل قال أن الملك الناصر سير أستاذي في بعض المهمات فلما أجتاز بالعسكر قصد خدمة الأمير سيف الدين السلام عليه فقال له الأمير سيف الدين معك بطيخ أخضر؟ قال فعاد إلى خيمته وجهز له بطيخًا أخضر وغيره من هدية دمشق فأكل البطيخ وأمعن واتفق تغير مزاجه ومرضه ووفاته فقال الناس ما قالوا والله أعلم بالجملة فكان الأمير سيف الدين جليل المقدار من أركان الدولة ومنذ توفي حصل الخلل وتغير أحوال الدولة الناصرية رحمه الله تعالى.
الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك وهو عمرو بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن نصر بن معاذ بن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه أبو علي صدر الدين القريشي التيمي البكري النيسابوري الأصل الدمشقي المولد والمنشأ مولده بدمشق بكرة الحادي والعشرين من المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة سمع من خلق كثير في بلاد متعددة وحصل كثيرًا من الكتب
[ ١ / ١٢٤ ]
وكتب العالي والنازل وكان حافظًا مغرمًا بهذا الشأن وخرج تخاريج عدة وشرع في جميع ذيل التاريخ الذي بدمشق وحصل منه أشياء حسنة ولم يتمه وعدم بعده وكان عنده رياسة وفضيلة تامة وولي حسبة دمشق وسيره الملك المعظم عيسى بن الملك العادل إلى الشرق برسالة إلى السلطان جلال الدين خوارزم شاه ملك العجم باطنًا وأظهر أن توجه ليحضر ماء من عين من تلك البلاد منن خاصية ذلك الماء أنه إذا حمل في قوارير زجاج وحمل على الرماح تبعه نوع من الطير يفني الجراد وكان قد حصل بالشام جراد كثير لم يعهد مثله فتوجه وصحبه جماعة صوفية واجتمع بجلال الدين منكيرني خوارزم شاه وقرر معه الاتفاق مع الملك المعظم وتعاضد به واستحلفه له وكان سبب ذلك أن الملك الكامل والملك الأشرف اتفقا على الملك المعظم فأراد أن يحصل له من يعتضد به وكان السلطان جلال الدين مجاورًا لخلاط وبلاد الملك الأشرف في الشرق فلما أبرم صدر الدين ما توجه بسببه أحضر الماء المطلوب على الصورة المقترحة وعاد إلى دمشق وكان الجراد قد قل فلما عاد البكري كثر فعمل الناس في ذلك الأشعار وظهر الناس ما توجه بسببه في الأمر وعلم الملك الكامل والملك الأشرف ذلك ولما عاد البكري ولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ مضافا إلى الحسبة ولهذا صدر الدين خانكاه بدمشق تعرف قيسارية الصرف وكانت وفاته في ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة ودفن بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم رحمه الله تعالى.
الحسين الدين إبراهيم بن الحسين بن يوسف أبو عبد الله شرف الدين
[ ١ / ١٢٥ ]
الهذباني الكوراني الأربلي الشافعي الصوفي اللغوي مولده في يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسمائة قرأ الأدب عن جماعة منهم الشيخ تاج الدين الكندي وسمع من أبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي وعمر بن محمد بن طبرزد وحنبل بن عبد الله المهرواني اليميني الكندي وآخرين وحدث بدمشق وغيرها وكان من الفضلاء المشهورين وأهل الأدب المذكورين عارفًا بما يروم حسن الأخلاق لطيف الشمائل كثير المحاضرة بالحكايات والنوادر والأشعار وسمعت عليه كثيرًا من مروياته بدمشق وبعلبك وكانت وفاته ﵀ عصر يوم الجمعة بدمشق ثاني ذي القعدة ودفن من الغد بمقابر الصوفية ظاهر دمشق رحمه الله تعالى.
داود بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن قابس بن حابس بدمشق مالك بن عمرو بن معد يكرب أبو المعالي عماد الدين زبيدي المقدسي الأصل الدمشقي الدار والوفاة الشافعي مولده بدمشق في ثاني عشر شوال سنة ثمانين وخمسمائة سمع من الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وغيرهم وحدث وخطب بجامع دمشق مدة وأم الناس وخطب بجامع بيت الآبار وكان معروفًا بالإصلاح والتعبد وتوفي في حادي عشر شعبان ودفن من الغد رحمه الله تعالى.
داود بن عيسى بن أبي بكر بن محمد بن أيوب بن شادي أبو المظفر وقيل أبو المفاخر الملك الناصر صلاح الدين بن الملك المعظم شرف الدين بن الملك العادل سيف الدين ولد الملك الناصر المذكور في
[ ١ / ١٢٦ ]
جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة ولما ولد سماه الملك المعظم إبراهيم وأخبر والده الملك العادل بذلك فقال أخوك اسمه إبراهيم يشر إلى الملك الفائز فقال ما ترسم إن اسميه فقال سمه داود فسماه فلما حج الملك المعظم في سنة إحدى عشر وستمائة واجتاز بالمدينة صلوات الله وسلامه على ساكنها تلقاه أمير المدينة وخدمه خدمة بالغة وقال له يا خوند أريد أن افتح لك الحجر الشريفة لتزور زيارة خاصة لم ينلها غيرك فقال معاذ الله أن أتهجم وأقدم على هذا والله إني في طرف المسجد وأنا رجل من أساة الأدب فإني أخبر بنفسي ومثلي لا ينبغي له أن يداني هذا المقام الشريف إجلالًا له وتعظيما فرأى بعض الصلحاء النبي ﷺ في المنام وهو يقول له قل لعيسى إن الله قد قبل حجه وزيارته وغفر له ولام إبراهيم لتأدبه معي واحترامه لي وأما هذا معناه فحضر ذاك الرجل إلى الملك المعظم وقص عليه الرؤيا بمحضر من خواصه فبكى الملك المعظم لفرط السرور فلما قام من عنده قال ما أشك في صدق هذه الرؤيا إن شاء الله تعالى فقال له خواصه لكن ما يعرف لك ولد اسمه إبراهيم وحكى لهم صورة تسمية الملك الناصر أولا بإبراهيم وأنه هو الاسم الذي وقع عليه أولًا ونشأ الملك الناصر في حياة أبيه ملازمًا للاشتغال بالعلوم على اختلافها وشارك في كثير منها وحصل منها طرفًا جيدًا وسمع بالشام والعراق من جماعة منهم محمد بن أحمد القطيعي وغيره وكانت له إجازة من أبي الحسن المؤيد ابن محمد الطوسي
[ ١ / ١٢٧ ]
وغيره وحدث وسأذكر من أحواله وأخباره وأشعاره وترسله ما يعلم به معظم أمره إن شاء الله كان الملك المعظم عيسى ﵀ خلف من الولد عدة بنات وثلاثة بنين الملك الناصر أكبرهم فملك دمشق وسائر مملكة أبيه في عشر ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة واستقل بذلك.
وفي سنة خمس وعشرين وصل عماد الدين بن الشيخ من مصر إلى دمشق ومعه ابن جلدك بالخلع والتغايير على الملك المعظم من الملك الكامل.
وفي سنة ست وعشرين خرج الملك الكامل لقصده وانتزاع دمشق منه فسير الملك الناصر فخر القضاة بن بصاقة إلى الملك الأشرف يستصرخ به فحضر الملك الأشرف إلى دمشق لنصرته ونزل في بستانه بالنيرب فجرت أمور يطول شرحها لأن الملك الأشرف تغير عليه ومال إلى الملك الكامل وفارق الملك الناصر وتوجه إلى الملك الكامل ووصل إلى بيسان فلما بلغه وصول الملك الأشرف رجع إلى غزة وقال أنا ما خرجت على أن أقاتل أخي الملك الأشرف فلما بلغ ذلك الملك الأشرف قال للملك الناصر داود الملك الكامل قد رجع حردان والمصلحة أنني ألحقه وأسترضيه وأقرر القواعد معه وأما الملك الكامل فإنه نزل غزة وكان الأنبرور قد نزل الساحل بمقتضى مراسلة قديمة كانت من الملك الكامل إليه في حياة الملك المعظم فلما حضر على تلك القاعدة بجموعه بعد موت المعظم سير إلى الملك الكامل
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال له أنا قد حضرت بقولك وعرفت أن غرضك قد فات ومعي عساكر عظيمة وخلق كثير وما بقي يمكنني الرجوع على غير شيء فحدثني حديث العقال حتى أرجع إلى بلادي فقال الملك الكامل إيش تريد قال تعطينا القدس وترددت المراسلات بينهما أشهرًا فاقتضى رأي الملك الكامل تسليم القدس - ٦٤ألف - دون عمله وحصل الرضا بذلك فلما تردد الفرنج للزيارة اغتيل منهم في الطريق من انفرد فشكوا ذلك إلى الملك الكامل فأعطاهم القرايا التي على طريقهم من عكا إلى القدس ووقع الصلح والاتفاق على ذلك وحضر بعد إبرام الصلح مع الفرنج على هذه القاعدة لحصار دمشق فحصرها وأخذها على ما سنذكر إن شاء الله تعالى ولما اجتمع الملك الأشرف والملك الكامل اتفقا على انتزاع دمشق من الملك الناصر وأن يأخذها الملك الأشرف وينزل عن بلاد في الشرق عينها الملك الكامل ووقع الاتفاق عليها فحضرا لحصاره بعساكرهما وحصراه مدة أربعة شهور وتسلما دمشق في غرة شعبان سنة ست وعشرين وأبقى عليه قطعة كثيرة من الشام منها الكرك وعجلون والصلت ونابلس والخليل وأعمال القدس لأن القدس كان سلم إلى الأنبرور قبل ذلك سوى عشر قرى على الطريق من عكا إلى القدس فإنها سلمت إلى الفرنج مع مدينة القدس وأخذ منه الشوبك فبكى بين يدي الملك الكامل عليها فقال الملك الكامل أنا مالي حصن يحمي رأسي وأفرض أنك وهبتني إياه فسكت
[ ١ / ١٢٩ ]
وخرج الملك الناصر بأمواله وذخائره جميعها وتوجه إلى الكرك والبلاد التي أبقيت عليه وعقد على عاشوراء خاتون ابنة الملك الكامل شقيقة العادل بن الكامل سنة تسع وعشرين وبقي على ذلك مدة ثم تغير عليه الملك الكامل تغيرًا مفرطًا وأعرض عنه إعراضًا كليًا ووالزمه طلاق ابنته ففارقها قبل الدخول بها في سنة إحدى وثلاثين وكان سبب تغيره عليه أن الملك الكامل قصد دخول الروم والاستيلاء على ممالكه وكان ملك الروم إذ ذاك السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو فنوجه الملك الكامل وصحبته الملوك بستة عشر دهليزًا الملك الأشرف مظفر الدين موسى والملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين والملك الصالح عماد الدين إسماعيل والملك الحافظ نور الدين رسلان شاه ابن صلاح الدين بعسكر حلب والملك الزاهد محيي الدين داود بن صلاح الدين صاحب البيرة وأخوه الملك المفضل قطب الدين صاحب سميساط والملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازي صاحب عين تاب والملك المظفر تقي الدين - ٦٥ ألف - محمود صاحب حماة والملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص وغيرهم وسير صاحب الروم إلى الملك العزيز صاحب حلب يقول أنا راض بأن تمده بالرجال ولا تنزل إليه أبدًا وأعفاه الملك الكامل من النزول فرضي الملكان بفعله ثم تقدم الملك الكامل بالعساكر إلى الدربند فوجد السلطان علاء الدين قد حفظ طرقاته بالرجال وهي طرق صعبة متوترة يشق سلوكها على العساكر فنزل
[ ١ / ١٣٠ ]
الملك الكامل على النهر الأزرق وهو في أوائل بلد الروم وجاءت عساكر صاحب الروم وصعدت رجالاته إلى فم الدربند وبنوا عليه سورًا وقاتلوا منه وقلت الأقوات في عسكر الملك الكامل جدًا ثم نمى إلى الملك الأشرف والملك المجاهد صاحب حمص أن الملك الكامل ذكر في الباطن أنه أن ملك بلاد الروم نقل سائر الملوك من أهل بيته إليها وانفرد بملك الشام مع الديار المصرية فاستوحشا من ذلك وإطلاعًا ملوك البيت الأيوبي فتغيرت نيات الجميع واتفقوا على التخاذل وعدم النصح فلما أحس الملك الكامل منهم بذلك مع كثرة الغلاء
وامتناع الدربند رحل بالعساكر إلى أطراف بلاد بهنسا وجهز بعض الأمراء إلى حصن منصور فهدمه ووصل إلى خدمته صاحب - ٦٥ ب - خرتبرت داخلًا في طاعته وأشار عليه بالدخول إلى بلاد الروم من جهة خرتبرت فجهز معه الملك المظفر صاحب حماة والطواشي شمس الدين صواب العادلي وكان من أكبر الأمراء وفخر الدين البانياسي في ألفين وخمسمائة فارس فوصلوها جرائد بغير خيم فعند طلوع الفجر أقبلت عساكر الروم في اثني عشر ألف فارس مقدمهم القيمري وضربوا معهم مصافًا من أول النهار إلى آخره وظهر عسكر الروم ودخل الملك المظفر وشمس الدين صواب وفخر الدين البانياسي قلعة خرتبرت مع صحابها ونزل باقي العسكر في الربض فزحف عسكر الروم وملكوا الربض عنوة وأسروا أكثر من كان فيه من العسكر الكاملي ثم وصل السلطان علاء الدين في بقية عساكره وأحدقوا بالقلعة ونصبوا عليها تسعة عشر منجنيقًا وحصروها أربعة وعشرين يومًا وقل الماء والزاد من عندهم فطلبوا الأمان فأمنهم صاحب الروم وتسلم القلعة وما معها من القلاع وكانت سبعًا وتلقى الملك المظفر ومن معه أحسن ملتقى ونادمهم وخلع عليهم وقدم لهم التحف الجليلة وكان نزولهم من القلعة يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين فكان ذلك من أكد مقدمات الوحشة بين الملك الكامل والناصر وغيره من الملوك وكثر استشعار الملك الناصر من عمه الملك الكامل، فلما دخلت سنة ثلاث وثلاثين قوي عزم الملك الناصر على قصد الخليفة وهو المستنصر بالله والاستجارة به فحصل النجب والروايا وما يحتاج إليه لسفر البرية ثم توجه وصحبته فخر القضاة نصر الله بن بزاقة والشيخ شمس الدين عبد الحميد الخروشاهي والخواص من ممالكيه وإلزامه فلما قرب من بغداد أمر الخليفة بتلقيه وإكرامه ودخل بغداد ونزل بها مكرمًا معظمًا وقدم للخليفة ما كان استصحبه معه من الجواهر النفيسة والتحف والهدايا الجليلة وأمر الخليفة له بالإقامات الكثيرة ولأصحابه بالعطايا والخلع وكان آثر أن يأذن له الخليفة بالحضور بين يديه فيقبل يده ومشاهدة وجهه كما فعل بمظفر الدين كوكيري ابن بهاء الدين صاحب إربل فإنه كان قدم بغداد فطال الاجتماع بالخليفة فأذن له في ذلك فحضر وبرز له الخليفة فشاهده فرغب الملك الناصر أن يعامل بتلك المعاملة فإنه أكبر بيتًا من مظفر الدين وأعرق منه في الملك وسأل ذلك فلم يقع في الإجابة رعاية لخاطر الملك الكامل فعمل الملك الناصر قصيدة يعرض فيها بمطلوبه وبمظفر الدين وازن فيها قصيدة أبي تمام الطائي التي منها. ناع الدربند رحل بالعساكر إلى أطراف بلاد بهنسا وجهز بعض الأمراء إلى حصن منصور فهدمه ووصل إلى خدمته صاحب - ٦٥ ب - خرتبرت داخلًا في طاعته وأشار عليه بالدخول إلى بلاد الروم من جهة خرتبرت فجهز معه الملك المظفر صاحب حماة والطواشي شمس الدين صواب العادلي وكان من أكبر الأمراء وفخر الدين البانياسي في ألفين وخمسمائة فارس فوصلوها جرائد بغير خيم فعند طلوع الفجر أقبلت عساكر الروم في اثني عشر ألف فارس مقدمهم القيمري وضربوا معهم مصافًا من أول النهار إلى آخره وظهر عسكر الروم ودخل الملك المظفر وشمس الدين صواب وفخر الدين البانياسي قلعة خرتبرت مع صحابها ونزل باقي العسكر في الربض فزحف عسكر الروم وملكوا الربض عنوة وأسروا أكثر من كان فيه من العسكر الكاملي ثم وصل السلطان علاء الدين في بقية عساكره
[ ١ / ١٣١ ]
وأحدقوا بالقلعة ونصبوا عليها تسعة عشر منجنيقًا وحصروها أربعة وعشرين يومًا وقل الماء والزاد من عندهم فطلبوا الأمان فأمنهم صاحب الروم وتسلم القلعة وما معها من القلاع وكانت سبعًا وتلقى الملك المظفر ومن معه أحسن ملتقى ونادمهم وخلع عليهم وقدم لهم التحف الجليلة وكان نزولهم من القلعة يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين فكان ذلك من أكد مقدمات الوحشة بين الملك الكامل والناصر وغيره من الملوك وكثر استشعار الملك الناصر من عمه الملك الكامل، فلما دخلت سنة ثلاث وثلاثين قوي عزم الملك الناصر على قصد الخليفة وهو المستنصر بالله والاستجارة به فحصل النجب والروايا وما يحتاج إليه لسفر البرية ثم توجه وصحبته فخر القضاة نصر الله بن بزاقة والشيخ شمس الدين عبد الحميد الخروشاهي والخواص من ممالكيه وإلزامه فلما قرب من بغداد أمر الخليفة بتلقيه وإكرامه ودخل بغداد ونزل بها مكرمًا معظمًا وقدم للخليفة ما كان استصحبه معه من الجواهر النفيسة والتحف والهدايا الجليلة وأمر الخليفة له بالإقامات الكثيرة ولأصحابه بالعطايا والخلع وكان آثر أن يأذن له الخليفة بالحضور بين يديه فيقبل يده ومشاهدة وجهه كما فعل بمظفر الدين كوكيري ابن بهاء الدين صاحب إربل فإنه كان قدم بغداد فطال الاجتماع بالخليفة فأذن له في ذلك فحضر وبرز له الخليفة فشاهده فرغب
[ ١ / ١٣٢ ]
الملك الناصر أن يعامل بتلك المعاملة فإنه أكبر بيتًا من مظفر الدين وأعرق منه في الملك وسأل ذلك فلم يقع في الإجابة رعاية لخاطر الملك الكامل فعمل الملك الناصر قصيدة يعرض فيها بمطلوبه وبمظفر الدين وازن فيها قصيدة أبي تمام الطائي التي منها.
٦٦ - ب لأمر عليهم أن تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
والقصيدة الناصرية مطلعها.
ودانٍ ألمت بالكثيب ذوائبه وجنح الدجى وحف تجول غيابهه
تقهقه في تلك الربوع رعوده وتبكي على تلك الطلول سحائبه
أرقت به لما توالت بروقه وحلت عزاليه وأسبل ساكبه
إلى أن بدا من أشقر الصبح قادم يراع له من أدهم الليل هاربه
وأصبح ثغر الأقحوانة حالكًا تدغدغه ريح الصبا وتداعبه
تمر على نبت الرياض بليله تحمشه طورًا وطورًا تلا عبه
فأقبل وجه الأرض طلقًا وطالما غدا مكفهرًا موحشاة جوانبه
كساه الحيا وشيًا من النبت فاخرًا فعاد قشيبًا غوره وغوار به
كما عاد بالمستنصر بن محمد نظام المعالي حين قلت كتائبه
أمام تجلي الدين منه بماجد تحلت آثار النبي مناكبه
هو العارض الهتان لا البرق مخلف لديه ولا أنواره وكواكبه
إذا السنة الشهبا شحت بطلها شجن وابل منه وسحت سواكبه
[ ١ / ١٣٣ ]
فاخبأ ضياء البرق ضوء جينه كما نحلت جود الغوادي مواهبه
له العزمات اللائي لولا نضالها تزعزع ركن الدين وأنهد جانبه
بصير بأحوال الزمان وأهله حذور فما يخشى عليه نوائبه
حوى قصبات السبق مذ كان يافعًا وأربت على زهر النجوم مناقبه
تزينت الدنيا به وتشرفت بنوها فأضحى خافض العيش ناصبه
لإن نوهت باسم الإمام خلافة ورفعت الزاكي النجار مناسبه
فإن الإمام العدل والمعرق الذي به شرفت أنسابه ومناصبه
جمعت شتيت المجد بعد افتراقه وفرقت جمع المال فانهال كتابه
وأغنيت حتى ليس في الأرض معدم يجور عليه دهره ويحاربه
ألا يا أمير المؤمنين ومن غدت على كاهل الجوزاء تعلو مراتبه
ومن جده عم النبي وخدمه إذ صار منه أهله وأقاربه
أيحسن في شرع المعالي ودينها وأنت الذي تعزى إليه مذاهبه
وأنت الذي يعني حبيب بقوله ألا هكذا فليسكب المجد كاسبه
بأني أخوض الدوّ والدوّ مقفر سباريته مغبرة وسباسبه
وارتكب الهول المخوف مخاطرًا بنفسي ولا أعي بما أنا راكبه
وقد رصد الأعداء لي كل مرصد فكلهم نحوي تدب عقاربه
وأتيك والعضب المهند مصلت طرير شباه فانيات ذوائبه
٦٧ - ب وأنزل آمالي ببابك راجيًابواهر جاه يبهر النجم ثاقبه
[ ١ / ١٣٤ ]
فتقبل مني عبد رق فيغتدي له الدهر عبدًا طائعًا لا يغالبه
وتلبسني من نسج ظلك ملبسا يشرف قدر النيرين من جلائبه
وتنعم في حقي ما أنت أهله وتعلى محلي فالسها لا يقاربه
وتركبني نعماء أياديك مركبًا على الفلك الأعلى تسير مواكبه
وتسمح لي بالمال والجاه بغيتي وما الجاه إلا بعض ما أنت واهبه
ويأتيك غيري من بلاد قريبة له الأمن فيها صاحب لا يجانبه
وما اغتر من جوب الفلا حر وجهه ولا أنضيت بالسير فيها ركائبه
فيلقى دنوا من لم ألق مثله ويحظى ولا أحظى بما أنا طالبه
وينظر من آلاء قدسك نظرة فيرجع والنور الأمامي صاحبه
ولو كان يعلوني بنفس ورتبة وصدق ولاء لست فيه أصاقبه
لكنت أسلي النفس عما ترومه وكنت أذود العين عما تراقبه
ولكنه مثلي ولو قلت إنني أزيد عليه لم يعب ذاك عائبه
وما أنا ممن يملأ المال عينه ولا بسوى التقريب تقضى مأربه
ولا بالذي يرضيه دفن نظيره ولو أنعلت بالنيرات مراكبه
وبي ظمأ رؤياك منهل رئيه ولا غرو أن تصفو لدى مشاربه
ومن عجب أني لدى البحر واقف وأشكو الظمأ والبحر جم عجائبه
وغير ملوم من يأتيك قاصدا إذا عظمت أغراضه ومذاهبه.
فلما وقف الخليفة المستنصر بالله على هذه القصيدة أعجبته إعجابًا
[ ١ / ١٣٥ ]
كثيرًا وقصد الجمع بين المصلحتين فاستدعاه سرًا إجابة لسؤاله ورعاية في عدم الجهر للملك الكامل فحكى الملك الناصر قال واستدعاني الخليفة بعد شطر من الليل فدخلت من باب السر إلى إيوان فيه ستر مضروب والخليفة من ورائه فقبلت الأرض من بين يديه فأمرني بالجلوس فجلست ثم أخذ الخليفة يدثني من خلف الستر ويؤنسني ثم أمر الخدم فرفعوا الستر فقبلت الأرض ثانية وتقدمت فقبلت يده فأمرني بالجلوس فجلست بين يديه وجاراني في أنواع من العلوم وأساليب من الشعر ثم خرجت من عنده وعدت إلى منزلي ليلًا ثم حضر الملك الناصر بعد ذلك بالمدرسة المستنصرية على شاطئ دجلة وكان الخليفة في روشن ينظر ويسمع الكلام وحضر جماعة من الفقهاء المرتبين بالمدرسة وغيرهم من المذاهب الأربعة وبحث الملك الناصر واستدل واعترض وناظر الفقهاء مناظرة حسنة وكان جيد المناظرة صحيح الذهن له في كل فن مشاركة جيدة فقام يومئذ رجل من الفقهاء يقال له وجيه الدين اليرواني ومدح الخليفة بقصيدة يقول فيها مخاطبًا للخليفة.
لو كنت في يوم السقيفة حاضرًا كنت المقدم والإمام الأروعا
فغضب الملك الناصر لله تعالى لكون ذلك الفقيه لأجل سحت الدنيا أساء الأدب على أبى بكر الصديق رضوان الله عليه والخلفاء الراشدين وسادات المهاجرين والأنصار ﵃ حاضرين يوم السقيفة وجعل المستنصر بالله مقدمًا عليهم فقال لذلك الفقيه أخطأت فيما قلت كان ذلك اليوم جد سيدنا ومولانا الإمام المستنصر بالله العباس بن عبد المطلب
[ ١ / ١٣٦ ]
﵁ عم رسول الله ﷺ حاضرًا فلم يكن مقدمًا ولا الإمام الأروع إلا أبي بكر الصديق ﵁ فخرج المرسوم في ذلك الوقت بنفي ذلك الفقيه فنفي ثم وصل إلى القاهرة وولي بها تدريس مدرسة الصاحب صفي الدين بن شكر ثم أن المستنصر بالله خلع على الملك الناصر خلعة سنيّة عمامة سوداء وفرجية سوداء مذهبه وخلع على أصحابه ومماليكه خلعًا سنية وأعطاه مالًا جليلًا وبعث في خدمته رسولًا من أكبر خواصه إلى الملك الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته له - ٦٩ألف - وإبقاء بلاده عليه فوصل الملك الناصر والرسول إلى دمشق وبها الملك الكامل فخرج لتلقيهما إلى القصير وأقبل على الملك الناصر إقبالًا كثيرًا وقبل شفاعة الخليفة وألبسه الخلعة هناك وكان قد قدم من بغداد ومعه أعلام سود وكان الخليفة لقبه الولي المهاجر مضافًا إلى لقبه فأمر الخطباء بلاده أن يذكروا في الدعاء له ذلك ثم خلع على الرسول وأعطاه شيئا كثيرا ورجع إلى بغداد وأقام الملك الناصر مطمئنًا لانتسابه إلى الخليفة فلما حصلت المباينة بين الملك الكامل والملك الأشرف وعزما على المحاربة وانضم إلى الملك الأشرف جميع ملوك الشام سير إلى الملك الناصر داود يدعوه إلى موافقته على أن يحضر إليه ليزوجه ابنته ويجعله ولي عهده ويملكه البلاد بعده وسير الملك الكامل إلى الملك الناصر أيضًا رسولًا يدعوه إلى الاتفاق معه وأنه يجدد عقده على ابنته ويفعل معه كل ما اختار وتوافى الرسولان عند الملك الناصر
[ ١ / ١٣٧ ]
بالكرك فرجع الميل إلى الملك الكامل وصرح لرسول الملك الأشرف بجواب إقناع فسير رسول الملك الكامل إليه يعرفه ميل الملك الناصر إلى جهته وكان قد حضر عند الملك الكامل بعض الأمراء الأكابر الذين مرت بهم التجارب - ٦٩ب - ومارسوا الحروب وشهدوا المصافاة والوقائع فقال له الملك الكامل أشتهي أن تعرفني ما عندك في أمري وأمر أخي الملك الأشرف ومن يظهر لك أنه ينتصر ومن أقوى منا على لقاء صاحبه ولا تخفي ما في ضميرك من ذلك فقال أنت الآن وأخوك مثل الميزان لا يرجح عليك ولا ترجح عليه وقد بقي بينكما الملك الناصر داود فإلى أي جهة مال ترجحت وكان قد وصل الملك الكامل كتاب رسوله وهو القاضي الأشرف بن القاضي الفاضل يخبره بموافقة الملك الناصر له على ما قدمنا ذكره ولم يطلع عليه أحد فسر الملك الكامل بذلك ووقع منه قول ذلك الأمير أجمل موقع ثم أن الملك الناصر حضر بنفسه إلى الملك الكامل فتلقاه وبالغ في إكرامه وأعطاه الأموال وقدم له التحف واتفق موت الملك الأشرف ﵀ واستيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على بلاده التي بالشام وخروج الملك الكامل لانتزاعها منه فخرج الملك الناصر وصحبته وأخذ دمشق على الصورة المشهورة واتفق موت الملك الكامل عقيب ذلك والملك الناصر بدمشق نازل في داره المعروفة بدار أسامة فتشوف إلى مملكة دمشق فوافقه جماعة من المعضمية وغيرهم وجاءه الركن الهيجاوي والركن في الليل وبينا له وجه الصواب
[ ١ / ١٣٨ ]
وأرسل له الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد يقول أخرج المال وفرقه في مماليك أيبك والعوام معك تملك البلد ويبقوا في القلعة محصورين فما فعل ثم أن الأمراء والأعيان أرباب الحل والعقد اجتمعوا بالقلعة وذكروا الملك الناصر والملك الجواد يونس بن داود بن الملك العادل فرجح عماد الدين بن شيخ الشيوخ الملك الجواد يونس بن داود بن الملك العادل وكان منحرفًا عن الملك الناصر لأنه كان يجري بينه وبينه في مجلس الملك الكامل مباحثات فيخطئه الملك الناصر فيها ويستجهله فبقي في قلبه من ذلك أثر كثير كان أقوى الأسباب في صرف السلطنة عنه وأما الأمير فخر الدين بن الشيخ فلم يكن في ذلك رأي وكان ميله إلى الملك الناصر أكثر من الجواد وأرسلوا إلى الملك الناصر الهيجاوي ليخرجه من دمشق فدخل عليه بدار أسامة وقال له أيش قعودك في بلد القوم فقام وركب وجميع من في دمشق من باب دار أسامة إلى القلعة وما شك
أحد أن الملك الناصر طالع إلى القلعة وساق فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب وخرج من باب الزقاق عرج إلى باب الفرج صاحت العامة لا لا لا وانقلبت دمشق ونزل الملك الناصر بالقابون وفتح الجواد خزائن الكامل وفرق المال والخلع واستقر قدمه وأقام الملك الناصر أيامًا بالقابون فعزم الجواد على مسكه وسير الأمير عز الدين أيبك الأشرفي ليمسكه وكان قد علم الأمير عماد الدين بن موسك بذلك فبعث إليه في السر من عرفه فسار في الليل إلى عجلون فوصل عز الدين أيبك إلى قصر أم حكيم وعاد إلى دمشق وأما الملك الناصر فإنه سار إلى الكرك وجمع وحشد ونزل إلى السواحل فاستولى عليها وخيم بعزمة طالبًا للاستيلاء على مملكة والده فرحل الجواد فيمن بقي من العساكر المصرية مقدمهم عماد الدين بن شيخ الشيوخ وفي عساكر دمشق والمماليك الأشرفية وتوجه نحو الملك الناصر فرحل الملك الناصر غليه ليلقاه فوقع المصاف على ظهر حمار بين نابلس وجينين فانكسر الملك الناصر كسرة قبيحة ومضى منهزمًا واحتوى الجواد على خزائنه وأثقاله على سبع مائة جمل فأخذت بأحمالها وأخذوا فيها من الأموال والجواهر والجنائب ما لا يحصى واستغنوا غنى الأبد وافتقر الملك الناصر فقرا الملك يفتقره أحد ووقع عماد الدين بن الشيخ بسفط صغير فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر وفصوص ليس لها قيمة فطلبها من الجواد فأعطاه إياها وهذه الأموال هي التي كان الملك المعظم جهز بها دار مرشد ابنته لما زوجها بخوارزم شاه أخذها الملك الناصر ظنًا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد ونزل الجواد في دار المعظم بنابلس داخل البلاد واحتوى على ما فيها وولي فيها وفي أعمال القدس والأغوار من قبله ورحل عماد الدين بن الشيخ ومن معه من عسكر مصر إلى الديار المصرية ولم تعجب هذه الواقعة الملك العادل خوفًا من تمكن الجواد واستيلائه على البلاد فأرسل إليه يأمره بالرجوع إلى دمشق ورد بلاد الملك الناصر إليه ففعل ورحل عائدًا وفي هذه الواقعة يقول به جمال الدين بن عسل. أن الملك الناصر طالع إلى القلعة وساق فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب وخرج من باب الزقاق عرج إلى باب الفرج صاحت العامة لا لا لا وانقلبت دمشق ونزل الملك الناصر بالقابون وفتح الجواد خزائن الكامل وفرق المال والخلع واستقر قدمه وأقام الملك الناصر أيامًا بالقابون فعزم الجواد على مسكه وسير الأمير عز الدين أيبك الأشرفي ليمسكه وكان قد علم الأمير عماد الدين بن موسك بذلك
[ ١ / ١٣٩ ]
فبعث إليه في السر من عرفه فسار في الليل إلى عجلون فوصل عز الدين أيبك إلى قصر أم حكيم وعاد إلى دمشق وأما الملك الناصر فإنه سار إلى الكرك وجمع وحشد ونزل إلى السواحل فاستولى عليها وخيم بعزمة طالبًا للاستيلاء على مملكة والده فرحل الجواد فيمن بقي من العساكر المصرية مقدمهم عماد الدين بن شيخ الشيوخ وفي عساكر دمشق والمماليك الأشرفية وتوجه نحو الملك الناصر فرحل الملك الناصر غليه ليلقاه فوقع المصاف على ظهر حمار بين نابلس وجينين فانكسر الملك الناصر كسرة قبيحة ومضى منهزمًا واحتوى الجواد على خزائنه وأثقاله على سبع مائة جمل فأخذت بأحمالها وأخذوا فيها من الأموال والجواهر والجنائب ما لا يحصى واستغنوا غنى الأبد وافتقر الملك الناصر فقرا الملك يفتقره أحد ووقع عماد الدين بن الشيخ بسفط صغير فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر وفصوص ليس لها قيمة فطلبها من الجواد فأعطاه إياها وهذه الأموال هي التي كان الملك المعظم جهز بها دار مرشد ابنته لما زوجها بخوارزم شاه أخذها الملك الناصر ظنًا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد ونزل الجواد في دار المعظم بنابلس داخل البلاد واحتوى على ما فيها وولي فيها وفي أعمال القدس والأغوار من قبله ورحل عماد الدين بن الشيخ ومن معه من عسكر مصر إلى الديار المصرية ولم تعجب هذه الواقعة الملك العادل خوفًا من تمكن الجواد واستيلائه على البلاد فأرسل إليه يأمره بالرجوع إلى دمشق
[ ١ / ١٤٠ ]
ورد بلاد الملك الناصر إليه ففعل ورحل عائدًا وفي هذه الواقعة يقول به جمال الدين بن عسل.
يا فقيهًا قد ضل سبل الرشاد ليس يغني الجدال يوم الجلاد
كيف ينحني ظهر الحمار هزيمًا من جواد يكر فوق الجواد
ثم لما ملك الملك الصالح نجم الدين دمشق بعد الجواد ورد عليه فخر القضاة نصر الله بن بصاقة رسولًا من الملك الناصر يعده بمساعدته ومعاضدته على أخذ مصر له من العادل ويطلب منه تسليم دمشق وجميع البلاد التي كانت بيد أبيه فوعده الملك الصالح بذلك إذا ملك مصر فأبى الملك الناصر إلا أن ينجز له ذلك فلم يتفق بينهما أمر ثم أن الملك الصالح نجم الدين خرج لقصد الديار المصرية فاستولى الملك الصالح إسماعيل على دمشق وتعلل عسكر الملك الصالح نجم الدين عنه وبقي بنابلس فسير إليه الملك الناصر داود من أمسكه وطلع به إلى قلعة الكرك فاعتقله بها مكرمًا على ما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه وكان الملك الكامل سلم القدس إلى الفرنج سنة ست وعشرين على أن يكون الحرم الشريف بما فيه من المزارات للمسلمين وكذا جميع أعمال القدس ما خلا عشر ضياع على طريق الفرنج من عكا إلى القدس وشرط أن يكون القدس خرابًا ولا يجدد فيه عمارة البتة فلما مات الملك الكامل وجرى ما ذكرناه من الاختلاف بين الملوك عمر الفرنج في غربيه قلعة جعلوا برج داود ﵇ من أبراجها وكان بقي هذا البرج لم يخرب لما خرب الملك المعظم أسوار القدس ولما اعتقل الملك الناصر داود
[ ١ / ١٤١ ]
الملك الصالح نجم الدين بالكرك توجه الملك الناصر بعسكره ومن معه من أصحاب الملك الصالح نجم الدين إلى القدس ونازل القلعة التي بناها الفرنج ونصب عليها المجانيق ولم يزل مصابرًا لها حتى سلمت إليه بالأمان فهدمها وهدم برج داود ﵇ واستولى على القدس ومضى من كان فيه من الفرنج إلى بلادهم واتفق وصول محي الدين يوسف بن الجوزي وصحبته جمال الدين يحيى بن مطروح فقال جمال الدين المذكور.
المسجد الأقصى له عادة سارت فصارت مثلًا سائرا
إذا غدا بالكفر مستوطنًا أن يبعث الله له ناصرا
فناصر طهره أولًا وناصر طهره آخرا
وكتب عن الملك الناصر داود ﵀ بالبشائر بذلك فمن كتاب كتبه عنه فخر القضاة نصر الله بن بصاقة رحمه الله تعالى إلى الديوان المستنصري فصل منه وقابلهم العبد بصليب من الرأي لا يعجم عوده وقاتلهم بجيش المصابرة لا تفل جنوده وجرد إليهم جماعة من عسكر الديوان تشهر عليهم الصواعق من نصالها وترسل عليهم البوائق من نبالها ونصب عليهم المجانيق التي تزاحم الحصون بمناكبها وتحرق شياطينها برجوم حجارتها بدلًا من نجوم كواكبها ومن شأنها أنها إذا قابلت بلدة أخذت بكضمها وفضت برغمها وأنزلها حكمها وأزتها أن السبق للمنجنيق وصخرها لا للقوس وسهمها فرمتها بثالثة الأثافي من جبالها وسحرت
[ ١ / ١٤٢ ]
أعينهم إلا أن الله ما أبطل سحر عصبها ولا سحر حبالها وتقريبه لهم وإحسانه إليهم وإلى كل من تقدم إليه أوحد زمانه جوادًا كريمًا كثير العطاء ممدحًا وشعره في نهاية الجودة والفصاحة وكان في البيت الأيوبي جماعة ينظمون الشعر لم يكن فيهم من يتقدمه فيه إلا أن كان الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه صاحب بعلبك فإنه شاعر مجيد مكثر وكان قد أدركته حرمة الأدب كما أدركت عبد الله بن المعتز وغيره من الملوك الفضلاء ولم يزل منذ توفي والده ﵀ في سنة أربع وعشرين وستمائة وإلى أن أدركته منيته في نكد وتعب ونصب لم يصف له من عمره سنة واحدة وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم ولم يكن له رأي حازم في تدبير المملكة فإنه مع تقدير الله تعالى لما مات والده لو دارى الملك الكامل ونزل له عن بعض البلاد كان أبقى عليه دمشق ثم لما طلبه الملك الأشرف ليزوجه ابنته ويجعله ولي عهده على ما ذكرنا لو أجابه حضر إليه لاستقل بعد الملك الأشرف بالشام والتفت عليه المماليك الأشرفية مع المعظمية وكان قد دنا أجل الملك الكامل فاستقام أمره لما مات الملك الكامل لو قبل من رأي الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد - ٧٣ ألف - وأنفق في المعظمية واستمالهم لملك دمشق ولم يلتفت على من بالقلعة ثم لما ضرب المصاف مع الجواد لو أحرز خزائنه وأمواله ببعض قلاعه لبقيت له وكانت عظيمة جليلة المقدار يمكنه أن يستخدم بها من العساكر جملة كثيرة ثم لما حصل الملك الصالح نجم الدين في قبضته لو أراد به أخذ الشام لأخذه وسلمه لأخيه العادل أو إلى عمه الصالح
[ ١ / ١٤٣ ]
إسماعيل ثم اعتقله لم يحسن عشرته من كل وجه وكان يبد ومنه في بعض الأوقات أمور أثرت في قلب الملك الصالح نجم الدين ولم يحرج منه وكان الملك الصالح باطن والملك الناصر سليم الصدر ثم اقتضى رائه إطلاقه ومساعدته على تمليك الديار المصرية واشترط عليه أمورًا لا يمكنه القيام بها ولا تسمح بها نفس بشر لو أمكنت واستحلفه على ذلك فلما تحقق الملك الصالح نجم الدين أنه لابد له من الحنث ضرورة في البعض حنث في المجموع قال الملك الصالح حلفني على أمور لا يقدر عليها ملوك الأرض منها أنني آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والموصل وديار بكر وغيرها ونصف ديار مصر وما في الخزائن من المال والجواهر والثياب والخيول والآلات وغيرها فحلفت له - ٧٣ب - من تحت السيف ﵀.
قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان كنت أسمعه يقول كثيرًا إذا طلب منه حاجة تتعذر عليه إذا شئت أن تطاع، فامتثل ما يستطاع ثم معاملة الملك الصالح نجم الدين بعد أن تملك بما كان يعامله به وهو عنده معتقل بقلعة الكرك إلى أن حصل من الوحشة والمباينة بينهما ما آل به إلى انتزاع بلاده منه ثم لما توجه إلى حلب واستنابته لولده المعظم دون أخوته مع تميزهم عليه حتى أوغر صدورهم فكان ذلك من أسباب خروج الكرك عنه ثم لما توجه إلى حلب ترك بالكرك إسحاق المقدم ذكره مع إفراط ميله إليه ومحبته له فلو استصحبه لأمن مما
[ ١ / ١٤٤ ]
ترتب على تركه من السبب الموجب لأخذ الكرك وحصول الوحشة والمنافرة بينه وبين ولده الملك الأمجد وكان يتسلى برؤيته وخفف عنه من أثقال همومه ثم إيداع تلك الجواهر النفيسة عند الخليفة فآل الأمر إلى كثرة تعبه ونصبه وتبذله وسفره ولم تعد إليه إلى غير ذلك من الأمور التي فارق فيها الحزم وذلك تقدير العزيز العليم وكان الملك الناصر داود ﵀ معتنيًا بالكتب النفيسة حصل منها جملة كثيرة ذهبت بعد وفاته وكان يجيز الشعراء بالجوائز السنية قدم عليه شرف الدين راجح الحلى شاعر الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين ﵀ ومدحه بعدة قصائد فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم وأجازه على قصيدة واحدة امتدحه بها وهو بنابلس بألف دينار مصرية والقصيدة من غرر القصائد وهي:
أمنكم عبقت مسكية النفس صبا تبسمت منها برء منتكس
تمت بما استودعت والفجر حمرته ما ذنب إيقادها من فحمة الغلس
ردت على مقلتي طيب الرقاد فها أنسانها بلذيذ النوم في أنس
فيا لها نفحة خالست نسمتها لما تيقنت أن العيش في الخلس
وللنسيم إشارات إذا التبست فسرها عند مثلى غير ملتبس
فما قعودك بي عن بيت وسكرة يغنيك آلاؤها في الليل عن قبس
يديرها ثمل الأعطاف قامته لو مثلت لغصون البان لم تمس
يسعى بها والدجى من حلى أنجمهعار ولكن بأنوار الكؤس كسى ٧٤ ب
[ ١ / ١٤٥ ]
والسحب تضحك بغر النور أدمعها والجوفى مآتم والأرض في عرس
بدر وقائع قلبي في محبته بين اللمى وفتور الجفن واللمس
نبهته ونجوم الأفق تسبح في بحر الظلام فمن طاف ومنغمس
فقام يمسح ما في الطرف من سنة وقد تمشى الكرى في الأعين النعس
فسكنت سورة الصهباء شرته واستودعت بعض ما في الخلق من شرس
فما ضممت الذي في العطف من هيف حتى استكف الذي في الطرف من شوس
فلا عدمت طلا صادته كأس طُلى فما ثنى عطفه عن نيل ملتمس
هذا وركب عفاة قد عدلت بهم إلى مغاني الغنى عن أربع درس
عافوا وردوا عود الباخلين فما أجروا مطالبهم منها على يبس
فقلت نصو راكاب الحمد واحدة إلى مقر العلى في رأرض نابلس
إلى مقر تناجيني جلالته كأني واقف في حضرة القدس
لوذوا بداود محيى الجود وانتجعوا عرائس على نعماه من حرس
نصوا إلى الناصر السلطان عيسكم فهو ملك الأيادي غير منبجس
لا تعدلوا عن ندى بدر أغريد طلق الأسرة مرهوب السطا تدمر
[ ١ / ١٤٦ ]
إن خاب فادح ملث الغيث منهمرًا أوصال فاخش وثوب الضيغم الشرس
ذو العلم يشرف والألباب مظلمة فاسلك مساقط ذاك النور واقتبس
فارضه تلق عباب اليم ملتطمًا والعي قد ألجم الأفواه بالخرس
يضيء في ظلمات الشك مكرمة كما أضاء ظلام الليل بالقبس
ابان من كرم ملآن من همم ترفعت فهي لا تدنوا إلى دنس
حفت إلى بابه عيسى فأثقلها بأنعم أنقذت من جدبي التعس
أحلني ذروة العلياء مقترعًا والعزا وطال من صهوة الفرس
وردعني صروف الدهر حين طغت لها وقائع من أيامها الحمس
يهمى نداه إذا استصحبت ديمته كأنني قلت يا أمواهه انبجسي
لبيك يارئ آمالي التي ظمئت ويحسن الصنع عندي والزمان مُسى
لبيك فالعبد ما حالت مودته عما عهدت ولا عاهدته فنسى
تفديك نفسي وأبكار القريض وما مقدار نفسي وما أهديه من نفسي
أنت الذي رشني إذ خصني زمني بالأمس وأبيسى والدهر مفترسي
غرستني فاجتنيت الحمد من مدحي وليس يجني ثماري غير مغترسي
٧٥ - ب فدم دوام الثريا فهي خالدةوطأ بنعليك أرقاب العدى ودس
فتلك قوم متى عاينُت أوجههم بكيت فاغتسلت عيني من النجس
[ ١ / ١٤٧ ]
وانقطع إليه الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسرو شاهى تلميذ فخر الدين الرازي فوصل إليه منه أموال جمة وكذلك كل من انتمى إليه استفاد من ماله ومن علمه فكانوا معه كما قيل فأخذ من ماله ومن أدبه ومن نظمه ﵀ أعني الملك الناصر داود رحمه الله تعالى.
لما بدا في مروزى قبائه وعليه من درب النضار تبهرج
مثلته قمرًا عليه سحابة مزرورةً فيها البروق ترجرج
وله أيضًا:
إلى كم أخفى الوجد والدمع بائح وكم ارتجى صبرًا وصبري نازح
خلعت عناني وانطلقت مع الصبي وشمرت عن ساق الهوى لا أبارح
وبي ظبية كحلاء قلبي كنا سها لذا جنحت منى إليها الجوانح
ولو لم يكن ظبيًا نفارًا ومقلة وجيدًا لما تاقت إليها الجوارح
على لين غصن البان منها مخايل وشمس الضحى منها عليها ملامح
ولولا سناها ما تألق بارق ولولا هواها ما ترنم صادح
حننت إليها والغزام يحثنى وقد ساقني شوق إليها يكافح
ولما أتاني طيفها يخبر الهوى ويوهمني بالكر أني مصالح
تذكرت ربع الأنس عن أيمن الحمى وأغصان بانٍ دونه تتناوح
فكادت بظهر النفس من فرط شوقها إلى عالم فيه النفوس سوانح
مقربة الأرواح في عالم البقا مقربة من ربها لا تبارح
[ ١ / ١٤٨ ]
يطاف عليهم من رحيق ختامه من المسك ما تحييك منه الروائح
جنان عليهم دانيات قطافها وفي ظلها ما لا تمنى القرائح
هنالك من لم يأته فهو خاسر ومن حل فيه فهو لا شك رابح
وقال:
زار الحبيب وذيل الليل منسدل فانجاب عن وجهه داجى غياهبه
فقال لي صاحبي والضوء قد رفعت يداه من ليلنا مرخى جلا ببه
أما ترى الضوء في ليل المحاق لقد جاء الزمان بضرب من عجائبه
فقلت يا عاذلًا من نور طلعته أما ترى البدر يبدو في عقاربه
وقال:
لئن عاينت عيناي أعلام جلق وبان من القصر المشيد قبابه
تيقنت أن البين قد بان والنوى نأى شحطها والعيش عاد شبابه
- ٧٦ ب - وقال:
طرفي وقلبي قاتل وشهيد ودمعي على خديك منه شهيد
يا أيها الرشأ الذي لحظاته كم دونهن صوارم وأسود
من لي بطيفك بعد ما منع الكر عن ناظريّ البعد والتسهيد
أما وحبك لست أضمر سلوة عن صبوتي ودع الفؤاد يئيد
والذ مالا قيت فيك منيتي وأقل ما بالنفس فيك أجود
ومن العجائب أن قلبك لم يلن لي والحديد الآنه داود
[ ١ / ١٤٩ ]
وقال:
ما استصرخ الصبر قلبي وهو مذعور إلا وقد سلبته الأعين الحور
ولا سبأ عن خاطري جفن له غنج إلا وصارمه بالسحر مشهور
أفدي التي صيرت قلبي بها دنفًا فرق السوالف يلقى وهو مأسور
وردية الخد فيها معتقة من سكرها نرجس الأجفان مخمور
قد خيم السحر في أجفان ناظرها والسحر فما له في القلب تأثير
يجلو هواها وان أجرت دمي عبثًا ولا أبالي فإن الموت مقدور
لولا سناها وخداها لما عبدت كما تعبدتها نار ولا نور
وله من جملة قصيدة:
وإذا الملوك تكثرت بعد يدها للمقتنين بسواك لا أتكثر
وإذا طغت وبغت بما خولتها أقبلت نحوك خاضعًا أستغفر
مالي مراد في جنان زخرفت كلا ولا أخشى جحيمًا تسعر
لكنني أبغي رضاك وخشيتي أني تخبط بي الذنوب فاهجر
وكتب إلى الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص يستدعيه إلى مجلس أنس وذلك لما كانا نازلين ببيسان حين كانا متفقين على حرب الملك الصالح نجم الدين وهما إذ ذاك معاضد أن الملك الصالح عماد الدين وذلك يوم العيد في زمن الربيع.
[ ١ / ١٥٠ ]
يا ملكًا قد جلا العصرا وفاق أملاك الورى طرا
وفاق في نائله حاتما وبذ في أقدامه عمروا
وباكر العلياء فاقبضها وكانت الناهدة البكرا
أما ترى الدهر وقد جاءنا مستقبلا بالبشر والبشرى
تجري الدنيا ما أتانا به أحسن وأكرم بالذي أجرى
العيد والنيروز في حالة وطلعة المنصور والنصرا
والأرض قد تاهت به واغتدت تختال في جدتها الحضرا
عبّست السحب على نورها فراح ثغر النور مفترا
الصوم قد ولى بالأمة وال فطر باللذات قد كرا
فانهض بلا مطل ولا فترة ترتشف المشمولة الحمرا
حبرية قد عتقت حقبة فأقبلت تخبر عن كسرى
واستجلها صفراء قدسية تحسبها في كأسها تبرا
اوذوب جمر حل في جامد ال سماء فألقى فوقه درا
وبادر اللذة في حينها وقم بنا ننتهب العمرا
في دوحة أترجها يانع يلوح في الأغصان مصفرا
كأنه إذ لاح في دوحها وجه سماء اطلعت زهرا
وأسلم ودم في عيشة رغدة تُبلى على جدتها الدهرا
وقال:
أحب الغادة الحسناء ترنو بمقلة جؤذر فيها فتور
[ ١ / ١٥١ ]
ولا أصبو إلى رشأ غرير وإن فتن الرشأ الغرير
وإني يستوى شمس وبدر ومنها يستمد ويستنير
وهل تبدو الغزالة في سماء فيظهر عندها للبدر نور
وقال:
وإني إذا ما الغرا بدى مودتي خداعًا وأخفى الغل بين الأضالع
لا ظهر جملًا بالذي أنا عالم بمكنونه فعل اللبيب المخادع
وأغدو إذا ما أمكنتني فرصة عليه بماضي الحد أبيض قاطع
بضربة مقدام ثبوت مجرب نعسه بين اللها والأخادع
وقال في معنى قصيدة
المسك بعض دم الغزال فلا تضع دم من بلحاظه الآراما
فلعله إما يحاول نجدة وردًا وإما في لماه مداما
وقال:
صنم من الكافور بات معانقي في حلتين تعفف وتكرم
فكرت ليلة وصله في هجره فجرت سوابق عبرتي كالعندم
فجعلت أمسح ناظري بسحره إذ شيمة الكافور إمساك الدم
وقال:
عيون عن السحر المبين لها عند تحريك القلوب سكون
تصول ببيض وهي سود فريدها ذبول فتور والجفون جفون
[ ١ / ١٥٢ ]
إذا ما رأت قلبًا خليًا من الهوى تقول له كن مغرمًا فيكون
فقال:
جميعي حين أذكركم شجون وكلى حين أبكيكم عيون
وأنتم غاية الآمال عندي وإن بخلت تقربكم ظنون
وصالكم حياة الروح مني وهجركم الأليم لي المنون
أرى الأشواق تجذبني إليكم وسائقها الصبابة والحنين
بذلت لكم دموع العين لكن هواكم في حشاشتي المصون
يعز عليّ بعدكم ولكم مماتي في محبتكم يهون
أحبتنا أذيتم بالتنائ فؤادي فهو مكتئب حزين
هواكم لا تغيره الليالي وصبري عنكم قل لا يكون
- ٧٨ ب - ومن إنشائه رسالة كتبها إلى المستعصم بالله بعثها على يد فخر القضاة بن بصاقة وهي.
أعز الله سلطان الديوان العزيز النبوي لا زال عزمه الشريف يستدرك فائة الأمور، وهممه العالية تصلح ما. . . الدهور، وسعيه الميمون في مصالح المسلمين هو السعي المشكور - العبد المملوك يقبل العتبة الشريفة الديوانية تقبيلًا يتقرب به إلى خالقه وخليقته ويتشرف به في حلية المساجلة على أهله وعشيرته، ويجعله في يوم المعاد من أسباب وسيلته وينهى أنه سير إلى الخدمة من ينوب عنه في آدابها، ويستنزل من كرمها مثعجر سمائها، وهو
[ ١ / ١٥٣ ]
عبد الديوان نصر الله بن بصاقة وحمله من المشافهة ما هو مليء بإعادته، ومن الأدعية الصالحة ما هو من وظائف العبد وعادته، والمسؤول من صدقات الديوان العزيز الإقبال عليه بوجه القبول، والإصغاء إليه بالسمع الذي إليه يباح مصونات الأسرار إذا عومل غيره بالإحجام والنكول، وستر ما ينهيه في الخدمة ثبوت كرمه المسدول الذيول، لا زال كرم الديوان عالمًا بخدمات عبيده، فخذا من محض النصيحة منهم بعدده وعديده إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم صاحب حمص
أيا ملكًا يفلي الفلاة جواده تأيد على قلب لقاك مراده
رحلت به ثم انثنيت مكلفًا جواب بليغ لا يرام انتقاده
أتطلب أبكار المعاني وعونها لذي جسد قد سار عنه فؤاده
ألم بجسمي مذ رحلت نحوله وفارق جفني مذ نأيت رقاده
ولا عجب ممن نأت عنك داره إن اقتربت أسقامه وسهاده
أيا راحلًا ولى وخلّى بمهجتي أجيجًا يلاقى زنده وزناده
أسلت شؤون المقلتين فغادرت غدير دموعي لا يرجّى نفاده
وخلفتني كالوحش غير مؤانس خليلًا ولا يلقى إليه قياده
أعز الله أنصار السلطان المقام العالي الملكي المنصوري الناصري ولا أوحش مماليكه من خدمته، وأعاد لهم مشاهدته، ومن عانهم بعد
[ ١ / ١٥٤ ]
عينيه بطلوع طلعته، المملوك يقبل الأرض خدمة متى تذكرها فاضت عبراته، وتوالت حسراته، ويشكو إلى مولاه ما لقي بعده من بعده من توالي أرقه، وتواتر قلقه، وتوحشه حتى من الصديق الحميم، ونفوره حتى من الملك العقيم، فلو نزل بسير ما نزل به لزلزل حتى استوت هضابه بوهاده، أوحلّ بثبير ما حلّ به أسف كما يتأسف في معاده، فالله تعالى يجمع له بمولانا بين الجسد وقلبه ويعيد أيام الأنس بعودة قريبة.
واتفقت له وقعة بالساحل مع الفرنج انتصر فيها فكتب في جملة كتاب كتب هذه الخدمة بعلمه بما من الله تعالى به من النصر والظفر ومهنيئة، باستعلاء الفئة المؤمنة على من حاد وكفر.
ومن كتاب آخر كتبت حيث أثرت مدادها، بمثار نقع جيادها، وبالمكان الذي صرعت فيه كماة أمجادها، بضرب صفاحها، وطعن صعادها، وكلمتهم السن الصفاح بفصيح أقوالها، وأشارت إليهم أنامل الرماح بسلاميات نصالها، فأصبحوا شارة لما أشار إليهم آنفًا وامتطوا أنف الحرب حتى صار أنف الخطى بهم راعفًا.
وكان الأمير سيف الدين علي بن فليح قد سار في خدمته واقطعه عجلون وأعمالها وكان أخوه عماد الدين قد قتل بالشرق في وقعة جرت بين الحلبيين وصاحب ماردين وصاحب الموصل في سنة سبع وأربعين
[ ١ / ١٥٥ ]
فكتب إلى الملك الناصر يعرفه بمقتله فكتب إليه الملك الناصر وفي الجواب يقول الذي إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون كتب الله اسم المولى الأمير سيف الدين في جريدة المهتدين الذي هم بهذه الأخلاق يتخلقون وصيّره من الذين هم لهذه الآيات يتدبرون وأنزل عليه عند حدوث الحوادث صبرًا، وأعظم له في الدارين أجرًا، وأبقاه بعد معمري زمنه دهرًا، وجعل من يتقدمه منهم له ذخرًا، وهجم عل الأسماع والألباب فأصمها، وأصماها، بمصاب الأمير عماد الدين أفاض الله عليه ملابس رضوانه، وبوأه دار تجاوزه وغفرانه، ثبت الله عزائمه، وأقام ببقائه من بيته الكريم دعائمه، أهدى ممن يهدى إلى محجة الصبر، وإن يعرف ما فيه من جزيل الأجر، لأنه يعلم أن هذه الدنيا دار خسران، ومنزل أتراح وأحزان، لا يصفى لأحد عيشًا إلا كدرته، ولا تعاهده عهدًا إلا نقضته ألا ترى أن المرء إذا متع بحياته كثرت مصائبه في أحبابه ولذاته وإن سبقهم إلى حلول رحمته كانت مصيبته في نفسه.
كن المعزى لا المعزي به إن كان لا بد من الواحد
والله تعالى يجعل المولى وارثًا لأعمارهم معمّرًا من بعدهم ربوع ديارهم وليعلم أطال الله له مدة البقاء وأفاض عليه سابغ النعماء، إن العاقل كما يختار لنفسه خير الخيرين فكذلك يشكر إذ كُفى شر الشرين
[ ١ / ١٥٦ ]
وهو ثبته الله وعمره، ووفقه للصبر الجميل وقدّره، أولى الناس أن يتصف بهذه الصفات، ويتسم بهذه السمات، ليكتب مع الصابرين، ويدّخر له إن شاء الله في أعلى عليين وعلى كل حال فالحمد لله رب العالمين ولما ملك الملك الصالح الديار المصرية وحصل بينه وبين الملك الناصر داود من الوحشة ما ذكرنا ورجع الملك الناصر إلى بلاده وأقام بالساحل مرابطًا للفرنج وقوي بسبب الخلف بين الملوك شأن العدو واهتمّوا في عمارة عسقلان وتشييد أسوارها وشنّ الغارات على ما حولها كتب الملك إلى ابن عمه الملك الصالح نجم الدين يستنجد به عليهم فلم ينجده وجمعت الفرنج جمعًا كثيرًا وقصدوا نابلس فهجموها وبذلوا السيف في أهلها وأسروا من وجده بها من النساء والولدان وأقاموا بها ثلاثة أيام يسفكون وينهبون ونصبوا على المساجد صلبانهم وأعلنوا بكفرهم ومن سلم من أهلها تعلق برؤوس الجبال وبلغ الملك الناصر ذلك فقدم مسرعًا في عسكره فلما تحققت الفرنج إقباله رجعوا إلى حصونهم وقد فازوا بما استولوا عليه من القتل والأسر والنهب فكتب الملك الناصر إلى الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ وكان الملك الصالح نجم الدين قد قلده بمصر القضاء والخطابة كتابًا مضمونه أحسن الله عزاء المجلس السامي القضوى العزى في مصابه بالمسلمين وصبّرنا وإياه على ما ذهى به حوزة الدين وأثاب الذين استشهدوا بما وعد به الشهداء من رضوانه، عوضهم عن منازلهم بمنازل الأمن من قصور جنانه، وسامحنا وإياه بما أهملناه من حمية الدين وحفظ أركانه، وبما
[ ١ / ١٥٧ ]
اعتدناه من إغفاله، وخذلانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قول معترف بتقصيره، عن جهاد أعداء الله وأعداء دينه، جهرًا بلسانه وسرًا بيقينه، وذلك لمصيبة المسلمين بمدينة نابلس التي قتلت فيها المشايخ والشبان وسبيت الحلائل والصبيان، واستولت أيدي الكفار على ما كان فيها من خزائن الأموال، والغلال، وما جمعه المسلمون لازمتهم في السنين الطوال، فهو يوم ضرب الكفر بحرابه وتبختر بين أنصاره وأعوانه، وتزهى على الإسلام برونق زمانه، وهو اليوم الذي تقاتلا فيه فأحجم الإسلام ثم تولى، واقتسما فيه بالسهمان فكان سهم الكفر هو السهم المعلى، فيالها من فجيعة أبكت العيون، وأبكت الجفون، وهجمت على القلوب فودت لو أنها فودت لو أنها سقت بالمنون، فيا ليتني نبذت قبل سماعها مكانًا قصيًا، أوليت ربي لم يجعلني بعباده حفيّا، أوليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا، ألا ليت أمي أيّم طول عمرها فلم يقضها ربي لمولى ولا بعل، وياليتها لما قضاها لسيد لبيب أريب طيب الفرع والأصل، قضاها من اللاتي خلقن عواقر فما بشرت يومًا بأنثى ولا قحل، - ٨١ ب - ويا ليتها لما غدت بي حاملًا أصليت بما احتفت عليه من الحمل، ويا ليتني لما ولدت وأصبحت لشد إلى الشد فبات بالرجل.
لحقت باسلًا في فلمت ضجيعهم ولم أر في الإسلام ما فيه من خبل
فيا أيها العز الذي كنا نظن أن الإسلام يتزيد بسعيه غدًا، وأن رقّى عزائمة تكون عليه من سحر الكفار حرزًا، تيقن أن قد عمّ بالشام النفير، ووجبت
[ ١ / ١٥٨ ]
الغزاة على الحدث الطرير، والشيخ الكبير، وجاز للحرة أن تبرز للقتال بغير إذن بعلها وللأمة أن تبارز برمحها ونصلها، ووجب على المجاهدين الإسعاد، والإنجاد، وتعين في طاعة الله الجهاد، فيالسان الشريعة أين الجدال فيه وأين الجلاد، وأين مهند لسانك الماضي، إذا كلّت المهندة الحداد، بعد سيف لسانك في غمده وقد هجرت سيوف الكفار جفونها، وأجرت عيون الأنام على الإسلام شؤونها، إلا وأن الإسلام بدا غريبًا وسيرجع كما بدا، وتقاصرت الهمم عن إسعاده حتى لا يرى له مسعدًا فأنا لله قول من عز عزاؤه في الإسلام وذويه، وبذل في الدفاع عنه ما تملكه يده وتحويه، وصبر في الله على احتمال الأذى وعدم دونه محاميه والله ﷾ يتلا في الإسلام بتلافيه، ويحميه بحمايته، وحسن نظره فيه، أنه قريب مجيب ونظم الملك الناصر أبياتًا وسيرها إلى وزيره فخر القضاة أبي الفتح نصر الله بن هبة الله بن عبد الله بن عبد الباقي الغفاري المعروف بابن بصاقة لينظر فيها وهي:
يا ليلة قطّعت عمر ظلامها بمدامة صفراء ذات تأجج
بالساحل النائب روائح نشره عن روضة المتروح المتأرج
واليمّ زاه قد هدا تياره من بعد طول تقلقل وتموج
طورًا يدغدغه النسيم وتارةً يكرى فيوقظه بنان الخزرج
[ ١ / ١٥٩ ]
والبدر قد ألقى سنا أنواره في لجه المتجعد المتدبج
فكأنه أذمدّ صفحة متنه بشعاعه المتوقد المتوهج
نهر تكون من نضار مائع يجري على أرض من الفيروزج
فوقف عليها فخر القضاة المذكور وكتب إليه وأما الأبيات الجيمية الجمة المعاني، المحكمة المباني، المعوذة بالسبع المثاني، فإنها والله حسنة النظام بعيدة المرام، متقدمة على شعراء من تقدمها في الجاهلية وعارضها في الإسلام، قد أخذت بمجامع القلوب في الإبداع، واستولت على المحاسن فهي نزهة الأبصار والأسماع، ولعبت بالعقول لعب الشمول إلا ان تلك خرقاء وهذه صناع، - ٨٢ ب -.
ثم أن الملك الناصر أخرج الملك الصالح نجم الدين وتوجه معه إلى الديار المصرية فملكها وكان حصل الاتفاق بينهما قبل ذلك على أمور اشترطها الملك الناصر وحلف عليها الملك الصالح وهو عنده معتقل بالكرك وكانت مشقة يتعذر الوفاء بها لكثرتها من الأموال والبلاد فلما ملك الملك الصالح الديار المصرية حصل التسويف والمغالطة فيما حصل الاتفاق عليهم فحصلت الوحشة وتأكدت وعاد الملك الناصر إلى بلاده على غضب وشرع النفور يتزايد من الجهتين وتمادى الأمر على ذلك إلى أن حصلت المباينة الكلية فقصدت عساكر الملك الصالح جمع ما وصلت إليه أيديهم من بلاد الملك الناصر فاستولوا عليه ثم توفي الأمير
[ ١ / ١٦٠ ]
سيف الدين قليج سنة أربع وأربعين وهو من أعيان الأمراء الأكابر.
وكان الملك الناصر أقطعه قلعة عجلون وعملها فتسلمها عمه الملك الصالح عماد الدين واستنزل أولاده من قلعتها وكان قد سير الأمير فخر الدين بن الشيخ لقصد الملك الناصر داود فقصده وأخذ منه القدس ونابلس وبيت جبريل والصلت والبلقاء وخرب ما حول الكرك والملك الناصر بها في حكم المحصور ثم نازلها الأمير فخر الدين وحاصرها أيامًا ثم رحل عنها وقل ما عند الملك الناصر من المال والذخائر واشتد عليه الأمر فنظم معاتب الملك الناصر نجم الدين ابن عمه:
قولوا لمن قاسمته ملك اليد ونهضت فيه نهضة المستأسد
واقعت عليه كل أصيد من ذوي رحمي عريق في العلا والسودد
لا قيتم بسنان كل مثقف صدق الكعوب وحدّ كل مهند
غاضبت فيه ذوي الحجى من أسرتي وأطعت فيه مكارمي وتوددي
يا قاطع الرحم التي صلتي لها ألفت على الفلك الأثير بعسجد
شددت نحوى بالعتاب مقالة جاءت كتبهم للنضال مسدد
أتقول فيّ مقالة لك جرها إن انصفت أوكلها إذ يعتدى
إن كنت تقدح في صريح منابتي فاصبر بعرضك في اللهيب الموجد
عمي أبوك ووالدي عم به يعلو انتسابك كل ملك أصيد
صالا وجالا كالأسود ضواريًا وأبرير تيار الفرات المزبد
ورثا الحماسة والسماحة عن أب ورّاد حرب مورد المحتدي
[ ١ / ١٦١ ]
العادل الملك المؤيد بالتقى سيف الإله على البغاة محمد
دع سيف مقول البليغ يذبّ عن أعراضكم بفرنده المتوقد
فهو الذي قد صاغ تاج فخاركم بمفصل من لؤلؤي وزبرجد
وفلئن غدوت بما تقول مخصصي لأبرهنن على الصحيح المسند
إني الذي اشتهرت جميل خلائقي لفعال معروف وقول أحمد
٨٣ - ب الناس أجمع يعلمون بأننيمن آل شادي في صميم المحتد
بيتي ونفسي في المعالي آية مثل السها ما أن تلامس باليد
سمح إذا ما شح موسر معشر في حالتي بطار في وبمتلدي
إني لأفضل والملوك كثيرة في حالتي خوف وعام أجرد
بيتي إذا ألف خاف حرًا ورجا حرم الدخيل وكعبة المسترفد
حصن المطرد إن تعذر منعه من خوف جماع الجنود مؤيد
آوى المشدد لي وأعطى ما نعى وأقيل أعدائي وأرحم حسّدي
إن الغنى والجود من نفسي الفتى ليست بكثرة أنيق أوأعبد
ما كل مقلال ضنين يا للمى ما كل مكثار بذي كفّ ندى
كم من فقير كالغني بفعله وأخى غني كالمملق المتجدد
قلد الجود ووجهه متهلل ولذاك يأخذ وهو كالعاني الصدى
ما أمنى العافون إلا عاينوا بشرًا بوجهى واخضلالًا في يدي
ما إن ربيت ولا أرى في مهلتي يومًا على أهلي بفظ أنكد
[ ١ / ١٦٢ ]
إني لهم في النائبات كخادم والخادم الكافي لهم كالسيد
وأنا المجيب دعاهم إن أرهفوا علنًا بصوتي في الحجاج الأربد
وأقيهم بحشاشتي متبرعًا من كل بؤس رائح أو مغتدي
أفديهم أن قوتلوا وأمدهم إن أعسروا وارد. . . السوددي
يا مخرجي بالقول والله الذي خضعت لعزته جبين السجّد
لولا مقال الهجر منك لما بدا مني افتخار بالقريض المنشد
إن كنت قلت خلاف ما هو شيمتي فالحاكمون بمسمع وبمشهد
والله يا ابن العم لولا خيفتي لرميت ثغرك بالعداة المرّد
لكنتى ممن يخاف حزامة ندمًا تجرعني سمام الأسود
فأراك ربك بالهدى ما ترتجي ليراك تفعل كل فعل أرشد
لتعيد وجه الملك طلقًا ضاحكًا وترد شمل البيت غير مبدد
كيلا ترى الأيام فينا فرصة للخارجين وضحكة للحسد
لا زال هذا البيت مرتفع البنا يزهو بأمجد آخر أمجد
يحوى البنون المجد عن آبائهم إرثًا على مر الزمان الأطرد
حتى يكونوا للمسيح عصابة بهم يسوس المعتدي والمهتدي
وفي سنة ست وأربعين ورد الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي على الملك الصالح وهو بدمشق رسولًا من الملك الناصر داود ومعه ولده الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر ومضمون الرسالة أن
[ ١ / ١٦٣ ]
يتسلم الملك الصالح الكرك ويعوضه عنها الشوبك وخبزًا بالديار المصرية فأجاب الملك الصالح إلى ذلك ثم رحل إلى الديار المصرية في المحفة لمرضه وسير تاج الدين بن المهاجر ليتسلم الكرك منه ويسلم الشوبك عوضها فتوجه لذلك فوجد الملك الناصر قد رجع عنه لما بلغه من حركة الفرنج إلى الديار المصرية ومرض الملك الصالح وتربص الدوائر فلما دخلت سنة سبع وأربعين ضاقت الأمور بالملك الناصر بالكرك فاستناب بها ولده الملك المعظم شرف الدين عيسى وأخذ ما يعز عليه من الجواهر ومضى في البرية إلى حلب مستجيرًا بالملك الناصر صلاح الدين يوسف كما فعل عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل فأنزله صاحب حلب وأكرمه وسير الملك الناصر داود ما معه من الجواهر إلى بغداد لتكون وديعه له عند الخليفة المستعصم بالله فلما وصل الجواهر إلى بغداد قبض وسير إلى الملك الناصر داود خط بقبضه وأراد أن يكون آمنًا عليه لكونه مودعًا في دار الخلافة فلم ينظره بعد ذلك وكانت قيمته مائة ألف دينار إذا بيع بالهوان وكان المعظم الذي استنابه والده بالكرك أمه أم ولد تركية الملك الناصر يميل إليها ويحب ولدها أكثر من إخوته الباقين وكان للملك الناصر من ابنة عمه الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك العادل أولاد منهم الملك الظاهر شادي أكبر أولاده والملك الأمجد مجد الدين حسن وكان فاضلًا نبيهًا مشاركًا في علوم شتى وكان للملك الناصر أيضًا أولاد أخر من أمهات أولاد شتى فلما قدم المعظم عليهم تعلموا خصوصًا الظاهر والأمجد لكبر سنهما
[ ١ / ١٦٤ ]
وتميزهما في أنفسهما ولما كان الملك الصالح نجم الدين بالكرك كانت أمهما تخدمه وتقوم بمصالحه لكونها ابنة عمه وكان والداها المذكوران يأنسان به ويلازمانه في أكثر الأوقات واتفق مع ذلك ضيق الوقت وتطاول مدة الحصر فاتفقا مع أمهما على القبض على أخيهما المعظم فقبضاه واستوليا على الكرك وعزما على تسليمها إلى الملك الصالح نجم الدين وأن يأخذا عوضًا عنها فسار الملك الأمجد إلى العسكر بالمنصورة فوصل يوم السبت لسبع مضين من جمادى الآخرى سنة سبع وأربعين واجتمع بالملك الصالح فأكرمه وأقبل عليه وتحدث مع الملك الصالح في تسليم الكرك وتوثق منه ولنفسه ولأخوته وطلب خبزًا بالديار المصرية يقوم به فأجابه إلى ذلك وسير إلى الكرك الطواشي بدر الدين بدر الصوابي متسلمًا لها ونائبًا عنه بها ووصل إلى العسكر أولاد الملك الناصر جميعهم وأخواه الملك القاهر عبد الملك والملك المغيث عبد العزيز ونساؤهم وجواريهم وغلمانهم وأتباعهم واقطعوا اقطاعات جليلة ورتب لهم الرواتب الكثيرة وأنزل أولاد الملك الناصر الأكابر وأخواه في الجانب الغربي قبالة المنصورة وفرح الملك الصالح بأخذ الكرك فرحًا عظيمًا معما هو فيه من المرض العظيم الذي لا يرجى برؤه وزينت القاهرة ومصر وضربت البشائر بالقلعتين وكان تسلم الكرك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرى سنة سبع وأربعين وستمائة وحكى لي أن آكد الأسباب في تسليم الكرك معمًا تقدم ذكره من الأسباب أن الملك الناصر كان يميل إلى شخص من أولاد غلمانه يدعى إسحاق
[ ١ / ١٦٥ ]
وكان بارع الجمال مفرط الحسن وله فيه أشعار مشهورة فلما توجه إلى حلب تركه بالكرك فمال إليه الملك الأمجد بن الملك الناصر نيلًا مفرطًا واستحوذ الشاب إلى الملك الأمجد وكلاهما جميل الصورة والأمجد أسن منه بسنين يسيرة وجرى في ذلك فصول يطول شرحها فتخيل الأمجد أن والده متى تمسكن منه فرق بينهما قطعًا وربما أعدم الشاب بالكلية لأنه كان شديد الغيرة عليه ولا يخلو الأمجد من أذية تناله ومكروه يوقعه به فكان هذا آكد الأسباب في تسليمها ولو تأخر تسليمها لبقيت لهم مع تقدير الله تعالى فإن الملك الصالح كان قد اشتغل عنهم وعن غيرهم بنفسه وما به من الأمراض العظيمة المهولة وبما دهمه من قصد الفرنج الديار المصرية واستيلائهم على طرق بلادها وأعقب ذلك موته ثم قدوم الملك المعظم ولده وقتله ثم تفرق المماليك وإنفراد الشام عن مصر وإشتغال الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالمصريين واشتغالهم به ثم قصد التنر البلاد الشامية واستيلاؤهم
عليها ثم كسرتهم وقصر مدتهم لله الحمد والمنة لكن إذا أراد الله أمرًا بلغه. ها ثم كسرتهم وقصر مدتهم لله الحمد والمنة لكن إذا أراد الله أمرًا بلغه.
وأما الملك الناصر داود فبقي في حلب عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف وبلغه ما جرى فعظم عليه جدًا فمات الملك الصالح وتملك البلاد الملك المعظم ولده وقتل وأخرج الطواشي بدر الدين الصوابي الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل وملكه الكرك والشوبك وملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف دمشق والشام على ما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه فلما أستقر قدم الملك الناصر صلاح الدين يوسف
[ ١ / ١٦٦ ]
بدمشق في سنة ثمان وأربعين ومرض بها مرضًا يؤس منه فيه.
وكان معه بدمشق في سنة الملك الصالح عماد الدين إسماعيل والملك الناصر داود فقيل أن الملك الناصر داود سعى في أيام مرض الملك الناصر يوسف والأرجاف في أن يتملك دمشق فلما عوفي الملك الناصر بلغه ذلك فتقدم بالقبض عليه وسيره تحت الحوطة إلى حمص فاعتقله في قلعتها فقال الملك الناصر داود أبياتنًا أولها.
إلهي إلهي أنت أعلى وأعلم بمحقوق ما تبدي الصدور تكتم
وأنت الذي ترجى لكل عظيمة وتخشى وأنت الحاكم المتحكم
٨٦ب - إلى علمك الفصل أشكو ظلامتيوهل بسواه ينصف المتظلم
أبث جنايات العشيرة معلنًا إلى من بمكنون السرائر يعلم
أتيتهم مستصرخًا مستجرمًا كما يفعل المستصرخ المتظلم
فلما يئسنا نصرهم ونوالهم رمونا بإفك القول وهو مرجم
وقطع مني ما أمرت بوصله وإحلال أبعاد القرابة يحرم
مليكي أتعلوني الملوك بقهرها وأنت ملاذي منهم وهم هم
فحسبي اعتصامًا إنني بك لائذ إذا هز خطى وجرد مجرم
أغثنا اغثنا من عانا يكن لنا بك النصر حتى يخذلوا ثم يهزموا
لندركهم من باسنا بكتائب تهد صناديد الملوك وتهدم
لنسقيهم كأسًا سقونا بمثلها ونعفو ونسخو إذ سطوا وتلوموا
[ ١ / ١٦٧ ]
طلبنا جليلًا من عظيم وإنما يجود على المكرمات المعظم
يجدد نعماك القديمة عندنا حديث إياد لفظها يترنم
فنصرك مجعول لنا ومعجل وبرك معلوم لنا فهو معلم
وبقي في الاعتقال مدة ثم أفرج عنه بشفاعة وردت من الديوان فتوجه إلى العراق فلم يؤذن له في دخول بغداد مراعاة لخاطر الملك الناصر صلاح الدين يوسف وطلب الوديعة فلم تحصل له وجرى له خطوب يطول شرحها وآخر الأمر وقعت شفاعة في حقه على أن يكون في خدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ويطلق له ما يقوم بكفايته فحصلت الإجابة إلى ذلك وورد دمشق وأقام بها فلما وردت سنة ثلاث وخمسين طلب من الملك الناصر دستورًا ليمضي إلى العراق ليأخذ الوديعة ثم يتوجه إلى مكة شرفها الله تعالى لقضاء فريضة الحج فأذن له وطلب منه أن يكتب كتابًا إلى الخليفة يشفع له في رد وديعته إليه ويخبره بالرضا عنه لينقطع بذلك ما يحتج به عليه من جهته فأجابه إلى ذلك وكتب له فسافر إلى العراق وجعل طريقه على كربلاء مشهد الحسين بن علي ﵉ وأقام به وسير إلى الخليفة المستعصم بالله قصيدة يمدحه بها ويتلطف ويمت بقصده وخدمة وهي:
مقامك أعلى في الصدور وأعظم وحلمك أرجى في النفوس وأكرم
فلا عجب أن غص بالقول شاعر وفوه مصل اللها بين مفحم
وأني يقول والمحل معظم ولم لا وما يرجى من الحلم أعظم
[ ١ / ١٦٨ ]
إليك أمير المؤمنين توجهي بوجه رجاء عنده منه أنعم
إلى ماجد يرجوه كل ممجد عظيم ولا يغشاه إلا المعظم
ركبت إليه ظهر تيماء قفرة بما تسرج الأعداء خيلًا وتلجم
فأشجارها ينع وأحجارها ظبي وأعشابها نبل وأمواهها دم
رميت فيافيها بكل نجيبةبنسبتها يعلو الجديل وشذقم ٨٧ ب
يجاذبنا فضل الأزمة بعد ما براهن موصول من السير مبرم
تساقين من خمر الكلال مدامة فلا هن أيقاظ ولا هن نوم
يطسن الحصى في جمرة القيظ بعد ما غدا يتبع الجبار كلب ومرزم
تلوح سباريت الفلاة مسطر بأخفافها منه فصيح وأعجم
تخال ابيضاض القاع تحت احمرارها قراطيس وراق علاهن عندم
فلما توسطن المساواة واعتدت تلفت نحو الدار شوقًا وبرزم
وأصبح أصحابي نشاوي من السرى يدور عليهم كوبه وهو مفعم
تنكر للخريت بالبيد عرفه فلا علم يعلو ولا النجم ينجم
فظل لا فراط الآسي متندمًا وإن كان لا يجدي الأسى والتندم
لشوف الرغامة صلة لهداية ومن بالرغامة يهتدي فهو يرغم
يناجي فجاج الدو والدو صامت ولا يسمع النجوى ولا يتكلم
على حين قال الظبي والظل قالص وأوقدت المعزاء فهي جهنم
[ ١ / ١٦٩ ]
وجف مزاد القوم فهي أشنة وخف لورد الموت كف ومعصم
ووسع ميدان المنايا بخيله فضاق مجال الريق والتجم الفم
فوحش الرزايا للرزية حصر وطيرالمنايا بالمنية حوم
فلما تبدت كربلا وتبينت قباب بها السبط الزكي المكرم
ولذت به مستشفعا متحرما كما يفعل المستشفع المتحرم
وأصبح لي دون البرية شافعًا إلى من به معوج أمري يقوم
أنخت ركابي حيث أيقنت أنني بباب أمير المؤمنين مخيم
بباب يلاقي البشر آمال وفده بوجه إلى أرفادهم يتبسم
بحيث الأماني للأماني قسيمة وحيث العطايا بالعواطف تقسم
وحيث غصون المجد تهتز للندى تزعزج جوادًا من سجاياه يثجم
عليك أمير المؤمنين تهجمي بنففس على الجوزاء لا تتهجم
تلوم بأن تغشى الملوك لحاجة وللتهابي عنك لا تتلوم
تضن بماء الوجه لكن وفدكم له شرف ينتابه المتعظم
فصن ماء وجهي عن سواك فإنه مصون يصوناه الحيا والتكرم
الست بعيد حرمتي عن وراثة له عندكم عهد تقادم محكم
ومثلي يحيى للفتوق ورتقها إذا هز خطي وجرد مخذم
فلا زلت للآمال تبقى مسلما لتنتابك الآمال وهي تسلم
فلم يجد شيئًا ثم توجه إلى مكة شرفها الله تعالى وقضى فرائض الحج
[ ١ / ١٧٠ ]
وسننه ووقعت فتنة بمكة بين أهلها والركب العراقى فركب أمير الحاج العراقي بمن معه من عسكر الخليفة وكاد يقع بينهم ملحمة عظيمة فقام الملك الناصر داود في الإصلاح حسن قيام واجتمع بالشريف قتادة أمير مكة واخضر إلى أمير الحاج مذعنًا له بالطاعة وقد جعل عمامته في عنقه فرضي عنه أمير الحاج وخلع عليه وذاده على ما جرت به العادة من الرسم وقضى الناس مناسكهم وتفرقوا إلى أوطانهم وهم شاكرون لجميل صنع الملك الناصر وإصلاحه لذات البين وحفظه بما فعل لأموالهم وأرواحهم وكثر دعاؤهم له وثناؤهم عليه ثم توجه أمير الحاج العراقي فلما قدم مدينة سيدنا المصطفى ﷺ قام بين يدي الحجرة الشريفة وأنشد مادحًا للنبي ﷺ وفرائصه ترتعد ولسانه من هيبة ذلك المقام تتلجلج
عليك سلام الله يا خير مرسل أتاه صريح الحي من خير مرسل
إليك امتطينا اليعملات رواسما يجبن الفلا ما بين رضوى ويذبل
إلى خير من أطرته بالمدائح السن فصدقها نص الكتاب المنزل
إليك رسول الله قمت مجمجمًا وقد كل عن ثقل البلاغة مقولي
وأدهشني نور تألق مشرقًا يلوح على سامي ضريحك من على
ثنتني عن مدحي لمجدك هيبة يراع لها قلبي ويرعد مفصلي
وعلمي أن الله أعطاك مدحة مفصلها في مجملات المفصل
فماذا يقول لمادحون بمدحهم بمن مدحه يعلو على كل معتلي
ثم أحضر شيخ الحرم وخدامه ووقف بين يدي النبي صلى الله
[ ١ / ١٧١ ]
عليه وسلم متمسكًا بأذيال الحجرة المقدسة وقال بمشهد وإن هذا مقامي من رسول الله ﷺ داخلًا عليه مستشفعًا به إلى ابن عمه الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين في أن يرد علي وديعتي فأعظم الناس هذا المقام الشريف وجرت عبراتهم وكثر بكائهم وكتب في الحال بصورة ما جرى إلى الخليفة وحمل المكتوب إلى أمير الحاج وحدثه الحاضرون بصورة ما جرى في تلك الحضرة المقدسة وكان ذلك يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين ثم توجه الركب العراقي وصحبتهم الملك الناصر فلما صاروا ببعض المنازل خرج عليهم جمع عظيم من العرب يريدون نهبهم وأخذ أموالهم وأشرعوا لهم الأسنة وأخذوا في مقاتلتهم ومحاربتهم واشتد القتال بينهم وكادوا يظفرون بأمير الحاج ومن معه فخرج الملك الناصر وشق الصفوف واستدعى بأمير السرية وهو أحمد بن حجي بن زيد من آل مري وكان أبوه الأمير حجي صاحب الملك الناصر داود وص والده الملك المعظم للناصر عليه أياد عظيمة فدنا أحمد من الملك الناصر فحذره سوء عاقبة فعله وإقدامه على ركب الخليفة وأخذ في محادثته تارة بالترهيب وتارة بالترغيب إلى أن انقاد له وأجاب إلى الكف ولما رجع الحاج وصحبتهم الملك الناصر إلى العراق خرج أمر الخليفة بإنزال الملك الناصر - ٨٩ب - بالمحلة فنزل بها وقرر له راتب لا يكفيه وجرى له ما ذكرنا من محاسبته على ما وصل إليه من الضيافة وغيرها فعاد إلى الشام ولم يحصل له المقصود وأخر أمره أنه وصل
[ ١ / ١٧٢ ]
إلى قرقيسياتم عاد منها إلى تيه بني اسرائيل كما ذكرنا وانضم غليه جماعة من العرب ورام فيما قيل أن يتصل بالبحرية وذلك في أوائل سنة ست وخمسين وبلغ الملك المغيت فتح الدين عمر صاحب الكرك فخاف منه أن يكثر جمعه من العرب والترك فيقصده فراسله مخادعًا له بإظهار المودة ثم أرسل إليه عسكر فقبضوا عليه وعلى من معه من أولاده فلما وصلوا بهم إلى اللاجية من غور زغراء أفردوه منهم وأذنوا للأولاد أن ينصرفوا حيث شاؤا ومضى أصحاب الملك المغيث بالملك الناصر داود إلى بلد الشوبك وكان تقدم الملك المغيث بأن يهيئ به مطمورة يحبس فيها لينقطع خبره فلما وصلوا به إلى ذلك المكان وجدوا المطمورة لم يتم عملها فأنزلوه في طور هارون ﵇ فلجأ إليه مستشفعًا به وبأخيه موسى صلى الله عليهما وسلم واتفق أن الخليفة لما قصده التتر في هذه السنة أعني سنة ست وخمسين كما ذكرنا اضطر إلى الانتصار بكل أحد فأرسل إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف يستمده بالرجال ويطلب منه أن يسير إليه الملك الناصر داود مقدمًا على من يبعثه من العساكر الذي يستخدمهم لنصرة الإسلام فوصل الرسول من الخليفة بذلك إلى دمشق ثم توجه إلى الكرك لإحضار الملك الناصر داود لهذا المهم فأتاه الفرج من حيث لا يحتسب بعد أن أقام في طور هارون ﵇ ثلاث ليال فقال في ذلك.
