وكان لسعد الدولة بن سيف الدولة بحلب ولد يقال له أبو الهيجاء، وكان قد أوصى سعد الدولة لؤلؤًا لما مات به، فلما أن ملك لؤلؤ خاف منه، وضيق عليه لؤلؤ
[ ١١٢ ]
ومرتضى الدولة، وكان قد صاهر ممهد الدولة أبا منصور أحمد بن مروان صاحب ديار بكر على ابنته، وأظن ذلك كان في أيام أبيه.
فخاف أبو الهيجاء من لؤلؤ وابنه مرتضى الدولة، فتحدث مع رجل نصراني يعرف بملكونا كان تاجرًا وبزازًا لمرتضى الدولة، فأخرجه من حلب هاربًا، والتجأ إلى ملك الروم فلقبه الماخسطرس.
فلما كثر ظلم منصور وعسفه رغب الرعية وبنو كلاب المتدبرون ببلد حلب في أبي الهيجاء بن سعد الدولة، وكاتبوا صهره ممهد الدولة بن مروان في مكاتبة باسيل ملك الروم في إنفاذه إليهم.
فأنفذ إلى الملك يسأله تسيير أبي الهيجاء إليه ليتعاضدا على حلب، ويكون من قبله من حيث لا يكلفه إنجاده برجال ولا مال.
فأذن باسيل لأبي الهيجاء في ذلك، فوصل إلى صهر بميافارقين، فسير معه مائتي فارس وخزانه، وكاتب بني كلاب بالانضمام إليه.
وسار قاصدًا حلب في سنة أربعمائة فخافه منصور، ورأى أن يستصلح بني كلاب ويقطعهم عنه، لتضعف منته، فراسلهم ووعدهم بإقطاعات سنية، وحلف لهم أن يساهمهم أعمال حلب البرانية.
واستنجد مرتضى الدولة بالحاكم، وشرط له أن يقيم بحلب واليًا من قبله، فأنفذ إليه عسكر طرابلس مع القاضي علي بن عبد الواحد ابن حيدرة قاضي طرابلس، وأبي سعادة القائد والي طرابلس، في عسكر كثيف فالتقوا بالنقرة.
وتقاعد العرب عن أبي الهيجاء لما تقدم من وعود مرتضى الدولة لهم،
فانهزم أبو الهيجاء راجعًا إلى بلد الروم ونهبت خيامه وجميع ما كان معه.
ثم دخل إلى القسطنطينية فأقام بها إلى أن مات.
وكان الحاكم قد كتب لمنصور بن لؤلؤ في شهر رمضان من سنة أربع وأربعمائة
[ ١١٣ ]
سجلًا، وقرىء في القصر بالقاهرة، بتمليكه حلب وأعمالها ولقب فيه بمرتضى الدولة.
وكان في قلعة عزاز غلام من غلمان مرتضى الدولة فاتهمه في أمر أبي الهيجاء، فطلب مرتضى الدولة من النزول فلم يفعل، وخاف منه وقال: ما أسلمها إلا إلى القاضي ابن حيدرة فسلمها إليه.
وكتب القاضي فيها كتابًا إلى الحاكم، وسلمها إلى مرتضى الدولة، فنقم عليه، وقتله بعد ذلك.
وأما أبو الهيجاء فأقام بالروم إلى أن مات.
وعاد قاضي طرابلس إلى منصور يطلب منه ما كان وعده به، فدافعه، فرجع إلى طرابلس خائبًا.
وكان أبو المعالي بن سعيد الدولة بمصر، فسيره الحاكم بعساكر المغاربة إلى حلب، فوصل معرة النعمان في سنة اثنتين وأربعمائة، وأرادت العرب الغدر به، وبيعه من مرتضى الدولة، لأنهم أغاروا. وركب يريدهم، فأخذه مضيء الدولة نصر الله بن نزال ورده إلى العسكر، ورجع فمات بمصر.