مجد الدين دولات خان وسعد الدين سعيد الترجمان من جهة صمغرا ومن جهة معين الدين سليمان بن مهذب الدين بن محمد نائب السلطنة ببلاد الروم فأحضرهم وسألهم عما جاؤا فيه فقالوا صمغرا نوين يسلم عليك ويقول لك مذ جاورته في البلاد لم يصله من جهتك رسول في أمر تختاره وقد رأى من المصلحة أن تبعث إلى أبغا رسولًا بما تحب حتى يساعدك على بلوغ غرضك وتتوسط عنده فأكرم الملك الظاهر الرسل وركبهم معه في الميدان مرارًا ثم عين الأمير فخر الدين إياز المقري والأمير مبارز الدين الطوري رسولين إلى أبغا وبعث معهما جوشنا له ولصمغرا قوسًا فسارا مع رسل صمغرا فلما وصلا قونية حضرا جامعها يوم الجمعة فسمعا الرعية يبتهلون بالدعاء للملك الظاهر فأديا الرسالة إلى صمغرا ومضمونها شكره.
ثم أخذهما البرواناة وسار بهما إلى أبغا فلما اجتمعا به قال لهما ما الذي جئتما فيه فقالا إن صمغرا بعث إلى السلطان وأخبره أنك أحببت أن يأتي إليك من جهته رسول فأرسلنا نقول لك أن أردت أن أكون مطاوعًا لك فرد ما في يدك من بلاد المسلمين فقال هذا لا يمكن وأقرب ما في هذا أن يبقى كل واحد منا على ما في يده فحصلت بينهما مفاوضات أغلظ لهما فيها وانفصلا عنه من غير اتفاق فوصلا دمشق في خامس عشر صفر سنة إحدى وسبعين.
وفي ذي القعدة وصل إلى دمشق رسل من بيت بركة من عند منكوتمر بن طغان بن سرطق بن باتو في البحر وكانوا لما خرجوا من
[ ٢ / ٤٧٢ ]
بلاد الأشكرى صادفهم مركب من البيسانيين فأخذهم ودخلوا بهم عكا فقبح عليهم من بها ما فعلوه ثم جهزوهم إلى دمشق ولم يرد البيسانيون ما أخذوا لهم وكان معهم هدية فلما اجتمعوا بالملك الظاهر عرفوه ما كان معهم فبعث إلى الإسكندرية ومنع من فيها من التجار البيسانيين من السفر حتى يعوضوا ما أخذ أصحابهم وكان مضمون رسالتهم أنهم أحضروا كتابًا للملك الظاهر بجميع ما كان في أيدي المسلمين من البلاد التي استولى عليها هولاكو وطلبوا منه أن ينجدهم ويعينهم على استيصال شأفته.
وفي ذي الحجة توجه الملك الظاهر من دمشق إلى حصن الأكراد لنقل حجارة المجانيق إلى القلعة ورؤية ما عمر فيها ثم سار إلى حصن عكا فأشرف عليه ثم عاد إلى دمشق فدخلها في خامس المحرم سنة إحدى وسبعين.
وفي هذه السنة وهي سنة سبعين تسلم نواب الملك الظاهر قلعة الخوابي والقليعة من بلد الإسماعيلية ولم يبق خارجًا عن مملكته من جميع حصونهم سوى الكهف والقدموس والمينقة لأن أهلها لما قبض الملك الظاهر على نجم الدين بن الشعراني وولده عصوا بالقلاع المذكورة وقدموا عليهم مقدمًا.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
فصل
وفيها توفي أحمد بن سعيد بن أحمد بن أبي بكر بن الحسين أبو العباس صفي الدين النيسابوري الأصل اللهاوري المولد والمنشأ الصوفي توفي بالقاهرة في حادي عشر شهر رمضان المعظم ودفن من الغد بمقابر باب النصر ومولده في العشرين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وخمسمائة صحب جماعة من مشايخ الصوفية وتهذب بهم وتأدب بآدابهم وسمع وحدث وكان أحد المشايخ المشهورين بالخير والصلاح والعفة والانقطاع والمعرفة وله كلام على طريقهم وتقدم فيهم مع ما كان عليه من لطف الأخلاق ولين الجانب وحسن الملقى وجميل الطريقة ﵀.