تبارك الله إخلاصًا وأيمانًا سبحانه خالقًا بالجود مناما
[ ١ / ١٧٣ ]
هو الذي يقاسي من قعر هاوية أقمت فيها مطار اللب حيرانا
موسى بن عمران بل هارون صاحبه تكفلاني إشفاقًا وتحنانا
هما إلى الله قاما بالشفاعة لي تلطفا فيهما برًا وإحسانا
فأفرج الملك المغيث عنه وتوجه إلى دمشق ونزل بالبويضاء شرقي دمشق وأقام بها يتجهز لنصرة الخليفة وقصر الصلاة مدة إقامته بالبويضاء وتواترت الأخبار بمضايقة التتر بغداد فأشار عله جماعة من أصحابه أن يتأنى في الحركة فقال إني قد بعت نفسي من الله تعالى وما توجهي لطلب دنيا وإنما مقصودي أن أبذل نفسي في سبيل الله لعل الله تعالى يجعل على يدي نفعًا للمسلمين - ٩٠ب - أو تحصل لي الشهادة في سبيله وبينما هو على هذه النية وردت الأخبار بأن التتر ملكوا بغداد وشاع أيضًا خبر لا حقيقة له وهو أن الخليفة لحق بالعرب فقال لا بد لي من اللحاق به فله في عنقي بيعة وقد لزمني الوصول إليه وأخذ بغداد منه لا يسقط وجوب اتباع أمره والذي يخشاه الناس القتل وأنا لا أخشاه وعرض في هذه السنة عم الشام وديار مصر وغيرها وحكى عبد الله بن فضل أحد من كان في خدمته قال لما اشتد الوباء والطاعون عقيب أخذ التتر بغداد تسخطنا به فقال لنا الملك الناصر لا تتسخطوا به فإن الطاعون لما وقع بعمواس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ قال بعض الناس هذا وجه هذا الطاعون الذي بعث على بني إسرائيل فبلغ ذلك معاذ بن جبل ﵁ فقام في
[ ١ / ١٧٤ ]
الناس خطيبًا وقال أيها الناس لا تجعلوا دعوة نبيكم ﷺ ورحمة ربكم عذابًا وتزعمون أن الطاعون هو الطوفان الذي بعث على بني اسرئيل إن الطاعون رحمة ربكم رحمكم بها ودعوة من نبيكم لكم اللهم أدخل على معاذ منه النصيب الأوفى قال ثم افيض علينا موت معاذ وابنه وأهل بيته بالطاعون ثم ابتهل وقال اللهم اجعلنا منهم وارزقنا ما رزقتهم وأصبح من الغد أو بعده مطعونا فلما سمعت بمرضه جئت إليه وهو يشكو ألمًا مثل الطعن بالسيف في جنبه الأيسر بحيث يمنعه من الأضطجاع وحكى ولده شهاب الدين غازي عنه أنه نام بين الصلاتين ثم انتبه فقال إني رأيت جنبي الأيسر يقول لجنبي الأيمن أنا قد جاءت نوبتي والليلة نوبتك فاصبر كما صبرت فلما كان عشية النهار شكى ألمًا خفيفًا تحت جنبه الأيمن وأخذ في التزايد وتحققنا أن ذلك الطاعون فبينما أنا عنده بين الصلاتين وقد سقطت قواه إذ أخذته سنة فانتبه وفرائصه ترتعد فأشار إلي فدنوت منه فقال رأيت النبي ﷺ والخضر ﵇ قد جاءا إلى عندي ثم انصرفا فلما كان آخر النهار قال ما في رجاء فتهيئ في تجهيزي فبكيت وبكى الحاضرون فقال لا تكن إلا رجلًا ولا تعمل عمل النساء ولا تغير هيئتك وأوصاني بأهله وأولاده ثم اشتد به الضعف ليلًا وقمت في حاجة فحدثني بعض من كان عنده من أهله أنه افاق مرعوبًا وقال بالله تقدموا إلى جانبي فإني أجد وحشة فسئل لما ذلك فقال أرى صفًا عن يميني - ٩١ب -
[ ١ / ١٧٥ ]
وصورهم جميلة وعليهم ثياب حسنة وصفًا عن يساري وصورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس وهؤلاء يطلبوني وهؤلاء يطلبوني وأنا أريد أن أروح إلى أهل اليمين وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت ما أجيئ إليكم خلوني من أيديكم ثم أغفى إغفاءة ثم استيقظ وقال الحمد لله خلصت منهم وكانت وفاته رحمه الله تعالى صباح تلك الليلة وهي ليلة السبت السادس والعشرين من جمادى الأولى هذه السنة وعمره نحو ثلاث وخمسين وقد استولى عليه الشيب استيلاء كثيرا وفي صبيحة موته جاء الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ في أقاربه وعساكره إلى البويضاء وأظهر التأسف والحزن عليه ورأى على بعض أقاربه ملبوسا ملونا فأنكر عليه ذلك غاية الإنكار وقال هذا يوم تلبس فيه هذه الثياب وقد مات كبيرنا وشيخنا وأجلنا قدرا ومكانة ثم حمل إلى الصالحية فدفن هناك في تربة والده الملك المعظم رحمهما الله تعالى وكانت والدة الملك الناصر داود رحمه الله تعالى أم ولد خوارزميه وعمرت بعد وفاته دهرًا حكى لي عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ ما معناه أنه قال خرج الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ إلى البويضاء؟ لشهود جنازة الملك الناصر داود ﵀ وكنت في من خرج في خدمته فلما وصل السلطان خرجت والدة الملك الناصر داود حاسرة وقالت اشتفيت بولدي أو هذا معناه من كلام النساء في حال الحزن وسفههن فقال الملك الناصر يا مرة مسلمة والله لقد عز علي فقده وتألمت لوفاته وهو ابن عمي وقطعة من لحمي فكيف
[ ١ / ١٧٦ ]
تقولين هذا القول ثم قعد وتأسف عليه وبكى ولم يتأثر لمقالها وعذرها لما نزل بها ولم يحضر أحد من
أعيان الدمشقيين سوى قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سني الدولة وولده القاضي نجم الدين رحمهم الله تعالى لا غير فالتفت السلطان إلى القاضي صدر الدين وقال ما أقل وفائكم يا دمشقيين يموت مثل الملك الناصر وهو سلطانكم وأبوه سلطانكم وجده سلطانكم وما يخرج أحد إلا أنت وولدك والله كان الواجب على أهل دمشق أن يكونوا من المدينة إلى هنا مكشفي الرؤوس يندبونه ويبكون عليه وشرع في توبيخ الدمشقيين ولومهم على ذلك بما هذا معناه وكان في الملك الناصر داود ﵀ فضيلة وبقية في الآداب والعلوم ومحبة في العلماء فإذا اعتبرت ألفاظها كانت درًا منظومًا وإن اختبرت معانيها كانت رحيقًا مختومًا جلت بعلوها عن المعاني المطروقة والألفاظ المسروقة ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة فلو وجدها بان المعتز لاجرى زورقة الفضة في نهرها وألقى حمولة العنبر في بحرها وألقى تشبيهاته باسرها في أسرها ولو لقيها ابن حمدان لاعتم في موسى الغمام وانبرى بري السهام وتغطى من أذبال الغلائل المصبغة بذيل الظلام ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة وكرته خاسرة وأيقن أن وحوشه غير مكسورة وعقابه غير كاسرة فأين الجزع الذي لم يثقب من الذي قد تنظم وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة ويشفي القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة. الدمشقيين سوى قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سني الدولة وولده القاضي نجم الدين رحمهم الله تعالى لا غير فالتفت السلطان إلى القاضي صدر الدين وقال ما أقل وفائكم يا دمشقيين يموت مثل الملك الناصر وهو سلطانكم وأبوه سلطانكم وجده سلطانكم وما يخرج أحد إلا أنت وولدك والله كان الواجب على أهل دمشق أن يكونوا من المدينة إلى هنا مكشفي الرؤوس يندبونه ويبكون عليه وشرع في توبيخ الدمشقيين ولومهم على ذلك بما هذا معناه وكان في الملك الناصر داود ﵀ فضيلة وبقية في الآداب والعلوم ومحبة في العلماء فإذا اعتبرت ألفاظها كانت درًا منظومًا وإن اختبرت معانيها كانت رحيقًا مختومًا جلت بعلوها عن المعاني المطروقة والألفاظ المسروقة ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة فلو وجدها بان المعتز لاجرى زورقة الفضة في نهرها وألقى حمولة العنبر في بحرها وألقى تشبيهاته باسرها في أسرها ولو لقيها ابن حمدان لاعتم في موسى الغمام وانبرى بري السهام وتغطى من أذبال الغلائل المصبغة بذيل الظلام ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة وكرته خاسرة وأيقن أن وحوشه غير مكسورة وعقابه غير كاسرة فأين الجزع الذي لم يثقب من الذي قد تنظم وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة ويشفي
[ ١ / ١٧٧ ]
القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة.
قلت كان فخر القضاة صاحب هذا الكلام من أعيان الفضلاء مستقلًا بالعلم والأدب والترسل وله النظم الحسن ومشاركة في كثير من العلوم مع ما عنده من الرياسة والمكارم وحسن العشرة ودماثة الأخلاق خدم الملك المعظم ابن الملك العادل ثم ولده الملك الناصر المذكور ووزر له وترسل عنه إلى دار الخلافة وإلى جماعة من الملوك بالديار المصرية وغيرها من البلاد وسمع وحدث وجالس المشايخ والعلماء واعترفوا بغزارة علمه وكثرة فضله وتوفي في منزله بسفح قاسيون ظاهر دمشق يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة سنة خمس وستمائة ودفن هناك ﵀ وأظنه قد نيف على الستين.
ومن كلامه: قتيل الجفون الفواتر في سبيل حبه كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربه إلا أن هذا يغسل بدموعه وهذا يزمل بنجيعه وهذا في حال حياته حتى يرمق وهذا في مماته حتى يرزق وقد الّم ابن الأثير الجزري بهذا المعنى فقال: دمع المحب ودمع القتيل متساويان، في التشبيه والتمثيل إلا أن بينهما بونًا، لأنهما يخلفان لونًا.
ولفخر القضاة:
له الراية السوداء يشرق نورها وتكحل عين النصر منها بأثمد
وله في الملك المعظم عيسى بن العادل:
غبت عن القدس فأوحشته وقد غدا باسمك مأنوسا
[ ١ / ١٧٨ ]
فكيف لا تلحقه وحشة وأنت روح القدس يا عيسى
وله أيضًا:
لقد عدم الفضل والمفضلون وأمسى مريدهما مستريحا
فلا شاعر يستحق النوال ولا باذل يستحق المديحا
وقال ملغزًا في الرمح:
ولي صاحب قد كمل الله خلقه فليس به نقص يعاب فيذكر
عصي صقيل إن أطيل عنانه مطيع خفيف الكل حين يقصر
يسابقني يوم النزال إلى العدى فإن لم أؤخره فما يتأخر
ويؤمن منه الشر ما دام قائمًا ولكن إذا ما نام يخشى ويحذر
أنال به في الروع مهما اعتقلته مراما إذا أطلقته يتعذر
تعدى إلى أعدائه متنصلًا إليهم وما أبدى اعتذارا فيعذر
ترى منه دميًا إلى الخط ينتمي ومغرى بغزو الروم وهو مزنر
عجبت له من صامت وهو أجوف ومن مستطيل الشكل وهو مدور
ومن طاعن في السن ليس بمنحنى ومن أرعن مذ عاش وهو موقر
ففكر إذا ما رمت إفشاء سره فها أنا قد أظهرته وهو مضمر
وكتب إلى شمس الدين بن النعماني كاتب الجيوش ببغداد لغزا في جميل:
ولي صاحب مازال يحسن صحبتي وليس له في المخبتين عديل
[ ١ / ١٧٩ ]
تساوى اسمه بين الأنام وفعله فكل إذا فكرت فيه جميل
متى تلقى حرفًا أولًا تلقه منيعًا يرد الطرف وهو كليل
وإن تلقى منه ثانيًا فهو أمة مقيم يقضي عمرها ويزول
وإن تلق منك ثالثًا فهو صابر لما لد من ثقل الرجال حمول
وإن تلق منه رابعاُ فارتحل إذا تصحف عنه ليس فيه نزول
وقد رضته حتى طفا وهو راسب بلحج وغصّ فالبحر منه طويل
فأجابه ابن النعماني والغز في اسم سعيد:
أمولاي يا من فضله وبيانه وصاحبه كل يقال جميل
ومن حاز أفكار المعاني وفضله لسودده بالمكرمات كفيل
إنا ذلك المومى إليه ومجدكم يبين قياسا لي عليه دليل
ولي صاحب من كان في الناس كاسمه يقول بحد صارم ويصول
متى تلق حرفًا أولًا منه تلقه يهني به كل الورى ويزول
وإن عد حرفًا واحد من حروفه فللنجم منه منزل وحلول
وإن يكن المحذوف حرف انتهى به فليس لإنسان سواه عديل
كذا جاء في التنزيل يا قوم فاعلموا لتأويل ما قد قلته وأقول
فأجابه فخر القضاة:
أمولاي شمس الدين لازلت هكذا تفيد الصديق والعدو تبيد
ولا برحت يمناك في كل عزمة تجود على الراجي وأنت تسود
[ ١ / ١٨٠ ]
أبى الله أن يشقى بمثلك صاحب ولكنه مهما يراك سعيد
فدامت ذلك النعماء في ظل مالك له الخلد دار والملوك عبيد
سمع فخر القضاة وحدث وأجازه الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي ويحيى بن سعد بن بؤس وأبو الفرج عبد المنعم بن كليب الحراني وغيرهم وكتب فخر القضاة إلى الشيخ جمال الدين بن الجوزي ﵀ لغزًا في مقصورة ابن دريد وهو ما يقول سيدنا إمام أئمة الأنصار وصدر صدور الأقطار، وجامع مسانيد السير والأخبار، والعالي كعبه في تحبير العلوم على كعب الأحبار، في عروس جليت في ساعة على بغلين وزفت في ليلة إلى محلين خطباها بظهور السماح لا بصدور الرماح وملكاها بحل الصحاح لا بعقد النكاح وافترعاها في الملأ فلم يكن عليها ولا على أبيها من عيب ولا جناح وهي من المشهورات بين الأنام والمقصورات لا في الخيام باسقة الفرع ثابتة الأصل فائزة عند النضال بالخصل، جامعة المناقب والفضائل ساحبة ذيل الفصاحة على سحبان وائل.
وكتب إلى جمال الدين يوسف بن العنائفي مشرف ديوان بغداد ما يقول سيدنا واصل جناح قاصديه وقاطع جماح معانديه في مطية صامتة جوفاء تارة بدينة وتارة هيفاء إذا كانت ضئيلة صغيرة فهي قائمة على ثلاث متنقلة تنقل الأثاث وإذا كانت عظيمة كبيرة فهي عادية الأرجل والإنبعاث دائمة الإقامة واللباث فإن قصرت وصغرت
[ ١ / ١٨١ ]
كانت مطية صامت جاهل وإن طالت وكبرت كانت مطية ناطق فاضل على أن الصغيرة تباع وتشترى والكبيرة يحرم فيها ذلك ويمتنع ربها بأن يمتطيها ويقتنع وقد خشينا الجمع بين هاتين مع أنه حلال وظمئنا إلى رشف جوابك في ذلك لأنه زلال، فإن أسأنا في السؤال فتجاوز عنا وأحسن إلينا وإن جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا وكتب إلى ابن النعماني.
ومنصوبة مرفوعة عند نصبها ولكنه رفع يؤول إلى خفض
تعين على حر الزمان وبرده بلا حسب ذاك ولا كرم محض
ويصبح للاجي إليها وقاية لبعض الأذى الطاري على الجسم لا العرض
تقوم على رجلين طورًا وتارةً تقوم على رجل بلا غرض منض
إذا حضرت كانت عقيلة خدرها وإن تبد لم تلزم مكانًا من الأرض
قصدت كريمًا خيمه ليبينها وقصد الكريم الخيم من جملة الفرض
يا رافع لواء الأدباء ودافع لأواء الغرباء هذا اللغز ممهد موطأ مكشوف لا مغطأ وقد سطر مفردًا ومجموعًا وذكر مقيسًا ومرفوعًا إلا أنه
[ ١ / ١٨٢ ]
قد استخفى وهو مظهر وأستسر وهو مجهر وتعامى وهو بصير وتطاول وهو قصير وتصامم وهو سميع وتعاصى وهو مطيع ومثل مولاي من عرف وكره ولم يعمل فيه فكره والآمر له على أمره وأطال للأولياء عمره إن شاء الله تعالى.
كان فخر القضاة ﵀ كثير المباسطة لأصحابه واحتمال تبسطهم عليه طلب منه التاج عثمان الدمشقي حمارة فاشتراها له فكتب إليه يتشكر ويقول:
اشترى لي فخر القضاة حماره ذات حسن وبهج ونضاره
صان عرضي بها وعمر داري عمر الله بالحمير دياره
فأجابه على ذلك: قال قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ﵀ هو أبو الفتح نصر الله بن أبي العز هبة الله بن عبد الباقي بن أبي البركات بن الحسين بن يحيى بن علي المعروف بابن بصاقة الغفاري من كنانة المصري الملقب فخر القضاة ﵀.
قلت قد بسطت القول في هذه الترجمة واستوفيت معظم مقاصدها وذكرت بعض المقاطيع بكمالها وذلك لتعذر حصول ديوانه فإنه قليل الوجود أما رسائله فليست كذلك لكنها مليحة من مثله
[ ١ / ١٨٣ ]
وفيها أشياء حسنة ومعاني جيدة وخلف الملك الناصر عدة أولاد ذكورًا وإناثًا وسنذكر أعيان من درج منهم إلى ﵀ إن شاء الله تعالى.
زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم أبو الفضل وقيل أبو العلاء بهاء الدين الأزدي المولد القوصي المنشأ القاهري الدار الكاتب المشهور والشاعر المجيد مولده بوادي نخلة بقرب مكة شرفها الله تعالى لخمس مضين من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وربى بصعيد مصر وقوص قرأ الأدب وسمع وحدث وله النظم الفائق والنثر الرائق وكان رئيسًا فاضلًا كريم الأخلاق حسن العشرة جميل الأوصاف واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين بالقاهرة في حياة أبيه الملك الكامل فلما توجه الملك الصالح إلى الشرق سافر في خدمته وأقام معه فلما مات الملك الكامل وتسلم الملك الصالح نجم الدين دمشق من الملك الجواد كان بهاء الدين المذكور صحبته فلما اعتقل الملك الصالح بالكرك أقام بهاء الدين بنابلس عبد الملك الناصر داود فلما خرج الملك الصالح من الأعتقال وسار إلىالديار المصرية كان بهاء الدين المذكور في صحبته وأقام عنده في أعلى المنازل وأجل المراتب هو المشار إليه في كتاب الدرج والمتقدم عليهم وأكثرهم اختصاصًا بالملك الصالح واجتماعًا به وسيره رسولًا في سنة خمس وأربعين إلى الملك الصالح يوسف ﵀ صاحب حلب يطلب منه إنقاذ الملك الصالح عماد الدين اسماعيل إليه فلم يجب الملك الناصر ﵀
[ ١ / ١٨٤ ]
إلى ذلك وأنكر هذه الرسالة غاية الإنكار وأعظمها واستفضعها وقال كيف يسعني أن أسير عمه إليه وهو خال أبي وكبير البيت الأيوبي ليقتله وقد استجار بي والله هذا شيء لا أفعله أبدًا ورجع بهاء الدين إلى الملك الصالح نجم الدين بهذا الجواب فعظم عليه وسكت على ما في نفسه من الحنق وقبل موت الملك الصالح نجم الدين بمدة يسيرة وهو نازل بالمنصورة تغير على بهاء الدين وأبعده لأمر لم يطلع على فحواه حكى لي أنه سبب تغيره عليه أنه كتب عن الملك الصالح كتابا إلى الملك الناصر داود فلما وقف عليه الملك الصالح كتب بخطه بين الأسطر أنت تعرف قلة عقل ابن عمي وهو يحب من يعظمه ويعطيه من يده فاكتب له ما يعجبه من ذلك وسير الكتاب إليه وهو مشغول فأعطاه لفخر الدين إبراهيم بن لقمان وأمر بختمه فخيمه وجهزه ولم يتأمله وأعطاه للنجاب فسافر به لوقته ولما استبطأ الملك الصالح عود الكتاب إليه ليلم عليه سأل عنه بهاء الدين وقال ما وقفت على ما كتبت بخطي بين الأسطر قال ومن يجسر أن يقف على ما كتبه السلطان بخط يده إلى ابن عمه وأخبره أنه سيره مع النجاب فسيروا في طلبه فلم يدركوه ووصل الكتاب إلى الملك الناصر بالكرك فعظم عليه وتألم له وكتب إلى الملك الصالح يعتبه العتب المؤلم ويقول له والله ما بي ما يصدر منك في حقي وإنما بي أطلاع كتابك على مثل ذلك فعز على الملك الصالح وغضب على بهاء الدين زهير وبهاء الدين لكثرة مرؤته نسب ذلك إلى نفسه ولم
[ ١ / ١٨٥ ]
ينسبه إلى فخر الدين إبراهيم بن لقمان رحمه الله تعالى وكان الملك الصالح كثير التخيل والغضب والمؤاخذة على الذنب الصغير والمعاتبة على الوهم لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يرعى سالف خدمة والسيئة عنده لا تغفر والتوسل إليه لا يقبل والشفائع لديه لا تؤثر ولا يزداد بهذه الأمور التي تسل سخائم الصدور إلا حقدًا وانتقامًا وكان ملكًا جبارًا متكبرًا شديد السطوة كثير التجبر والتعاظم يتكبر على أصحابه وندمائه وخواصه ثقيل الوطأة لا جرم أن الله تعالى قصر مدة مملكته وابتلاه بأمراض عدم فيها صبره وقتل مماليكه ولده توران شاه من بعده لكنه كان عنده سياسة حسنة ومهابة عظيمة وسعة صدرفي إعطاء العساكر والإنفاق في مهمات الدولة لا يتوقف فيما يخرجه في هذا الوجه وكانت همته عاليةً جدًا وآماله بعيدة ونفسه تحدثه بالإستيلاء على الدنيا بأسرها والتغلب عليها وانتزاعها من يد ملوكها حتى لقد حدثته نفسه بالإستيلاء على بغداد والعراق وكان لا يمكن القوي من الضعيف وينصف المشروف من الشريف وهو أول من استكثر من المماليك من ملوك البيت الأيوبي ثم أقتدوا به لما آل الملك إليهم فاقتنى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ﵀ أكثر منه ثم اقتنى الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ منهم أكثر من الملك الظاهر ولما مات الملك الصالح نجم الدين لم يحزن لموته إلا القليل مع ما كان الناس فيه من قصد الفرنج الديار المصرية واستيلائهم على قطعة منها وسر معظم الناس
[ ١ / ١٨٦ ]
بموته حتى خواصه فإنهم لم
يكونوا يأمنون سطوته ولا يقدرون على الاحتراز من كل ما ينتقده عليهم ويؤاخذهم به فإنه كان يؤاخذ على أيسر هفوة بأعظم عقوبة ولم يكن في خلقه الميل إلى أحد من أصحابه ولا أهله ولا أولاده ولا المحبة لهم والحنو عليهم على ما جرت به العادة وكان يلازم في خلواته ومجالس أنسه من الناموس ما يلازمه إذا كان جالسا في دست السلطنة وكان عفيف الذيل طاهر اللسان قليل الفحش في حال غضبه ينتقم بالفعل لا بالقول ﵀ وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود ونعود إليه إن شاء الله تعالى. ونوا يأمنون سطوته ولا يقدرون على الاحتراز من كل ما ينتقده عليهم ويؤاخذهم به فإنه كان يؤاخذ على أيسر هفوة بأعظم عقوبة ولم يكن في خلقه الميل إلى أحد من أصحابه ولا أهله ولا أولاده ولا المحبة لهم والحنو عليهم على ما جرت به العادة وكان يلازم في خلواته ومجالس أنسه من الناموس ما يلازمه إذا كان جالسا في دست السلطنة وكان عفيف الذيل طاهر اللسان قليل الفحش في حال غضبه ينتقم بالفعل لا بالقول ﵀ وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود ونعود إليه إن شاء الله تعالى.
وأما بهاء الدين زهير ﵀ فاتصل بعد موت الملك الصالح بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وله فيها مدايح حسنة يتضمنها ديوانه ثم فارقه ورجع إلى الديار المصرية ولزم بيته يبيع كتبه وموجوده وينفقه وانكشف حاله بالكلية ولما عرض بالبلاد الوباء العام عقيب أخذ التتر بغداد مرض أيامًا ثم توفي إلى رحمة الله تعالى قبل المغرب من يوم الأحد رابع ذي القعدة وقيل خامسه هذه السنة عن خمس وسبعين سنة غير شهر واحد ودفن بالقرافة الصغرى وفضيلته أشهر من أن تحتاج إلى الأطناب في ذكرها وأما مروئته وكرم طباعه وعصبيته لكل من يلوذ به ويقصده فذلك أمر مشهور وكان في أول أمره كاتبًا عند المكرم بن اللمطي متولي قوص والصعيد في الأيام الكاملية وله فيها مدايح حسنة منها من قصيدة:
[ ١ / ١٨٧ ]
يا منسك المعروف احرم منطقي زمنًا وقد لباك من ميقاته
هذا زهيرك لا زهير مزينة وافاك لا هرمًا على علاته
دعه وحولياته ثم استمع لزهير عصرك حسن ليلياه
لو أنشدت في آل جفنة اضربوا عن ذكر حسان وعن جفناته
قلت وهذه الأبيات قد يقف عليها من لا يعرف مقصوده فيها فينبغي أن نشرح ما ينبهم على بعض الناس منها قوله: زهير مزينة يعني زهير بن أبي سلمى المزني وكان يمدح كثيرًا هرم بن سنان المدايح المشهورة وكان زهير أحد الشعراء الأربعة الذين فضلوا في الجاهلية على سائر الشعراء زهير إذا رغب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب وامرؤ القيس إذا ركب وكان هرم الدين سنان من المشهورين بالكرم وقوله: دعه وحولياته يعني بها القصائد التي كان زهير المزني ينظمها في سنة فقصد زهير هذا ما ينظمه في ليلة على ما كان ينظمه زهير في سنة وهذا على سبيل التجوز واللغة على عادة الشعراء لا الحقيقة فإن بهاء الدين لم يكن ممن يغالط نفسه وسره أنه أجود شعرًا من زهير بن ابي سلمى، وقوله لا هرمًا على علاته يشير إلى قول زهير بن أبي سلمى ﵀.
من يلق يومًا على علاته هرمًا يلق السماحة والندى خلقا
معناه أن يلقه عديم المال والجدة يلقه سمحًا خلقًا لا تحلقًا فكيف إذا لقيه على غير تلك الحال، وقوله: لو أنشد ت في آل جفنة البيت معناه أن حسان بن ثابت الأنصاري ﵁ كان يمدح آل
[ ١ / ١٨٨ ]
جفنة ملوك الشام القصائد المشهورة ويذكر عظم جفانهم على ما كانت العرب تمدح به في ذلك الزمان فأراد بهاء الدين بهذا البيت لو سمع آل جفنة شعره لأعرضوا عن حسان ووصفه جنفاتهم هذا خطر لي في معنى البيت ثم وثق بعض الفضلاء على ذلك فقال إنما أراد بقوله اضربوا عن ذكر حسان وعن جفناته إشارة إلى قول حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ورثنا بني العنقاء وابني محرق فأكرم بنا خالًا وأكرم بنا أبنما
وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وكان بهاء الدين في خدمة الملك الصالح نجم الدين بالشرق فأرسله مرة إلى الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فلما قدمها حضر عنده شعراؤها ومدحوه ومن جملتهم شرف الدين أبو الطيب أحمد بن الحلاوي فلما عاد بهاء الدين إلى مخدومه حضر عنده أصحابه مسلمين عليه وسألوه عن شعراء الموصل فأخبرهم بما جرى وأنشدهم البيت وكان من جملة الحاضرين جمال الدين يحيى بن مطروح ﵀ فلما خرجوا من عنده أرسلوا إلى كل واحد مما استصحبه من الهدية نصيبًا فكتب جمال الدين مع الرسول الذي أحضر نصيبه من الهدية ورقة فيها.
أقول وقد تتابع منه بر وأهلًا ما برحت لكل خير
ألا لا تذكروا هرمًا يجود فما هرم بأكرم من زهير
وكتب إليه جمال الدين المذكور مرة يستدعي منه درج ورق.
[ ١ / ١٨٩ ]
أفلست يا سيدي من الورق فابعث بدرج كعرضك اليقق
وإن أتى بالمداد مقترنا فمرحبا بالخدود والحدق
فأجابه بهاء الدين:
مولاي سيرت ما رسمت به وهو يسير المداد والورق
وعز عندي تسير ذاك وقد شبهته بالخدود والحدق
وسنذكر طرفًا من أخبار جمال الدين بعد الفراغ من هذه الترجمة إن شاء الله وإن كانت وفاته ﵀ متقدمة لكن إذ قد جرى ذكره فلا بأس بالتنبيه عليه ولبهاء الدين أشعار كثيرة وديوان مشهور وترسل فمن شعره ملغزًا في مدينة يافا.
بعيشك خبرني عن اسم مدينة يكون رباعيًا إذا ما كتبته
على أنه حرفان حين تقوله ويرجع حرفًا واحدًا إن عكسته
وله يقول
حبذا نفحة من ريح فرجت عني غمه
ضربت ثوب فتاة أكثرت تيها وحشمه
فرأيت البطن وال رة والخصر وثمه
وقال:
أيا معشر الأصحاب ما لي أراكم على مذهب والله غير حميد
[ ١ / ١٩٠ ]
فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد
فهل أنتم من قوم لوط بقية فما فيكم من فعله برشيد
وقال:
يا روضة الحسن صلي فما عليك ضير
فهل رأيت روضةً ليس بها زهير
وقال:
كيف خلاصي من هوى مازج روحي فأختلط
وتائه أقبض في حبي له وما أنبسط
يا بدر إن رمت به تشبهًا رمت الشطط
ودعه يا غصن النقا ما أنت من ذلك النمط
قام بعذري وجهه عند عذولي وبسط
لله أي قلم لواو ذاك الصدغ خط
ويا له من عجب في خده كيف نقط
يمر بي ملتفتًا فهل رأيت الظبي قط
ما فيه من عيب سوى فتور عينيه فقط
يا قمر السعد الذي لديه نجمي قد هبط
يا ما نعي حلو الرضا ومانحي السخط
[ ١ / ١٩١ ]
حاشاك أن ترضى بأن أموت في الحب غلط
وقال:
أغصن النقا لولا القوام المهفهف لما كان يهواك المعنى المعنف
أيا ظبي لولا أن فيك محاسنًا حين الذي أهوى لما كنت توصف
كلفت بغصن وهو غصن ممنطق وهمت بظبي وهو ظبي مشنف
ومما دهاني أنه من حيائه أقول كليل طرفه وهو مرهف
وذلك أيضًا مثل بستان خده به الورد يدعى مضعفًا وهو مضعف
فيا ظبي هلا كان فيك التفاته ويا غصن هلا كان فيك عطف
ويا حرم الحسن الذي هو آمن وألبابنا من حوله تتخطف
عسى عطفة للوصل يا واو صدغه وحقك أني أعرف الواو تعطف
وقال يمدح الملك الصالح نجم الدين أيوب
وعد الزيارة طيفه المتملق وبلاء قلبي من جفون تنطق
إني لأهوى الحسن أين وجدته وأهيم بالقد الرشيق وأعشق
وبليتي كفل عليه ذؤابة مثل الكثيب عليه صل مطرق
يا عاذلي أنا من سمعت حديثه فعساك تحنو أو لعلك ترفق
لو كنت منا حيث تسمع أو ترى لرأيت ثوب الصبر كيف يمزق
ورأيت ألطف عاشقين تشاكيا وعجبت ممن لا يحب ويعشق
أيسوموني العذال عنه تصبرًا وحياته قلبي أرق وأشفق
إن عنفوا إن سوفوا إن خوفوا لا أنتهي لا أنتهي لا أفرق
[ ١ / ١٩٢ ]
أبدًا أزيد مع الوصال تلهفًا كالعقد في جيد المليحة يقلق
يا قاتلي إني عليك لمشفق يا هاجري إني عليك لشيق
وأذاع أني قد سلوتك معشر يا رب لا عاشوا لذاك ولا بقوا
ما أطمع العذال إلا انني خوفا عليك إليهم أتملق
وإذا وعدت الطيف منك بهجعة فاشهد علي بأنني لا أصدق
فعلام قلبك ليس بالقلب الذي قد كان لي منه المحب المشفق
وأظن خدك شامتا بفراقنا فلقد نظرت إليه وهو مخلق
ولقد سعيت إلى العلى بعزيمة تقضي لسعيي أنه لا يخفق
وسريت في ليل كأن نجومه من فرط غيرتها إلي تحدق
حتى وصلت سرادق الملك الذي تقف الملوك ببابه تسترزق
ووقفت من ملك الزمان بموقف ألفيت قلب الدهر منه يخفق
فإليك يا نجم السماء فإنني قد لاح نجم الدين لي يتألق
الصالح الملك الذي لزمانه حسن يتيه به الزمان ورونق
[ ١ / ١٩٣ ]
ملك يحدث عن أبيه وجده نسب لعمري في العلى لا يلحق
سجدت له حتى العيون مهابة أوما تراها حين يقبل تطرق
رحب الجناب خصيبة أكنافه فلكم سدير عنده وخورنق
فالعيش إلا في ذراه منكد والرزق إلا من نداه مضيق
يا عز من أضحى إليه ينتمي وعلو من أمسى به يتعلق
أقسمت ما الصنع الجميل بضائع فيه ولا الخلق الكريم تخلق
يدعو الوفود لما له فكأنما يدعو عليه فشمله يتفرق
أبدًا تحن إلى الطراد جياده فلها إليه تشوف وتشوق
يندى لسطوته الخميس تطربًا فالسمر ترقص والسيوف تصفق
في ثني لامته هزبر باسل تحت التريكة منه بدر مشرق
يروي القنا بدم الأعادي في الوغى فلذاك تثمر بالرؤس وتورق
يمضي فيقدم جيشه من هيبة جيش يغص به الزمان ويشرق
ملأ القلوب مخافة ومحبة فالبأس يرهب والمكارم تعشق
ستجوب آفاق البلاد جياده ويرى له في كل فج فيلق
لبيك يا من لا مرد لأمره فإذا دعا العيوق لا يتعوق
لبيك يا خير الملوك بأسرهم وأعز من تحدى إليه الأنيق
[ ١ / ١٩٤ ]
لبقيك ألفًا أيها الملك الذي جمع القلوب نواله المتفرق
فعدلت حتى ما بها متظلم وأنلت حتى ما بها مسترزق
أنا من دعوت وقد أجابك مسرعًا هذا الثناء له وهذا المنطق
ألفيت سوقًا للمكارم والعلى فعلمت أن الفضل فيها ينفق
يا من إذا وعد المنى قصاده قالت مواهبه يقول ويصدق
يا من رفضت الناس حين لقيته حتى ظننت بأنهم لم يخلقوا
؟ قيدت في مصر لديك ركائبي غيري يغرب تارة ويشرق
وحللت عندك إذ حللت بمعقل يلفي إليه مارد والأبلق
وتيقن الأعداء أني بعدها ابدًا إلى رتب العلى لا أسبق
فرزقت ما لم يرزقوا ولحقت ما لم يلحقوا ونطقت ما لم ينطقوا
وقال من أبيات:
وأنت يا نرجس عينيه كم تشرب من قلبي وما أذبلك
مالك في حسنك من مشبه ما تم للعالم ما تم ذلك
وقال:
يا من لعبت به شمول ما أحسن هذه الشمائل
نشوان يهزه دلال كالغصن مع النسيم مائل
لا يمكنه الكلام لكن قد حمل طرفه رسائل
مولا ي يحق لي بأني عن حبك في الهوى أقاتل
[ ١ / ١٩٥ ]
لي فيك كما علمت وجد لا يعلم سره العواذل
ذا العام مضى فليت شعري هل يحصل لي رضاك قابل
وقال وكتب بها إلى الصاحب كمال الدين عمر بن العديم رحمه الله تعالى
دعوتك لما أن بدت لي حاجة وقلت رئيس مثله من تفضلا
لعلك للفضل الذي أنت ربه تغار فلا ترضى بأن تتبدلا
إذا لم يكن إلا تحمل منة فمنك وأما من سواك فلا ولا
ومن خلقي المشهور في الناس أنني لغير حبيب قط لن أتذللا
وقد عشت دهرًا ما شكوت لحادث بلى كنت أشكو الأغيد المتدللا
وما هنت إلا للصبابة والهوى ولا خفت إلا سطوة الهجر والقلا
أحب من الظبي الغرير تلفتا وأهوى من الغصن النضير تفتلا
أروح وألفاظي تذوب حلاوة وأغدو وأعطافي تسيل تغزلا
ويا رب داع قد دعاني لحاجة فعلت له فوق الذي كان أملا
سبقت صداه باهتمامي بكلما أراد ولم أحوجه أن يتمهلا
سبقت له وجها حييًا ومنطفًا وفيًا ومعروفًا هنيئًا معجلا
ورحت أراه منعمًا متفضلًا وراح يراني المنعم المتفضل
وله أيضًا:
[ ١ / ١٩٦ ]
أنا ذا زهيرك ليس إلا جود كفك لي مزينه
أهوى جميل الذكر ع ك كأنما هو لي بثينه
وأما جمال الدين عيسى بن يحيى بن إبراهيم بن مطروح ﵀ المقدم ذكره فكان من حسنات الدهر تام الفضيلة متنوعًا في العلوم متفننًا في الآداب مع مكارم كثيرة ودماثة أخلاق ولين جانب وحسن عشرة وكان كثير السعي في مصالح إخوانه وأصحابه ومن يلوذ به متلطفًا في قضاء حوائج الناس على الإطلاق لا يرى التوقف في صلة رزق وكان كثير الصحبة والصداقة لبهاء الدين زهير وبينهما مودة عظيمة واشتراك في الفضيلة ومكارم الأخلاق وخدمة الملك الصالح وشاركه أيضًا في تغيير الملك الصالح عليه وانحرافه عنه فإنه تغير عليه تغيرًا مفرطًا قبل وفاته وأبعده إبعادًا كليًا وسبب ذلك علمه بموت الملك الصالح نجم الدين فإن الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ كان يعرف محل جمال الدين وما هو عليه من الأهلية لكل شيء وأن الدول تفتقر إلى تدبيره فلما اتفق موت الملك الصالح وبقي الأمير فخر الدين يدبر الأمور وهو في مقابلة الإفرنج قرب جمال الدين المذكور وجعله في محل الوزارة وكان يستشيره في الأمور ولا يكاد يفارقه فعلم الناس بهذه القرينة موت الملك الصالح وأنه لو كان في قيد الحياة لم يقدم الأمير فخر الدين على تقريب من أبعده وكان جمال الدين اتصل بخدمة الملك الصالح حين كان ولي عهد أبيه ولما سافر إلى الشرق سافر معه ثم قدم معه دمشق حين ملكها بعد الجواد وكان ناظر
[ ١ / ١٩٧ ]
جيشه فلما أعتقل بالكرك مضى أبن مطروح إلى الخوارزمية وحرضهم على القيام بنصرة مخدومه ثم توجه إلى حماة وأقام بها لعلمه بميل صاحبها إلى الملك الصالح نجم الدين فلما خرج الملك الصالح من الاعتقال وملك الديار المصرية توجهه جمال الدين إلى خدمته وولي الخزانة ثم استنابه الملك الصالح بدمشق مع الطواشي شهاب الدين رشيد الكبير وجعله صورة وزير ثم تغير عليه في سنة ست وأربعين لما قدم الشام وعزله واستصحبه معه إلى الديار المصرية في أوائل سنة سبع وأربعين فأقام بالمنصورة إلى أن توفي الملك الصالح وهو متغير عليه معرض عنه بالكلية فلما قام الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ بتقدمة العساكر صحبه وقربه غاية التقريب وكان لا يصدر إلا عن رأيه في غالب الأمور فلما استشهد الأمير فخر الدين ﵀ انتقل جمال الدين إلى مصر ونزل بدار كان بناها على النيل وكتب على بابها.
دار بنيناها بإحسان من لم تخل دار قط من رفده
الملك الصالح رب العلى أيوب زاد الله في مجده
اليمن والتوفيق من حزبه والنصر والتأييد من جنده
أغنى وأقنى فالذي عندنا من نعمة الله ومن عنده
فقل لحسادي ألا هكذا فليصنع السيد من عبده
وقد سبق جمال الدين إلى ذلك أبو الفتيان بن حيوس شاعر
[ ١ / ١٩٨ ]
بني مرداس فإنه بنى دار بحلب وكتب إلى بابها هذه الأبيات.
دار بنيناها وعشنا بها في نعمة من آل مرداس
قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا علي في الأيام من بأس
قل لبني الدنيا ألا هكذا فليصنع الناس مع الناس
هذا كان على خاطري أن الأبيات لابن حيوس ثم وقفت على المجلد الثالث من تاريخ حلب للصاحب كمال الدين عمر بن العديم ﵀ فوجدته قد قال وجدت في كتاب نزهة الناظر وروضة الخاطر لقاضي معرة مصرين الكمال بن عبد القادر بن علوي المعري قيل امتدح أبو الفتح بن حصين المعري نصر بن صالح بحلب فقال له تمن فقال له أتمنى أن أكون أميرًا فجعله أميرًا يجلس مع الأمراء ويخاطب بالأمير وقربه وصار يحضر في مجلسه في زمرة الأمراء ثم وهبه أرضًا بحلب قبلي حمام الواساني فعمرها درًا وزخرفها وقرنصها وتمم بنيانها وكمل زخارفها ثم نقش على دائر الدار بزين.
دار بنيناها وعشنا بها في دعة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا علي في الأيام من بأس
قل لبني الدنيا ألا هكذا فليفعل الناس مع الناس
فلما أنهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح بن
[ ١ / ١٩٩ ]
مرداس فلما أكل الطعام رأى الدار وحسنها وحسن بنيانها ونقوشها ورأى الأبيات فقرأها فقال يا أمير كم خسرت على بناء الدار فقال والله يا مولانا ما للمملوك علم بل هذا الرجل تولى عمارتها فأحضر معمارها وقال له كم لحقكم غرامة على بناء هذه الدار فقال ألفا دينار مصرية فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية وثوب أطلس وعمامة مذهبة وحصانًا بطوق ذهب وسرج ذهب وسرفشار ذهب ودفع ذلك جميعه إلى الأمير أبي الفتح وقال له.
قل لبني الدنيا ألا هكذا فليفعل الناس مع الناس
قال وبعد أيام حضر رجل من أهل المعرة يلقب بالزقوم وكان من أراذلها وفيه رحلة فطلب خبز جندي فأعطوه وجعلوه من أجناد حصن المعرة فلما وصل عمل الشيخ أبي الحسسن أحمد بن محمد بن الدويدة
أهل المعرة تحت أقبح خطة وبهم أناخ الخطب وهو جسيم
لم يكفهم أن أمر ابن الحصين حتى تجند بعده الزقوم
يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنا يا قوم أين الترك أين الروم
واشتهرت الأبيات بالمعرة وحلب فسمعها الأمير أبو الفتح ابن حصينة فعبر على باب ابن الدويدة فسلم عليه أبو الحسين فقال له الأمير
[ ١ / ٢٠٠ ]
ويلك يا ابن الدويدة هجوتني والله ما بي من الهجو مثل ما بي من كونك تقربني إلى الزقوم وتذكرني معه فضحك ابن الدويدة وقال والله الآن كان عندي الزقوم وقال والله ما بي من الهجو ما بي تذكرني مع ابن الحصينة وتقربني إليه فقال له ابن الحصينة قاتلك الله وهذا هجو ثان.
ولجمال الدين المذكور ترسل حسن وديوان مشهور وكان لطيف الشعر جيد المعاني ومولد جمال الدين المذكور بأسيوط صعيد مصر يوم الإثنين ثامن شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وتوفي بالديار المصرية يوم الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة ودفن بسفح المقطم رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
يا من إليه اتكالي في العسر والإملاق
سؤال غيرك عندي شرك على الإطلاق
لا تسأل الرزق إلا من قاسم الأرزاق
وله رحمه الله تعالى:
يا ملاذ المستجير به لا تؤاخذني بما سلفا
[ ١ / ٢٠١ ]
وله أيضا
قد اثقلت ظهري أوزاري لي الويل إن ناقشني الباري
كم ليلة أسرعت منها الخطا إلى الخطايا حلف إصراري
وكم تجرأت على فاحش ولا أجير الأسد الضاري
كيف يكون العذر في موقف يذلّ فيه كل جبار
وتشخص الأبصار في حيث لا دار سوى الجنة والنار
يا رب عفوا عن ذنوبي فما سألت إلا عفو غفار
وقال عند قبر ابراهيم الخليل صلوات الله عليه
خليل الله قد جئناك نرجو شفاعتك التي ليست ترد
أنلنا دعوة واشفع تشفّع إلا من لا يخيب لديه قصد
وقل يا رب أضياف ووفد لهم بمحمد صلة وعهد
أتوا يستغفرونك من ذنوب عظام لا تعد ولا تحد
ولكن لا يضيق العفو عنهم وكيف يضيق وهو لهم معد
وقد سألوا رضاك على لساني ألهي ما أجيب وما أرد
فيا مولاهم عطفًا عليهم فهم جمع أتوك وأنت فرد
وله ﵀:
يا مالك الملك يا من لا شبيه له عطفا على عبد سوء قد أساء الأدبا
أحسنت مدة أيام الحياة له فما قضى ذلك يوما بعض ما وجبا
[ ١ / ٢٠٢ ]
وله ﵀:
ذكر الصبا فصبا وكان قد ارعوى صب على عرش الغرام قد استوى
تجري مدامعه ويخفق قلبه فترى العقيق على الحقيقة واللوى
وإذا تألق بارق من بارق طفقت تنم عليه أسرار الجوى
لا يستطيع إذا جرى ذكر اللوى أن يطمئن فلا سقى الله اللوى
وأنا نذير العاشقين فمن يرد طول الحياة فلا يذوقن الهوى
فخذوا أحاديث الهوى عن صادق ما ضل في شرع الغرام ولا غوى
وبمهجتي رشأ أطالت عذلى فيه الملام وقد حوى ما قد حوى
ما أبصرته الشمس إلا واكتست خجلًا ولا غصن النقا إلا التوى
قالوا فعيه سوى رشاقة قده وفتور عينيه وهل موتى سوى
وروى الأراك محاسنًا عن ثغره يا طيب ما نقل الأراك وما روى
ولقد يعز علي موتي ضاميًا لمقبل منه الأراك قد التوى
وله ﵀:
قد رأيناك والغزالة تسنح فرأينا حلاك أحلى واملح
وترنحت والقضيب ولكن لم يدع ناظرًا إلى الغصن يطمح
ولقد غض ناظر النرجس الغض حياء من مقلتيك وأفلح
أي عين ترى له عيني ك فترنو من بعد ذاك وتفتح
وادعى الورد أنه لون خدي ك ولا شك أنه كان يمزح
[ ١ / ٢٠٣ ]
فلهذا صبا بحسنك قلب كان يدعى إلى الغرام فيجمح
وعهدت الرقاد يألف جسمي فرأى جفنك المليح فرجح
وله أيضًا ﵀:
عانقته فسكرت من طيب الشذا غصن رطيب بالنسيم قد اغتذى
نشوان ما شرب المدام وإنما أضحى بخمر رضابه متنبذا
يا ناظري أما وقد عاينته والله لا رمدا تخاف ولا قذا
مهما اكتحلت بخده وعذاره لم تلق إلا عسجدا وزمردا
جاء العذول يلومني من بعد ما أخذ الغرام علي فيه مأخذا
لا أرعوى لا انثنى لا انتهى عن حبه فليهذ فيه من هذا
والله لا خطر السلو بخاطري ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
إن عشت عشت على هواه وأن أمت وجدا به وصبابة ياحبذا
وقصد جمال الدين المذكور الأجتماع بالصاحب معين الدين ابن الشيخ فقيل له أنه يزور الشافعي رحمة الله عليه فقصده واجتمع به في قبة الشافعي فقال.
زرت الإمام الشافعي ولم أكن لزيارتي يومًا له بالتارك
فوجدت مولانا الوزير يزوره فظفرت عند الشافعي بمالك
وقال
حلفتم لنا أن لا تخونوا فخنتم وأن لا تميلوا للوشاة فملتم
فإن كان هذا الغدر فيكم سجية فمن كان الجأكم إلى أن حلفتم
[ ١ / ٢٠٤ ]
عفا الله عنكم ما أقل وفاكم ومن كرمى قولي عفا الله عنكم
فيا ساكني قلبي المعنى بحبهم أما لكم قلب يرق ويرحم
بحقكم ألا جنحتم إلى الرضا وقد طال هذا العتب منا ومنكم
أحبكم في حالة السخط والرضا وأهواكم أحسنتم أو أسأتم
ولي عاذل في حبكم ليس ينثني ولكنني عنه أصم وأبكم
وله أيضا ﵀:
ولما جفاني من أحب وخانني حفظت له الود الذي كان ضيعا
ولو شئت قابلت الصدود بمثله ولكنني أبقيت للصلح موضعا
وقد كان ما قد كان بيني وبينه أكيدًا وكنت رعيت وما رعى
سعى بيننا الواشي ففرق بيننا ذلك الذنب يا من خانني لا لمن سعى
وله أيضا ﵀:
يا قلب جاءك من تحبه وحنا ورقّ عليك قلبه
فاغفر له ما قد جنا هـ وإن تعاظم منه ذنبه
حب الحبيب إذا متفضلا يا قلب حسبه
مستسلما بيساره كفن وفي يمناه عضبه
أرضى وزاد على الرضا فحسيب من أغراه ربه
وكتب إلى بهاء الدين زهير ﵀ من آمد وهو محصور بها يقول
سطرتها والسمهرية شرع من حولنا والمشرفية تلمع
وعلى مكافحة العدو ففي الحشى شوق إليك تضيق عنه الأضلع
[ ١ / ٢٠٥ ]
ومن الصبا وهلم جرا شيمتي هذا الوفاء فكيف عنه أرجع وله في المعنى:
أصدرتها والعو إلى شرع ترد في موقف فيه ينسى الوالد الولد
وما نسيتك والأرواح سائلة على السيوف ونار الحرب تتقد
وله أيضًا:؟ هي رامة فخذوا يمين الوادي وذروا السيوف تقر في الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينها فلكم صرعن بها من الآساد
من كان منكم واثق بفؤاده فهناك ما أنا واثق بفؤادي
ياصاحبي ولي بجرعاء الحمى قلب أسير ماله من فادي
سلبته من يوم رامة مقلة مكحولة أجفانها بسواد
وبحي من أنا في هواه ميت عين على العشاق بالمرصاد
وأغن مسكي اللمى معسوله لولا الرقيب بلغت منه مرادي
كيف السبيل إلى وصال محجب ما بين بيض قنا وسمر صعاد
في بيت شعر نازل من شعره فالحسن منه عاكف في بادي
حرسوا مهفهف قده بمثقف فتاشبه المياس بالمياد
قالت لنا ألف العذار بخده في ميم مبسمه شفاء الصادي
[ ١ / ٢٠٦ ]
وله أيضًا:
علقته من آل يعرب لحظه أمضى وأفتك من سيوف عريبه
أسكنته بالمنحني من أضلعي شوقا لبارق ثغره وعذيبه
يا عائبي ذاك الفتور بلحظه خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه
لدن وما مر النسيم بعطفه أرج وما نفح العبير نجيبه
وقال وهو متمرض
يا رب إن عجز الطبيب فداوني بلطيف صنعك واشفني يا شافي
أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من شيم الكرام البر بالأضياف
وله أيضا ﵀:
من لي بغصن باللحاظ ممنطق حلو الشمائل واللمى والمنطق
مثرى الروادف مملق من خصره أسمعت في الدنيا بمثر مملق
وغريرة زارت على بخل بها لما بعثت لها زيارة مشفق
لم أدر ما قالت وقد لمست يدي ماذا لقينا منه أو ماذا لقي
خافت عواقب محنتي من أجلها فبكت لشمل دموعي المتفرق
لا شيء أكتم من دجنة شعرها لو أن صامت حليها لم ينطق
حتى الحنى لحسنها متوسوس فاعجب لحنى الجماد المنطق
خد توقد إذ ترقرق ماؤه لهفي على المتوقد المترقرق
ويروقني منها أخضرار خضابها والغصن ليس يروق ما لم يورق
[ ١ / ٢٠٧ ]
فبحسنها هي زهرة للمشتري وبطيبها هي زهرة المستنشق
ونظيرها الغصن النضير إذا انثنت في حلة حضراء من استبرق
تعصى العذول عن الهوى وتطيعني فأنا السعيد بها وعاذلي الشقي
فلكم بها من حلوه كرضا بها كعتا بها كتملقي
وأقول يا أخت الغزالة ملاحة فتقول لا عاش الغزال ولا بقي
يا شمس قلبي في هواك عطارد لولا تعلقه بها لم تحرق
وأجل ذنبي عندها عدم الغنى فكأنه شيب ألم بمفرقي
قالت سل الأملاك قلت أنا امرؤ يأبى السؤال خلائقي وتخلقي
وإذا سألت سألت ربًا رازقًا قطعت يد مدت إلى مسترزق
لا كلفن الجرد ما لم تستطع صبرًا عليه بيعملات الأنيق
من كل ضامرة إذا سرت الصبا في إثرها عادت بسعي مخفق
إن لم أنل بالمغرب الأقصى المنى حاولت ذلك ولو بأرض المشرق
وكيف وكفى يسيرا من حسامك أن يرى قدم الفوارس وهو جد مخلق
من معشر نسقوا سطورًا في العلى وغدا سواهم مثل دف ملحق
وإذا الحديد حمي عليهم أبردوا بالمسح في بحر الحديد الأزرق
لولا تكذبني قوائم بيضهم أقسمت أن أكفهم لم تطبق
لم تقتطع يد السارق من مالهم إذ كان بيت المال ليس بمغلق
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقال وأمر أن تكتب على قبره
أصبحت بعقر حفرة مرتهنا لا أملك من دنياي إلا كفنا
يا من وسعت عباده رحمته من بعض عبادك المسيئين أنا
وقال يمدح الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل ﵀.
وافي وأقبل في الغلالة ينثني فأراك خط المجتلى والمجتنى
ورنا فما تغنى التمائم والرقي وأبيك من فتكات تلك الأعين
رشأ من الإعراب مسكنه الفلا ولكم له في مهجتي من موطن
أغناه ذابل قده عن ذابل وبشعره عن بيت شعر قد غنى
قل للعواذل في هواه ألا انتهوا لاأرعوى لا انتهى لاانثنى
يا لائمي في العشق غير مجرب أنا في الصبابة قدوة فاستفتني
لا يخدعنك لفظ طرف فاتر أبدًا ولا تأمن لعطف لين
فالخمر وهي كما علمت لطيفة ولها من الألباب أي تمكن
وبليتي من صائد لي نافر ومتى ينال الوصل من متلون
ألبستني يا سالبي ثوب الضنى وأخذتني يا تاركي من مأمني
حتى فؤادي خانني ووفى له وكذا الرقاد صبا إليه وملني
سيا قلب ماآنست بعدك راحة فمتى أراك ويا كرى أوحشتني
عهدي به ويدي مكان وشاحه والوجد باق والتجلد قد فنى
[ ١ / ٢٠٩ ]
وشدا بشعري فافتتنت ويالها من فتنة شنعاء لو لم افتن
شعري ومحبوبي يعنيني به فهناك تحسن صبوة المتدين
لا شيء يطرب سامعًا لحديثه إلا الثناء على علام شاه أرمن
الأشرف الملك الكريم المصطفى موسى وتمم بالكريم المحسن
ملك إذا أنفقت عمرك كله في نظرة من وجهه لم تغبن
ومتى انتخبت له دعاء صالحًا لم تلق غير مشارك ومؤمن
يا أيها الملك الذي من فاته نظرإليه فما أراه بمؤمن
أفنيت خيلك والصوارم والقنا وعداك والآمال ماذا تقتني
أبقت ذلك الذكر الجميل مخلدًا شيم لها الأملاك لم تتفطن
وشجاعة رجف العدو لذكرها وشهامةً وبلاد عبد المؤمن
ولى الخوادذمي منها هاربًا وخلم جرًا قلبه لم يسكن
ودعاؤه في ليله ونهاره يا رب من سطوات موسى نجني
ما كان أشوقني للثم بنانه ولقد ظفرت بلثمها فليهنني
ودخلت من أبوابه في جنة يا ليت قومي يعلمون بأنني
يا مكثري الدعوى أخفضوا أصواتكم ما كل رافع صوته بمؤذن
أنا من تحدث عنه في أقطارها من كان في شك فليتقن
هذا مقام لا الفرزدق ماهر فيه ولا نظراؤه لكنني
إن شئت نظمًا فالذي أمليته أو شئت نثرًا فاقترح واستمحن
[ ١ / ٢١٠ ]
عاشت عداك ولا أشح عليهم عمى النواظر عنك خرس الألسن
وله قصيدة يمدحه بها رحمهما الله تعالى
يا شمس قلبي في هوا ك عطارد وقد احترق
يثنى عليه عدو هـ فيقول حاسده صدق
وقال عند اجتماعه بشمس الدين صواب العادلي بحران.
ولماتيممناك قال رفاقنا إلىأين تبغي قلت خير جناب
وقلت لصبحي شرقوا تبلغوا المنى فغير صواب قصد غير صواب
وقال أيضًا في كتاب ورد عليه من أبيات.
ولم ترى عيناي من قبله كتابًا حوى بعض ما قد حوى
كأن المباسم ميماته ولاماته الصدغ لما التوى
وأعينه كعيون الحسان تغازلنا عند ذكر الهوى
كتاب نسينا بألفاظه زود وذكر الحمى واللوى
وقال في دارا والشهاب ابن قاضيها المشهور
ولا سقيت دارًا ولا أهلها ولا ابن قاضيها الوقاح البذي
ولا رعى الله له ذمة أعنى شهاب الدين ذاك الذي
وقال وقد أمر بالسفر من دمشق.
يقولون سلفر من دمشق ولا تقم وذلك أمر ما علي به بأس
[ ١ / ٢١١ ]
فقلت على عيني وسمعا وطاعة فما جلق الدنيا ولا أنتم الناس
وقال من جملة أبيات.
فنعم فتى الأحيا ومستنبط الندى ومفرغ محزون وملجأ لاهث
عباد بن عمرو بن الحليس بن صالح بن زيد بن منظور بن زيد بن وارث
وله أيضًا ﵀
خذوا قودى من أسير الكلل ويا عجبا لاسير قتل
وقولوا على إذا نحتم طعين القدود جريح المقل
وما كان يعلم أن العيون وأن القدود الظبا والاسل
ولي جلد عند بيض الظبا وبالأعين السود مالي قبل
وبي قمر ما بدا في الدجى وقابله البدر إلا أفل
يضل بطرته من يشا ويهدي بغرّته من أضل
وقد أخجل الشمس من حسنه ألم تر فيها اصفرار الخجل
ويا فرحة الظبي لما غدا شبيهًا له في اللّمى والكحل
لقد عدل الحسن في خلقه على أنه جار لما عدل
فعمّ معاطفه بالنشاط وخص روادفه بالكسل
وجاد الزمان به ليلة وعما جرى بيننا لا تسل
فانحلت قامته بالعنا ق وذبلت مرشفه بالقبل
وما أثرالمسك في راحتي وهذا فمي فيه طعم العسل
وكم تهت في غور خصر له وأشرفت في نجد ذاك الكفل
[ ١ / ٢١٢ ]
وأذنت حين تجلّى الصبا ح بحى على خير هذا العمل
وقد علم الناس أني امرؤ أحب الغزال وأهوى الغزل
على. . قدرة الله سبحانه بإيجاد مثلك فليُستدل
وله ﵀
أجبتكم من قبل رؤياكم لطيب ذكر عنكم قد جرى
كذلك الجنة محبوبة بوصفها من قبل أن تبصرا
وله أيضًا
بابي غزال تائه متصلف لانت معاطفه ولا يتعطف
حلو الشمائل والتثنى واللمى من يجتلى من يجتنى من يرشف
سكران لا يصحو وليس بمنكر قد صح أن الريق منه قرقف
شاكي السلاح وما تكلف حمله اللحظ سيف والقوام مثقف
هجر الكرى جفنى وواصل جفنه يا قوم حتى النوم لي يستضعف
وسرى إلى جسدي ضنى أجفانه لا ياضنى جسدي أرق وأضعف
لما بدا للغانيات وقد بدا من حسنه للعين ما لا يوصف
قطعن أيديهن حين رأينه لما افتتن وقلن هذا يوسف
اشكو إليه وما عسى أن اشتكي هو بالذي ألقاه مني أعرف
كبد يفيض نجيعها من أدمعي حتى كأني من جفوني أرعف
ووحقه لم يبق في بقية ولقلما يلقى الكئيب المدنف
ولربما أخلو به متعففًا والنفس من وجد به تتلهف
[ ١ / ٢١٣ ]
وإذا سمعت بعاشق متعفف فاعلم باني العاشق المتعفف
وله أيضًا
ما زلت نحو لقا ئه متشوفا
اذكى العيون عليه حتى زارني متخوفا
فظفرت منه بزورة يومًا وقد برح الخفا
وشكوت ما ألقى إل يه فرقّ لي وتعطّفا
وعتبته حتى استقال وقال مثلك من عفا
وغدا يلاطفني ولم أر مثله متلطفا
يومى الى بخده فإذا هممت تصلّفا
ويهز نحوى عطفه فإذا عزمت تأففا
إني لعف في هوا هـ وأعشق المتعففا
وقال في غرض عرض
سمعتها تشتكي لدايتها شكوى تذيب القلوب والمهجا
تقول يا دايتي بليت به وما أرى من هواه لي فرجا
ومثل ما بي به ولا عجب هوى بقلبي وقلبه امتزجا
أهل سبيل إلى الوصول له ولو ركبت القفار واللججا
وان درى والدي بقصتنا أراق يا دايتي دمى حرجا
فُرحت بما سمعت في طرب كشارب الراح راح مبتهجا
[ ١ / ٢١٤ ]
وله ﵀
أهواه أسمر في اعتدال الأسمر يختال في روق الشباب الأخضر
مترنح كالغض أو متألق كالبدر أو متلفت كالجؤذر
من لم يشاهد شعره وجبينه ما فاز ناظره بليل مقمر
لعبت ذوائبه على أردافه كالأقحوان على كثيب أعفر
صدقت أن بوجنية جنة لما وجدت رضا به من كوثر
ولقد غنيت بخده وبثغره ما شئت من ذهب وقل من جوهر
ويقال أن الطرف مني فاسق صدقوا ولكني عفيف المئزر
وقال واظنها في الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح.
يا بعيد الليل من سحره دائمًا يبكي على قمره
خل ذا واندب معي ملكًا ولّت الدنيا على أثره
كانت الدنيا تطيب لنا بين باديه ومحتضره
سلبته الملك أسرته واستووا غدرًا على سُرره
حسدوه حين فاتهم في الشباب الغض من عمره
وله أيضًا
سيف بجفنيك إذا ما انتضى فلّ شبا الأسمر والأبيض
قتلاه من أكبر عشاقه والحب من أعجب شتى قضى
[ ١ / ٢١٥ ]
من عجب الدنيا وما تنتهي عجائب الدنيا ولا تنقضي
توفر الرغبة في زاهد وشدة الميل إلى معرض
تغاير الورد على خده فامتزج الأحمر بالأبيض
وله في الملك الناصر داود
ثلاثة ليس لهم رابع عليهم معتمد الجود
الغيث والبحر وعززهما بالملك الناصر داود
وله في بدر الدين صاحب الموصل وقد ركب في شبارة
لله شبارة حوت ملكًا كأنما الأرض في يديه كره
فاعجب لها اذجرت به وبها انمله وهي أبحر عشره
وله أيضًا
انتبه من نوم سكرك واسقني من خمر ثغرك
فإذا ما شئت فانبذ ني ولكن خلف ظهرك
وله ﵀
بات في أثناء صدري غصن نيط ببدر
بدوى نازل من شع ره في بيت شعر
حامل نجدًا وغورا منه في ردف وخصر
ما رنا واهتزالا كان في بيض وسمر
حبذا ليلة وصل منه بل ليلة قدر
[ ١ / ٢١٦ ]
أشرفت عن نور وجه وسنا كأس وثغر
وتعانقنا فما ظن ك في ماء وخمر
وتعاتبنا فقل ما شئت من ذل وسحر
ثم لما أدبر اللي يل وجاء الفجر يجري
قال إياك رقيبي بك يدري قلت يدري
وله ﵀:
وافي كتابك بعد فتره فنفى المساءة بالمسره
وفضضته فلثمته لما غدا في الحسن نُدره
واوية الأصداغ والألفات قامات به والسين طرّه
فطربت حين قرأته وسكرت لكن ألف سكره
فحسبت أن الطرس من هـ زجاجة واللفظ خمره
وله ﵀
قسمًا بفيك وما حوى قسمٌ عظيم في الهوى
ما ضلّ صاحب مهجةٍ ذابت عليك وما غوى
يا أيها القمر الذي نجم السلوبه هوى
ماذا أثرت على القلوب من الصبابة والجوى
واغن في أعطا فه هزوء بأغصان اللوى
أفدى الذي فاديته وركابه بيد النوى
[ ١ / ٢١٧ ]
مولاي حبّك نيتي ولكل عبد مانوى
وله ﵀
ما كنت أحسب أني بين أظهركم أني وأهلي مع مالي من الخدم
وكان عهدي بسيف الدين يذكرني والسيف يقطر حدّاه عبيط دم
فما له اليوم والأيام تخدمه أضاع حقي على ما فيه من كرم
وله أيضًا
وما للجمال بوجنتيك معين لو كان لي عندا الورود مُعين
لكن حمته أسنّة واعنّة فلكم قتيل حولها وطعين
كيف الورود حولها من تغلب أسدٌ لها زرق النصال عيون
سقط الجياد تحاورت أجسادهم وتراحمت أسد الشرى والعين
يفرى المهاة وما يليها ضيغم وترى الكناس وما يليه عرين
فهناك فوق الأرض أقمار الدجى يسعى بها تحت البرود غصون
فالليل ثم عبارة عن طرة إن كنت تفهم والصباح جبين
من كل ضاربة اللثام وإنما تحت اللثام محاسن وفنون
في خدها ورد ونسرينٌ ولا ورد حقيقي ولا نسرين
ولقد يلين لي الصفا وفؤادها كالصخرة الصماء ليس تلين
[ ١ / ٢١٨ ]
يا قلب ويحك ما تفيق من الجوى أمع الزمان توله وجنون
ذلك كل يوم صبوة عذرية أعليك نذر أم عليك يمين
وبكل قلب أنت صبٌ هائم وبكل خد مغرم مفتون
سُئل الضرائر عن حقيقة ثغرها يومًا فقلن اللؤلؤ المكنون
وأفادني المسواك أن رضا بها شهد ومسك والأراك أمين
وإذا تساقطك الحديث فإنما سحرواى نهُى هناك يكون
محجوبة في خدرها محبوبة إن الجمال يُحب وهو مصون
قارنت معترك المنايا فاتئد ودع التصابي عنك يا مسكين
ودنا رحيلك فاتخذ زادًا ولا تقلل فإن الشوط منك بطين
وبباب مولاك الكريم فقف ولا تسأم فإنك بالنجاح قمين
وله ﵀
هزوا القدود ورهّفوا سمر القنا واسترهفوا بدل السيوف الأعينا
وتقدموا للعاشقين فكل من أخذ الضمان لنفسه إلا أنا
لا إن لي جلدًا ولكني أرى في الحب كل دقيقة ان افتنا
لا خير في جفن إذا لم يكتحل أرقًا ولا جسم تحاماه الضنى
وأنا الفد البابلي لحظه لا تستطيع الأسد تثبت إن دنا
إن البدور هوت من أفقها حتى يرى منها أتمّ وأحسنا
[ ١ / ٢١٩ ]
لما انثنى في حُلة من سندس قالت غصون البان ما أبقى لنا
هذا على إن الغصون تعلمت منه الرشاقة بينها لما أنثنى
وبخده وبثغره وعذاره عرف العقيقى وبارق والمنحنى
أقسى علي من الحديد فؤاده ومن الحرير تراه خدا إلينا
شبهته بالبدر قال ظلمتني يا عاشقي والله ظلما بيننا
وهذه القصيدة النونية وازن بها قصيدة القاضي ناصح الدين أبي بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني ﵀ وتلك من غرر القصائد فلا بأس بإيراد شيء منها ومن غيرها من شعر الأرجاني فإنه من جيد الشعر وأول القصيدة النونية المذكورة.