الحسن بن داود بن عيسى ببن محمد بن أيوب بن شاذى أبو محمد الملك الأمجد مجد الدين بن الملك الناصر صلاح الدين بن الملك المعظم شرف الدين بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر رحمهم الله تعالى وقد تقدم ذكر نسبهم في ترجمة مجير الدين يعقوب بن العادل فأغنى عن إعادته كان الملك الأمجد من الفضلاء عنده مشاركة جيدة في كثير من العلوم وله معرفة تامة بالأدب غير أنه لم يكن له طبع في نظم الشعر ثم وقفت بعد ذلك على سفينة بخط عز الدين محمود الورمدي ﵀ وفيها أنشدني نجيب الدين الحجازي للملك الأمجد بن الملك الناصر داود رحمهما الله تعالى:
[ ٢ / ٤٧٤ ]
من حاكم بيني وبين عذولي الشجو شجوي والغليل غليلي
عجبًا لقوم لم تكن أكبادهم لجوىً ولا أجسادهم لنحول
دقت معاني الحب عن أفهامهم فتأولوها أقبح التأويل
في أي جارحة أصون معذبي سلمت من التنكيد والتنكيل
إن قلت في عيني فثم مدامعي أو قلت في قلبي فثم غليلي
لكن رأيت مسامعي مثوى له وحجبتها عن عذل كل عذول
ومحاسنه كثيرة ومكارمه غزيرة وتنقلت به الأحوال في عمره فتزهد وصحب المشايخ وانتفع بهم وأخذ عنهم واشتغل على العلماء وحصل وكان كثير البر بمن يصحبه من المشايخ لا يدخر عنهم شيئًا وكانت همته عالية ونفسه ملوكية وعنده شجاعة وإقدام وصبر على المكاره.
حكى لي أنه لما عاد العسكر من إنطاكية مع الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري ﵀ في سنة ستين وستمائة كان المذكور في جملتهم وقد غرق أخوه شقيقه الملك الأفضل نور الدين علي ﵀ في تلك السفرة فبينا هو يساير بعض الأمراء ويحدثه مر به إلى جانبه رجل يجر جنيبًا فضربه ذلك الجنيب كسر رجله فلم يتأوه ولا قطع حديثه ولا ما كان فيه فلما امتلأ الخف بالدم أمر بعض من كان معه أن ينزل ويشق أسفل الخف ليذهب منه الدم وكان يتلقى جميع ما يريد عليه من الأمور المؤلمة بالرضا والتسليم وكان له عقيدة عظيمة في الفقراء والمشايخ وكان جميع أهل بيته يعظمونه ويعترفون بتقدمه عليهم حتى عم أبيه الملك الأمجد تقي الدين بن العادل وكذلك سائر الأمراء وأرباب
[ ٢ / ٤٧٥ ]
الدولة وله اليد الطولى في الترسل مع حسن الخط وأنفق في عمره أموالًا جمة معظمها في طاعة الله تعالى وكان مقتصدًا في ملبوسه ومركوبه ويتعلق بنفسه مسرفًا في فعل الخير وبر الإخوان ﵀ تزوج ابنة عم أبيه الملك العزيز عثمان ابن العادل ثم تزوج ابنة الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر. غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵏ وهي أخت الملك الناصر وأولدها ولدًا سماه صلاح الدين محمود وهو باق وكان عنده من الكتب النفيسة ما لا يوجد عنده غيره فوهب معظمها لأصحابه وإخوانه وسمع الكثير وحصل الفوائد وكان مقصدًا لمن يقصده يقوم معه بنفسه وماله وجاهه لا يستحيل على أصحابه ولا يتغير عن مودتهم وإن تغيروا أواسطه عقد بيتهم رحمه الله تعالى وكانت وفاته بدمشق ليلة الاثنين سادس عشر جمادى الأولى ودفن من الغد بسفح قاسيون في تربة جده الملك المعظم.