وردُ الخدود ودونه شوك القنا فمن المحدث نفسه أن يجتنى
لا تمدد الأيدي إليه فطالما شنّوا الحروب لأن مددنا الأعينا
ورد تخيّر من مخافة نهبه باللحظ من ورق البراقع مكمنا
يُلقى الكمام مع الظلام إذا دجا ويعود فيه مع الصباح إذا دنا
ولطالما وجد الخلاف وإلفه دينا لعمرك للحسان وديدنا
قل للتي ظلمت وكانت فتنة ولو أنها عدلت لكانت أفتنا
لما سألت الثغر عنها لؤلؤًا قالت أما يكفيك جفنك معدنا
[ ١ / ٢٢٠ ]
إيراد صونك بالتبرقع ضلة وأرى السفور لمثل حسنك أصونا
كالشمس تمتنع اجتلاؤك وجههافإن اكتست برقيق غيم امكنا
غدت البخيلة في حمى من بخلها فسلوا حماة الحيّ عمّ صدّنا
رأيت طروق خيالها قالت متى جرّ الرماح من الفوارس نحونا
هل عند حيّ العامرية قدرةٌ أن يفعلوا فوق الذي فعلت بنا
ما هم بأعظم فتكة أو بارزوا من طرف ذات الخال إن برزت لنا
إن كان قتلى قصدهم فليرفعوا كل الضغائن وليخلوا بيننا
ماذا لقونا من لقاء فواتن لولا مراقبة العيون اربننا
في ليلة حسدت مصابيح الدجى كلمى وقد كانت لها هي ازينا
قلمى بها حتى الصباح وشمعتي بتنا ثلاثتنا ومدحك شغلنا
حتى هزمنا للظلام جنوده لما تشاهرنا عليه الا اسنا
أفناهما قطى وأفنيت الدجى سهرًا وأصبحنا وأسعدهم أنا
زرع الطعان فسنبلت في ساعة من هامهم وشعورهم سمر القنا
أما الرجاء فلم يزل متغربًا حتى إذا وافى ذراك استوطنا
يا ماجدًا عبق الزمان بذكره والذكر في الأيام نعم المقتنى
[ ١ / ٢٢١ ]
يزداد عندك حسن ما نثني به كمزيد ما توليه حسنًا عندنا
فبلغت قاصية المدى وملكت نا صية العُلى وحويت عاصية المنى
وبقيت من غير انقطاع ماضيًا وبلا تغير آخر متمكنًا
وقال أيضًا على هذه القافية
قف يا خيال وإن تساوينا ضنى أنا منك أولى بالزيارة موهنا
وعقلت ناجيتي بفضل زمامها لما رأيت خيامهم بالمنحنى
وتطلعت فأضاء غرة وجهها بالليل أيسر منهجي والإيمنا
لما طرقت الحي قالت خيفة لا أنت إن علم الغيور ولا أنا
فدنوت طوع مقالها متخفيًا ورأيت خطب القوم عندي أهونا
ومعي وليس معي سواه صاحب عضب أذود به الخميس الأرعنا
حتى رفعت عن المليحة سجفها يا صاحبي فلو أن عينك بيننا
سترت محياها مخافة فتنتي بنقابها عني فكانت أفتنا
وتكاملت حسنًا فلو قرنت لنا بالحسن إحسانًا لكانت أفتنا
قسمًا بما زار الحجيج وما سعوا زُمرًا وما نحروا على شطي منى
ما اعتاد قلبي ذكر من سكن الحمى إلا استطار وملّ صدري مسكنًا
أما الشباب فقد تعاهدنا على أن لا نزال معافكان الإخونا
[ ١ / ٢٢٢ ]
وتلون الأيام علّم مفرقيفعل الأحبة في الهوى فتلونا
يا طالب الثأر المنيم وسيفه في الغمد لا تحسب مرامك هينا
أتراك تملأ من غرار أجفنا حتى تفرغ من غرار أجفنا
أوما رأيت السيف هو مُصلت ما زالت يحكم بالمنايا والمنى
لما ادعى الأقلام فضلًا عنده غضب الحديد فشق منها الألسنا
حتى إذا زادت بذاك فصاحة ال أقلام حار النصل لما إن دنا
وأراد أن يُضحى لسانا كله حتى يقر بفضله فتلسّنا
ولقلما غرى الحسود بفاضل متيقضًا الأوزيد تمكنا
ولقد نزلت من الملوك بماجد فقر الرجال إليه مفتاح الغنى
وله أيضًا:
صوتُ حمام الأيك عند الصباح جدد تذكاري عهد الصباح
علمننا الشجو فيامن رأى عُجما يعلمن رجالًا فصاح
ألحان ذات الطوق في غصنها تذكرني أزمان ذات الوشاح
لا أشكر الطائر إن شاقني على نوى من سكنى وانتزاح
وإنما أشكر لو أنه أعارني أيضًا إليه جناح
[ ١ / ٢٢٣ ]
أكلما اشتقت الحمى شفني لاح إذا برق من الغو لاح
يريد اغرائي إذا لامني وربما أفسد باغي الصلاح
ماذا عسى الواشون أن يصنعوا إذا تراسلنا بإيدي الرياح
وربّ ليلٍ قد تدرّعته رهين شوق نحوكم وارتياح
يروي غليل الأرض من عبرتي وبي إليكم ضمًا والتياح
حتى بدت تطلق طير الدجى من شرك الأنجم كفّ الصباح
لا غرو إن فاضت دمًا مقلتي فقد غدت ملأ فؤادي جراح
بل يا أخا الحي إذا زرته فحيّ عني ساكنات البطاح
وارم بطرف من بعيد فمن دون صفاح اليبض يبضُ الصفاح
وآخر العهد بأضعانهم يوم حدوا تلك المطى الطلاح
وعارض الركب على رقبة مدير الحاظ مراض صحاح
لما جلا لي عند توديعه رياض حسن لم تكن لي تباح
جعلت مما هاج بي شوقها وجهي وقاحًا وجنيت الأقاح
فكيف ألقى الدهر قرنًا وقد أصبحت لا أملك ذاك السلاح
يا كعبة للمجد ما هولة إذا غدا الوفد إليها وراح
[ ١ / ٢٢٤ ]
يفديك قوم حاولوا ضلة تناولوا المجد بأيدٍ شحاح
معاشر أموالهم في حمى وعرضهم من لؤمهم مستباح
امّلتهم ثم تأملتهم فلاح لي أن ليس فيهم فلاح
لولاك يا شمس ملوك الوري لم يبق في طرق الرجا انفاح
إلى ذراك الرحب وجهتها وقد براها السير برى القداح
من بلد ناء ولم اعتد بعد المدى إلا لقرب النجاح
فاسمع ثناءً ذلك أبدعته كأنه المسك إذا المسك فاح
من كلماتٍ كلما نُظمت فللآلئ عند هن افتضاح
وسوف أهدى لك أمثالها إن كان في مدة عمري انفساح
فدم لأهل الفضل تغنيهم فواضلًا ما شعشعت كأس راح
لا عرفو غيرك مولىً لهم ما اتصلت منهم بنانٌ براح
وقال:
لولا رجائي للقائه ما كنت أحيا ساعة في نائه
ومقرطق لو مدّ حلقة صدغه من قبله نمّت بعقد قبائه
غصنٌ إذا ما ماد في ميدانه أسدٌ إذا ما هاج في هيجائه
في جفن ناظره وجفن حسامه سيفان مختلفان في أنحائه
[ ١ / ٢٢٥ ]
فبواحد يسطو على أحبابه وبواحد يسطو على أعدائه
قمر غدا روحي وراح مفارقي والجسم والروح امتساك بقائه
فتعجبي إن عشت بعد فراقه وتحسُّري إن مُت قبل لقائه
وقال:
إذا الحمام على الأغصان غنانا في الصبح هيّج للمشتاق أحزانا
وُرق يُرددن لحنًا واحدًا أبدًا من الغناء ولا يُحسن ألحانًا
ظلم من الإلف ينسانا ونذكره حتام نذكر إلفا وهو ينسانا
قل للبخيلة أن تهدي على عجل تحيّة حين نلقاها وتلقانا
ماذا عليك وقد أصبحت مالكةً أن تخرجي من زكاة الحسن إحسانًا
استودع الله قومًا كيف أبعدنا تقلب الدهر عنهم حين أدنانا
يمناه بعد من التسليم ما فرغت اذمدّ يسراه للتوديع عجلانا
لم يملأ العين من أحبابه نظرًا إذ غادر الدمع منه الجفن ملآنا
جيراننا رحلوا والله جارهم مستبدلين بحكم الدهر جيرانا
وإن نسر فدواعي الشوق تأمرنا وإن نقم فعوادي الدهر تنهانا
يا من غدا مبدئًا شكوى أحبته لما رأى حيث يرجى الوصل هجرانًا
ما إن أرى سحب هذا الدمع مقلعة حتى تغادر في خديك غدرانا
[ ١ / ٢٢٦ ]
تخاله الشمس وجهًا والسماء ندىً والغيث عند الرضا والليث غضبانًا
تعلو فناك نسور الجو آلفة إلف الحمام علت للأيك أغصانًا
حيث الغبار يسد الجو ساطعه والخيل تحمل للأقران أقرانًا
والطعن يحفر في لبّاتها قُلُبا تظل فيها رماح القوم اشطانا
غرٌّ تظل تبارى في أعنتها يحملن أغلمة في الروح غرّانا
تفل كتبك إن سارت كتائبهم إذا العدى عاينوا منهن عنوانًا
وقال:
وعدت باستراقة للقاء وبإهداء زورة في خفاء
ثم غارت من أن يماشيها الظ ل فزارت في ليلة ظلماء
ثم خافت لما رأت أنجم اللي ل شبيهات أعين الرقباء
فاستعارت طيفًا يلمّ ومن يملك طرفاُ يهمّ بالإغفاء
هكذا نيلُها إذ نوّلتنا وعناء تسمّح البخلاء
يهدم ألا نتهاء باليأس منها ما بناه الرجاء في الابتداء
وأرت أنها من الوجد مثلى ولها للفراق مثل بكائي
[ ١ / ٢٢٧ ]
قتباكت ودمعها كسقيط الط ل في الجلنارة الحمراء
وحكى كل هدبة لي فتاة انهرت فتق طعنة نجلاء
فترى الدمعتين في حمرة الل ون سواء وما هما بسواء
خدها يصبغ الدموع ودمعي يصبغ الخد قانيا بالدماء
خضب الدمع خدّها باحمرار كاختضاب الزجاج بالصهباء
وقال:
قلبُ المشوق بان يساعد اجدر فإذا عصاه فالأحبّة اعذر
لا طالب الله الأحبة أنهم ناموا عن الصب الكئيب واسهروا
هجروا وقد وصّوا بهجري طيفهم يا طيف حتى أنت ممن يهجر
دون الخيال ودون من تشتاقه ليلٌ يطول على جفون تقصر
ومخيمون مع القطيعة إن دنوا هجروا وإن راحوا إلينا هجروا
فصروا الزمان على صدود أو نوىً والعمر من هذا وذاك أقصر
وغدوا ومن عيني لهن منيحة تُمرى ومن قلبي وطيس يسعر
أعقيلة الحي المطنب بيتها حيث القنا من دونها تتكسر
كالبدر إلا أنها لا تجتلى والظبي إلا أنها لا تذعر
أخفى إذا فارقت وجهك من ضنى فادق عن درك العيون فاصغر
[ ١ / ٢٢٨ ]
وأرى بنورك كل ما ادنيتني وكذا السُها ببنات نعش يبصر
وغدت مودعة فقلبُ يلتظىحتى تعود ومقلة تستعبر
وكأنما تركت بخدي عقدها ليكون تذكرة به تتذكر
وقال ﵀:
إلى خيالٍ خيالٌ في الظلام سرى نظيره في خفاء الشخص إن نظرا
سارْ ألمّ بسارٍ كامنين معًا عن النواظر في ليل قد اعتكرا
كلاهما غاب هذا في حجاب ضنى عن العيون وهذا في حجاب كرى
تشابها في نحول وادراع دجى وخوض أهوال بيدو اعتياد سُرى
فليس بينهما إلا بواحدة فرق إذا ما أعاد الناظر النظرا
بإنه ما درا الطيف الطروق بما لاقى من الليل والصبر المشوق درى
سرى إلى ولم يشتق ومن عجب إلى المشوق إذا غير المشوق سرى
ظبي من الإنس مجبول على خُلُق للوحش فهو إذا آنسته نفرا
معقرب الصدغ يحكي نور غرّته بدرًا بدا بظلام الليل مُعتجرا
مذ سافر القلب من صدري إليه هوى ما عاد قط ولم أعرف له خبرا
[ ١ / ٢٢٩ ]
وهوًا لمسيء اختيار اذنوى سفرًا وقد رأى طالعًا في العقرب القمرا
وله يقول:
أقول وقد ذم الوزير زمانه من العجز ذمّ العاجز المتحير
تذم زمان السوء يا صدر ظالمًا ولولا زمان السوء لم تتصدر
وقال أيضًا:
حيث انتهيت من الهجران بي فقف ومن وراء دُمى سمر القنا فخف
يا عابثًا بعدات الوصل يُخلفها حتى إذا جاء ميعاد الفراق يفي
إعدل كفاتن قدّ منك معتدل واعطف كسائل غصن منك منعطف
ويا عذول ومن يصغي إلى عذل إذا رنا أحمر العينين ذوهيف
تلوم قلبي إن أصماه ناظره فيم اعتراضك بين السهم والهدف
سلوا عقائل هذا الحي أي دم للأعين البخل عند الأعين الذرف
يستوصفون لساني عن محبتهم وأنت أصدق يا دمعي لهم فصف
ليست دموعي لنار الشوق مطفيئة فكيف والماء بادٍ والحريق خفى
لم إنس يوم رحيل الحيّ وقفتنا والعيس تطلع أولاها على شرف
[ ١ / ٢٣٠ ]
والعين من لفتة الغيران ما حظيت والدمع من رقبة الواشين لم يكف
وفي الحدوج الغوادي كل آنسة إن ينكشف سبحفها للشمس تنكسف
تبين عن معصم بالوهم ملتزم منها وعن مبسم باللحظ مرتشف
في ذمة الله ذاك الركب إنهم ساروا وفيهم حياة المغرم الدنف
فإن أعش بعدهم فردًا يا عجبي وإن أمت هكذا وجدا فيا أسفي
قل للذين رمت بي عن ديارهم أيدي الخطوب إلى هذا النوى القذف
إن أبق ارجع إلى العهد القديم وإن الق الوزير من الأيام انتصف
ملك تطوف البرايا حول سدته ومن يجد للأماني كعبة يطف
ظل من الله ممدود سرادقه مدّا من الطرف الأقصى إلى الطرف
تطعية الشهب في الأفلاك دائرة والبيض في الهام والأقلام في الصحف
تلوح بين بني الدنيا فضائله كما تبرجت الأقمار في السدف
بادى التواضع للزوار من كرم أن التواضع أقصى غاية الشرف
في كفّه قلمٌ يعنو الزمان له ويسمن الخطب منه وهو ذو عجف
الدين والملك منه كوكبا أفقوالجود والبأس منه درتا صدف
ومن ورائي أصحاب تركتهم في منزل بخطوب الدهر مكتنف
[ ١ / ٢٣١ ]
لاذوا بستر رقيق من تجملهم إن لم ينلهم وشيك الغوث ينكشف
وقد رأوني بسعد الأرض متصلًا وينظرون بما ذاعنه منصرفى
فابسط يمينًا كصوب المزن ماطرةً واسمع ثناءً كنشر الروضة الأنف
ما في بني زمني الآك ذو كرم يظل يأوي الفتى منه إلى كنف
فاسلم ففيك لنا ممن مضى خلف وليس عنك فلا نعدمك من خلف
في ظل عمر كعمر الدهر متصل وشمل ملك كنظم العقد مؤتلف
وله دوبيت:
مني قلقٌ ومن سيلمى ملق من مفرقها دجى وفرق فلق
لا غرو إذا رأيتنا نفترق الليل مع النهار لا يتفق
وقال:
هم نازلون بقلبي أيةً سلكوا لو أنهم رفقوا يوما؟ ً بمن ملكوا
ساقوا فؤادي وابقوا في الحشا حرقًا حزني لما أخذوا مني وما تركوا
لما بكوا لا بكوا والركب مرتحل من لوعة ضحك الواشون لاضحكوا
زمّوا وقد سفكوا دمعي ركائبهم فكدت أغرق ما زمّوا بما سفكوا
وراغى يوم تشييعي هوادجهم والعيس من عجل في السير ترتبك
[ ١ / ٢٣٢ ]
ستران ستر على الأقمار منفرج يبدو وآخر للعشاق منهتك
أضمّ جفى عليه حين يطرقني كما يضم على وحشية شرك
ما روضة اضحكت صبحا مباسمها دموع قطر عليها الليل ينسفك
فالنرجس الغض عينٌ كلها نظر والاقحوانة ثغر كله ضحك
وللشقائق ذي وسطها عجب إذا تمايلن والأرواح تأتفك
حمر الثيات تطير الريح شائلة إذيالها وهي بالأزرار تمتسك
إذا الصبّا نبهت أحداقها سحرا؟ ً حسبت مسكًا على الآفاق ينفرك
أنمّ طيبا؟ ً وحليًا من ترائبها إذا اعتنقنا وخيل الليل تعترك
وللسماء نطاق من كواكبها عقدن منه على أعطافها حبك
قد أشعل الشيب رأسي للبلى عجلًاوالشمع عند اشتعال الرأس ينسبك
فإن يكن راعها من لونه يققٌ فطالما راقها من قبله حلك
يظل ينفح من أعراضهم عبق وللحديد على أثوابهم سهك
كأن أوجههم والروع يبذلها غرا دنانير لم تنقش لها سكك
من كل أزهر مثل النجم يحمله طودٌ له الليل مسك والضحى مسكُ
[ ١ / ٢٣٣ ]
حتى رأها أسودا ما بها عزل برزن فوق جياد ما بها صكك
طرقن حي العدى في عقر دارهم والنوم ملء جفون القوم لو تركوا
والطعن ينسج أشطان القنا ظللا يلقى على فرج الحجب التي هتكوا
إلى ذراك قوام الدين سار بنا خوص كما اصطف من نخل القرى سكك
قد ثوروهن أدنى خطوها سفر شوقا إليك وأبطأأمرها رتك
تسري طوالب أيديها بأرجلها مد الليالي فلا فوت ولا درك
حتى ترى ملكا يشفي بروئيته من الزمان صدورًا كلها حسك
وهاكها توقر الحساد من كمد كأنما هي في أسماعهم سكك
قوافيا بدويات وما بعثت بها من البدو لاعرض ولا أرك
جاءت بهن يد بيضاء فانتظمت زهرا تلقف للأقوام ما أفكو
سحر من الشعر اعجزت الفحول به وأعجزتني حتى بعتها الرمك
لما دفعت إلى دهر تنمر لي برائعات فأمري بينها لبك
[ ١ / ٢٣٤ ]
العقل فيه عقال والسداد سدى والفضل فيه فضول والنهى نهك
قد بعت طرفي وهذا مطرفي وغدا ابيعه ولطرفي أدمع سفك
مدحي الملوك وأكلي الكف مقتنعا هذا لعمرك في أبائكم هتك
فاعطف فإن حمى العلياء منتهب إن لم تغث وحريم المجد منهتك
وله يقول:
هو ما علمت فاقصري أو فاعذلي وترقبي عن أي عقبى تنجلي
لا عار إن عطلت يداي من الغنى كم سابق في الخيل غير محجل
صان اللئيم وصنت وجهي ماله دوني فلم يبذل ولم أتبذل
أبكي لهم صافني متأدبا إن الدموع قرى الهموم النزل
لا تنكري شيبا ألم بمفرقي عجلًا كأن سناه سلة منصل
فلقد دفعت إلى الهموم تنوبني منها ثلاث شدائد جمعن لي
أسف على ماضي الزمان وحيرة في الحال منه وخشيةالمستقبل
ما إن وصلت إلى زمان آخر إلا بكيت على الزمان الأول
لله عهد بالحمى لم أنسه أيام أعصى في الصبابة عذلي
ومدلة بالحسن لا تبدي الرضا حتى أحكم سهمها من مقتلي
رحلت وناب خيالها في ناظري عن وجهها فكأنها لم ترحل
[ ١ / ٢٣٥ ]
وآبى خلاصي من طويل عذابها قلب متى يعد التسلي يمطل
يعفو عن الجاني وإن لم يعتذر ويجود للعافي وإن لم يسال
وقال:
أهلا بوجهك من صباح مقبل وبجود كفك من سحاب مسبل
وإذا الصباح مع السحاب ترافقا متسايرين إلى معالم منزل
سعدت فأشرق كل ناد مظلم منها وأخصب كل واد ممحل
قل للعيون وللشفاه من الورى لما بدا كالعارض المتهلهل
السعد في ذاك الجبين فطالعي واليمن في تلك اليمين فقبلي
أضحى قرار الدولتين بسعيه وبعزمه الماضي مضاء المنصل
والارض ساكنة لدور دائم يعتاده فلك عليه يعتلي
وذراه مزدحم الوفود تؤمه أبدا لأن نداه غدب المنهل
فإذا أتى الممتاح حقق بالندى منه الأماني ثم قال له أسأل
تلك البقية بعد باقية كما كانت وعقدة أمرها لم تحلل
ولقد كلفت بها ورأيك وحده حسبي به سببا وإن لم تكفل
فاعدلها نظر الكرام فليس في تحصيلها إلى عليك معولي
فإذا أردت الجاه كنت مناولي وإذا أردت المال كنت منولي
[ ١ / ٢٣٦ ]
وأنا الذي مالي سواك ذخيرة ولقد خبرتك في الزمان الأول
من أي وجه كنت أقبل راغبا قابلت تطويلي بفرط تطولي
لازلت تخطر في عراص سعادة وتجر أذيال البقاء الأطول
وقال:
هم منعوا مني الخيال المسلما فلا وصل إلا أن يكون توهما
إذا ما سرى ركب النسيم أعترضته لأخبار من أحببته متنسما
فياليل نجد ما صباحك عاندا ولكن من في الغور فيك تبسما
تمزقت الظلماء عن ثغر غادة أضاء من الآفاق ما كان مظلما
إذا وجهها والبدر لاحا بليلة فما أحد يدري من البدر منهما
فاقسم لو لم يدن من برد ريقها لاوشك جمر الخد أن يتضرما
وقد نسجت كف الثريا على الثرى من الروض وشيا بالاقاحي منمنما
ورقرق فيه دمعها كل ديمة ولو أنه من مقلتي كان أدوما
وما الجود في صوب السحاب سجية ولكنه من دمع عيني تعلما
فياليت لا ينفك طرفي وخاطري مدى الدهر يلقي الدر فذاو توأما
لملاك قلبي بالهوى ولمالكي بسالفة النعمى التي كان أنعما
فاذرى لهم در البكاء مبددا وأهدي لهم در المديح منظما
[ ١ / ٢٣٧ ]
لأعلى الورى في قنة المجد مطلعا وأكثرهم في قنية الحمد مغنما
هلال بدا نجم سما قدر سطا سحاب همي طود رسا أسد حمى
لاوسعت أنعاما فلا زلت منعما وبالغت إكراما فلا زلت مكرما
ولا خفض الأقدار ما كنت رافعا ولا نقض الأيام ما كنت مبرما
وقال ﵀:
يامودع السرسرا عند أجفاني ومتبع السر إيصاء بكتماني
لله بدر وأطراف القنا شهب يجلوه فيهن من صدغيه ليلان
تقول للبدر في الظلماء طلعته بأي وجه إذا أقبلت تلقاني
وجه السماء مرآة لي أطالعها والبدر وهنا خيالي فيه لا قاني
لم أنسه يوم أبكاني وأضحكه وقوفنا حيث أرعاه ويرعاني
كل رأى نفسه في عين صاحبه فالحسن أضحكه والحزن أبكاني
قد قوس القد توديعا وقربني سهما فابعدني من حيث أدناني
وكنت والعشق مثل الشمع معتلقا بالنار أبقيته جهلا فأفناني
يامن بطرف وقد منه غادرني متعتعا بين مخمور وسكران
كم فتل صدغيك طول الدهر تلبسه أذنيك قيدا وقلبي عندك العاني
[ ١ / ٢٣٨ ]
والساحران هما العينان منك لنا فكم تعاقب بالتنكيس قرطان
أغر يمتاح من قلب القلوب له خمر المياه دراك اسمر أشطان
تكل إن سار عين الشمس عنه سنىً حتى تود لو انصانت بأجفان
لكن مظلته تضحي مسدتها فيتقي نورها منه بأكنان
إذا بدا طالعا في سرج سابقه في يوم هيجاء أو في يوم ميدان
فالطرف حاكى رياح أربع حملت قصرا وفارسه حاكى سليمان
يقرى الولي ويقرى بالعدو إذا ما ضافه جائعًا نسر وسرحان
كم يفتدي كلما شاء القنيص له غر على الغر من خيل وغلمان
وفي الكنائن منهم وفي الأكف معا إلى وحوش الفلا جندا خليطان
من كل سهم وسهم طائر بهمامن مستعار ومملوك جناحان
زرق جوارح أو زرق جوارح قد علقن منهم بأيسار وأيمان
وكل مستردف يعدو الحصان به مثل السبايا قعودا خلف فرسان
يقول خاطت له ثوبا أديم نقي من فار مسك فتيق أدم غزلان
كأن في كل عضو منه من شره إلى التقنص مفتوحات أعيان
[ ١ / ٢٣٩ ]
واغضف مثل نجم القذف من سرع إذا عدا لاحق الأحشاء طيان
يعود في كفه خطفا وسيقته كأنها قبسة في كف عجلان
ما بال تصوير أسد في سرادقه وليس يملأ خوفا منه عينان
ليس السعادة إلا كالكتاب ولا حسن أختيار الفتى إلا كعنوان
كان ناصح الدين الأرجاني ناظم هذه المقطعات من الفضلاء الأعيان تولى قضاء تستر وعسكر مكرم وسلفه من الأنصار ﵃ ومولده سنة ستين وأربعمائة وتوفي بتستر في شهور ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة رحمه الله تعالى وقد تقدم ذكر ابن حيوس في صدر هذه الترجمة وهو محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس بن محمد بن مرتضى بن محمد بن الهيثم بن عثمان الغنوي الملقب مصطفى الدولة ولد بدمشق سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وتوفي بحلب في شعبان سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
سليمان بن عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله بن الحسن بن عبد الرحمن أبو المظفر عون الدين بن أبي القاسم بهاء الدين بن أبي علي بن غالب الكرابيسي الأديب الكاتب المعروف بابن العجمي الحلبي الشافعي ناظر
[ ١ / ٢٤٠ ]
الجيوش في الأيام الناصرية، مولده بحلب ليلة الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وقيل سنة خمس وستمائة سمع من القاضي بهاء الدين بن أبي المحاسن يوسف بن رافع بدمشق تميم المعروف بابن شداد وغيره، وحدث وتولى بحلب الأوقاف الدينية ثم حظي عند الملك الناصر رحمه الله تعالى فقربه وأدناه وكان رئسيًا عالمًا فاضلًا جليل القدر كريم الأخلاق حسن العشرة لطيف الشمائل جيد الكتابة خبيرًا بقوانينها متأهلًا للوزارة وغيرها من الرتب الجليلة وبيته مشهور بالعلم والحديث والرياسة والكتابة والتقدم والسنة والجماعة وتوفي عون الدين المذكور بدمشق في نصف ربيع الأول ودفن من الغد بعد المغرب بسفح قاسيون رحمه الله تعالى، وله نظم جيد.
حضر مجلس مخدومه الملك الناصر يومًا وأدار ظهره إلى الطراحة فقال له أستاذ الدار السترة وراءك فقال الملك الناصر سليمان من أهل البيت فأنشد عون الدين في الحال لنفسه.
رعى الله ملكًا ماله من مشابه يمن على العافي ولم يك منانا
لأحسانه أمسيت حسان مدحه وكنت سليمانا فاصبحت سلمانا
ومن شعره:
لهيب الخد حين بدا لعيني هفا قلبي عليه كالفرش
[ ١ / ٢٤١ ]
فأحرقه فصار عليه خالا وها أثر الدخان على الحواشي
ومن شعره:
يا سائقا يقطع البيداء متعسفًا بظامر لم يكن في سيره وإني
إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا تعدل بلغت المنى عن دير مران
وأقصد علالي قلاليه تلاق بها ما تشتهي النفس من حور وولدان
من كل بيضاء هيفاء القوام إذا ماست فواخجلة المران والبان
وكل أسمر قد دان الجمال له وكمل الحسن فيه فرط إحسان
ورب صدغ بدا في الخد مرسله في فترة فتنت من حسن أجفان
فليت ريقته وردى ووجنته وردى ومن صدغه آسى وريحاني
وعج على دير متى ثم حيي به ال ربان بطرس فالربان رباني
فهمت منه إشارات فهمت بها وصنت منشورها في طي كتمان
واعبر بدير حنينا وانتهز فرص ال لذات ما بين قسيس ومطران
واستجل راحا بها تحيا النفوس إذا دارت براح شماميس ورهبان
حمراء صفراء بعد المزج كم قذفت بشهبها من همومي كل شيطان
كم رحت في الليل اسقيها وأشربها حتى أنقضى ونديمي غير ندمان
سألت توماس عمن كان عاصرها أجاب رمزًا ولم يسمح بتبيان
وقال أخبرني شمعون ينقله عن ابن مريم عن موسى بن عمران
[ ١ / ٢٤٢ ]
بأنها سفرت بالطور مشرقة أنوارها فكفوا عنها بنيران
وهي المدام التي كانت معتقة من عهد هرمس من قبل ابن كنعان
وهي التي عبدتها فارس فكنى عنها بشمس الضحى في قومه ماني
سكرت منها فلا صحو وجدت بها على الندامى وليس الشح من شأني
وسوف أمنحها أهلا وأنشده ما قيل فيها بترجيع وألحان
حتى تميل لها أعطافه طربا وينتشي الكون من أوصاف نشوان
خير الملوك صلاح الدين ليس له في الجود ثان ولا عن جوده ثاني
كان والده بهاء الدين من الأجواد المشهورين والأعيان المتمولين بحلب ﵀.
عبد الرحمن بن عوض بن محبوب أبو البركات عفيف الدين الكلبي المعري روى عن أبي المعالي محمد بن عبد الواحد بن المهذب وغيره توفي ﵀ في بعض شهور سنة ست وخمسين وستمائة، وكان أديبًا فاضلاُ رئيسًا ذا مكارم من بيت كبير نظم الشعر صغيرًا وله فيه اليد الطولى فمنه.
جميع حديثي عنكم حين أنطق وجملة فكري فيكم حين أطرق
وعهدكم عندي على ما عهدتم وموثقكم في حبة القلب موثق
فكل صباح لي إليكم تشوف وكل مساء لي إليكم تشوق
وإن نحت في أفنان وجدي يحق لي لاني بما أوليتموني مطوق
[ ١ / ٢٤٣ ]
قطعتم ولم أسرقكم الود كتبكم وكيف يجازي القطع من ليس يسرق
صلوا واقصدوا واقربوا وتباعدوا وأولوا وقولوا واعتقوا وترفقوا
فقلبي قلب لم يشنه تغير وودي ود لم يشه تملق
وله أيضًا
ودوحة بات بدري تحت أنجمها من العشاء نديما لي إلى السحر
تخبر بورد ورد طول ليلته من خده ولماه البارد الخصر
حتى إذا اسكرتني خمر ريقته غنى بشجو فأغناني عن الوتر
ما العيش إلا اصطباح الراح أوشنب يغني عن الراح من سلسال ذي أشر
عبد الرحمن بن نصر بن يوسف أبو محمد صدر الدين الشافعي قاضي بعلبك كان فقيهًا عالماُ فاضلًا زاهدًا عابدًا ورعًا جوادًا ممدحًا لا يقدم بعلبك قادم إلا ويكرمه ويضيفه وكان كثير البر والصدقة وإطعام الفقراء والمساكين مقتصرًا في ملبسه ولم يقتن في عمره دابة قط إلا مرة واحدة اشترى بغلة فماتت قبل أن يركبها فكان إذا أضاف أحدًا من أرباب الدنيا جعل من ذلك الطعام جزءًا وافرًا يتصدق به على الفقراء فإن ضاق الطعام عن ذلك استأنف طعامًا للفقراء كأنه يكفر بذلك ما أنفقه لغير الله تعالى وكان يقوم الليل كثيرًا ويصلي من المغرب إلى العشاء الآخرة نافلة ويتلو القرآن الكريم في غالب أوقاته ويصوم نافلة في
[ ١ / ٢٤٤ ]
كثير من الأوقات وكان متواضعًا حتى أنه كان يحمل طبق العجين من منزله إلى الفرن بنفسه في بعض الأوقات ويلقاه من يسأله حمله عنه فيأبى ذلك ويشتري الحاجة بنفسه ويحملها إلى منزله وكانت له الحرمة الوافرة في الدولة وإذا خلع عليه كان في خلعته طيلسان وكان لا يخلع بطيلسان الأعلى قاضي القضاة وآحاد الأكابر وله المكانة العالية عند الخاص والعام وبقي في القضاء مدة إلى حين وفاته لم يؤخذ عليه في حكم وكان متحريًا عفيفًا شديد التقوى سريع الدمعة وكان لرقة حاشية طبعه يميل إلى الصور الجميلة مع شدة العفاف والشح بدينه ولا ينال من ذلك إلا الرؤية مع جمع من غير خلوة فكان من لا يعلم باطن حاله ينتقد عليه ذلك ولعل الذي يناله من الأجر بوقوع بعض الناس فيه بسبب ذلك على ما يلحقه من الإثم بسببه - وحكى لي أنه قال مرة لزوجته اعملي لي صحنًا من قطائف فعملته على ما أراد وتوهمت أنه يريد إطعامه لأحد من الشباب وكانت ليلة ثالجة شديدة البرد فجاء إلى منزله بعد العشاء الآخرة وأخذ الصحن ومضى فسيرت بعض الزامها في أثره ليخبرها حقيقة الحال فذكر لها بعد عوده أنه لا زال يمشي وراءه على بعد إلى أن وصل إلى مسجد مهجور داخل باب حمص من مدينة بعلبك ففتحه وإذا فيه ثلاثة نفر فقراء غرباء من أثر مرض وهم في الظلمة فجعل الصحن بين أيديهم وبيده طوافة يريد بها الضوء عليهم وهم يأكلون إلى أن أتوا على ما في الصحن فأخذه وعاد
[ ١ / ٢٤٥ ]
إلى منزله - وبالجملة فكانت مكارمه كثيرة وغالب أفعاله لله تعالى وكان صحب والدي ﵀ من حال صغره إلى أن توفي إلى رحمة الله فوجد والدي عليه كثيرًا وحزن لفقده وسمعته يثني عليه غير مرة في حال حياته وبعد وفاته وكان للقاضي صدر الدين ﵀ يد في النظم والنثر واشتغل بالفقه على الشيخ تقي الدين بن الصلاح ﵀ وغيره وفي العربية على والدي ﵀ وعلى غيره وسمع على الشيخ تاج الدين الكبدي وغيره ولم يخلف شيئًا من الدنيا سوى دار عمرها وكان يسكنها وحصة يسيرة في حوانيت ورثها من أبيه ولعل مجموع ذلك مع ثياب بدنه وفى بما عليه من الديون وفضل مقدار يسير لورثته ﵀ وكانت وفاته ببعلبك في تاسع ذي القعدة ودفن ظاهر بعلبك في مقبرة الأمير شمس الدين محمود ﵀ بباب شطجا وهو في عشر السبعين تقريبًا ورثاه غير واحد من أصحابه ومعارفه فمنهم الشيخ شرف الدين أحمد بن أحمد بن نعمة المقدسي رحمه الله تعالى قال:
لفقدك صدر الدين أضحت صدورنا تضيق وجاز الوجد غاية قدره
ومن كان ذا قلب على الدين منطو تفتت أشجانا على فقد صدره
وكتب إليه الصاحب شرف الدين عبد العزيز ﵀ وكان بينهما مودة عظيمة:
رب الندى عبد الرحيم استمع مقالةً من مغرم صب
لولا بعادي عنك ما كان لي على صروف الدهر من عتب
[ ١ / ٢٤٦ ]
والقلب في الصدر علمنا به وأنت صدر حل في القلب
ومن شعر القاضي صدر الدين في مدح بعلبك:
لله عيش في بعلبك قد مضى قضيت فيه مع الصبا غرضا
أيام جفن السرور منتبه مني وجفن الهموم قد غمضا
أسعى إلى رأس عينها طربًا أركض طرفًا للهوما ركضا
ومدّ لهم الشباب يُونس ما أوحش مني سناه حين أضا
وروضة في لجوجها أنف لو مُقعدٌ حلّ أرضها نهضا
قصدتها والحبيب في غلس وبارق الثغر منه قد ومضا
وسقم جفن قد صح منه لمحزو ن كئيب في حبه مرضا
لقيت من هجره وفرقته ما راح جسمي به لقى حرضا
ولا ثم لي محرقي رمضا على هواه مجرعى مضضا
فقلت أنى اسلوه في زمن عادته السخط للأنام رضا
وللأشراف الملك من به بسط الخص ب لدينا والجذب قد قبضا
وأصبح عن مساءتنا منحرفًا والسرور. . . معترضا
وآض ما غاض من مسرتنا وإيجاب غيم الغموم واندحضا
ووقفت على ورقة بخطه إلى شخص من الفقهاء كان يميل إليه وفي صدرها أبيات وغالب ظني أنها من نظمه وهي:
يا حبيبًا جار لما ان منك لا تخيب قصد من قد أملك
كنت لا تصبر عنا ساعة علموك الهجر حتى لذلك
[ ١ / ٢٤٧ ]
أيها البين الذي فرّقنا أي ثار كان عند الصب لك
لا تزدني فوق هذا ألمًا قد بلغت اليوم فيه أملك
يا لمأسور هوىً صيّره مع من قد مات شوقًا وهلك
مستهام لم يزل يتبع تابع من حبكم أني سلك
لم يصغ سمعًا إلى العذل فلا تسمع اليوم به من عذلك
ما تبدّ لنا بخل بعدكم أترى أي خليل بدّلك
ثم وقفت على مجموع بخط بعض الفضلاء وفيه مصاريع من مخمس ونسبه إلى الباسلوى منها:
يا حبيبي بالذي قد أرسلك بشر الناس في زي ملك
ساو بالوصل محبًا سالك أيها المالك لي فيما ملك
من إلى تعذيب قلبي ميّلك
يا عصيّا ليس ينوي طاعة كنت لا تصبر عنا ساعة
لا يرى لي أذنًا علك سماعه فيك للعواذل ولأمر تاعه
علموك الهجر حتى لذلك
عبد الرشيد بن محمد بن أبي بكر النها وندى الصوفي ويسمى مسعود توفي بدمشق في رابع وعشرين شهر رمضان ودفن من يومه بمقابر الصوفية عن مائة وأربع عشرة سنة كما ذكر رحمه الله تعالى.
عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد
[ ١ / ٢٤٨ ]
أبو محمد زكي الدين المنذري الإمام الحافظ الشامي الأصل المصري المولد والدار والوفاة الفقيه الشافعي مولده بمصر في غرة شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، قرأ القرآن الكريم بالروايات على أبي الثناء حامد بن أحمد بن حمد الارتاحي وتفقه في مذهب الشافعي رحمة الله عليه على الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل القرشي وقرأ العربية على ابي الحسين يحيى بن عبد الله النحوي وسمع منهم ومن خلق كثير وحج وسمع بمكة شرفها الله تعالى وبمدينة النبي ﷺ ورحل إلى دمشق فسمع ومشائخه مذكورون في معجمه الذي خرجه لنفسه في ثمانية عشرة جزأً ودرس بالجامع الظافري بالقاهرة مدة وعلق على التنبيه في مذهب الشافعي كتابًا نفيسًا يدخل في أحد عشر مجلدًا وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية التي بين القصرين بالقاهرة وانقطع بها نحو العشرين سنة عاكفًا على التصنيف والتاريخ والإفادة وصنف تصانيف مفيدة وخرج تخاريج حسنة وأملى وحدث بالكثير إلى حين وفاته واختصر صحيح مسلم ابن الحجاج والسنن لأبي داود وتكلم على أحاديثها وكان عديم النظير في معرفة الحديث على اختلاف فنونه عالمًا بصحيحه وسقيمه ومعلوله وطرق مسانيده متبحرًا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله قيمًا بمعرفة عربيه وإعرابه واختلاف ألفاظه ماهرًا في معرفة رواية جرحهم وتعديلهم ووفياتهم
[ ١ / ٢٤٩ ]
ومواليدهم وإخبارهم إمامًا حجة ثتا ورعا متحريًا فيما يقوله وينقله متثبتًا فيما يرويه ويتحمله عدلًا ورعا طاهر اللسان مأمون الجانب سمحًا كثير الإيثار وكانت وفاته في رابع ذي القعدة بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم ﵀ قال أنشدني الأديب الفاضل أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي النحوي الكاتب لنفسه.
لعمرك ما أبكى على رسم منزل ودار خلت من زينب ورباب
ولكنني أبكي على زمن مضى تسود فيه بالذنوب كتابي
وأعجب شيء أنه لا يصدني عن اللهو شيب حال دون شبابي
وقد حل بازي المشيب بعارضي وما طار عن وكر الذنوب غرابي
فيا رب جد بالعفو منك فإنني مريض حريص بالذنوب لما بي
ولا لي أهل في بلاد ومعشر يغدون أيامي لوقت إيابي
وإن سرت عن دار فما من مشيّع ولا ملتق إن جئتها لركابي
ولا سكن اعتدّه لملمة ولا أحد يرجى لدفع مصابي
وقد رثى الشيخ زكي الدين ﵀ صاحبنا الموفق عبد الله ابن عمر الأنصاري ﵀.
بالصحيحين مذ فقدت صحاح صحّ معنى ولفظه. . . الام
درست بعدك الدروس وصارت نكراتٍ لفقدك الاعلام
[ ١ / ٢٥٠ ]
والمواعيد بعد ما غبت عنها ليس فيها كما عهدت ازدحام
من سواك السماع لا يطرب السم ع وفيه بعد السرور وجام
من لكشف النقاب عن غررال الفاب يجلو الوجوه وهي وسام
من لضبط الأعراب جزمًا عرا ب فصيح أن أبهم الإعجام
من لفصل الخطاب يجلو به الخط ب ويجلو بالسمع منه كلام
من لحفظ الأنساب ضاع بنوها يا أباها فكلهم أيتام
هذه أعين المحاير تبكي بدموع جرت بها الأقلام
يا لها من رزية ذهب الفضل بحذ الطروس منها سحام
فالمعالي عيونهن دوام حيث لم يهنها لديك دوام
والمواليد بعد موتك أمست وولود التاريخ منها عقام
ووفاة الرجال بعدك فأتت فجدير بها البكى واللطام
والفتاوى حلت عليك فروعًا فإنها منك حلّها والحرام
والأماني مذغبت ملّت بقاها وهي أن تفن حسرةً ما تلام
وعليك الصحاح تبدى انكسارًا وكذا العين وحشة ما تنام
وإليك الغريب زاد حنينًا أغراه بالفراق الغرام
ولدار الحديث عهد قديم مستجد على البلى مستدام
كم بها قد قعدت مقعد صدق قمت فيه يا حبذاك القيام
حربًا لمحراب أصبح يشكو من أماليك وحشة يا إمام
[ ١ / ٢٥١ ]
لك مني الصلاة يا جامع الفض ل كما عن سواك عندي صيام
أسند الحزن بعد موتك عني من رجال الحديث قوم كرام
طوقتهم منك الأيادي فلولا نوحهم معرب لقلت حمام
يا رجاي القطوع منه برغمي مرسل الدمع من جفوني سجام
دمع عيني إن جرح الجفن جورًا فهو عدل وما عليه أثام
وكذا اضلعي إذا أورت اليا رفعنها يورى اللهيب الغرام
يا زكيًا عقلًا ونقلًا وأصلًا ليس يأتي بمثله الأيام
يا طراز الزهاد يا عالي الإسن اد يا من له الأيادي الجسام
يا ظليلًا له بقلبي نار وهي برد بأدمعي وسلام
لو أفاد الفدى فدتك نفيس ات نفوس لها عليك هيام
إن نمتُ صورةً فذكرك حيّ لملم الأملا به المام
طبت ذكرًا وطاب تربك حتى حسدت مصرنا عليك الشآم
كيف استمطر الغمام لقبر حلّ فيه يا بحر منك الغمام
باكرتك الصّبا بنشر سلام لك تهديه في النسيم السلام
ورثاه أيضًا الأديب أبو القاسم بقصيدة أولها:
مصاب زكي الدين ليس يهون لقد سكبت فيه العيون عيون
مصاب به الأجفان قرحى من البكى وكل كلام فيه فهو أنين
لقد اقفرت منه المدارس وانفضت مجالس منها للحديث شجون
[ ١ / ٢٥٢ ]
لك الله يا علم الحديث فقدته فكم لك شوق نحوه وحنين
وكم حسرات للبخاري بعده وما مسلم إلا عليه حزين
يمينًا لقد ساء القلوب مصابه اليّة برٍ ليس فيه يمين
على بعده وجدٌ بحر زفيره يعلم صخر الصم كيف يلين
لقد حملوه والأمانات والتقى تزف على نعش له وتبين
وراح وللإسلام في كل مهجة بمصرعه داء عليه دفين
وقد كان للأنوار فيه طليعة وللمجد منه طلعة وجبين
ويا حسرات للنفوس تأكدت لقد كان ما خفناه أن سيكون
ويا عبرات للعيون اذرفي دمًا فما كل طرف في البكاء طعين
ظناه للأيام يبقى ذخيرةٌ على أن جود الدهر فيه ضنين
لإن لم أقم حقًا بواجب حقه بقية عمري إنني لخؤون
سقى الله صوب الغاديات ضريحه ورواه غيث للسحاب هتون
ولو بخلت عنه السحائب بالحيا لروته منا بالبكاء جفون
عبد الله الإمام المستعصم بالله أبو أحمد أمير المؤمنين بن المستنصر بالله أبي جعفر المنصور ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد
[ ١ / ٢٥٣ ]
بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي بأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الأمير الذخيرة أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الأمير الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الرشيد أبي محمد هارون بن المهدي بالله أبي عبد الله محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵀ مولده سنة تسع وستمائة وبويع له بالخلافة لما توفي والده في العشرين من جمادى الأول سنة أربع وستمائة فكانت الخلافة خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيامًا ومقدر عمره سبع وأربعون سنة واستجاز له ولجماعة من أهله أبو عبد الله بن النجار في رحلته إلى خراسان جماعةً كثيرة منهم أبو روح عبد المعز بن محمد الهروى وأبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي وأبو بكر القاسم بن عبد الله ابن الصفار وأم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشعري وغيرهم وحدث فسمع منه صدر الدين شيخ الشيوخ أبو الحسن علي بن محمد وحدث عنه وأجاز الإمام محي الدين أبي المظفر يوسف بن الإمام أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي والشيخ نجم الدين أبي محمد عبد الله بن محمد البادرائي وحدثا عنه بهذه الإجازة وكان المستعصم بالله متدينًا متمكنًا متمسكا؟ ً
[ ١ / ٢٥٤ ]
بمذهب أهل السنة والجماعة على ما كان عليه والده وجده رحمهما الله تعالى ولم يكن على ما كانا عليه من التيقظ وعلو الهمة فإن والده المستنصر بالله كان ذا همة عالية وشجاعة وافرة ونفس أبية وعنده إقدام عظيم واستخدم من العساكر ما يزيد على مائة ألف وقصدت التتر بلاد العراق في أيامه فلقيهم عسكره وانتصف منهم وهزمهم وكان للمستنصر بالله أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشهامة والشجاعة وكان يقول إن ملكني الله تعالى أمر الأمة لاعبرن بالعساكر نهر جيحون وأنتزع البلاد من يد التتر وأفنيهم قتلًا واسرًا وسبيًا فلما توفى المستنصر بالله لم ير الدوادار والشرابي وكانا غالبين على الأمر ولا بقية أرباب الدولة تقليده الخلافة خوفًا منه ولما يعلمون منه أستقلاله بالأمر واستبداده بالتدبير دونهم وآثروا أن يليها المستعصم بالله لما يعلمون من لينه وأنقياده ليكون الأمر إليهم فاتفق رأي أرباب الدولة على تقليد المستعصم بالله الخلافة بعد أبيه فتقلدها وأستبدوا بالتدبير ثم ركن إلى وزيره مؤيد الدين العلقمي فأهلك الحرث والنسل وحسن له جمع الأموال والأقتصار على بعض العساكر وقطع الباقين فوافقه على ذلك وكان فيه شح وحب لجمع المال فوافق ما أشار به الوزير وغيره عليه من ذلك ما في نفسه فأجابهم وبذل الوزير جهده في بوار الإسلام فبلغ قصده كما ذكرنا وكان المستعصم بالله قليل التدبير والتيقظ نازل الهمة محبًا لجمع المال مهملًا للأمور يتكل فيها على غيره ويقدم على فعل ما يستقبح ولا يناسب منصبه ولو لم يكن من ذلك إلا ما فعله مع الملك
[ ١ / ٢٥٥ ]
الناصر داود في أمر الوديعة لكفاه ذلك عارًا وشنارًا حتى لو كان الملك الناصر من بعض الشعراء وقد قصده وتردد إليه على بعد المسافة وامتدحه بعدة قصائد كان يتعين عليه أن ينعم عليه بقريب من قيمة وديعته من ماله فقد كان في أجداد المستعصم بالله من أستفاد منه آحاد الشعراء أكثر من ذلك إلى غير ذلك من الأمور التي كانت تصدر عنه مما لا يناسب منصب الخلافة ولم تتخلق به الخلفاء قبله فكانت هذه الأسباب كلها مقدمات لما أراد الله تعالى بالخليفة والعراق وأهله وإذا اراد الله أمرًا هيأ أسبابه ومن الأتفاقات العجيبة أن أول الخلفاء من آل سفيان أسمه معاوية وآخرهم معاوية وأول الخلفاء من آل الحكم ابن أبي العاص اسمه مروان وآخرهم مروان والخلفاء العلويين بالغرب والديار المصرية اسمه عبد الله وآخرهم اسمه عبد الله وأول الخلفاء من بني العباس عبد الله السفاح وآخرهم عبد الله المستعصم
بالله وعددهم سبعة وثلاثون خليفة ومدة ملكهم خمسمائة وأربع وعشرون سنة منذ بويع السفاح بالخلافة إلى هذه السنة فسبحان من لا يزول ملكه ولا يحول سلطانه وقال القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن واصل ﵀ أخبرني من أثق بنقله يوم ورود الخبر بتملك التتر بغداد أنه وقف على كتاب عتيق فيه ما صورته عن علي بن عبد الله بن العباس بلغ بعض خلفاء بني أمية عنه أنه يقول أن الخلافة تصير إلى ولده فأمر به فحمل على جمل وطيف به وضرب وكان يقال عند ضربه هذا جزاء من يفتري ويقول أن الخلافة تكون في ولده فكان علي بن عبد الله ﵀ يقول أي والله لتكون الخلافة في ولدي ولا تزال فيهم حتى يأتيهم العلج من خراسان فينتزعها منهم فوقع مصداق ذلك وهو ورود هولاكو ملك التتر من خراسان وإزالة ملك بني العباس. له وعددهم سبعة وثلاثون خليفة ومدة ملكهم خمسمائة وأربع وعشرون سنة منذ بويع السفاح بالخلافة إلى هذه السنة فسبحان من لا يزول ملكه ولا يحول سلطانه وقال القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن واصل ﵀ أخبرني من أثق بنقله يوم ورود الخبر بتملك التتر بغداد أنه وقف على كتاب عتيق فيه ما صورته عن علي بن عبد الله بن العباس بلغ بعض خلفاء بني أمية عنه أنه يقول أن الخلافة تصير إلى ولده فأمر به فحمل على جمل وطيف به وضرب وكان يقال
[ ١ / ٢٥٦ ]
عند ضربه هذا جزاء من يفتري ويقول أن الخلافة تكون في ولده فكان علي بن عبد الله ﵀ يقول أي والله لتكون الخلافة في ولدي ولا تزال فيهم حتى يأتيهم العلج من خراسان فينتزعها منهم فوقع مصداق ذلك وهو ورود هولاكو ملك التتر من خراسان وإزالة ملك بني العباس.
يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمر بن عبد السلام أبو زكريا جمال الدين الصرصري الشيخ الصالح الحنبلي كان من العلماء الفضلاء الزهاد العباد وله اليد الطولى في نظم الشعر وشعره في غاية الجودة رحمة الله عليه.
امدح رسول الله ﷺ بأشعار كثيرة قيل أن مدائحه فيه صلوات الله عليه وسلامه تقارب عشرين مجلدًا وأضر في آخر عمره وأستشهد ببغداد في واقعة التتار بها في أوائل هذه السنة اعني سنة ست وخمسين ووستمائة وأظنه قد نيف على السبعين من العمر والله أعلم وسأذكر من مديحه لرسول الله ﷺ على سبيل التبرك وتشريف هذا الكتاب ما يتيسر إن شاء الله تعالى فمن ذلك قوله.
[ ١ / ٢٥٧ ]
زار وهنا ونحن بالزوراء في مقام خلا من الرقباء
من حبيب القلوب طيف خيال فجلا نوره دجى الظلماء
يا لها زورة على غير وعد بت منها في ليلة سراء
نعمت عيشتي وطابت حياتي في دجاها يا طلعة الغراء
يا طراز الجمال يا حلة المج د وتاج الكمال للعلياء
يا هلال السرور ياقمر الأن س نجم الهدى وشمس البهاء
يا ربيع القلوب يا قرة العي ن وباب الإحسان والنعماء
يا لباب المعنى ونور المعاني يا شفاء الصدور من كل داء
إن يومًا أراك فيه ليوم آرج النشر ساطع اللألاء
كم إلى كم أخفي الإشارة فيمن فضله ظاهر بغير خفاء
سيد حبه فخار وتشري ف وعز باق لأهل الصفاء
أحمد الممصطفى السراج المنير ال فاتح الخير خاتم الأنبياء
ولعمري لولا تقدمه الأشر ف يرويه سادة العلماء
إنه واجب على الكامل الإيم ان تقديم حبه والولاء
لعلى الأنفس العزيزة والما ل جميعا والأهل والأبناء
ارعدت دونه الفرائض إج لالا حبيب الرحمن رب السماء
أكرم العالمين أصلًا وفصلًا وجلالا وسيد البطحاء
خص بالخاتم العزيز وشرح ال صدر والقرب ليلة الإسراء
[ ١ / ٢٥٨ ]
والكتاب المبين والنصر بالرع ب وريح الصبا على الأعداء
ثم بالحوض والشفاعة في الح شر لكل الورى ورفع اللواء
والمقام المحمود والسبق للنا س دخولًا في الجنة الفيحاء
ثم يعطى وسيلة هي أعلى درجات الجنان دار البقاء
يا نبي الهدى عليك سلام يبقى غضًا على الأناء
وعلى صاحبيك ثمة صهري ك وعميك السادة النبلاء
والصحاب الكرام خير صحاب ناصري الدين بالقنا النجباء
والحسين الشهيد والحسن المس موم والبضعة الرضا الزهراء
وجميع الأزواج والتابعين ال غر أهل الهداية النصحاء
انت جاري وعدتي ونصيري وعمادي في شدتي ورخائي
فاعى علي زمان فظيع الخ طب في أهله شديد العناء
وأسأل الله حين تعرض أعما لي عليك الغفران لي يا رجائي
وقال يمدحه ﷺ:
يا سائق الركب لا تعجل فلي إرب فوق الرواحل حالت دونه الحجب
لعل بدر الدجى يرخى اللثام لنا عن عارضيه فيشفىالواله الوصب
ماذا على ظاعن شط المزار به لو أنه في الدجى يدنو ويقترب
فربما وجدت بردابه كبد جرى بنار الجوى والشوق تلتهب
[ ١ / ٢٥٩ ]
أحبابنا إن تكن أيدي النوى عبثت بشملنا فهو بالتفريق منتهب
فإن حبكم وسط الحشاشة لا تناله غير الأيام والنوب
أولا عطفتم على صب بكم فعلت به سطا البين ما لا تفعل القضب
فؤاده نازح مستأنس بكم وجسمه وهو بين الأهل مغترب
ما هب من نحوكم في الصبح ريح صبا إلا وهز إليكم عطفه الطرب
ولا ترنم قمري على فنن إلا وظل من الأشواق ينتحب
يحن نحو الحمى إذ تنزلون به وليس بينهما لولاكم نسب
وإن جرى ذكر سلع في مسامعه فإنه لدواعي وجده سبب
سحت غمائم أنوار المزيد على فبابه البيض سحا دونه السحب
فهي الشفاء لاسقامي وساكنها هو الحبيب الذي أبغى وأطلب
هل تبلغني إليها جسرة أجد يحلو لها في الفلا الإرقال والخبب
يا ناقتي لا يغشاك الضلال ولا مس القوائم منك الأين والنصب
وأمتد خصبك من ورد ومن كلأ ولا تمكن من أخفافك النقب
سيري إلى ان تحلي أرض أفضل من في الأرض شد إلى أقطاره القتب
محمد خير مبعوث بمرحمة من خير بيت عليه أجمع العرب
مهذب طاهر طابت أرومته وطاب بين الورى أم له وأب
[ ١ / ٢٦٠ ]
هدى به الله قومًا صدهم سفهًا عن الهدى الخمر والأزلام والنّصُب
أتاهم بكتاب صدّق الصحف ال أولى كما صدقت آياته الكتب
فيه بيان وإيجاز وموعظة وهو الشفاء لقلب شفّه الوصب
فاخرج الناس من ليل الضلال به إلى صباح رشاد ليس يحتجب
دعا إلى الله رب العرش وهو على بصيرة لا تغطّي نورها الريب
فمن أجاب فقد حاز الرضا ولمنأبى وصدّ الوها والويل والحرب
وجاهد المعتدين الناكثين عن الح ق المبين بعزم ليس ينقضب
وجنده السابقون الأولون أولو البأس الذي رهبته البيض واليلب
وأصبحت زمر الأملاك نازلة لنصره والصبا الحرقاء والرعب
حتى استقل عماد الدين وارتفعت أعلامه وانجلت عن أهله الكرب
صلى عليه آله العرش ثم على أصحابه فهم الأعيان والنجب
أزكى صلاة وأنماها وأدومها وأجر ذلك عند الله احتسب
وارتجى بمديحي فيه مكرمة من دونها الفضة البيضاء والذهب
لكنني لو قطعت الدهر ممتدحًا للمصطفى ما قضى بعض الذي يجب
وقال يمدحه ﷺ وكان يومئذ متوجهًا إلى زيارة سلمان الفارسي ﵁ فعرّض بذكره وبذكر حذيفة ﵁.
خذ للحجاز إذا مررت بركبه مني تحيّة مخلص في حبّه
[ ١ / ٢٦١ ]
واسأله هل حيّا مرابعه الحيا وكسا الربيع شعابه من عشبه
واستمل من خير الصبالاخ الهوى ما صحّ من إسناده عن هضبه
فلنشر أنفاس النسيم عبارةٌ في رمزها معنىً يلذ لقلبه
يغريه مسراها بأيام الحمى إذ كان منشأ عرفها من تربه
ولعمرها لولا تذكر عهده فيها لما عبث النسيم بلبه
هل لي إلى ليلات مجتمع المنى بمنىً رجوعٌ استلذ بقربه
ويضمني وبني الوداد بجوّه سربال وصل لا أراع بسلبه
حلو الجنى فيه الأمان لمن جنى وبه الكرامة والرضا لمحبه
بدر الكمال على بروج قبابه سامٍ يجل عن المحاق وحجبه
يزداد نورًا كلما طال المدى بمحمد فلك الجمال وقطبه
نالت يداه من المراتب منصبًا يعلو على عجم الزمان وعربه
جمعت له متفرق الفضل الذي في المرسلين عنايةً من ربه
وله الخصائص حازها من دونهم فاستمل من لفظي مقال منبه
منها نبوته وآدم طينةٌ فازداد نورًا حين حلّ بصلبه
ورأى بعينيه على العرش اسمه فدعا به حين استقل بذنبه
وله المقام المرتضى وشفاعة تنجي المحرق من بوائق كسبه
وله اللواء وحوضه العذب الذي يروي جميع المؤمنين بشربه
وله الوسيلة ما لخلق فوقها نزل تفرد في علاه وقربه
[ ١ / ٢٦٢ ]
لما علا عن مشبه مختاره أضحى وليس لفضله من مشبه
هو خاتم للأنبياء وفاتح للأولياء وشربهم من شربه
من أين للأمم الذين تقدموا طرّا كأمته الكرام وصحبه
ما كان منهم سيد في موطن إلا وكان هو الزعيم لحزبه
منهم حذيفة ذو الأمانة والرضا سليمان حلا بالعراق وشعبه
فهما به نور لمن رام الهدى وحمىً من الحدث الملم وخطبه
يا سيد البشر الذي هو غوثنا في حالتي جدب الزمان وخصبه
زرنا صحابتك الكرام تعرضا لننال من فضل خصصتهم به
فافض علينا نعمة من ذاقها أضحى معافىً آمنًا في سربه
وأتم عقباها بخاتمة الرضا والأمن في يوم يصول برعبه
وقال يمدحه ﷺ:
ما بال أنفاس النسيم إذا سرت سحرًا على ميتٍ الصبابة انشرت
ما ذاك إلا أنها مرت على رند الحجاز وبانه فتعطرت
حملت إلى المشتاق منه رسالةً عن عرف من تهوى بصدق اخبرت
نفت الأسى عنه فيالك نفحة دأرت ثقيل الخطب عنه وما درت
واهًا لأيام يفوق نهارها ليلاتها اللاتي بحيي أقمرت
قضيتها بحمى تهامة آمنا تهم العواذل عارفًا ما أنكرت
[ ١ / ٢٦٣ ]
ولّت على عجل فكم قلب سها بوداع جيرتها وكم عين جرت
لو أنها ردت عليّ لأبرأت جسدا باسقام الفراق له برت
أالاء في شغفى بمن شرفي بها جبرت بعطف أم بحتف أخبرت
أوبي جناح إن سمحت بعبرة عما تضمنت الحوانح عبّرت
وإذا القلوب أتت بصدق لم تبل بمقال واشٍ أظهرت أو اضمرت
يا سائق البكرات ما حنّت إلى تحصيل بكر المجد إلا بكرت
تعتاض في طلب العلى عن ريفها بمهامه أغبرت وبيدٍ أقفرت
تتجشم الأهوال لولا نُور من جعلته غاية قصدها لتخيّزت
تهوى إلى الحرم الشريف ركابها عند الصباح هوى ربد نفرت
إما حللت بذلك المغنى الذي فيه عيون المكرمات تفجرت
فقل السلام عليك يا حرم الهدى من مهجة بك أفلحت وتبصرت
يا منزلًا عكفت به غرر النهى وبقدس ساكنه القلوب تطهرت
هل لي بحضرتك العزيزة وقفةً تحيي الذي بالبعد مني اقبرت
أحرزت غاية كل مجد كامل وزكت أصول الفضل فيك وأثمرت
بمكرم شهد الملائك فضله هذا وطنة آدم ما صورت
وتكور الشمس المنيرة جهرةً وشموس شرعة دينه ما كُورت
[ ١ / ٢٦٤ ]
وهو الذي ينشق عنه ضريحة وقبور سكان الثرى ما بعثرت
وهو المشفع يوم محتبس الورى وإذا الجحيم على بنيها سعرت
هو أحمد الآتي بخير شريعة بيضاء عن وجه الهداية أسفرت
عبدا تخيره المهيمن مرسلًا بشرًا بطلعته السماء استبشرت
تالله لو أن الوجوه بأسرها نظرت بإيمان إليه أبصرت
لكنه من ذي المعارج رحمة عظمى لأمته الكرام تيسرت
رأت اليهود صفاته ثم امتروا فيه وأمته رأته فما امترت
عين رأته وما اهتدت لرشادها لبياض سنة وجهه ما أبصرت
ومحاجر اكتحلت بنور وذاده قرت بنيل مرادها وتظفرت
يا من ظلال المكرمات به صفت وصفت مشارب بالضلال تكدرت
وبنور بهجته انجلى غسق الهوى وبه السحائب في الجدائب أمطرت
والماء أصبح من أصابع كفه يهمى فأوردت الظلماء وأصدرت
وله لواء الحمد والحوض الروى وله المقام ومعجزات أغزرت
عطفًا على نفس إلى خلاقها بك في الخطوب توجهت واستنصرت
ليست تشك بأن مدحك قربة بسناه أوزان القريض تنورت
ولقد درت وتيقنت أن لو بغت حصرًا لبعض الفصل فيك لقصرت
[ ١ / ٢٦٥ ]
لكنها لعظيم جاهك ترتجى في حالتيها أقبلت أو أدبرت
فكن الشفيع لها لتنجيها إذا علمت غداة معادها ما أحضرت
فلأنت من أقسامها العظمى إذا ما نابها قتر وأما اقترت
فجزيت أفضل ما يُجازى مرسل عن أمة رشدت به وتبررت
حيت جنابك نفحة قدسية في كل يوم أين حلت عطرت
ونمت به من ذي العلا بركاته وزكت به صلواته وتكررت
وقال ﵀ يمدحه ﷺ وآله وأصحابه وأزواجه.
لمن طللٌ دون الربا والتنائث يُعفى بأيدي العاصفات العوائث
ومنخرق السربال يخترق الفلا ويقدم أقدام الشجاع الدلاهث
حسام طويل الساعدين شرنبثله بطش دلاهث هصور شرابث
جريء إذا لاقى يُرى خصمه الردى إذا صال في أنيابه والمضابث
تساوت وحوش البر في الأنس عنده فصيرها كالعاويات العوابث
يخوض أهاويل الدجى بجلاعد أمون السرى بادي النشاط جثاجث
يحثحثه حتى ينال مراده فطالب أسباب العلى ذو حثاحث
نصحت له نصحًا بريئًا من القذى إذا شاب قوم نصحهم بالعبائث
[ ١ / ٢٦٦ ]
فقلت له إن رمت أمنًا وعزةً فعذ من عوادي النائبات الكوارث
بأفضل مبعوث إلى خير أمةٍ بخير كتاب جاء من خير باعث
وأيمن مولود وأبرك مرضع يدر له ثدي وأنجب مارث
وأكرم مأمول لرفد توجهت إليه نجيبات المطايا الحثائث
أبي القاسم الهادي البشير محمد سليل الكرام الأطيبين الملاوث
أعز الورى بيتًا وأشرف عنصرًا وأطهر عرضًا من عميرة ماعث
بني لبني سام منار سموا به حمى آل حام في الفخار ويافث
تسنم من غر المناقب ذروة أبى شاؤها أن يستكن لضابث
تخيّره الرحمن من آل هاشم صفيًا نبيًا وارثًا خير وارث
وأنزل أملاك السماء لنصره على كل خوان السريرة ناكث
وآزره في كل هيجاء بسلةٍ بأصحابه الشوس الكماة الممارث
بكل كريم الأصل شهم مهاجر وأنصاره الموفين عند النكائث
هم حفظوا ميثاقه في حياته وفي موته لم ينقضوا عهد والث
ولما أتى الأحزاب بدد شملهم بريح وجند باهر للولايث
ويوم حنين حين جاءت هوازن بكل غوى ذى شذاة ملايث
فولوا على الأعقاب حين رماهم فأغشاهم من قبضة من كثاكث
[ ١ / ٢٦٧ ]
هو الأول المختار أفضل مرسل هو الآخر المبعوث خير المباعث
أتى بصراط مستقيم من الهدى له نبأ بادي البيان لباحث
فصادف عميًا يعمهون قلوبهم من الغي غلفٌ تابعي كل عائث
يتيهون في ديمومة مدلهمة يطوفون بالأحجار تطواف عابث
فاخرجهم من ظلمة الجهل نوره وأنقذهم من موبقات الهثاهث
أحلّ لهم ما طاب من كل مطعم وخص بتحريم جميع الخبائث
وعلّمهم سبعًا مثانى آذنت بمحق مثاني لهوهم والمثالث
ونزّه رب العرش عن والد وعن قرين ومولود وثانٍ وثالث
وبلغ تبليغ النصيح وجاهد ال عداة أولى التكذيب مأوى العثائث
وأطفأ نيران الضلالة وامتحت معالمها وانجاب ليل الهنابث
وأضحت شموس الحق مشرقة السنا قد اتضحت آثارها للمباحث
ومازال محفوظًا رضيعًا وناشئًا إلى أن وقاه الله كيد النوافث
وقبلُ وقاه الله في أرض مكة أذى كل حلاف من القوم حانث
إلى أن رماهم يوم بدرًا ذلة بقعر قليب للأساود مائث
وأقبل يوم الفتح نحو ديارهم بجيش لا كباد المعادين فارث
[ ١ / ٢٦٨ ]
سقى قبره الرحب الشريف وجاده سحائب للرضوان غير دثائث
وزفت رياض الأنس في عرصاته فاربت على نبت الرياض الحثاحث
وصبّحه الرحمن في كل بكرة بنور رضابين الصفائح ماكث
وعمّ قبور الأكرمين صحابه بكل غمام بالمواهب غائث
وعترته والطاهرات نساءه ال لواتي جميعًا كن غير خبائث
وتابعهم من كل ازهر طاهر لنفع الورى والاخفياء الأشاعث
وقال رحمة الله عليه يسبح الله تعالى ويمدح رسول الله ﷺ ويثني على الصحابة ﵃ أجمعين.
سبح لربك في الظلام الداجي واذكره ذكر مواظب لهاج
سبحان من رفع السموات العلى سبعا وزان السقف بالأبراج
وأطاح بالقمر المنير ظلامها وأضاءها بسراجها الوهاج
وأحلها زمر الملائك خضعًا لجلاله من ساجد ومناجي
والأرض مهدّها وأرسى فوقها ال اطواد تمنعها من الإزعاج
فتذللت سُبُلًا فجاجا منةً منه على السّلاك بين فجاج
وبدت شواهد صنعة فيها بما أبداه من مستحسن الأزواج
والبحر سخره ولولا لطفه لطغا بفرط تلاطم الأمواج
[ ١ / ٢٦٩ ]
وبأمره البحران يلتقيان لا يبغي على عذب مرور أجاج
والفلك سخرها لمنفعة الورى فجرين فوق المُزبد العجاج
والليل يخلفه النهار ويخلف ال ليل النهار بغيهب متداج
ويطول هذا ثم يقصر ضده متعاقبين بحكمة الإيلاج
فهما وتصريف الرياح ومنشأ ال سحب الثقال أدلةٌ لمناجي
أعظم بها آياتٌ انقطعت بها أسباب كل معاند محجاج
والله أحيا الأرض بعد مماتها بجدوبها بالوابل الثجاج
فاهتز هامدها فأخرجت الذي قد أودعت من نبتها البهّاج
فكسا الربيع بقاعها من نشره حللا تفوق ملابس الديباج
من أحمر قانٍ وأصفر فاقعٍ نضرٍ وأبيض ناصع كالعاج
فتبارك الله المهيمن مخرج ال أموات منها أحسن الإخراج
واختار آدم من تراب بارئًا أولاده من نطفة أمشاج
ثم اصطفى منهم عبادًا خصّهم بنبوة هي عصمة للآجي
واختار منهم أجمعين محمدًا لظهور دين واضح المنهاج
وكأن كل الأنبيان لسره تاجٌ وأحمد درة للتاج
وهو المسمى في القرآن بشاهدٍ وبمنذر ومبشر وسراج
أسرى من البيت الحرام به إلى أقصى مساجده بليل ساج
فعلا على ظهر البراق معظمًا ورأى عجائب ليلة المعراج
[ ١ / ٢٧٠ ]
كشف الحجاب له وكلمه فما اشقى معارض فضله بحجاج
لا زال ممتد المزيد مواصلًا بصلاته صلة بغير خداج
فلقد شفا سقم الصدور وعالج ال ادواء بالتبليغ خير علاج
واختار أمته وفضلها على ماضي القرون وسالف الأفواج
واختار منها آله وصحابه للنصر عند كريهة وهياج
واختار أربعة هم خلفاؤه فحموا شريعته من الأعلاج
منهم أبو بكر عتيق سيد ال أصحاب أفضل مخبت نشاج
صديقه الأتقى الوقور ومنفق ال مال الجزيل عليه عند الحاج
واختار عائشة الطهور لوصله بكرًا سمت شرفًا على الأزواج
وأنيسه في الغار عند تتبع ال أعداء بالطلبات والإرهاج
وأقام في يوم اليمامة دينه بقواضب وبعامل وزجاج
وخليفة الصدق الإمام المرتضى عمر المفتح قفل كل رتاج
جمّاع كل خليقةٍ مرضيه قماع كل مجاهر ومداجي
ولطالما نزل الكتاب بوفق ما يقضيه فيما يعتر ويفاجى
وبحفصة اختص النبي المصطفى صوامة قوامة بدياج
والبر عثمان الذي في ركعة لله بالقرآن كان يناجي
لصابر الثبت الشهيد قتيل أهل البغي في الإلجام والإسراج
[ ١ / ٢٧١ ]
هجموا عليه وما رعوا في قتله الآفاصيح شاخب الأوداج
ولقد رآه لابنتيه محمد كفؤًا حليمًا لم يعب بلجاج
ثم الإمام علي العلم الرضا حلال مشكل كل أمر داج
كشاف كل ملمة بحسامه أكرم به من كاشف فرّاج
وسقته كفّ وداده كأس العلى بإخائه صرفًا بغير مزاج
وحباه بالطهر البتول فزاده شرفًا على شرف بخير زواج
وكفاه بالحسنين فخرًا لم يخب راجيهما ولنعم ذخر الراجي
ومن الصحابة ستة لم تعترض شبه الشكوك مقامهم بخلاج
سعد وطلحة والزبير وباذل الب كرات بالأحمال والأحداج
وأبو عبيدة وابن زيد واعتقد فضل ابن صخر واعص ذا ارهاج
ولأهل بدر والحديبية أعترف بالفضل واحذر من يسيء ويداجي
والفضل في كل الصحابة فاعتقد فلأنت إن أضمرت ذلك ناجي
ثم الذي اعتقد ابن حنبل اتبع تأمن غدًا من الحشر من إزعاج
حبرٌ تمسك بالحديث فلم يزغ عنه إلى من عاج شر معاج
واستخرج الأخبار في السنن التي ثبتت وصحت أحسن استخراج
نصر الآله به القرآن فلم يكن في نصره بالعاجز اللجاج
[ ١ / ٢٧٢ ]
هو في الحياة وسيلتي وذخيرتي لهجوم موت للأنام مفاجي
وقال يمدحه ﷺ.
ربع المنى بمنى نعمت صباحًا وتبلجت فيك الوجوه صباحًا
وسقتك أخلاف الغمام عشية درًا يروي من حماك بطاحًا
وعلا سحيق المسك نشرك كلما نشر الربيع على ثراك جناحًا
ولبست من زهر الرياض ملأه وعقدت فوق الجيد منه وشاحًا
قد طالما سامرت في جنح الدجى أقمار حسنك لا أخاف جناحًا
وحلبت من رياك روح حشاشتي وشربت فيك من المحبة راحًا
لله أيام مضت محمودة طابت بجوك غدوةً ورواحًا
آنست فيها نور عطف أحبتي ونشقت عطر رضاهم النفاحا
يا موسم الأحباب يا عيد المنى وهلال سعد بالبشارة لاحا
هل لي عليك مع الأحبة وقفة وجه النهار تجدد الأفراحا
بالله يا من عزمه أهدى لنا طرفًا إلى نيل العلى طماحا
فصل السرى بعد السرى بنجائب يطوين أكناف الحجاز مراجا
بلغ إلى ذات الستور رسالة عمن إذا ذكرت صبا وارتاحا
يا ربة الحرم الممنع كم دمٍ لبني الأماني دون وصلك طاحا
[ ١ / ٢٧٣ ]
كيف السبيل إلى لقائك والفلا قد حف دونك ذبلا وصفاحا
وإذا وصلت قباب سلع جادها صوب المواهب هاطلًا سحاحا
فاجلس بإشراف موطن علقت به غرر المعالي لا تروم براحا
فلقد نزلت من البسيطة منزلًا رحب الجوانب للوفود فساحا
جمع المفاخر كلها بمحمد أوفى الورى حلمًا وأكرم راحا
أضحى به علمًا لكل هداية ولباب كل فضيلة مفتاحا
طابت بأحمد طيبة فأريجها أذكى وأطيب من عبير فاحا
وسمت به أنوارها فلقد غدت لمن استضاء بنورها مصباحا
هو سابق الأعيان إذ كتب اسمه بالعرش ثمت أودع الألواحا
وهو الذي ختم النبوة فهي عن اكتافه العطرات كن سراحا
ودعا إليها الخلق لا يألوهم نصحًا وأوضحها لهم إيضاحا
فمن استجاب له فقد حاز الرضا والأمن والتأييد والاصلاحا
ومن اعتدى ظلمًا وخالف أمره كانت عقوبته ظبا ورماحا
ماضي الأوامر لا مردّ لحكمه فيما نهى عن فعله وإباحا
هو طاهر الأنساب لما يجتمع أبوان في وقت عليه سفاحا
من عهد آدم لم يكن آباؤه يرضون إلا بالعقود نكاحا
أكرم به بشرًا نبيًا مرسلًا طلق المحيا بالندى نفاحا
[ ١ / ٢٧٤ ]
ثبتا قويًا في الجهاد مؤيدًا ثقة أمينًا في البلاغ نصاحا
يسمو على الشمس المنيرة وجهه والبدر يحسد ثغره الوضاحا
ولبعض معجزه لتسبيح الحصا والماء من بين الأصابع ساحا
والشرح والمعراج والذكر الذي أعيا الباء القلوب فصاحا
وله اللواء وحوضه وشفاعة تكفي المرهق جماحًا لواحا
ولسوف يعطيه الآله مقامه ال محمود جل مهيمنًا مناحا
يا خير من وقف المطى به ولو جعل الوجى أجسامها أشباحا
وأحق من بذل الورى في حبه ومزاره الأموال والأرواحا
إني وإن بعد المدى اشتاقه أهدي السلام عشية وصباحا
وأود لو أني بحضرتك التي شرفت فامنحك السلام كفاحا
أعددت مدحك في الحوادث جُنّة وعلى الذنوب الموبقات سلاحا
فامنن عليّ بنظرة يحيي بها قلبي ويصبح راضيًا مرتاحا
فلأنت ملجؤنا الذي ما أمّه منا فتىً إلا ونال نجاحا
وسأل لي الرحمن ثم لعترتي صونًا وجاهًا شاملًا وفلاحا
وسلامة طول الحياة وراحة بعد الممات وفي المعادر باحا
واسأل لأمتك الحيا غدقا فقد فقد المزارع ماءها السحاحا
والأمن والعيش الرغيد ونضرةً كاماقهم ومعونة وصلاحا
[ ١ / ٢٧٥ ]
واسأل الهك أن يكون بقهره لعدوهم مستأصلا مجتاحا
فلكم تملك جيشك المنصور من ملك وجدك فارسًا جحجاحا
صلى عليك الله ما سرت الصبا وشدا حمام في الغصون وناحا
وقال يمدحه صلوات الله عليه وسلم.
وقال يمدحه صلوات الله عليه وسلم.
لمن المطايا في رباها تنفخ كالفلك تعلو في السراب وترسخ
فسل الذي لا ينثني إخفافها عن سريخ ألا تعوض سريخ
حملت على الأكوار كل مشمر للمجد عن طلب العلى لا يربخ
بلغت به أسباب همته إلى ما دونه يقف الأعز الأبلخ
من دون موماة الفراة وبابل والقادسية والعذيب ومربخ
لكن رامة والعقيق وبانة وقباب سلع قصده المترسخ
فبماله شجن تملك قلبه في مثله ذو الشجو ليس يوبخ
مأواه جنات القلوب فلا أبٌ يحتل موضعه العزيز ولا أخ
هو حاكم الحسن المطاع وعنده للمحبة ثابت لا ينسخ
شمخ الملاح جميعهم بجماله وجماله على الورى لا يشمخ
من كل معنى عنده لذوي الحجى عين بمكنون الحقائق تنضخ
علم وجود كالخضم عن أمره وتقي وحلم من ئبير أرسخ
سامي المرام عزيزة أنصاره وافي الذمام عقوده لا تفسخ
[ ١ / ٢٧٦ ]
رحب الجناب نسيمه متوضع فكأن ثراه بالعبير مضمخ
ربع يجود على العفاة برفده وبه يغاث العائذ المستصرخ
ولعزه التيجان تخضع ذلةً وبعطفه روع المخوف يفرخ
يا سيد البشر الكريم نجاره يا من بنسبته سما متوشلخ
أصبحت في رأس النبوة تاجها وطراز حلتها التي لا تسلخ
وبجاهك الجاه المديد على المدى ولك المقامات التي لا تبذخ
يشكو إليك مروّع قلق له بأدناس الهموم ملطخ
يمسي ويصبح وهو يخشى فتنة صماء للصعب اللواتي تدنخ
إذ كنت ضرامًا محمود قده يغشى تلهبها القلوب فتطخ
قد حومت منها على أهل القرى للعرب عقبان كواسر فنخ
إبليس ملتهج بها مستبشر بوعيدها في كل وادٍ يصرخ
هجمت على أرض العراق فأصبحت كالسيل يذهب بالغثاء ويلدخ
قد شتت شمل الأنام فبين من قد كنت لكفه وبيني برزخ
لولا جنودك قابلوها حجرة فكأنهم صبرًا جبالٌ رسخ
لوهت عرى الإسلام لكن وعدك ال ميمون واضح رسمه لا يمسخ
والبيت بيتك والحريمي حريمك ال منصور يعلو من بغاه ويشمخ
فاعطف علينا واسئل الرحمن في عفوٍ به عنا الذنوب تسبخ
[ ١ / ٢٧٧ ]
ويكف عنا فتنة كادت لها منا عرى إيماننا تتفسخ
أصبحت فردًا في الديار مروعًا وحليلتي عني نأت والأفرخ
فأجز مديحي بالرضا وكفاية لهم ولي في كل عام يرضخ
لا تلقني من بعد صوني واقفًا بجنابه بادي القطوب موبخ
واسأل لي الله العظيم سلامة ولهم وسترًا شاملًا لا يسلخ
وقال يمدحه ﷺ.
ماذا أثار بقلبي السائق الغرد لما غدت عيسه نحو الحمى تخد
وددت لو أنني أصبحت متبعًا آثارها أرد الماء الذي ترد
أهوى الحجاز ولولا حب ساكنه لما حلا لي به التهجير واللحد
ولا لهاني برق في أبارقه كأنه صارم في متنه زبد
هل من سبيل إلى ذات الستور ولو أن القنا والظبا من دونها رصد
ففي هواها قليل أن يطل دمي وكم لها من قتيل ماله قود
وبالعقيق حبيب لو بذلت له روحي لكان يسيرًا في الذي أجد
تراب مربعه الرحب المنير به شفاء عيني إذا ما شفها الرمد
يا راكبًا تطس البيد القفار به هو جاء عيس أمون جسرة أجد
إذا وصلت حمى سلع وطاب به لك المقيل وزال الأين والعند
فقف بتلك القباب البيض دام لها من ذي الجلال السنا والقرب والمدد
[ ١ / ٢٧٨ ]
وأد بعد سلام نشره عطر عني قصيدة مثن وهو مقتصد
وقل فقد أمكن التبليغ في وطن ما خاب عبد إليه قاصدًا يفد
أشكو إليك رسول الله ما أجد من الخطوب التي أعيا بها الجلد
عمر أناف على الستين خالطه سقم لأعبائه وسط الحشى كمد
ضعف أضيف إلى ضعف وبعضهما يوهي قوى الجسم مني وهو منفرد
شهدت أنك خير الناس ما ولدت انثى نظيرك في الدنيا ولا تلد
ولم ينافسك في أصل سما بشرٌ ولم ينل رتبة نالت يداك يد
نقلت من كل صلب طاب محتده إلى بطون زكت ما شأنها نكد
حللت صلب أبينا عند مهبطه وصلب نوح وقد غشي الورى الزبد
وكنت في صلب إبراهيم مستترًا ونار نمرود أشقى الخلق تتقد
وحاز نورك إسماعيل يودعه أبناءه الغرّ حتى حازه أدد
ونال عدنان في الأنساب منزلة عليًا بذكرك لم يخفض لها عمد
ولم يزل في معد ثم في مضر وهاشم بك تاج الفخر ينعقد
حتى تسلم عبد الله منصبه من شيبة الحمد لما استوسق الأمد
ومذ حملت بدا في وجه آمنة ال أنوار وهي لثقل الحمل لا تجد
وأشرقت مذ ولدت الأرض وابتهج ال بيت الحرام وحاز الجنة المرد
وكنت خير نبي عند خالقنا وروح آدم لم ينهض بها الجسد
[ ١ / ٢٧٩ ]
فابصر اسمك فوق العرش مكتتبًا وتلك منزلة لم يعطها أحد
فحين تاب دعا رب العباد به فتاب حقًا عليه الواحد الأحد
وأنت يوم نشور الناس سيدهم أتباعك الغر لا يحصي لهم عدد
وأنت فيه بشير القوم إن يئسوا وأنت فيه خطيب القوم إن وفدوا
وفي يديك لواء الحمد ثم لك ال حوض الروي إذا ما أعوز الثمد
لك الشفاعة عند الكرب والعرق الط اغي وعند جحيم حرها يقد
وبالوسيلة تحظى وهي منزلة عليًا حباك بها ذو العزة الصمد
وإن حبك من إيماننا سبب من دونه النفس والأموال والولد
فبالذي أجزل النعما عليك إلى يوم المعاد فلا نقص ولا بدد
أنعم عليّ برؤيا منك تنعشني وتنقذ القلب مني فهو مضطهد
واشفع إلى الله في إحسان خاتمتي فإنني بك بعد الله اعتضد
وقال يمدحه ﷺ:
قفا بحمى سلع فساكنه الذي من الحادث المرهوب أصبح مُنقذي
حبيب إذا ما جاد منه بنظرة نعمت برؤياه وطال تلذذي
وإن غاب عن عيني أنكرت عيشتي وضاق علي الرحب من كل منفذ
وكيف اصطبار القلب عن وجه سيد جميل بآيات الكتاب معوذ
بنفسي شموس الصحو في رونق الضحى على غصن بالسلسل العذب قد غذى
رضيت بأن يرضى بأني عبده وليس على ذي الصدق هذا بمأخذ
[ ١ / ٢٨٠ ]
وما فخر عبد لا يكون ولاؤه لأكرم خلق الله حافٍ ومحتذى
وأحسنهم وجهًا وأحلى شمائلًا إذا ما تثنى في رداء ومشوذ
أبي القاسم المختار أفضل مرسل وأزكى أمين للأوامر منفذ
هو الرحمة المهداة والنعمة التي بها حبر الرحمن كل موقذ
وذو النقمات الموبقات عدوه بكل حسام ذي غرار مشحذ
تعطفه برد وروح وراحة على كبد حرى وقلب مفلذ
وأغراضه ترمى فتصمى حشى الفتى من الضر والبلوى بسهم مقذذ
ومشربه عذب لوراده روى تقدس واستعلى عن المشرب القذى
له الحوض يوم الحشر يفضل ماؤه على عسل للشارب المتلذذ
وأكوابه مثل النجوم وسبقه لكل حفى متق متبذذ
ويخرج من نار الجحيم بجاهه من العصب العاصين كل محنذ
به سعدوا بعد الشقاء وكم له من النار من مستخلص متنقذ
ويسكن من أضحى مطيعًا لأمره قبابًا من الياقوت أو من زمرذ
بطاعته حازوا وحسن اتباعه عطاءً من الرحمن غير مجذذ
هو المصطفى من ولد آدم كلهم برغم عمٍ عن رشده حائر بذى
تنقل من شيث إلى متوشلخ ونوح وسام نجله وارفخشذ
إلى صلب إبراهيم والصادق ابنه وأصبح من عدنان في خير أفخذ
[ ١ / ٢٨١ ]
وخيم في علياء كنانة وانتهى إلى هاشم جار الفتى المتعوذ
إلى شيبة الحمد المعظم وابنه ال ذبيح الكريم بن الكريم المنجذ
مناسب في العلياء طاب نجارها ومن يبتذر ذا اللحد بالسبق يبذذ
له معجزات ليس يدرك شأوها تتابع فيها كل أزهر أوحذ
أتى بصريح الحق ليس بكاهن وليس بسحّار ولا بمؤخّذ
بدعوته في المحل حُلت حيا الحيا فجاد بغيث مغدق غر مشحذ
ولما دعا بالصحو أقلع غيها وأجفل أجفال النعام المفذد
ولاح لكسرى القهر عند ولاده ومن حوله من مرزبان وهربذ
فيا قلب إن رمت الغداة سلامة من الفتن الصم الصلاب به عذ
وإن رمت عزًا شاملًا وصيانة وعونًا على الدنيا بجانبه لُذ
وإن شئت أن تحيى سعيدًا مهذبًا بسنته الزهراء ذات الهدى خُذ
عليك بها فاشدد يديك بحبلها ومن يطرحها نابذًا فله انبذ
وذر كل شيطان يخالف أمرها غوى على أحزابه متحوذ
وتابع على تحصيلها كل ناقد بصير بآفات الكلام مجرذ
يؤم أحاديث الرسوم فيهتدي بأنوارها نحو الرشاد ويحتذى
وكن مستقيمًا للجماعة تابعًا ومن لم يتابع سنة الله يشذذ
وقال يمدحه ﷺ.
حيتك السنة الحيا من دار وكستك حلتها يد الأزهار
[ ١ / ٢٨٢ ]
وتعطرت نفحات تربك كلما فض النسيم لطيمة الأسحار
لله ما أبقى الأحبة مودعًا بثراك للمشتاق من آثار
لا صرّحن اليوم فيك بلوعة كفلت بما في الطول ونار
ما كنت بدعا في الصبابة والأسى حتى أواري زفرتي وأواري
ما الحب إلا حرقة تلج الحشى أو مدمع جار لفرقة جار
ومصونة حوت البهاء ستورها سمراء يُطرب وصفها سماري
عرببية الأنساب قام بحسنها عذرى وطاب عليه خلع عذاري
زارت على بعد المسافة بعدما هوت النجوم ولات حين مزار
إني طوت شعب الفلا وديارها بحمى الحجاز وبالعراق دياري
أهلًا بطيف زائر أهدى لنا ريا ممنعة الحمى معطار
جادت بوصل وانثنت ومحبها عاري المعاطف من ملابس عاري
هل وقفة للركب في عرصاتها وله جوار في أعز جوار
فأقبل الحصباء منها مطفيًا جمر الجوى مني برمي جمار
فهناك لا حجر ولا عارٌ على ذي الحجر في التقبيل للأحجار
أم عائد زمني بأجدر تربة بالقصد في أكناف خير جدار
ربعًا؟ به غرر العلى مبذولة للمشتري واللاري للمشتار
وبه تبين للقلوب حقائق ال أسرار بدر لم يُشن بسرار
هو أحمد المختار أحمد مرسل قتّال كل معاند ختار
[ ١ / ٢٨٣ ]
ندب إذا بث الجياد مغيرة؟ علقت بحبل للثبات مغار
بيمينه في الحرب حتف الممترى وحياتها في السلم للممتار
غمر الندى بجلاء أعمار الورى متكفل وهداية الأغمار
جعل المهيمن في مسامع خصمه وقرًا وزان صحابه بوقار
وهو المظل بالغمائم من أذى ال أسفار والمنعوت في الأسفار
وبه تنشر حين سار مهاجرًا؟ للغار ذكر فاق نشر الغار
وانهل إكرامًا له صوب الحيا والقطر محتبس عن الأقطار
فضل البرية كلها وسار به طود العلى في هاشم ونزار
يا هاديًا شد الإله بدينه أزرى وشدّ على العفاف أزاري
يا من به إن عذت من سنة حمى أو زار في سنة محا أوزاري
يا من حباء يديه محلول الحُبا لسناء سارٍ أو لفك إساري
لو لم يكن مدحك من عددي لما أضحى شعاري صنعة الأشعار
نشر الثناء عليك أطيب نفحة من مسك داري يضوع بداري
ملأ المهيمن مذ قصدتك مادحًا يساره يمناي ثم يساري
ونفى بجاهك يا أعز وسائلي قتر الهوى عني مع الأقتار
وغدوت محروس الحمى من صفقة ال إعسار عند تواتر الأشعار
حسبي رجاءً أنني من أمة بك أصبحت موضوعة الآصار
[ ١ / ٢٨٤ ]
أنت الزعيم لها وأنت سفيرها إن أقبلت من أطول الأسفار
ويزيد فيك رجاء قلبي قوةً أن صار بي نسب إلى الأنصار
قوم حللت بدارهم فتدرعوا ببدارهم لرضاك ثوب فخار
فاسأل الهك لي بعشر محرم جبرًا لقلب واجف الأعشار
وشهادتي حق عقيب شهادة فيها الوفاق لأهلك الإطهار
وقال يمدحه ﷺ.
سلوان مثلك للمحب عزيز وعليك لوم الصب ليس يجوز
قلبي ذلول في هواك ومسمعي فله عن العذال فيك نشوز
يا من شأى بجماله شمس الضحى ولقدّه دان القنا المهزوز
هل للمتيم في وصالك مطمع فلعله بالقرب منك يفوز
أنا عبدك الراضي برقي فارضني عبدًا فلي في ذلك التمييز
لا أبتغي مولى سواك من الورى إني وجانب من ملكت حريز
لا عار يلحق في هواك لعاشق ومحب غيرك عرضه مغموز
لا أدعي فيك الغرام مغمغمًا في مثل حبك يكُشف المرموز
يا سيد الأشراف يا من حبه في كل قلب صادر مغروز
يا خاتم الرسل الكرام ومن به حلل النبوة زانها التطريز
ذل الخلاف على عداتك ظاهر ومطيع أمرك بالقبول عزيز
أبدًا وليك لا يزال مقمصًا عزا وضدك داحض معروز
[ ١ / ٢٨٥ ]
نظم القريض بمدح غيرك نقده زيفٌ ونظم مديحك الأبريز
كل العروض بحسن مدحك كامل يحلى به المقصور والمهموز
أنت المصفى من قبائل هاشم بك أصبحت للمكرمات تحوز
أنت الذي رفع المهيمن قدره وعدوك الواهي العرى الملموز
أنت الذي بصرتنا بعد العمى فبنور رشدك نهتدي ونميز
أنت المخصص بالشفاعة للورى طرًا وأنت على الصراط مجيز
برزت في نيل المقامات العلى ولمثل مجدك يثبت التبريز
ولقد خشيت الله أعظم خشية فلصدرك العطر الرحيب أزيز
ونصحت إذا بلغت نصحًا شافيًا ما فيه لا وهن ولا تعجيز
حتى استقام الدين وارتفعت له عمدٌ لها في الخافقين بُروز
فأجاب واقترب المنيب المتقي ونأى وصد الخاسر المحجوز
كسرت جنودك قاهرًا سلطانها كسرى وأُنفق ماله المكنوز
ولحزبك الأعلون حتى يخرج ال طاغي ويمنع درهم وقفيز
ولسوف يبعثك المهيمن مقعدًا فيه لك التقريب والتعزيز
أشكو إليك جماح نفس ترتمى في الغي وهي عن الرشاد ضموز
مخدوعة بخداع دنيا شهدها سمٌ وتبدي الدر وهي عزوز
فتنت قلوب الخلق وهي فتيةً ودهتهم بالخدع وهي عجوز
[ ١ / ٢٨٦ ]
أنا في حبائلها رهين الأسراذ أنا للضرورة نحوها مكزوز
فأعن ضعيفًا يتقي بك كيدها فلنبلها وسط القلوب حزوز
بك أستجير وأستغيث وأرتجي أني بجاهك في المعاد أفوز
وقال يمدحه ﷺ.
طال في شرك المضايق حبسي واستقالت من العوائق نفسي
إن أرادت إلى المعالي نهوضًا نكستها حظوظها أي نكس
وبعيني للحقيقة شرب عز وردًا على حوائم خمس
ونفيس فمن الجواهر غال سومه جلّ أن يباع ببخس
وأرى عنه كل شيء حجابًا لي ولو ناظري وسمعي وحسي
أي وقت تدور كأس المعاني في رياض البشرى بنفحة قدس
ويهب القبول من جوه الرح ب لمستوحش بروح وأنس
وتجول الأسرار في حلبة العل م فتجلو من الهوى كل لبس
ما إلى ما وصفته من سبيل لأخي فطنة بحذق وحس
بل بماضي عناية وبعزم صادق واجتناب غير الجنس
واقتداء بشيخ صدق عليم سالك قد بنى على خير أس
قلدته أيدي الولاية سيفًا لم تباشره كف قينٍ بمس
[ ١ / ٢٨٧ ]
بعد أن ألبسته من خلع القر ب ملأ تعلو ملأ الدمقس
هو عين السعد التي أين حلت من عراص الدنيا نفت كل بخس
تابع سنة الرسول بها يصبح مستمسك اليدين ويمسي
هي في صنجة الرجال محل لا يضاهي الدنيا نقدًا بفلس
نقد من بهرجته زيفٌ ولو كا ن كبشرٍ زهدًا ونطقًا كقس
سنة المصطفى سراج أضاءت فعلى نورها ضياء الشمس
جاء بالنور والطهارة والشر ع المصفى من كل غش ورجس
إن أردت الزهد الصريح فمنه يقبس المتقي عفاف النفس
حين رد الكنوز علما بأن ال مال يلهي عن المعاد ويُنسي
أو أردت الصبر الجميل ففيه للصبور الشكور حسن التأسي
حين آذاه أقربوه وأقصو هـ وهموا بقتله أو بحبس
لو جزاهم بفعلهم فلقد كا ن عليهم جبال مكة يرس
وهو الأصل في التقى لم يباشر أيديًا للمبائعات بلمس
وله الصوم والوصال ولا يف تر في الليل عن قيام ودرس
وله الحلم والندى وندى القطر ضنينٌ في عام محل ويبس
وله الفقر والتوكل إذلًا يوجد اليوم عنده زاد أمس
[ ١ / ٢٨٨ ]
معدن الخوف والرعاية الخش ية والشكر والرضا والأنس
وهو المؤثر الوجيه إذا قا ل كرام الأنام نفسي نفسي
غرس الخير للورى فلقد فا ز محبٌ جنى ثمار الغرس
فعليه من المهيمن أزكى صلوات برمسه خير رمس
وقال يمدحه ﷺ:
قم فبادر قبيل رفع النعوش حلبة السبق ذا إزار كميش
وتدبر خلق السماء ففيها عبرٌ جمةً لذي التفتيش
كيف قامت بلا عماد وفكر في معاني ديباجها المنقوش
زُينت بالنجوم تزهر فيها كالقناديل أو كخط رقيش
جل من شادهن سبعًا طباقًا ليس في خلقهن من تشويش
جعل النيرين فيها سراجًا وحماها من الرجيم الغشيش
وتفكر في خلقه الأرض تنظر عجبًا في مهادها المفروش
بث فيها من كل زوج من النا س وما طار من ذوات الريش
وصنوف الأنعام من رائحات سارحات ونافرات الوحوش
وضروب الزروع والنخل والأعناب من مهمل ومن معروش
ثم أرسا الجبال فيها إلى يو م تراها كعهنك المنفوش
وهو المرسل اللواقح بشرىً بسحاب بادي الوميض خشيش
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكسا الأرض بعد محل برودًا من أزاهير غضةٍ وحشيش
وأعدّ الفلك المواخر تجرين بنا فوق زاخر مستجيش
وهدانا بعد العمي فانتعشنا بالنبي المبجل المنعوش
والمصفى من الخليل ومن سام بن نوح وقينن بن أنوش
وهو عند الطوفان صاحب نوح والخليل الرضا بنار بن كوش
وله في المعاد رفع لواء الح مد إذ أنه زعيم الجيوش
وهو للأمة المجيز على متن الصراط مزلة المخدوش
كل من لم تنشه ثم يداه زل في النار وهو غير منوش
وهو الشافع المنجي ذوي العص يان من قعر جاحم مخشوش
أحمد الهاشمي أفضل خلق الل هـ عبد صفا من التغشيش
جامع المنقبات ذو الخلق المح مود من بعضه حديث الجيوش
فاتح الخير والمؤيد بالأم لاك وهو العزيز فوق العريش
جاهد الجاحدين حتى أنابوا واستكانوا كالأنف المخشوش
فاستنب الإسلام في الشرق والغر ب إلى أن علا جبال شريش
يا غياث الملهوف يا كاشف الكر ب ويا مرشد البليد الدهيش
قيدتني فأوثقتني الخطايا ورماني الهوى بسهم مريش
حصر الكاتبان قولي وفعلي في كتاب محبّر مرقوش
[ ١ / ٢٩٠ ]
ثم مالي وجه إليك سواه فاجعلن التقوى لباسي وريشي
وارزقني الإخلاص في ساعة المو ت وأنسًا في لحد قبر نبيش
وقال يمدحه ﷺ:
إلام على الآثام أنت حريص وعن طاعة الرحمن فيك نكوص
أغدًا إذا أحضرتُ عريان حافيًا وأرعد مني للحساب فريص
ولائي للهادي البشير محمد معادًا إليه في المعاد أحيص
أبي القاسم المختار أفضل من غدت تخب به نحو الحجيج قلوص
وخير مزور في البسيطة أرقلت إليه تجيبات ضوامر خوص
نبيٌّ له من ربه بكلامه ورؤيته في المرسلين خصوص
وأيده الله المهيمن بالصبا ورعب له في الدار عين أصيص
حليم عن الجاني رؤف مؤلف رحيم على نفع الأنام حريص
سراج منير ذو بلاغ وحكمة لما فتقت أيدي الضلال يخوص
وجاء الورى من ربه بشهادة فكان عليها للأنام بليص
إلى أن سمعت أنوارها مستطيلة فكان لها في الخافقين نشوص
ألا يا رسول الله يا من زكت له مناقب في العصر القديم وعيص
فيا ليتني عاينت طيفك في الكرى أو اقتادني سير إليك بصيص
مديحي موقوف عليك فما له إلى أحد إلا إليك خلوص
[ ١ / ٢٩١ ]
إذا قيل فيك الشعر جاء مهذّبًا جلّى المعاني ليس فيه عويص
ووصفك يعطي الفهم نورًا كأنه على الدّر في البحر الخضّم يغوص
وذكرك يا مولاي ينفع غُلتي وللقلب من رجس الشكوك يموص
ويؤنسني في وحدتي وتفردي إذا ضمني لحد علّي لحيص
اغثني فإني في زمان خطوبه لها بين أحناء الرجال كصيص
وقال يمدحه ﷺ:
نعم إن للبرق اليماني لوعةً لها بين أحناء الضلوع غموض
وإن لخفاق النسيم إذا سرى على الزهر المطول وهو مريض
لروحًا يهز الصب حتى كأنه يطير اشتياقًا والجناح مهيض
سألتك يا من أصبحت عزماته لها في طلاب المكرمات نهوض
تسامت مراميه فأصبحت عزماته لها ركاب به تجوب بحر الفلا وتخوض
إذا ما وردت الماء ماء مجنة وطلت عليه المطى تخوض
فعرض لأهليه بصبّ غرامه طويل بسكان الحجاز عريض
وقل هل لمشتاق يهيم بذكركم تمادت به الأيام فهو حريض
سبيل إلى عيش يقضي بقربكم وماضي شباب فات ليس يئيض
لقد شف قلبي الوجد نحو أحبتي ومالي عنهم عائض فيعوض
[ ١ / ٢٩٢ ]
فليت المطايا كن يممن أرضهم ولو بسطت دون الفلاة أروض
لمن رفعت ما بين سلع إلى قبا قباب تغشتها المهابة بيض
بها منهل يروي به كل عارف وروض لأرباب القلوب أريض
ألا أيها الأعلام من أرض يثرب بها زمر الأملاك ليس تجيض
حمى رسول الله أضحى معطر ال عراص كأن المسك فيه يميض
نبي أجدّ الدين بعد دروسه وسدد سهم الرشد فهو رميض
ولاقى الأذى من قومه فهو صابر ومرّ إلى ذات النخيل يُفيض
فحلّ بثور غاره وعداتُه بكل سبيل إلى الفلاة تنوض
فعمّى عليه العنكبوت بنسجه وظل على الباب الحمام يبيض
أتى بالهدى والناس في سكرة الهوى وعندهم الأمر الحميد بغيض
بهم لغط لا يفقهون كأنهم لضعف العقول الواهيات بعوض
له في جهاد القوم درع حصينة وأجرد مأمون العثار ركوض
وأسمر عسّال وأبيض قاضب صقيل وقوس بالسهام مروض
فكم في عراص المعركات لخيله صريع بأطراف الرماح دحيض
إلى أن ذوى الطغيان بعد شبابه وأصبحج روض الدين وهو غضيض
كريم عظيم المعجزات بجاهه نمى الغيث خصبًا والزمان عضوض
وأصبح ماء البئر من فضل ريقه الرضا نهرًا يجري فليس يغيض
[ ١ / ٢٩٣ ]
والجيش حقًا من أصابع كفه تدفق ماء في الإناء غريض
روى الصدى من درّ عجفاء حائل تمكن منها الهزل فهي رفيض
وذلت له الآساد حتى أوبسا على باب البقيع ربوض
فيا كاسر العدوى وجابر من سطت به غير الأيام فهو وهيض
تجمع فيك الفضل والفقر كله فلم يغلُ في وصف لديك قريض
صفاتك عقدٌ في القوافي مفصل تحلى به ضرب وزين عروض
مديحك ذخر في حياتي وعدةٌ إذا حال من دون القريض جريض
علوت به في رأس أرعن شامخ فلا يطبيني بعد ذاك حضيض
وكن لي مجيرًا من خطوب لذي الحجى الكريم إلى العمر اللئيم تؤض
وقال يمدحه ﷺ:
إن بان من تهوى وأنت مثبط وصبرت لا تبكي فأنت مفرّط
فاحلل عقود الدمع في دار الهوى فلها البكاء عليك حقًا يُشرط
طلّ الدموع على ثرى الأطلال في شرع الغرام فريضةٌ لا تسقط
دار عكفت بها وفودك فاحمٌ افتنتني عنها ورأسك اشمط
وإذا تمكنت الصبابة من فتىً لم يلو عطفيه مزارٌ يشحط
كيف التسلي عن هوى قمر له في القلب مني منزل متوسط
[ ١ / ٢٩٤ ]
أرضي بما يختاره طوعًا ولو أضحى بما أرضى به يتسخّط
لم أنسه يوم التقينا بأسما والصدر بالأشجان مني ينحط
ففهمت من ذُلي لديه وعزّه أن الجمال على القلوب مسلّط
والحسن جند لا يفكّ أسيره وقتيله بدم الجوى متشحط
ومبكّر جدّت به عزماته نحو العلى فاغذ لا يتثبط
ورفيقه الأدنى الموازر صعدةٌ يرمه أو صارم يتأبط
يطوى به شعب السباسب جلعد أجُدُ القرى عبل السنام عملّط
مرح يمور ويرتمى في سيره مور السحاب مرعد متخمّط
يطفو به آل الضحى فكأنه فلك على متن الخضمّ مجلفط
وإذ بدا عند الصباح لعينه قصرٌ بذات النخل أبيض أعيط
ورأى القباب البيض دام سناؤها وانحلّ عنه سيره المخروط
أرسى بطيبة للإقامة كلكلًا فلنعم مرساه ونعم المربط
حلّت مطيته بأشرف منزل منه المكارم والتقى يستنبط
فضل البقاع وشادها بمحمد فضلًا كبيرًا ساميًا لا يضبط
هو أفضل الرسل الكرام وأنه لخطيبهم وهو الإمام المقسط
هو خير مأمول وأكرم شافع يوم القيامة جاره لا يهمط
نصبت عيون الشرك والطغيا به وغدا به بحر الهدى يتغطمط
[ ١ / ٢٩٥ ]
وافى وشيطان الغواية فاتح باب الضلال لحزبه متخبط
يلقي زخارفه على أشياعه ويلفق القول الهراء ويلغط
فكأنه ولفيفه في غيّهم عشواء في غسق الدجنة تخبط
فمحا بنور الرشد ظلمة مكره ال واهي فأدبر خاسيئًا يتلبط
وعلا بقهر النصر شامخ كيده فهوى وذلّ فرينه المتحمط
كم قدّ بالبتار من قدوكم شحطت بسهم نحو طاغ شوحط
فسما به الإيمان بعد خموله حتى تسم ذروة لا تهبط
وحباه مرسله بأزكى أمة اختارها النمط الأغر الأوسط
ما فيهم الأولى عارف أو زاهد أو عالم مستنبط
وغدًا يكون بحوضه فرطًا لهم وشفيع عاص يعتدي ويفرط
وهم الشهود على عيوب سواهم يوم المعاد وعرضهم لا يهبط
وهم غدًا ثلثا صفوف الجنة ال فيحاء في سند صحيح يُضبط
أزكى الورى نسبًا وأكرم عنصرًا وأمد كفًا بالنوال وأبسط
وأنمّ حلمًا لا يجازي من أتى بالسوء عدل منصف لا يفرط
ولقد تعمّق في أذاه وكاده بالسحر خبٌ من يهود عشنط
فأعيذ من كيد النوافث فأنثني فكأنما هو من عقال ينشط
[ ١ / ٢٩٦ ]
هذا ولم يعبس له وجهًا ولم يُسمع له يومًا كلام يسخط
وأبثّ بعض المعجرات فنظمها درٌّ ثمين بالمسامع يلقط
شرح الملائك صدره في أربع يا حبذا ما ضم منه المخيط
وكذلك في عشر وفي معراجه نقل الثلاثة حافظ لا يغلط
وانشق إكرامًا له قمر الدجى وجموع مكة بالبطاح تعطعط
بقعيقعان النصف منه ونصفه بأبي قبيس لا محالة يسقط
ولقد شكا يوم الحديبية الصدى جيش فتاه صريخهم لا يوهط
فسقاهم حتى رووا وتطهّروا بالماء من بين الأصابع ينبط
وأتاه وفد فزارةٍ وبلادهم بالجدب أضحت تقشعر وتقحط
فنفى قنوطهم بدعوته ومن كان الرسول سفيره لا يقنط
ودعا فسحت ديمة حتى دعا بالصحو فانجابت كثوب تكشط
وله الشفاعة في المعاد وحوضه ال عذب الروا وله اللواء الأحوط
وله المقام الأكبر المحمود والز لفى به يوم القيامة تغبط
هذا لعمر آلهك الفضل الذي لا ريب فيه والثناء الأقسط
يا صفوة الرحمن من كل الورى يا من به في الخطب جاشى يُربط
إني إلى رب العلى متوجه بك عند كل ملمة تتمغط
بك أستجير ومن يلوذ من الورى بعظيم جاهك قدره لا يُغمط
فسأل لأمتك الضعيفة نصرة ورخاء عيش ثم أمنًا يبسط
[ ١ / ٢٩٧ ]
وقال يمدحه ﷺ:
عُدّتي للحياة والموت والحشر ونار سوداء ذات شواظ
أحمد الشافع الوجيه أبو القا سم ذو الحظ فوق كل الأحاظي
من به بشّر المتوّج سيفٌ وتلاه قسٌ بسوق عكاظ
وأتاهم بمحكم الذكر منه فنسا الوعظ حاذق الوعاظ
هو محي القلوب ماحي الخطايا قرّة العين روضة الحفّاظ
جاء بالحق والشيطان تسعى بين حزب الضلالة الأوشاظ
دخل الشرك في قلوبهم الغلب دخول النصول في الأرعاظ
فأراهم ليهتدوا معجزاتٍ كافيات للصبر والأيقاظ
وهداهم إلى صراط سوى مورث زينة القلوب الفظاظ
فدنا منه كل عبد منيب ونأى كل فاجر خواظ
فلقد فاز من أناب وطالت حسرات المنافق الجعاظ
لم يزل يحسن البلاغ إلى أن عُبد الله في الذرى والشناظ
وشسوع الفلاة والسيف والري ف وبث الصفاء بعد الكظاظ
فسما الدين مقبلًا وتولى ال كفر حيران رامقًا بلحاظ
يا حبيب الرحمن يا شامخ البنيان في المجد يا منيع الحفاظ
[ ١ / ٢٩٨ ]
يا جميل الأخلاق يا حسن آلاء راض والصفح عن ذوي الأحفاظ
يا كريم الأعراق يا أفصح النا س لسانًا يا أعذب الألفاظ
يا رؤوفًا بالمؤمنين رحيمًا ولأهل الفجور ذا إغلاظ
يا شفيع الأنام يا منقذ العا صين من بطشه الشداد الغلاظ
يا مغيث العطاش في الظمأ الأك أخبرنا والناس في صدىً وكظاظ
في مقام فيه الحجيم اكفهرت ثم أبدت تنفس المغتاظ
يا نبي الهدى أغث مستجيرًا بك في الخطب دائم الألظاظ
من زمان فيه القبول لذي الجه ل ووقتٍ لذي الحجى لفاظ
فيه للغمر نعمة وثراء وأخو العلم عاجز عن لماظ
حمل العارفون فيه كما حمّل مستوثق البُرى والشظاظ
واسأل الله لطفه في حباء فإليه صبابتي وحفاظي
وإذا ملا قبرت فردًا وحيدًا غائب الشخص عن حديد اللحاظ
وإذا النفس بالمنية فاظت بانتهاء الحياة أي فواظ
لا عداك السلام في كل يوم من حبيب مواصل ملظاظ
وقال يمدحه ﷺ ويذكر عقيدته، وكان قد رآه ﷺ في النوم، وقال فقبلّت فاه وقلت أشهد أن هذا الفم الذي أنزل عليه الوحي، وقال لي عليه أفضل الصلاة والسلام: وأنا أشهد أنك مت على الكتاب والسنة، ذكره ﷺ بلفظ الماضي.
[ ١ / ٢٩٩ ]
تواضع لرب العرش علّك تُرفع لقد فاز عبد للمهيمن يخضع
وداو بذكر الله قلبك إنه لأعلى دواء للقلوب وأنفع
وخذ من تقى الرحمن أمنًا وعُدّةً ليوم به غير التقى مروّع
وبالسنة المثلى فكن متمسكًا فتلك طريق للسلامة مهيع
هي العروة الوثقى وحجة مقتد نبُّت بها أسباب من هو مبدع
رأيت رسول الله أنصح مرشد وأنجح ذي جاه كريم يشفع
وأصدق رؤيا المرء رؤياه إنها لمن شبه الشيطان تُحمى وتمنع
فقبّلت فاه العذب تقبيل شيّق وما كنت في تقبيل ممشاه أطمع
وقلت له هذا الفم الصادق الذي بوحي آله العرش كان يمتّع
فبشّرني خير الأنام بميتتي على سنة بيضاء بالحق تشرع
فها أنا تصديقًا لبشراه ثابت عليها بحمد الله لا أتتعتع
بمعتقد الثبت الإمام ابن حنبل أدين فهو الناقل المتورع
لئن لم أتابع زهده وتقاءه فإني له في صحة العقد اتبع
أمرّ أحاديث الصفات كما أتت على رغم غمر يعتدى ويشنع
فلا يلج التعطيل قلبي ولا إلى زخارف ذي التأويل ما عشت أرجع
أقرّ بأن الله جلّ ثناؤه آله قديم قاهر مترفع
[ ١ / ٣٠٠ ]
سميع بصير ما له في صفاته شبيه يرى من فوق سبع ويسمع
وخُلق الطباق السبع والأرض واسعٌ وكرسيّه منهن في الخلق أوسع
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه ومن علمه لم يخل في الأرض موضع
ومن قال إن الله جلّ بذاته بكل مكانٍ جاهلٌ متسرع
إليه الكلام الطيب الصدق صاعدٌ وأعمال كل الخلق تُحصى وترفع
فما لم يشاه الله ليس بكائن وما شاءه في خلقه ليس يدفع
يُضلُّ ويهدي والقضاء بأمره مضى نافذًا فيما يضرّ وينفع
وللشر والخير المهيمن خالق وإبليس من أن يخلق الشرّ أوضع
ولكنه للشر أخبثُ محدث بوسواسه في موبق الإثم يُوقع
علا عن مُعين ربُنا ومظاهر على الملك أو كفوا على الغيب يُطلع
لقد برأ الخلق ابتداء من الثرى بلا مسعد فيما يسوّى ويصنع
وقال لهم ذرًّا ألست بربكم فقال بلى منهم عصىً وطيع
وسوف يناديهم جميعًا إذا أتوا حفاةً عراةً في المعاد فيسمعوا
ويسمع سكان السموات وحيه فهم لسماع القول صرعى وخضّع
وكلم موسى والكلام حقيقة بتوكيده بالمصدر الخصم يقطع
ومعتقدي أن القرآن كلامه قديم كريم في المصاحف مودع
وقد سبق الوعد المصدّقُ أنه إذا جاءت الأشراط منها سيرفع
وأودع حفظًا في الصدور وإنه لبالعين مرئٌ وبالأذن يُسمع
[ ١ / ٣٠١ ]
بالسنة القراء يُتلى وإنه بحرف وصوت ضلّ من يتنطع
هو السور الهادي إلى الحق نورها وآيات صدق للمنيبين تنفع
به نزل الروح الأمين مصدقًا على قلب عبد كان بالحق يصدع
وليس بمخلوق ومن قال عكس ما ذكرتُ له في الناس بالكفر يقطع
ولا محدث قد جاء عن سيد الورى حديث لمعناه أسوق وأوضع
لقد قرأ الرحمن طه جميعها ويس أيضًا والملائك تسمع
ولم يخلق السبع الطباق ولا الثرى وهذا دليل ما لهم عنه مدفع
وقولهم خلق فظيع وقول من يشير إليه بالعبارة أفظع
ومن كان فيه واقفيًا محيرًا فذلك واللفظي كل مبدّع
وفي كتب الله القديمة كلها أقول بهذا القول لا أتفزّع
ومعتقدي أن الحروف قديمة وإن حار في قولي غويٌّ متعتع
تبارك ربي ذو الجلال صفاته تجلّ عن التأويل إن كنت تتبع
يداه هما مبسوطتان تعاليًا عن المثل يعطى من يشاء ويمنع
وألواح موسى خطّها بيمينه مواعظ تشفى من ينيب ويخشع
وكلتا يديه جلّ عن مشبه له يمين إلى خير البرية يرفع
وينزل في الأسحار في كل ليلة كما جاء في الأخبار والناس هجّع
ينادي أولي الحاجات والتوب طالبًا فهل راهب أو راغب متضرع
[ ١ / ٣٠٢ ]
ومن قال إثبات الصفات شناعة فجرأته إذ عارض النصّ أشنع
وينظره الأبرار يوم معادهم ويحجب عنه من إلى النار يوزع
كما ينظرون الشمس لا غيم دونها لقد خاب محجوب هناك ممنّع
ولم يرفى الدنيا من الناس ربّه بعينيه إلا الهاشمي المشّفع
محمد المخصوص بالرؤية التي غدا الطور إجلالًا لها يتقطّع
وإن نعيم القبر ثم عذابه لحق فمسرور به ومروّع
يخالف ضيقًا بين أضلع من طغى ويفسح فيه للتقى ويوسع
ويسأل فيه الميت الملكان عن هداه فمرحوم وآخر يُقمع
ويعرف من في القبر من زاره وإن يُسلم على الأموات في القبر يسمعوا
ومن يقرأ القرآن للميت مهديًا يصله وبالإطعام والبر يُنفع
وقد يسأل الأموات من مات بعدهم عن الأهل من منهم مقيم ومقلع
وربي أحصى خلقهم ويميتهم ويبعثهم بعد الممات ويجمع
وينفخ إسرافيل في الصور نفخةً فكل من الأجداث للحشر مُهطع
وتدعى البرايا للحساب جميعهم فلا ظلم والميزان للعدل يوضع
وذلك يوم فيه نور نبينا برفع لواء الحمد يعلو ويسطع
ويظهر فيه جاهه بشفاعة إليها لكرب الموقف الخلق يهرع
وينقذ في يوم القيامة من لظى من الأمة العاصين إذ هو يشفع
[ ١ / ٣٠٣ ]
وينصب فيه حوضه كاشف الصدى وذلك حوض بالروا العذب مُترع
وإن له فيه مقامًا مقربًا ومقعد صدق نوره يتشعشع
ويسبق كل العالمين مبادرًا لحلقة باب المنزل الرحب يقرع
فيدخل والشعث الخماص كأنما وجوههم شمس الضحى حين تطلع
وينزله الله الوسيلة رتبةً له ليس فيها للخلائق مطمع
وقد خلق الله الجنان معدة لأربابها فيها ظلال ومرتع
وحور حسان ناعمات كواعب بها كل أوّابٍ حفيظ ممتع
وقد خلق الله الجحيم لأهلها لبأس أذاها عنهم ليس ينزع
لهم ظلل منها عليهم وتحتهم لأمعائهم شرب الحميم يقطع
وبعد التقاضي يّبح الموت بينهم فمستبشر زاض وآخر يجزع
وأعتقد الإيمان قولًا مسددًا وأعمال صدق في الصحائف تودع
يزيد بفعل الخير من كل مؤمن وينقص بالعصيان فهو ممزع
وإيماننا بضع وسبعون شعبةً حديث صحيح النقل لا يتضعضع
وإني إذا ما قلت إني مؤمن ولا شك عندي بالمشيئة اتبع
وليس كبير الذنب مخلد مؤمن بنار بلى فيه النبي مشفع
ولست أرى رأي الخوارج بل إذا رعى أمرنا والٍ أطيع وأسمع
وإن جهاد المسلمين عدوهم لفرض وقرن الشمس في الغرب يطلع
[ ١ / ٣٠٤ ]
وأمسح فوق الخفّ والمسحُ سنة إلى مدة معلومة ثم اخلع
وللسحر تأثير ولا باس بالرقى بأم الكتاب أو دعاء يرفع
ولست لميت المسلمين بشاهد أيُسقى رحيقًا أم حميمًا يُجرع
بلى أرتجي للمحسنين سلامة وأخشى على من يعتدي أو يضيّع
ولا ريب عندي في ثبوت كرامة ال ولي ولي ولواضحي على الماء يُسرع
وبالحمد لله افتتاح صلاتنا لما صح من نقل المحقين اتبع
ولا أر في الفجر القنوت ولا أرى عليّ إذا أذنتُ أني أرجّع
وإن مرّ في شعبان عشرون ليلة وتسع وغُمّ البرج بالصوم أقطع
ومذهبنا الوسطى هي العصر فاستفد مسائل خمسًا من فروع تفرّع
ولست لمن فيها يخالف مانعًا ولكن خلاف في الأصول ممنّع
وما شاع فيه من خلاف لمسلم فإني لمن يُفتى به لا أبدّع
وأشهد أن الأنبياء جميعهم ومعجزهم حقٌ وذلك يُقنع
وأن رسول الله أحمد خيرهم وأفصحهم عند البلاغ وأبرع
على عرشه خطّ اسمه ولقد عفا لآدم إذا أضحى به يتضرع
وكان صفي الله آدم طينة وفيه لأقمار النبوة مطلع
وأودعت التوراة غرّ صفاته فمن نعته الأحبار آمن تبع
وأودعت الرهبان سلمان وصفه فكان إلى أخباره يتطلع
فأبصر برهان العلامات عنده فأضحي بجلبات الهدى يتلفع
[ ١ / ٣٠٥ ]
وقد كان حملًا والجباه منيرةٌ به وسمت أنواره وهو مرضع
تنكّست الأصنام عند ولاده كما نكّستها منه في الفتح إصبع
وشبّ شبابًا للنواظر ناضرًا وفيه لسر المجد مرأىً ومسمع
لقد شرحت منه الملائك صدره وكان له من أبرك العمر أربع
وكان ابن خمس والغمام تظله وفي العشر نور الشرح في الصدر يلمع
وفي الخمس والعشرين سافر تاجرًا بمال رزان للمفاوز يقطع
رأه بحيرا والغمامة فوقه ومسيرةٌ والحرّ للوجه يسفع
وأبصرت الكبرى فتاة خويلد ومن فوقه ظلل الغمام مرفع
إلى أن أرته الأربعون أشدّه فأضحى بسربال الهدى يتدرّع
ولما تحلّى بالنبوة وانتهى إلى مستوٍ عنه الملائك توزع
أتى وعلى عطفيه أفخر حلة وتاجٌ بدرّ المكرمات مرصّع
رأى ليلة المعراج أمرًا محققًا ومنكر هذا الأمر يخفى ويردع
وفيها قُبيل الرفع أكمل صدره بشرح منير نشره متضوّع
به أظهر الله المهيمن دينه فأصبح وجه الدين لا يتبرقع
وأحكامه في الأمر والنهي والشرى وفي البيع تبقى والجبال تصدّع
ومعجزة القرآن ظلت لحسنه وترتيله في نخلة الجن تخضع
وللقمر المنشق نصفين معجزٌ عزيز على من رامه متمنع
[ ١ / ٣٠٦ ]
ونادى فلبته بمكة دوحةٌ تخد إليه الأرض خدًا وتسرع
ولما دنا منه سراقةُ طالبًا على فرس كادت له الأرض تبلع
فعاذ به مستأمنًا فأجاره وأطلقها حتى غدت تتقلع
وحنّ إليه الجذع عند فراقه كما حنّ مسلوب القرين مفجع
وخرّ له الناب المهدّدُ ساجدًا وأجفانه خوفًا من النحر تدمع
فأطلقه من أهله فبجاهه نجا من اليم الذبح هذا الجلنقع
فكيف بنا إذ نحن عذنا بجاهه من الحادث المغرى بنا فهو مرجع
وخرّ له ساني الأباعر ساجدًا وكان شرودًا فانثنى وهو طيّع
وعاذت به ريمٌ فقّك إسارها فمرت على الخشفين تحنو وتُرضع
ومدّ يديه والرّبى مقشعرّة فما رام إلا والسحائب تهمع
فدام الحيا سبعًا فمدّ لكشفها يدًا غمرت جودًا فظلت تقشّع
ودرّت له في الجدب عجفاء حائلٌ وبكل على نزل الفحول تمنع
وقد كان من مدّ من التمر أو من الش عير بجوع الجحفل الجم يشبع
ومن لبن في القعب أشبع كل من حوت صُفة الإسلام والقوم جوّع
وآض أبو هرٍ وقد كان آيسًا من الرّي وهو الشارب المتضلع
ولما اشتكوا يوم الحديبية الصدى غدا الماء من بين الأصابع ينبع
[ ١ / ٣٠٧ ]
وقد أصبح الماء الأجاج بريقه يروي غليل الظامئين وينقع
وساحت به بئر ومقلة حيدر شفاها فلم يرمد لها الدهر مدمع
وكلّمة الصم الصوامت مثلما يكلمه بادي الفصاحة مصقع
وكان على شهر له الرعب ناصر وريح الصبا للنصر هو جاء زعزع
وإن رُمت من أخلاقه ذكر بعضها فتلك من المسك المعنبر أضوع
اتته مقالي الكنوز فردّها وقال أجوع اليوم والغد أشبع
فصحّ له الزهد الصريح بقدرة وعلم فمن ذا منه أغنى وأقنع
وفي الحلم ما جاز مسيئًا بفعله ألم يعف عمن للسّمام تُجرع
وعن ساحر جزيان رام بكيده أذاه فلم يجزه بما كان يصنع
فقال لقوم عند دركلة لهم رؤوه ففروا آل أرفدة أرجعوا
ليعلم أعداء الهدى أن ديننا هو الحق فيه الأمر سهل موسع
ويستنشد الأشعار مستحسنًا لها وقد كان من حسّان للمدح يسمع
ولابن أبي سُلمى أجاز وقد دعا على المدح للعباس نعم المشرع
وكان له حسن التواضع شيمةً حباه به الرحمن لا يتصنع
ففي بيته قد كان يخصف نعله وكان إذا ما انهج الثوب يرقع
[ ١ / ٣٠٨ ]
ويجلس فوق الأرض لا فرش تحته ومطعمه أيضًا على الأرض يُوضع
دعاه يهوديٌّ أجاب دعاءه وعن دعوة الملوك لا يتمنّع
وفي الجود فاسئل عن خباء يمينه أئمة أهل النقل يا متتبع
ألم يهب الشاء الكثيرة عدادها لعافٍ أتاه يعتريه ويقنع
أما فضّها سبعين ألفًا بمجلس فلم يبق منها درهم يتوقع
وفي البأس فاسأل عنه يوم هوزان أما انهزموا وهو الكمّى السميدع
وما التقت الأقران يوم كريهة على الطعن إلا وهو أقوى وأشجع
لهم منه يوم السلم شرع وسنة وفي الحرب نصر والأسنة تشرع
وأمته خير القرون وخيرهم صحابته أزكى الأنام وأورع
وخيرهم الصدّيق إذ هو منهم إلى السبق في الإسلام والبرّ أسرع
وفي ليلة الغار افتداه بنفسه حذارًا عليه من أراقم تلسع
وقاه من الرقش العوادي برجله فبات يعاني السم والطرف تدمع
واتحفه بالبكر عائشة التي براءتها في سور النور تُسمع
وكان له صهرًا وصلّى وراءه ال نبي صلاة الصبح والصحب أجمع
وردّ فريق الردّة الزائغ الذي لفرض زكاة المال أصبح يمنع
إلى أن أقام الدين بعد اعوجاجه وأضحى حمى التقوى به وهو ممرع
رضينا به بعد النبي خليفة على عقده كل الصحابة أجمعوا
ومن بعده الفاروق مظهر ديننا بإسلامه والأمر خافٍ مبرقع
هو العدويّ العبقريّ المفهّم المبصر والباب الحديد الممنع
[ ١ / ٣٠٩ ]
خلافته صحت بعقد خليفة على فضله حزب الصحابة مجمع
ورؤيا النبي المصطفى أنه على قليب غزير الماء بالغرب ينزع
وتأويل هذا ما سمعت فتوحه وعدل له بين الأنام موزع
له العلم والحكم السديد وصحة التوكل وصف والتقى والتورّع
وعن زهده فاسأل خبيرًا ألم يقم خطيبًا عليهم والأزار مرقّع
ومن بعده عثمان من كان في الدجى يرتّل آيات الكتاب ويركع
يرتله في ركعة وهو الذي له كان في رقّ المصاحف يجمع
وزوجه الهادي ابنتيه كرامةً ولو كنّ عشرًا لم يكن بعد يمنع
وأعطاه سهمًا يوم بدر ولم يكن وبايع عنه نائبًا حين بُويعوا
وسبّل بئرًا ماؤها ينقع الصدى وجهّز جيشًا وهو بالعسر مدقع
وقمّصه الرحمن ثوب خلافة بوعد النبي المصطفى ليس يخلع
ومن بعده الهادي علي بقوله السديد إذا ما أشكل الأمر يقطع
إذا ذكر الراوون صحب محمد يكون له فيهم خصائص أربع
إخاءٌ مع المختار وهو ابن عمه وسبطاه والزهراء فضل منوّع
وأعطاه خير الناس أشرف رأية وكان له بالفتح والنصر مرجع
ولو شاء أن يرقى السموات إذ له على كتف الهادي البشير ترفع
أمام بطين في العوم وإنه من الشك والشرك الخفي لأنزع
ومن بعدهم خير الصحابة ستة لهم بالجنان المصطفى كان يقطع
فذكرك منهم طلحة الخير شائع وقولك فيه طلحة الجود أشيع
[ ١ / ٣١٠ ]
ويعرف بالفياض إذ جود كفه أعمّ من البحر الخضم وأنفع
فكم مائتي ألف على الناس فضّها عليهم بها في الضائقات يوسّع
ويمناه شلت يوم أحد لدفعه بها عن نبي الله لا يتزعزع
وإن الزبير الفاتك الشهم منهم أشد رجال الحرب بأسًا وأمنع
وفارس بدر وابن عمة سيد ال ورى والجواد المنفق المتطوّع
حواريّه وهو الذي باختياره لرأيته العلياء في الفتح يرفع
ومنهم أمير الحرب سعد بن مالك وأفضل من رامٍ عن القوس ينزع
وثلث أرباب الهدى ودعاؤه إليه من الله الإجابة تسرع
وكان له خالًا وأول من رمى بسهم له في عصبة الشرك موقع
ومنهم سعيد خصّه سيد الورى وآخّره عذر عن الغزو يمنع
بسهمٍ وأجرٍ يوم بدر وقد غدا كمن هو في بدر كمتىٌ مدرّع
وإن ابن عوف منهم المنفق الذي بأنفس مال لم يزل يتبرع
ومنهم أمين الأمة الثبت عامر فيا لفتىً فيه غناء ومقنع
وأبطال بدر فضلهم غير منكر بأفخر ثوب في الجهاد تدرّعوا
وفي بيعة الرضوان فضل لأهلها وتفضيل أهل البيت ما ليس يُدفع
وأزواجه في جنة الخلد عنده بهن مع الحور الحسان يمتع
وللفضل أيضًا في معاوية أعتقد ردافته تفضيلها لا يضيع
هو الكاتب الوحي الحليم وأخته مع المصطفى في جنة الخلد ترتع
وكل صحابي رآه ففضله على غيره في نيله ليس يُطمع
[ ١ / ٣١١ ]
ولا أبتغي التفتيش في ذكر ما جرى لأصحابه خاب الغوى المشنع
فيا طالبًا أرض الحجاز إذا انطوى له أجرعٌ منها تعرّض أجرع
يحاول أسباب العلى في طلابه فيوجف في البيد الركاب ويوضع
إذا بلغت سلعًا مطاياك غدوةً ولاح لها من أرض طيبة مرتع
فذلك مأوى العلم والحلم والهدى وفيه لمكنون الحقائق منبع
لأن به خير الأنام محمدًا له كل الفضائل تجمع
فقل يا رسول الله أنت نصيرنا على فتن في وقتنا تتقرع
بك السنة المثلى عرفنا وأنكرت قلوب عليها بالغباوة يطبع
بتسليمنا فيها وعينا وفرقة ال هوى قلّدوا فيها العقول فلم يعوا
فسل ربك الرحمن أن لا يزيلنا عن السنة المثلى وأنت مشفع
عليك سلام الله ما أعقب الدجى صباح وما لاحت بوارق تلمع
وقال ﵀ يمدحه ﷺ بالإشارة:
نفسي الفداء لبدر تمّ بازغ سامٍ عل غصن الجمال النابغ
لا يعترى نقصُ المحاق كماله كلًا وليس قوامه بالزائغ
يهتز في حلل المواهب مائسًا في ظل قرب للجلالة سابغ
غصن النضارة نشره متعطر ريّان من ورد المزيد السائغ
أهدى له الرحمن أحسن صبغة فتبارك الرحمن أحسن صابغ
بلغت عنايته به ما لم يكن أحد إليه من الأنام ببالغ
صفت القلوب بوده إذ أطفأت أنواره نار العدو النازغ
[ ١ / ٣١٢ ]
قمعت جيوش النصر تحت لوائه بالقهر كلّ مبارز ومرواغ
يا من تجمعت المناقب كلها فيه فلم يدركه وصف مبالغ
ومن اكتسى ثوب البهاء محبةً تبًا لقلب من ودادك فارغ
وقال يمدحه ﷺ:
إليك رسول الله أشكو تخلّفي وشدّة تقصير بقلبي مُجحف
وفقد خشوع للفوائد جالب وأعظم من فقديه فقد تأسفي
إذا لمعت للرشد في القلب لمعةٌ تغمدها سدفٌ الحجاب فتختفي
إلام وقد أكملت ستين حجةً الوث على ذل النقيصة مطرفي
وحتّام أنهى النفس عن شهواتها وتضمن لي أن لا تعود فلا تفي
وأزجرها عن غيّها وجماحها فتخدعني منها بوعدٍ مسوّف