وكانت والدة الملك الأمجد المذكور ابنة الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك العادل الكبير فسمي صاحب هذه الترجمة باسمه وإلى جده المذكور ينسب الغور الأمجدي وتلقاه أولاد الملك الناصر داود بالإرث عنها وتوفي الملك الأمجد صاحب هذه الترجمة وهو في عشر الخمسين وقد نيف عليها ورثاه غير واحد من الفضلاء بعدة قصائد ومقاطيع فممن رثاه المولى شهاب الدين محمود كاتب الدرج أيده الله
[ ٢ / ٤٧٦ ]
تعالى بقوله:
هو الربع ما أقوى وأضحت ملاعبه مشرعة إلا وقد لان جانبه
وقفت به والشوق نحو قبابه يجاذبني طورًا وطورًا أجاذبه
أسايله جهلًا ومن سفه الهوى مخاطبة الإنسان من لا يخاطبه
أسايله والبين قد زار ربعه فنابت عن العيش الهنيء نوائبه
وعهدي به والعز عن كل ناظر يطوف به إلا عز الوفد حاجبه
لئن قلصت كف الزمان ظلاله وشابت هنئ العيش في هذا شوائبه
فقد كان مغني ضافيات ظلاله على نازليه صافيات مشاربه
عهدت به من آل أيوب ماجدًا كريم المحيا زاكيات مناسبه
يزيد على وزن الجبال وقاره ويكثر ذرات الرمال مناقبه
أجار على صرف الزمان فغاله على غرة والثأر يحتال طالبه
قضى فاعتدت فينا الليالي وطالما غدت في عدانا قاضيات قواضبه
ويوم كليل الصب إذ ظل سمره مداه ونقع الصافنات غياهبه
حلا وجهه جلاه من حيث أنه هلال وأطراف الرماح كواكبه
بكاه من السمر الكعوب وغيره إذا مات تبكيه من السمر كاعبه
غدت بذيول الحزن تعثر خيله وكم سبقت ريح الجنوب جنائبه
إذا ما بكت عجم العراب فقد بكى من الخلق طرًا عجمه وأعاربه
ترى بعده العافين شتى وطالما حواهم نداه والزمان مصاحبه
فمن لاثم للتراب من عتباته ومن متصد للزمان يعاتبه
[ ٢ / ٤٧٧ ]
إذا ما رثوه بالغرائب بعده فمن قبل قد عمت عليهم رغائبه
هو ابن الذي لان الشديد بعد النهى له فلذًا والدهر جم عجائبه
يحدث عن فصل الخطاب كتابه ويخبر عن فصل الخطوب كتائبه
عليكم بني الآمال باليأس بعده فلليأس عز يأبن الذل صاحبه
ولا ترقبوا نوء السماحة بعده فأفق الأماني مقشعات سحائبه
الحسين بن علي بن الحسن بن ماهد بن طاهر بن أبي الجن أبو عبد الله مؤيد الدين الحسيني كان من أعيان الأشراف ووالده نظام الدين تولى نقابة الأشراف مدة ونظر بعلبك وأعمالها مدة أخرى وكان وأسع النعمة كثير الأملاك وافر الحرمة نزهًا عفيفًا في ولاياته غير أنه كان قليل النفع وكان له مكانة عند الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وعند وزيره أمين الدولة وأما ولده مؤيد الدين صاحب هذه الترجمة فكان شابًا حسن دمث الأخلاق كثير الاحتمال والخدمة لم يصحبه بنفسه مع عظم بيته وعدم احتياجه بل تحمله المروءة على ذلك وكان بيني وبينه صحبة أكيدة ومودة جمع الله بيننا في جنته وكان عنده تشيع يسر ولكن لم يسمع منه كلمة تؤخذ عليه وكان يعظم الصحابة رضوان الله عليهم ويترضى عنهم ويذم من يسلك غير ذلك ويبري منه وكانت وفاته يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر بقلعة بعلبك لأنه تمرض في مدينة بعلبك وحصل أراجيف وجفل أوجب انتقال معظم أهل البلد إلى القلعة فانتقل المذكور وهو متمرض في جملتهم فأدركته
[ ٢ / ٤٧٨ ]
منيته بها ودفن في مقابر باب سطحا ظاهر باب دمشق من مدينة بعلبك ولم يبلغ أربعين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
سلار بن الحسن بن عمر بن سعيد أبو الفضائل كمال الدين الأربلي الفقيه الشافعي كان من الأئمة الفضلاء الخبيرين بمذهب الإمام الشافعي ﵁ وكان الشيخ نجم الدين الباذراني ﵀ قد جعله معيد مدرستة التي وقفها بدمشق لعلمه بغزارة علمه ولم يزل على ذلك إلى حيث توفي لم يتريد منصب آخر وكان عليه مدار الفتوى في وقته بدمشق واشتغل عليه جماعة وانتفعوا به ومن يجتمع به في النادر يصفه بشراسة الأخلاق وتوعرها فإذا أكثر الشخص من الاجتماع به وجد عنده في الخلوة دماثة وحسن مباسطة وسعة صدر وكانت وفاته ليلة الخميس الخامس من جمادى الآخرة بدمشق ودفن من الغد بمقابر باب الصغير ﵀ وهو في عشر السبعين.
سنقر بن عبد الله الأمير شمس الدين المعروف بالأقرع وهو من مماليك الملك المظفر شهاب الدين غازي بن العادل وكان من أعيان الأمراء بالديار المصرية وأكابرهم وتقدم في الدول وكان الملك الظاهر ﵀ نقم عليه لأمر بلغه عنه فاعتقله وتوفي في الثامن والعشرين من ربيع الأول هذه السنة ﵀ وقد نيف على الستين سنة من العمر.
عبد الرحيم بن عبد الرحيم بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن طاهر ابن محمد بن محمد بن الحسين بن علي أبو الحسين عماد الدين الحلبي الشافعي
[ ٢ / ٤٧٩ ]
المعروف بابن العجمي تفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وسمع وحدث ودرس وتولى الحكم بمدينة الفيوم وغيرها وناب في الحكم بدمشق مدة وكان مشكور السيرة شديد الأحكام عارفًا بفضل الخصومات وتوفي بحلب في رابع شهر رمضان هذه السنة مولده في ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وستمائة بحلب ﵀ وبيته مشهور بالعلم والحديث والرئاسة والسنة والجماعة.
علي بن عبد الخالق بن علي بن محمد بن الحسن أبو الحسن عز الدين الأسعردي الأصل البعلبكي المولد والدار والوفاة كان من الصدور الأماثل خبيرًا بالكتابة وصناعة الحساب قيمًا بها تولى عدة ولايات شهادة ديوان بعلبك ثم مشارفته ثم نظره وتولى نظر الأسرى بدمشق ثم ولي نظر حمص وأعمالها ولم يزل على ذلك إلى حين وفاته ببعلبك ليلة الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وكان حسن العشرة كثير المداراة والمجاملة وجده القاضي مهذب الدين علي بن محمد الأسعردي كان من العلماء الأعيان ولي القضاء ببعلبك مدة زمانية في الأيام الصلاحية ولم يزل متوليًا إلى حين وفاته وكان سديد الأحكام متحريًا فعل الحق وتوفي عز الدين المذكور وهو في عشر الستين ودفن بالقرب من دير إلياس ﵇ ظاهر بعلبك.