أغالي بها في سومها فتردني إلى ثمنٍ بخسٍ زهيد مطفف
اغثني فقد ضاقت عليّ مذاهبي وأنت ملاذ للمروع المخوّف
أجرني أجرني يا حمى كل عائذ ويا ملجأ الجاني وغوث الملهّف
قصدتك يا خير البرية كلها وأفضل مبعوث وأعدل منصف
وأكرم مقصود وأنجح شافع وأرحم خلق الله بالمتعطف
لتسأل فيّ الله فارحم تضرعي وذلّ خضوعي واستعار تلهفي
قصدتك علمًا أن جاهك كأنف لجارك قصد الهاتف المتخطّف
[ ١ / ٣١٣ ]
فخذ بيدي يا عُدّتي عند شدتي وصل وتعطف يا كريم التعطف
وكن لي في الدنيا شفيعًا فإنني لأرجوك في الأخرى لحشري وموقفي
ألست سليل الغرّ من آل هاشم أولى الكرم الهامي على كل معتفي
بك اكتست الآباء فوق فخارهم فخارًا ومن يفخر بمثلك يكتف
وكنت نبيًا قبل آدم مصطفى كريمًا لحقٌ أنت خيرٌ من اصطفى
ومنك اكتست أعطاف طيبة حلّة من الفخر لا أهداب برد مفوّف
فقاقت جميع الأرض نورًا وبهجةً وعرفًا به لولاك لم تتعرّف
ولولاك ما حنّت إليها على الوجى ركائب تطوى نفنفًا بعد نفنف
ضوامر من طول السرى برّحت بها البرى وبراها الحثّ من كل موجف
عليا رجال فارقوا خفض عيشهم فما صدفتهم عنك زهرة زخرف
يؤمون ربعًا منك بالنور آهلًا يرومون منك الفضل يا خير مُسعف
وأدركت الأنصار أوسٌ وخزرج بك النصر لا بالسمهريّ المثقّف
لك المنّة العظمى عليهم إذ اهتدوا بنورك للدين القويم المخفّف
بدت ليلة السبعين أنجم سعدهم ببدر تمامٍ منك غير مكسّف
وحاز بك الأعيان من نقبائهم مناقب عزٍّ نورها ليس يختفي
دعوتهم نحو الرشاد فبادروا سراعًا لما تدعو بغير توقف
[ ١ / ٣١٤ ]
فأضحوا جميعًا قد تألف شملهم على طاعة الرحمن خير تألف
وأمتك المرحومة الوسط التي سمت قبل اجتازت كمال التشرف
أتيتك يا خير البرايا بمدحة أطاعت قوافيها بغير تكلّف
عليها بهاءٌ من ثنائك باهر شهيّ إلى قلب المحب المشغف
ولو لم تكن جاءت بمدحك سنةٌ لقصّر عنه هيبةّ نظمُ وُصف
مدحتك أبغى الفضل منك وأجتدي نوالك فأجبر كسر يحيى بن يوسف
فلي حرمة الإسلام والشيب والذي أدين به من سنّة لم تحرّف
ورؤياك في الدنيا وأخراي يا لها مني إن أنل أسبابها أتشرف
وحج إلى البيت المعظم في غنىً وعافية وأضمم عيالي وأكنف
وتجديد تسليمي عليك مواجهًا وتعفير خدي في الثرى المترشف
وخاتمة الأعمال بالفوز والرضا ومن يُكف عقبي السوء فيها فقد كفى
عليك سلام الله غضًّا مجددًا منوطًا بتسليم جديد مضعّف
لعترتك الغرّ الكرام وصحبك ال أفاضل أهل السبق في كل موقف
وأزواجك اللاتي كملن طهارةً وبرأهن الله من إفك مُرجف
وقال يمدحه ﷺ:
لولا شذًا من نشركم ينشق ما حنّ نحو المُهتم المُعرق
ولا صبا في الصبح نحو الصبا ولا ثارت شجوه الأينق
ما للربوع بعدكم بهجة ولا لروض ناضر رونق
[ ١ / ٣١٥ ]
أنتم معانيها فإن غبتموا فليس فيها حسن يُرمق
لولاكم ما هاجني بارق ولا شجاني بالحمى أبرق
ولا لوى لي عنقًا في الفلا عيسٌ إذا جدّ السرى العنق
ما عرّض الحادي بذكراكم إل اوسمعي نحوه يسبق
ولا سرى ركبٌ إلى أرضكم إلا تلاه قلبي الشيّق
فُكّوا أسيرًا لكمُ مُوثقًا عليه في حفظ الهوى موثق
فؤاده قيّده حبّكم وجسمه بين الورى مطلق
قد كنت من قبل النوى إن جرى فراقكم في خاطري أفرق
وكنت نُصبًا لعيني فهل طيفُ خيال منكمُ يطرق
أحببتكم طفلًا وقد أخلقت شبيبتي والود لا يخلق
أنّي أشوب الآن صفو الهوى وعارضي قد شاب والمفرق
يليق بي صبري على حكمكم ولكن العطف بكم اليق
هل عائد لي والمُنى ضلّةٌ ظلٌ وورد سائغ ريّق
يا أرض نعمان ووادي مِنى والخيف لو أن المنى تصدق
وهل بذاك الشعب لي وقفةً في حرم أنواره تُشرق
وربّة الستر لنا تُجلتلى وعوُد وصلي مثمرٌ مورق
وأكبر الآمال لو ضمّني بسفح سلع مربع مونق
فبالقباب البيض لي مطلب عرف الرضا من تربه يُنشق
[ ١ / ٣١٦ ]
محجب بالعزّ لا بالظُبا به سناه لا القنا مُحدق
تقطع بالأشواق أرواحُنا إليه ما لا تقطع السبّق
حاز كنوز الفضل بالمصطفى ذاك الجناب العطر المشرق
وكلّ فجٍّ أرجٍ بالتقى فإنه من طيبه يعبق
أتى بدين قيّم واضحٍ بين ضلال وهدى يَفُرق
يَنمى ويزداد ودينُ العدى أئمة الزيغ به تمحق
كذلك الحق إذا ما علا على محالٍ باطل يزهق
طوى الطباق السبع حتى انتهى إلى مقام قطّ لا يُلحق
قام مقامًا لودنا غيره منه لأضحى بالسنا يُحرق
وعاد ليلًا وأساريره بنظرةٍ قدسيةٍ تُبرق
يا ويل من كذبه بعد ما كان أمينًا فيهم يصدق
لو لم يقل إني رسول أما شاهدُه في وجهه يَنطق
سبحان من صوّره صورةً أكمل معناها الذي يَخلق
كأن فاه باسمًا ناطقًا بجوهر الغوّاص مستحدق
فالشفة الياقوت والؤلؤ ال رطب الثمين الثغر والمنطق
جبينه الصبحُ ومن فوقه الفرع الدجى والفلك المفرق
كأنما قد صيغ من فضّة بنانه والكفّ والمرفق
[ ١ / ٣١٧ ]
وخصّه بالخُلُق المرتضى سمحٌ حليم خاشع مُشفق
يسمو ويعلوها بهاء إذا ما قال والتوقير إذ يطرق
كان على الأعداء ذا قوّة وبالذي يبغي الهُدى يَرفق
في صلب نوح كان مستودعًا فهو على الأمواج لا يغرق
وصلب إبراهيم من أجله له ضرام النار لا تحرق
وكان من معجزه أن غدا ماء روًا من كفه يدفق
كما حوى كفّاه تمرًا به أشبع جيشًا ضمّه الخندق
ومرود الدوسيّ فأعجب له إذ زودت من تمره الأوسق
فرسانه أخنت على فارسٍ فزال عنها التاج والمنطق
وجاهه متصلٌ بعد ما يصعق بالنفخة من يصعق
غدًا له الحوض وفي كفّه لواء حمدٍ شاملٍ يخفق
وهو شفيع منقذ في غدٍ مَن بالخطايا في لظىً موثق
يا من له في منصّات العُلى وفي البرايا نسبٌ مُعرق
وتعرف الخضراء آثاره وتعرف الغبراء والمشرق
ووصفُه يعجز عن حصره نظمًا ونثرًا ماهرٌ مُفلق
قد مسني الضرّ وما لي سوى جاهك أسباب بها أعلق
كن لي مجيرًا في زمانٍ به قوارع أسهمها ترشق
[ ١ / ٣١٨ ]
واسأل لي الرحمن روحًا إذا ضمّ عظامي برزخ ضيّق
ورحمةً توصلني جنّة لبأسها الفاخر استبرق
لا زال في ربعك أملاكه سبعون ألفًا حوله تحدق
تهدي إلى تربك طول المدى توافحُ المسك به تفتق
وقال يمدحه ﷺ:
يا ربة الستر لا انجابت غواديكي عن جو مغناك أو يخضرّ واديكي
وزدت في كل صبح عزةً وسنًا ولا خلا من رجال الحيّ ناديكي
لا زال مربعك الداني الظلال حمىً رحبًا لعاكفك الناوي وباديكي
وأنت يا عذبات الباني لا برحت تهيج أشواقنا ألحانُ شاديكي
وماس من كل غصن منك من طرب عطف وتهت دلالًا في تهاديك
ويا مياه الحمى لا زلت طيبة يروي بشرب الزلال العذب صاديكي
ويا نسيم صبا بجد لقد عرفت روحي بمسراك وهنًا عرف مهديكي
وياليالينا لله عيش هوىً معى البدور تقضي في دياريكي
ويا فوارط أيامي بخيف منىً لو كان يُفدى زمانٌ كنت أفديكي
ويا رسائل وجدٍ لا أبوح بها إلى الأحبة عنّي من يؤديكي
أخفيك من عّذلي صونًا ومكرمة بل المدامع والأنفاس تبديكي
ويا ركاب الحجاز القُود لا نقبت من السرى أبدًا أخفافُ أيديكي
ولا عدلت عن النهج القويم ولا مالت إلى غير أحبابي هواديكي
[ ١ / ٣١٩ ]
كم ذا التمادي دعى التعليل وابتدرى إلى الحمى فعنائي في تماديكي
ويا قباب حمى سلع حويت على رقى بما أسلفت عندي أياديكي
فتحت بالرشد لي عيني بعد عمىً واسمع السر من قلبي مناديكي
حق علي أوالي من بك اعتقلت أسبابه وأعادي من يعاديكي
أني وإن تكن أضحت عنك نازحة داري لأرعى بظهر الغيب واديكي
لا زال سكانك القطان في دعة وفاز رائحك الساري وغاديكي
وأنت لا تجزعي يا نفس من بدع مضلة ورسول الله هاديكي
أجارك الله لولا درع سنته لكان سهم الهوى الفتان مرديكي
لا تخلفي موعدي في حفظ منهجها فلست أخلف في حفظيه وعديكي
وقال يمدحه ﷺ
يا حداة الركب الحجازي ميلوا فبنعمان للركاب مقيل
فأريحوا فيها المطايا قليلًا من وجاها فقد براها النحول
وانزلوا الخفيف من منىً فيه ظل للأماني للنازلين ظليل
واستقلوا نحو الأباطح إن كا ن إلى ربة الستور سبيل
بأبي ذلك الجناب فوجدي وغرامي به عريض طويل
داره طال ما تبلج فيها للمحبين وجه عطف جميل
عشت فيها مع الأحبة حينًا لم يرع مسمعي لديها عزول
ثم غارت يد الجلال فصانت عزة ربعها فعز الوصول
[ ١ / ٣٢٠ ]
غير أني على المودة لا الطر ف نسئ ولا الفؤاد ملول
أتمنى الدنو منها وقد حا ل عن القرب وعرها والسهول
أين منا سمراء دون حماها ذبل السمر شرعًا والنصول
ذات خدر لها البهاء وشاح ولها العز والسنا أكليل
ليس في تربها لذي العز والسل طان إلا الخضوع والتقبيل
هل لظمأن نحو منهلها العذ ب ورد به يبل الغليل
يوم تضحي وللنياق حنين في رباها وللجياد صهيل
وإذا ما سرت لها نحو سلع خبب تارةً وطورًا ذميل
ترتمي في الفلا لها الشوق حاد ولها نشرمن تحب دليل
فلها اليمن والسعادة والنص رة والبشر والرضا والقبول
بجناب رحب حوى كل فضل وفخار مذ حل فيه الرسول
أحمد الهاشمي أكرم خلق ال له أصلًا إذا تعد الأصول
شيبة الحمد جده هطل الغي ث به والربيع وإن كان كليل
سل من هاشم بن عبد مناف كاسر الجوع والجدوب تصول
نسب حل في قريش ذراها دون مرساه شامة وطفيل
حاز فيه بنو كنانة من عد نان مجدًا بناه أسمعيل
ولقد طاب والمهيمن ربي منبت أصله الخليل الجليل
ولعمري به قريش استفادت شرفًا لم ينله قبل قبيل
[ ١ / ٣٢١ ]
وصفع المرتضى لموسى وعيسى بينته التوراة والإنجيل
وبه أحسن البشارة شعيًا وعزيز وبعده حزقيل
واهتدى تبع بما بين الأح بار من نعته الذي لا يحول
وتصدى كعب لآل لؤي ولديه شبانها والكهول
قبل خلق النبي بالحقب الخم س خطيبًا وهو اللبيب النبيل
ذاكرًا مبعث النبي وود الن صر لو كانت الحياة تطول
وجلاه لشيبة الحمد سيف لحلاه وما إليه يؤل
ولقد قام في المواسم قس شاهدًا أنه نبي رسول
ورأى الراهب النبوة قد لا حت عليه كأنها قنديل
إذ رأى فوقه الغمامة ظلاُ ويميل الظلال أنى يميل
ولنعت الرهبان أفضل هاد كان سلمان في البلاد يجول
فرأى عنده العلامات حقًا فاغتدى وهو قابل مقبول
وكفاه من الفخار مقام كان في القرب دونه جبريل
وهو الخاتم المخصص بالتك ليم والرؤية الحبيب الجليل
يا حبيب الرحمن أنت المرجى والوجيه المشفع المأمول
قد قصدناك في حوايج فاسأل ربك اليسر فهو نعم الوكيل
وقال يمدحه ﷺ:
ألا يارسول الله يا خير مرسل تخيرك الرحمن للرسل خاتما
[ ١ / ٣٢٢ ]
ويا من إذا المشتاق أبصر وجهه فأن له البشرى وإن كان نائما
تعطف على ضعفي برؤية وجهك ال كريم فرؤياه تحط المأثما
ولست بأهل لاجتلاء جماله ولكن فقير يسأل البر راحما
وهذا ربيع أبرك الأشهر الذي ظهرت به في مطالع السعد قادما
كساك به الله المهيمن حلة ال جمال وقلدت المهابة صارما
فهب لي فيه خلعة الفوز والرضا برؤياك يامن كان بالحق حاكما
وسل لي رب العرش منه معونة من الله تغنيني إذا كنت عادما
وسل لعيالي صونهم وصلاحهم عسى أن يكونوا صالحين أكارما
وقال يمدحه ﷺ:
إذا صار قلب العبد للسر معدنا تلوح على أعطافه بهجة السنا
وإن فاته المعنى علته كثافة وأصبح في أفعاله متلونا
وعدت بأمر ليس عندي ريبة ولا شك فيمن قاله متيقنا
وكنت أظن الأربعين مظنة لوعدي فجازتني ولم أبلغ المنى
وأربت على الستين مدة عيشتي كذلك لم أعرف لنفسي موطنا
فإن كان ما أرجو قد أصبح واقعًا فكل الذي لاقيت أصبح هينا
وإلا فيا حزني وطول ندامتي وحق لمثلي أن يهيم ويحزنا
وما عاقني إلا هوىً يحجب الفتى عن الخطة المثلى ويورثه العنا
فإن كان يمحو العذر زلتي التي حرمت بها الأمر الذي لي عينا
[ ١ / ٣٢٣ ]
فها أنا منها تائب متنصل إلى الله ذو السلطان والعز والغنى
وإني إليه خاضع متوجه بأحمد أزكى شافع لفتىً جنى
محمد المختار من آل هاشم نبيًا رسولًا للصواب مبينا
له الجاه والزلفى إذا قيل من لها فقال مجيبًا دون كل الورى أنا
فينجي جميع الخلق من كرب موقف به كل وجه للمهيمن قد عنا
وتنقذ من نار الجحيم عصاتنا شفاعته ممن أسر وأعلنا
وفي هذه الدنيا فإن بجاهه علينا لظلًا شاملًا طيب الجنى
وفي كل يوم اثنين يعرض كسبنا عليه وفي يوم الخميس مدونا
فما كان من خير فيحمد ربه وما كان من سوء فيسأله لنا
فيا خير مبعوث إلى خير أمةً به أصبحت في الخلق شامخة إلينا
أجرني فما لي غيرك اليوم ناصر على كيد غاو شره قد تبينا
طليعته نفسي وسلطان جيشه على هوىً يلقى اللبيب مفتنا
فخذ بيدي يا أمنع الناس معقلا وأعظمهم جاهًا وأقوى تمكنا
ولا تدعني نهبة لجنوده وكن لي بحسن الحفظ منه محصنا
فأنت عمادي في حياتي وعدتي لموتي وذخري في المعاد إذا دنا
سقى جدثًا رحبًا حللت بجوه فأصبح للإحسان والحسن معدنا
غمائم قرب تكسب الروح الرضا فينبت روض الأنس فيه فيجتني
وقال يمدحه ﷺ:
ألا يا رسول الله المليك الذي هدانا به الله من كل تيه
[ ١ / ٣٢٤ ]
سمعت حديثًا من المسندا ت يسر فؤاد الفقيه النبيه
رواه ابن إدريس شيخي الذي اس تقام على منهج يرتضيه
باسناده عن شيوخ ثقا ت نفوا عن حديثك زور السفيه
ومعنا أنك قلت أطلبوا ال حوايج عند حسان الوجوه
ولم أر أحسن من وجهك ال كريم فجد لي بما أرتجيه
فجاهك جاه عظيم ولم يخب من رجا جاه مولى وجيه
وقال يمدحه ﷺ:
أقل عثراتي واعف يا حسن العفو عن عمدي من مسطور ذنبي والهفو
وصف من الأكدار قلبي واهدني من البر والتقوى إلى المورد الصفو
فكم لي من سوء اجتراح نسيته واحصاه محروس الحفاظ من السهو
شقيت به أيام أمرح في الصبا وأسحب أذيال البطالة واللهو
فيا ملكًا زان السماء بأنجم على الفلك الأعلى طفت أحسن الطفو
وسخر ما بين السماء وأرضه سحائب يخفو برقها أحسن الخفو
وأبقى على شمس النهار ضياؤها وخص بنقص آية الليل بالمحو
ولما دحى الأض اقتدارًا وحكمةً على الماء أرسى الشم في اثر الدحو
أغثني بتوفيق ينور باطني وينحو إلى الخيرات في أرشد النحو
فأني مقر أنك الله ربنا تعاليت عن شرك الغطاة أولى العدو
بأات جميع الكائنات بقدرة على غير أمثال تضاهى ولا حذو
[ ١ / ٣٢٥ ]
وله لغز في فهد:
ومتصف بالفتك يوم اكتسابه على ظفره أثر الدماء ونابه
كأن مهاة الفلك لما انتهى بها مداه إلى سرب المها وأنتهابه
رمته بشهب الجو خوف انتقامه فأطفأها في عسجد من إهابه
الصاحب مؤيد الدين إبراهيم بن يوسف بن إبراهيمالمقدسي الشافعي تفقه وبرع ودرس وكان أحد الفقهاء المشهورين بدمشق سمع من أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي وغيره وحدث وتوفي بدمشق ليلة السادس عشر من شهر ربيع الآخر ودفن من الغد بمقابر الصوفية وكانت له جنازة حفله رحمه الله تعالى.
عيسى بن طاهر بن نصر الله بن جهبل بن أحمد الشيباني المعروف بابن القفطي الحلبي الوزير كان من الرؤساء الأكابر الفضلاء مولده ببيت المقدس سنة أربع وتسعين وخمسمائة وسمع من الافتخار الهاشمي وغيره وحدث وتولى نظر حران في أيام وزارة أخيه القاضي الأكرم جمال الدين
[ ١ / ٣٢٦ ]
عفر الخد وقبل تربة حل فيها أكرم الناس قبيلا
حجة الرحمن مفتاح الهدى أحمد المبعوث بالحق رسولا
جدد الأيمان اضحت جددًا بسنا أنواره بيضًا سهولا
ونجوم الدين زهرًا لا ترى أبد الدهر لساريها أفولا
هديه يهدي التقى للمهتدي وهداه يورث العلم الجهولا
لم تزل أنسابه ساميةً في قرون سلفت جيلًا فجيلا
من لدن آدم حتى حتى هاشم فهو خير الناس إن عدوا الأصولا
خصه الله بأصحاب فنوا بالقنا في نصرة المجد الأثيلا
ذبحوا الكفر فأضحى بهم كل صعب من بني الشرك ذلولا
لبسوا درع التقى سابغة وانتضوا للمجد صمصامًا ثقيلا
غرر الأحياء ضاهوا بالنوا ل الحيا طولًا وجازوا النجم طولا
منهم الصديق أولاهم به إذ هو السابق قوالًا فعولًا
لو أراد المصطفى من صحبه خلا اختار أبا بكر خليلًا
ثم لو كان نبيًا بعده أصبح الفاروق بالأمر كفيلا
وارتضى عثمان من أصحابه لابنتيه كفؤًا برًا نبيلا
وكسى عطفي على حلة لا تضاهى حين أعطاه البتولا
ولأهل البيت منه شرف وهو في الآيات باق لن يزولا
[ ١ / ٣٢٧ ]
وبه آمنة نالت من الفض ل والفخر منالًا مستطيلا
يا رسول الله يا من مدحه في القوافي أقوم الألفاظ قيلا
مسني ضر غطاء ساتر من ذنوب غادرت قلبي كليلا
أنا منها تائب مستغفر فاسأل الرحمن لي صفحًا جميلا
وقال يمدحه ﷺ:
سرى صوب الحيا إلهامي فأحيا مرابع بالحمى غزت عليا
مررت على رباها بالعشايا فيكسوها من الأزهار وشيا
إذا نشرت مطارفه عليها طوت عنها برود الجدب طيا
تعلق حبها قلبي فأضحت أحب الأرض في الدنيا إليا
وساكنها أحب الناس طرا إلى قلبي وأحظاهم لديا
فقل لعيشة قضيت فيها فداء كل شيء في يديا
شربت بها من المعنى كؤوسًا يصول بها الوقار على المحيا
إذا ما خالطت سرًا مصونًا سمت عزماته فوق الثريا
وما حيا نديم الشرت ميتًا بها إلا غدا في الحال حيا
مبرقعة المحاسن ما اجتلاها بخيل عد رشد الجود غيا
وتأنف أن يلم بها جبان يرى أحجامه في الحرب بقيا
ولكن من رأى الأمساك فقرًا وعد الموت في العلياء محيا
[ ١ / ٣٢٨ ]
حقائق ليس فيها من نصيب لمن لم يتبع السنن المهيا
شرائع سنها خير البرايا وأحكم عقدها أمرًا ونهيا
فكيف يزيغ عنها ذو تقاة وقد نزلت من الرحمن وحيا
على المختار أحمد خير هاد وأزكى الناس أخلاقًا وهديا؟
حوى قصب السباق إلى المعالي فرتبة فضله في السبق عليا
تبين فضله والناس ذر إلى أن شاع عن موسى وشعيا
وقلد فخره مضرًا وأعطى لواء المنصب السامي لؤيا
وأعلى كعب كعب في البرايا وأقصى الفخر بلغه قصيا
وشاد لهاشم أعلى منارًا فأضحوا أشرف الأحياء حيا
وأشرق نوره إذ كان حملًا على الجبهات للإبصار رئيا
وزاد البيت ذو الحرمات نورًا به لما بدا يمتص ثديا
وتم شبابه الريان يجري إلى حلبات أقصى الفخر جريا
وسلم كل مخلوق صموت عليه عند مبعثه وحيا
ونال بليلة المعراج شأوا لمن رام المصير إليه أعيا
أبر الناس ف قول وفعل وأثبت عزمةً وتقىً ورأيا
وأطول بالحسام العضب باعًا وأطعن بالقنا وأشد رميا
حليم صابر راض وفي جواد باسم طلق المحيا
[ ١ / ٣٢٩ ]
فلم يحدث لأمر فات لوا ولم يمزج بوعد منه ليا
كريم طيب الأعراق سهل يذيق محبه بالبشر أريا
فإن ظهرت بسالته لقوم تجرع خصمه بالبأس شريا
له كف على العافين غيث وصاعقة على من صد بغيا
وقلب من قلوب الأسد أقوى ووجه من ذوات الخدر أحيا
يموت ببأسه في الحرب حزب وآخر بالندى في السلم يحيى
أتى بالحق والشيطان يسعى بباطل كيده في الناس سعيا
فاسمع بالهدى والذكر صمًا وقاد إلى سبيل الحق عميا
وأوجب طاعة ونفى خلافًا فتم الأمر إيجابًا ونفيا
وأضحى الدين مذكورًا شهيرًا به من بعد ما قد كان نسيا
ألا يا فاتح الخيرات فتحًا وباني قاعدات الشرع بنيا
ومن نرجوه في سر وجهر لكل أمورنا دينًا ودنيا
سل الرحمن في يسر وحج أموت على تقاضيها وأحيا
زيارة ربعك المعمور سقيًا له من مربع رحب ورعيا
ورؤية وجهك الميمون طوبى لمشغوف جلتك عليه رؤيا
وخاتمة متوجةً بحسنى يفوز بها عبيد البر يحيى
يرى نظم المدايح فيك ذخرًا إذا حثي التراب عليه حثيا
[ ١ / ٣٣٠ ]
فذكرك في قريض الشعر مسك ووصفك يلبس الأوزان حليا
عليك من المهيمن كل وقت سلام لا يحاول عنك نأيا
ولا زالت لك الأنوار تهدى وفي الآخرى لك الزلفى تهيا
وقال ﵀ وكتب بها إلى والدي ﵀
ألا يا حليف البيد يخترق الفلا يخوض نواح الأحتيناب المفاوز
إذا جئت أرض الشام أبرك بقعةً وأفتك جند بالعدو المناجز
فقف بالفقيه الحنبلي محمد حليف المعالي والخلال والغرائر
أمام الحسن البشر والبر باذل وللزهد والإخلاص والذكر كانز
فبلغ سلام العبد يحيى بن بوسف ولاتك عن حمل السلام بعاجز
وسلم عليه من قديم وداده علي بن وضاح تكن خير فائز
وقال وقد بلغه أن والدي ﵀ قد حصل له مرض وبرئ فكتب إليه:
يا من غدا فهمه بالعلم مدرعًا وعقله برداء الحلم مقتنعا
وقلبه بشمال الدين مشتملًا وصدره بالها والرحب متسعا
ووجهه بسنا الأنوار مبتهجًا وكفه باللهى والجود مترعا
إن ألتقى والحجى والعلم والعمل ال مبرور والزهد والخيرات والورعا؟
من بعض أوصاف من أخفيت سنن وأبديت بدع قد أخفا البدعا
[ ١ / ٣٣١ ]
وأبدأ السنة الغراء مجتهدًا لله حين أضحى الحق منقشعا
بمنصل كان شرع الله صيقله وما انتضى بدعة إلا لها قطعا
لما سمعت بداء قد عراك إذا وجدته في حشائي مولمًا وموجعا
خوفًا على المذهب الهادي لمرتشد أن لا يرى بعد أهليه قد انصدعا
فشتت البدعة الظلماء حين ترى نجمًا من السنة الغراء قد وقعا؟
لأنها قمر سار وأنت لها فلك ومنك سنا أنوارها طلعا
كذلك العلم روض زهره ثمر وأنت تجني المعاني منه ممترعا
قد كنت من قبل نظم الشعر فيك إذا يممت نظمًا أراني مفتحًا لكعا
فحين ما جال فكري فيك خلت بأ ن كل نظم ونثر قد حويت معا
يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن جمادي بن أحمد بن محمد بن جعفرالجوزي بن عبد الله بن القاسم بن نصر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه أبو المظفر محي الدين القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي المعروف بابن الجوزي مولده في يوم ليلة السبت ثاني عشر ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة تفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وسمع من أبيه الإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن ومن أبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش وأبي الفرج عبد المنعم بن كليب وجماعة آخرين
[ ١ / ٣٣٢ ]
وترسل عن الديوان إلى مصر والروم والشام والشرق والموصل والجزيرة وغير ذلك عدة دفوع في الأيام المستنصرية والأيام المستعصمية وتولى أستاذية الدار ببغداد مدة وكان إمامًا عالمًا فاضلًا رئيسا أحد صدور الإسلام وفضلائهم وأكابرهم أجلائهم ومن بيت الفضيلة والرواية والدراية وحدث ببغداد ومصر وغيرهما من البلاد والده الإمام جمال الدين أوحد علماء المسلمين وحفاظ المحدثين صاحب التصانيف المشهورة والفضائل المذكورة في فنون العلم وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره.
وكان وصل محي الدين المذكور رسولًا من المستنصر بالله إلى حلب سنة أربع وثلاثين وملكها يومئذ الملك العزيز فتوفي في شهر ربيع الأول من السنة ثم توجه إلى الروم رسولًا فمات الملك علاء الدين سلطان الروم في شوال من السنة ثم توجه رسولا إلى الملك الأشرف ابن العادل وأخيه الملك الكامل فتوفي الأشرف في المحرم سنة خمس وثلاثين وتوفي الكامل في شهر رجب منها فعمل الأمير أبو القاسم بن محمود بن الأرشح بن الحسين بن محمود بن إبراهيم السنجاري المولد الحنفي المذهب
قل الخليفة رفقًا لك البقاء الطويل
أرسلت فيهم رسولًا سفيره عزرئيل
لم يبق من رعا البلاد إلا القليل
[ ١ / ٣٣٣ ]
تلقاه حيث استقلت به الركاب عويل
فليت شعري هذا مغسل أم رسول
سموه باسمين كانا صديق فيما يقول
محيي تصدى مميتًا ويوسفًا وهوغول
وللملك الناصر داود بن المعظم عيسى في هذه الواقعة:
يا إمام الهدى أبا جعفر المن صور يا من له الفخار الطويل
ما جرى من رسولك الشيخ محي ال دين في هذه البلاد قليل
جاء والأرض بالسلاطين تزهو وانثنى والقصور منهم طلول
أقفر الروم والشآم ومصر أفهذا مغسل أم رسول
كان محي الدين المذكور قد ولاه الإمام الناصر لدين الله حسبة بغداد وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا ورزق منه حظا ولم يزل في عرق إلى أن ولي أستاذية الدار للخليفة وترسل عنه إلى ملوك الأقاليم وحصل له الوجاهة التامة ووعظ وله علم بالتفسير والحديث والفقه ونظم الشعر وله المدايح في الخلفاء خاصة قال المبارك بن أبي بكر بن حمدان في قلائد الفرائد قدم إربل رسولًا من ديوان الخلافة إلى خوارزم شاه منكيرني بن محمد بن تكش فاجتمعت به بعد عوده من الرسالة بأربل في أواخر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة وذكر لي أن مولده في ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة وأن له عدة تصنيفات في الخلاف والجدل والمذهب والوعظ وأنه قرأ القرآن الكريم
[ ١ / ٣٣٤ ]
بالقراآت على أبي بكر الباقلاني وله كتاب سماه معادن الأبريز في تفسير الكتاب العزيز ومما قرأت عليه لنفسه من قصيدة مدح بها الناصر لدين الله ﵀:
وإذا طرف المشوق كبا لك تقل والله عثرته
وممات الصب صدكم وغداة الوصل بغيته
قصة المحزون سطرها في ظلام الليل غصته
صفحة الخدين رقعتها ودواة الصب مقلته
ويراع الوجد يعربها من مداد الشوق مدته
وإلى المحبوب يحملها من صبا الأسحار نسمته
وإذا حن الحزين أسى كحنين العيس حنته
وسلاف الحب تطربه فتذيع السر نشرته
مثل ما في النظم يطربني لإمام العصر مدحته
لوفود الجود قد كفلت بالأماني أريحته
من ندى كفيه تابعه حجة الإحسان عمرته
فعلت بالحق دولته فعلت في الخلق دعوته
يخجل الوطفاء هاميةً حين تهمى الجود مزنته
وأسود الغاب خاسئة قد كساها الخوف سطوته
فإذا ما البحر قيس به أشبه الغدران لجته
ومن الطين الورى خلقوا ومن العلياء طينته
[ ١ / ٣٣٥ ]
ولنا منه الندى وله من إله العرش نصرته
وله رق الورى وله من رسول الله بردته
ومنانا أن يدوم لنا لتنال السول دولته
إن ميت الجود عاش به بعد ما ضمته حفرته
وإذا ما الله عمره كملت للجود بغيته
فلمن عاداه نار لظىً ولمن والاه جنته
وقال أيضًا:
يا نفس ويحك قد دهاك قهر الغير هداك حين دهاكي
فكأنني بك قد أنال يلقاك منه الذل إذ يلقاكي
فلئن ركنت إلى سرور زائل فلقد رضيت بخادع أفاك
ولئن نظرة مرة لمسرةً فلتنظرن غدًا بمقلة باكي
أتراك مالك عبرة في من مضى ممن علمت من الورى أتراكي
إن الذين بنوا مشيدًا وانثنوا يسعون سعي القاهر الفتاك
من كل من ضاق الفضاء بجيشه وسمته همته على الأفلاك
نقلوا إلى ضيق اللحود وقد غدوا في الأسر ليس لهم سبيل فكاك
ولقد علمت بأن سبلك سبلهم فعلام لا تتأهبين فما أشقاك
جدي فأيام الحياة قصيرة وكأنني بالموت قد فاجأكي
العز ذل والحياة منية والقرب بعد هكذا دنياكي
لا تحسبي المأخوذ في يوم الجزا أخذًا بما كسبت يداك سواك
[ ١ / ٣٣٦ ]
فتزودي ما شئت من حسن ومن سوء فذلك كله يلقاك
ويلاه من نصب الصراط ووضعه وشهادة الأعضاء والأملاك
قد طال ما وافقت رأيك في الهوى وعصيت عقلي طائعًا لرضاكي
ورأيت أعدا صاحب لي ناصحًا وأخي الموافق لي على بلواك
فالآن حين مضى الشباب بشرخه وأتى المشيب مبادرًا ينعاكي
وأبيض من فودي ما لو يفتدى لفديته بكرائم الأملاك
أدعوك للأمر الرشيد فتنفري بدلت غيرك قبل يوم هلاكي
لا تجعليني قائلًا لك في غد كم كنت من هذا البلا أنهاكي
وأرى شقيًا من أطاعك جاهلًا ولو أهتدى لرشاده لعصاك
فاستغفري بالله العظيم لما مضى وعليك فيما فات باستدراك
وذكر ابن المستوفي في تاريخ أربل أن محي الدين المذكور تولى حسبة بغداد وعقد بها مجالس الوعظ وقيل أنه كان يعمل في كل أسبوع قصيدة يمدح بها الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين.
وقال قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن خلكان رحمه الله تعالى في كتابه الموسوم بوفيات الأعيان حكى لي الوجيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن سويد التاجر التكريتي قال كان الشيخ محي الدين أبو المظفر يوسف بن الجوزي ﵀ قد توجه رسولًا من بغداد إلى الملك العادل بن الكامل بن العادل بن أيوب سلطان مصر في ذلك الوقت وكان أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محبوسًا في قلعة الكرك يومئذ
[ ١ / ٣٣٧ ]
فلما عاد محي الدين راجعًا إلى بغداد وقدم دمشق وكنت بها فدخلت عليه أنا والشيخ أصيل الدين أبو الفضل عباس بن عثمان بن نبهان الأربلي وكان رئيس التجار في عصره وجلسنا نتحدث معه فقال حلفت الملك الناصر داود صاحب الكرك أن لا يخرج الملك الصالح نجم الدين من الحبس إلا بأمر أخيه الملك العادل قال فقال له الأصيل يا مولانا هذا بأمر الديوان العزيز فقال محي الدين وهل هذا يحتاج إلى أذن؟ هذا أقتضته المصلحة لكن أنت تاريخ يا أصيل الدين فقال يعني مولانا أني قد كبرت وما أدري ما أقول وأنا أحكي لمولانا حكاية في هذا المعنى أعرفها من غرائب الحكايات قال هات فقال كان ابن رئيس الرؤساء ناظر واسط يحمل في كل شهر حملًا من واسط وهو ثلاثون ألف دينار لا يمكن أن يتأخر يومًا عن العادة فتعذر في بعض الأشهر كمال الحمل فضاق صدره لذلك وذكره لنوابه فقالوا له يا مولانا هذا ابن زيادة عليه من الحقوق أضعاف ذلك ومتى حاسبته قام بما يتم الحمل وزيادة فاستدعاه وقال له أنت لم لا تؤدي كما يؤدي الناس فقال أنا معي خط الإمام المستنجد بالمسامحة قال فهل معك خط مولانا الإمام الناصر قال لا قال قم واحمل ما يجب عليك قال ما ألتفت إلى أحد وما أحمل شيئًا ونهض من المجلس فقال النواب لابن رئيس الرؤساء أنت صاحب الوسادتين
[ ١ / ٣٣٨ ]
وناظر النظار وما علي يدك يد ومن هو هذا حتى يقابلك بمثل هذا القول ولو كسبت داره وأخذت ما فيها لما قال لك أحد شيئًا وحملوه عليه حتى ركب بنفسه وأجناده وكان ابن زيادة يسكن قبالة واسط وقدموا لابن رئيس الرؤساء السفن حتى يعبر إليه وإذا بزبزب قد قدم من بغداد فقال ما قدم هذا إلا في مهم ننظر ماهو ثم نعود إلى ما نحن بسببه فلما دنا من الزبزب فإذا فيه خدم من خدام الخليفة فصاحوا به الأرض الأرض فقبل الأرض وناولوه مطالعة وفيها قد بعثنا خلعة ودواة لابن زيادة فتحمل الخلعة على رأسك والدواة على صدرك وتمشي إليه راجلًا وتلبسه الخلعة وتجهزه إلينا وزيرًا فحمل الخلعة على رأسه والدواة على صدره ومشى إليه راجلًا فلما رأه ابن زبادة انتشده ابن رئيس الرؤساء
إذا المرء حي فهو يرجى ويتقى وما يعلم الإنسان ما في المغيب
وأخذ يعتذر إليه فقال له ابن زبادة لا تثريب عليكم اليوم وركب في الزبزب إلى بغداد وما علم أن أحدًا أرسلت إليه الوزارة غيره فلما وصل إلى بغداد أول ما نظر فيه أن عزل ابن رئيس الرؤساء عن واسط وقال هذا ما يصلح لهذا المنصب ثم قال الأصيل المصلحة يا مولانا أن تخرج الملك الصالح وتملك وتعود إليه ويقع وجهك في وجهه وتستحي منه فأنشده محي الدين:
وحتى يؤب القارظان كلاهما وينشر في الموتى كليب لوائل
[ ١ / ٣٣٩ ]
فما كان إلا مديدة حنتى خرج الملك الصالح من حبس الكرك وملك مصر وقبض على العادل فخرج محي الدين للقائه وكان بها رسولًا إلى العادل.
قلت ومولد قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زبادة الشيباني يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة ببغداد ﵀.
وأما جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محي الدين يوسف المذكور فمولده سنة ست وستمائة سمع ووعظ وترسل عن الديوان إلى مصر وولي الحسبة ببغداد ودرس بالمدرسة المستنصرية على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى وكان رئيسًا معظمًا من أعيان الدولة وأماثلها وله ديوان شعر حدث بمصر وببغداد وقتل ببغداد شهيدًا في صفر سنة ست وخمسين وكان والده بكر به فأسمعه من الشيخ أبي محمد عبد العزيز وغيره من شيوخ بغداد ومن شعره في النبي ﷺ من أبيات:
فضل النبيين الرسول محمد شرفا يزيد وزادهم تعظيما
در يتيم في الفخار وإنما خير اللآلي ما يكون يتيما
[ ١ / ٣٤٠ ]
ولقد شاي الرسل الكرام فكلهم قد سلموا لجلاله تسليما
وأما أخوه شرف الدين فهو الذي كان أرسله المستعصم بالله إلى هولاكو لما قصد بغداد يبذل له الأموال وكان من الرؤساء الأعيان الفضلاء وأما أخوه تاج الدين فكان رئيسًا فاضلًا عالمًا متدينًا من أعيان رؤساء بغداد فقتل الجميع شهداء على يد التتر ببغداد في شهر صفر ﵏.
[ ١ / ٣٤١ ]