علي بن عثمان بن علي بن سليمان بن علي بن سليمان بن علي أبو الحسن أمين الدين السليماني الأربلي الصوفي مولده بإربل سنة اثنتين وستمائة
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وقيل في أحد الربيعين سنة ثلاث وستمائة وتوفي إلى رحمة الله تعالى بمدينة الفيوم من أعمال الديار المصرية في العشر الأخر من جمادى الأولى كان فاضلًا مقتدرًا على النظم وهو من أعيان شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وكان في أول عمره يخدم جنديًا ثم ترك الجندية وتزهد وصار أحد مشايخ الصوفية المشار إليهم ومن شعره وقد سير إلى بعض الأمراء هدية وكتب معها:
هدية عبد مخلص في ولائه لها شاهد منها على عدم المال
وليست على قدري ولا قدر مالكي ولكنها جاءت على قدر الحال
وكتب إلى شرف الدين أبي البركات بن المستوفي وزير إربل وقد طلبه علاء الدين بن صالح الأربلي وتحدث معه في أن يلي البيمارستان:
يا أيها المولى الوزير ذي الرعاية والعناية
إن العلاء أضلني بالقول عن طرق الهدايه
لألى لمارستانكم وأقوم فيه بالكفايه
إني لمحتاج إليه متى أجبت إلى الولاية
وله:
تنال نوال الناس ثم تنيله فدهرك مطلوب بما أنت طالبه
سخاؤك عما في يد الناس فوق ما تنيل من المال الذي أنت واهبه
وله:
قيل تهوى الجمال قلت لهم ما فيه عيب إن لم يكن فيه ريبه
كيف لا أعتني بمن يعتني الله به إن ذى عقول عجيبه
[ ٢ / ٤٨١ ]
وله في الشربات:
عبد لكم في داركم كالدرة البيضاء إن أهملتموه تبددًا
عريان يقلقه الهواء فكلما مرض النسيم أتوا إليه عودا
وله:
انظر بعين عناية وأعطف فعطفك مستفاد
وأقل بحلمك عثرتي فلربما عثر الجواد
وله:
يقولون من تهواه زاد ملالة ومال فلا وصل لديه ولا وعد
إذا ألف ذنب من حبيب تجمعت يقوم بها من حسنه شافع فرد
وله في النرد:
رجال من بني سام وحام لهم بالضرب والإيقاع رقص
قيام في سماعهم عراة ليس عليهم في ذاك نقص
وله:
ارض بما قدر إلاله ولا تحرص فماذا يفيدك الحرص
قد قسم الرزق في العباد فلا زيادة تنبغي ولا نقص
وله:
إني لأعرف في الرجال مخادعًا يبدي الصفاء ووده ممذوق
مثل الغدير يريك قرب قرارة لصفائه والقعر منه عميق
وله:
كل ما تبتغيه من هذه الدنيا يعنيك منه ما يغنيك
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وإذا كانت الكفاية لا تكفيك لا شيء بعدها يكفيك
وله في شربة الماء:
وخادم يخدم حتى إذا قصر صب الماء في حلقه
ما فسح الشارع في ضربه فما لكم تفتون في شنقه
وله:
وإذا ضاق قلب المرء عما يجنه تبين منه في اتساع لسانه
وصمت الفتى عما يجن ضميره أثم ولو أن اللهي في بيانه
وله:
عرفتكم فجهلت الناس عندكم فلم أعرج على أهل ولا وطن
وفزت منكم بما أبغي ولي أسف باق لسالف ما ضيعت من زمني
وله:
كف عن الناس إذا شئت أن تسلم من قول جهول سفيه
من قذف الناس بما فيهم يقذفه الناس بما ليس فيه
وله في الشربات:
وبيض الوجوه رقاق الشفاه تجمعن والحب في داريه
يبعن على الناس بيع الرقيق ولم أر فيهن من جاريه
وله من أبيات:
وسكنت قلبي يا محرك وجده فعجبت كيف سكنت وهو مقلقل
والقلب منزلة البدور وإنما خالفتها في كونها تنتقل
[ ٢ / ٤٨٣ ]
حل العزائم عقد بندك مثلما فتح الصبابة حاجب لك مقفل
فلأن صبرت فما اصطباري عن رضًا وجميل وجهك أنى أتجمل
وله من أبيات:
لعبت خلفه الذؤابة فاستكبر تيهًا فقبلت أقدامه
جمع العاشقين بالواو والنو ن ولكن جمعًا لغير السلامه
علي بن عمر بن نبا أبو الحسن نور الدولة اليونيني كان رجلًا غزير المروءة كريم الأخلاق شجاعًا بطلًا مقدامًا على الأهوال كثير التعصب لمن يقصده يبذل في ذلك نفسه وماله وكان له اليد الطولى في قتل الوحوش الضارية تصدى لتقل الأدباب فأفنى منهم شيئًا كثيرًا لا يحصر بحيث كان يقتل في الليلة الواحدة عدة أدباب وكان سبب تصديه لقتلهم دون غيرهم من الوحوش أنه كان له أخ صغير وكان للملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه ﵀ صاحب بعلبك دب في بيت بقلعة بعلبك فدخل أخو علي المذكور ليتفرج عليه وقرب منه فافترسه وقتله فكان نور الدولة المذكور يرى أنه يقتلهم يستوفي ثأرًا وكانت وفاته بمنزله بمدينة بعلبك ليلة الأربعاء خامس وعشرين جمادى الآخرة ودفن من الغد قريبًا من تربة الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه وقد نيف على ستين سنة من العمر ﵀ وهو بن عمتي وتزوج لي ثلاث أخوات كلما ماتت واحدة زوجه والدي ﵀ بأختها وتوفي وعنده الأخيرة منهن وكان عند والدي في محل الولد وهو رباه وأسمعه الحديث فسمع عليه وعلى الشيخ بهاء الدين المقدسي وابن
[ ٢ / ٤٨٤ ]
رواحة رحمهما الله وغيرهم وحكى لي ناصر الدين علي بن قرقين ﵀ ما معناه أن الخوارزمية لما طرقوا البلاد استولوا على ضواحي بعلبك ولم تبق إلا المدينة والقلعة وأما ظاهر البلد من القرايا فخرج عن الطاعة وأطاعهم فولوا على ضواحي بعلبك شخصًا من أعيانهم وتركوا عنده جماعة يسيرة منهم فكان يتصرف في البر وأهل البلاد في طاعته وهو ينتقل من مكان إلى مكان وكان متولي القلعة والمدينة إذ ذاك الأمير سيف الدين المعروف بأبي الشامات ﵀.
قال ناصر الدين فقال لي والله إن هذا غبن عظيم يستولي على بلاد بعلبك وأعمالها رجل واحد من الخوارزمية ونحن كالمحصورين معه فقلت له تشتهي أن أحضره لك بنفسه ومن معه قال ومن لي بهذا قلت أنا أسعى لك فيه إن شاء الله تعالى فسر بهذا القول ولم تطمئن نفسه إلى وقوعه فاجتمعت بنور الدولة وحدثته في ذلك وقلت له تقدر نحضره قال نعم إن شاء الله تعالى قلت متى قال الليلة أمسكه وغدًا أحضره فقلت كم تختار من الخيالة والرجالة قال سير لي خمس رجالة يلقوني بعد المغرب إلى تل بسقي فجردت عشرين راجل على أنهم يتوجهون إلى حصن اللبوة في شغل وكان لنا بحصن اللبوة وال لا يتعدى أمره باب الحصن وكتبت مع مقدم الرجالة ورقة وختمتها
[ ٢ / ٤٨٥ ]
مضمونها نور الدولة بن الحرامي مقدمكم فإذا وصلتم إليه افعلوا ما يقول لكم ولا تخالفوه وقلت للمقدم إذا وصلت تل بسقى افتح الورقة وافعل ما فيها فلما وصل التل قرأها ورأى نور الدولة هناك فجاء إليه وقال قد سيرونا إليك فقال ما لي بكم كلكم حاجة يروح منكم عشرة ويبقى عندي عشرة وكان قد أخذ خبر والي الخوارزمية أنه في قرية بنحة فتوجه بالعشرة إليها وتركهم خارج القرية ودخل بمفرده إلى القرية قريب الثلث الآخر من الليل فوجد شخصًا من أهل القرية قد خرج من بيت لقضاء حاجته فسأله عن الوالي فقال هو في تلك العلية نائم سكران هو ومن معه فقصد نور الدولة العلية وفتح بابها ودخل ووجد الوالي نائمًا سكران فجذب سكينه وأيقظه بهدوء ففتح عينيه فرأى السكين مشهورة على حلقه وقال له إن تكلمت ذبحتك فلم ينطق فأخذه وأخرجه إلى الرجالة وسلمه إليهم ثم عاد وفعل كذلك بمن معه من أصحابه وجاء بهم إلى القلعة فأوعدوا السجن وتصرف النواب في البر على عادتهم بأيسر مؤونة وله أمور كثيرة من هذا الجنس من الأقدام والشجاعة رحمه الله تعالى.
محمد بن سالم بن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد ابن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى أبو عبد الله عماد الدين الربعي التغلبي البلدي الأصل الدمشقي المولد والدار والوفاة العدل الرئيس الصدر الكبير مولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة تخمينًا سمع من الكندي
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وغيره وحدث وكان شيخًا جليلًا كريم الأخلاق لطيف الأوصاف حسن العشرة متفضلًا على من يعرفه بارًا بمن يقصده محتملًا صبورًا كثير الإغضاء والحياء من بيت العلم والحديث والرياسة والعدالة والتقدم وقد حدث هو وأبوه وجده وجد أبيه وجد جده وغير واحد من أهل بيته وكانت وفاته في العشرين من ذي القعدة ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد التكريتي أبو عبد الله وجيه الدين التاجر المشهور بسعة المال والجاه ولم يبلغ أحد من أمثاله من الحرمة ونفاذ الكلمة ما بلغ بحيث كانت النجابين ترد عليه من بغداد إلى دمشق في مهمات تتعلق الخلافة فينجز ما قدموا لأجله ويسفرهم وكانت متاجره لا يتعرض لها متعرض وكتبه عند سائر ملوك الأطراف وملوك الفرنج بالساحل نافذة ومن ينتسب إليه مرعي الجانب وهو من خواص الملك الناصر ﵀ وأصحابه ويده مبسوطة في دولته وكلمته مسموعة ورسالته مقبولة عند ديوان الإنشاء ومع هذا كله فانقضت الدولة ولا يكتب له سوى الصدر الأجل وما يناسب ذلك من الألقاب لا غير وفي آخر الأيام الناصرية كانت عنده فضة كثيرة مروك وخشر فاستأذن الملك الناصر في ضربها دراهم فأذن له وجعل دار الضرب بيده فضرب منه شيء كثير جدًا وهذا النقد من الدراهم التي ضربها
[ ٢ / ٤٨٧ ]
معروف ولما ملك التتار البلاد الشامية في شهور سنة ثمان وخمسين ذكر عنه أنه وصله فرمان هولاكو يتضمن الأمان له على نفسه وماله وأصحابه ولم يعرج على ذلك ولا وثق به ودخل الديار المصرية وغرم فيها جملة طائلة تقارب ألف ألف درهم فلما عاد الشام إلى المسلمين وتملك الملك الظاهر ركن الدين ﵀ قربه غاية التقريب وأدناه وعظم محله عنده بحيث أوصى إليه على أولاده وجعله ناظر أوقافه وما يتعلق به وأصغى إلى أقوله وزاد في حرمته فيما يكتب له وخوطب بالمجلس السامي وكان له من التمكن ما لا مزيد عليه غير أنه كان تمكنه في الأيام الناصرية أكثر وحكى لي الحاج فخر الدين إياز ﵀ وكان رجلًا صادقًا قال حججت في السنة التي حج فيها الملك الظاهر فلما رأني فراشينه بمكة طلبوا مني ملازمتهم لمعرفة بيني وبينهم فلازمتهم فلما كان يوم عرفة بسطت بسط كثيرة على الجبل للملك الظاهر وحضر إليه أمراء العرب وملوك الحجاز وغيرهم وقعدوا في خدمته فحضر نصير الدين ولد وجيه الدين المذكور للسلام عليه فحين وطئ البساط قام له وبالغ في أكرامه والمساءلة له عن طريقه واستعراض حوائجه وتفخيمه في المخاطبة والنصير يتشكر ويدعو بما يناسب وهو يقول أبصر مهما كان لك من حاجة حتى نقضيها ولا يقول لوجيه الدين أبصروني في مكة وما التفوا إلي فقال ما للمملوك حاجة سوى أن هذا الركب لم يكن له أمير فتعبنا بهذا السبب والمملوك يسأل أن يعين مولانا السلطان
[ ٢ / ٤٨٨ ]
للركب الشامي أميرًا فقال هؤلاء المصريين والشاميين من اخترت منهم بروح في خدمتك قال أريد جمال الدين بن نهار فطلبه السلطان وقال له هذا المولى نصير الدين قد اختارك على جميع من معي فتروح معه إلى الشام وتخدمه مثل ما تخدمني ولا تزال بين يديه حتى توصله إلى والده فقال السمع والطاعة وانفصل والناس يتستعظموا ذلك من مثل الملك الظاهر وأنه لعظيم منه وكان وجيه الدين كثير المكارمة للأمراء والوزراء وأرباب الدولة يهاديهم ويقضي حوائجهم ويتجر لهم فكان مدار الأمور أو أكثرها عليه وعنده بر للفقراء وصدقة ويعمل في كل سنة من التراييق والمعاجين والأكحال ما يغرم عليه جملة كبيرة ويفرقه للثواب وكان عنده دماثة أخلاق ورقة حاشية وينظم المواليا على رأي البغاددة قال كان صبي من القيمرية حسن الصورة قد تزوج وزف ليلة عرسه بدمشق فنظمت:
لما جلو ذا الصبي كالبدر في حالو سبى المواشط وقالو ما قالو
صبي وكردي وكردية من أشكالو لولا نبات عذاره لالتبس الحالو
وأنشدته للملك الناصر فأعجبه وكان أقارب ذلك الصبي أكابر أمراء القيمرية فكانوا إذا حضروا يقول على سبيل المباسطة يا وجيه لولا يوهمني أنه ينشد البيتين قدامهم فأضع أصبعي على فمي أي أسكت عني فيضحك وكانت وفاة الوجيه ﵀ بدمشق في العشر الآخر من شوال أو الأول من ذي القعدة ودفن بسفح قاسيون وقد ناهز السبعين من العمر.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
نصير بن تمام بن معالي أبو الذكر المقيسي المؤذن كان حسن الصوت مليح الشكل يطرب حسه السامع وهو رئيس المؤذنين في وقته بدمشق وتوفي بها في ليلة التاسع عشر من المحرم ودفن في غده بباب الفراديس ومولده سنة سبع وثمانين وخمسمائة سمع من أبي المنجا عبد الله بن عمر ابن اللتي وغيره وحدث ﵀.
يعقوب بن إبراهيم بن موسى بن يعقوب بن يوسف أبو يوسف شرف الدين بن المعتمد العادلي الدمشقي الحنفي مولده في رابع شهر رمضان المعظم سنة سبع وثمانين وخمسمائة بدمشق سمع من حنبل وحدث وتوفي في ثالث عشر شهر رجب بجبل قاسيون ودفن به رحمه الله تعالى، ووالده المبارز إبراهيم المعتمد متولي دمشق في الأيام العادلية وهو من أعيان الناس مشكور السيرة محمود الطريقة ينطوي على دين متين وبر كثير وحسن اعتقاد في الفقراء والصلحاء ومحبة لهم، صحب الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه وانتفع به وكان الشيخ يثني عليه رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
//بسم الله الرحمن الرحيم