فدبر البلد بعده مملوكه رضي الدولة بنجوتكين التركي أبو منصور، بقية جمادى الأولى وثمانية وعشرين يومًا من جمادى الآخرة، فوصل معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح بالتوقيع الذي سيره إليه المستنصر، فسلم بنجوتكين وأهل المدينة إليه، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، بعد
[ ١٤٦ ]
أن نزل إليها ومعه مقلد ابن عمه في جماعة، وقاتلوها أيامًا، واستظهر الحلبيون عليهم، فرحلوا إلى ناحية قنسرين.
وجرى بين الحلبيين والمغاربة عربدة، وقتل بينهم جماعة، ونهبت أهراء السلطان، وطلع أصحاب الدزبري إلى القلعة خوفًا على أنفسهم، فلم يمكنهم سبكتكين من دخولها، فنزلوا في القصر تحت القلعة.
واستدعى الحلبيون ثمالًا ومقلدًا. فورد مقلد في مقدمته من قنسرين، فتسلمها يوم الإثنين لليلتين بقيتا من جمادى. ووصل ثمال يوم الثلاثاء، فدخلها واجتمع إليه أحداثها. واعتصم سبكتكين بالقلعة شهرًا وسلمها إليه.
وقيل: إنه بقي بها إلى النصف من صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وإذ القلعيين رموا على الحلبيين، وأتوا على عدد كثير منهم، وأصلح الحلبيون المنجنيقات، وقاتلوا بها القصر الذي تحت القلعة، ونقبوه، وخربوا حيطانه مما يلي المدينة مع قطعة من سور المدينة من ناحية باب العراق.
وثبت سبكتكين على الحصار مدة سبعة أشهر، واستنصر الفريقان، ونفد ما مع آل مرداس من المال، ووقع المرض في القلعيين فأفناهم، وأيس الباقون من نفوسهم فجنحوا إلى التسليم واصطلحوا على شروط منها أن لا يعرض لأحد من القلعيين بمساءة، وانتظم الأمر وسلمها سبكتكين بجميع ما فيها بعد أن أخذ لنفسه ثلاثين ألف دينار، ولورثة الدزبري اثنين وثلاثين ألف دينار.
واستقر ملك حلب لمعز الدولة أبي العلوان ثمال بن صالح بن مرداس، ووصله تشريف من المستنصر في سنة ست وثلاثين. ودرت الأرزاق في أيامه على الناس، وأحسن السيرة معهم، وجاد بالعطاء.
وظهر في أيامه ببعلبك رأس يحيى بن زكريا في حجر منقور فنقل إلى حمص ثم إلى حلب، فوضع بمقام إبراهيم ﷺ بقلعة حلب في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
[ ١٤٧ ]
وكان ثمال لما طاول حصار قلعة حلب قد رغب إلى تدورا ملكة الروم، وسير رسولًا يلتمس نصرتها وإعانتها وانتماءه إليها، فرتبت ثمالًا ماخسطرس على حلب، ومقلد ابن عمه بسطرخس، وجعلت له واجب الماخسطرية عن حلب، ورتبت صالح ابن ثمال، ومنيع بن مقلد، ومحمود بن نصر، وعطية وحسنًا أخوي ثمال، بطارقة. ورتبت السيدة علوية أم محمود بطريقة، وأطلقت لجماعتهم واجبات هذه المراتب، وسيرت إليهم هدايا كثيرة،
وشرطت على ثمال أن يحمل في كل سنة ما كان يحمله أخوه نصر، على الشروط المشروطة عليه.
وكان المستنصر قد وقع لثمال بحلب على أن يحمل إليه جميع ما بقلعتها من المال على ما ذكرناه فلما استولى ثمال على حلب حمل إلى المستنصر من ذلك مائتي ألف دينار وأفرد برسم عمارة القلعة ومساكنها ومصانعها خمسة وسبعين ألف دينار وإقامة العوض عما استنقد من العدة وهلك من أصحاب الأسلحة باستعمالها والابتذال لها في الحرب ثلاثين ألف دينار، وما أخذه من آلات ذهب وفضة وغيرها خمسة عشر ألف دينار.
فلما علم المستنصر بذلك شق عليه ذلك، ووقعت الوحشة بينه وبين معز الدولة ثمال، فعصى ثمال على المستنصر، فسير المستنصر إليه إلى حلب الأمير ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، ومعه عبد العزيز ابن حمدان، وشجاع الدولة بن كليد.
وكان ناصر الدولة بن حمدان قد ولي دمشق من قبل المستنصر بعد الدزبري، فوصلوا إلى حلب بعد أن فتحوا حماة ومعرة النعمان، في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، فطاف بحلب ولم ينزل بها فخرج أهل حلب لقتاله، فهزمهم واختنق منهم في الباب على ما يقال سبعة عشر ألف نفس
وعاد ناصر الدوله فنزل بصلدي قرية قريبة من حلب على نهر قويق فجاءهم سيل في الليل لم يسمع بمثله، فغرق أكثر المضارب، وأتلف الرجال، وأهلك
[ ١٤٨ ]
الدواب المشبوحة، فانهزم ناصر الدولة عن حلب إلى دمشق، فقبض عليه الأمير منير الدولة بها، في شهر رجب من سنة أربعين وأربعمائة، وسير إلى مصر. وكان معز الدولة ثمال قد خاف من الحلبيين أن يسلموا البلد إلى أبي محمد بن حمدان حين توجه إلى حلب، فقبض أعيان الحلبيين ومنهم قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة واعتقلهم بالقلعة سنة أربعين، فلما كفي أمر ابن حمدان أطلقهم في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
وقتل معز الدولة منهم الشريف أبا علي محمد بن محمد صالح المحبره بسعاية ابن الأيسر به، دون الباقين، فإن ابن الأيسر صعد إلى مصر رسولًا فتحقق براءة الباقين من تهمة تتطرق إليهم.
ووصل شجاع الدولة بن كليد والي حمص، في سنة أربعين وأربعمائة عائثًا على بلد حلب، فخرج إليه مقلد بن كامل بن مرداس وأبو الوفاء حفاظ المعري، في جمع من الكلابيين ورجالة الحلبيين والفلاحين، فالتقوا بكفر طاب.
ومضى ابن كليد لينهزم، فلحقته بنو كلاب، فقتل في هذه المرة شجاع
الدولة ابن كليد والي حمص، قتله جعفر بن كامل بن مرداس، وحمل رأسه إلى حلب. وكان المنجم رأى أنه يدخل إلى حلب، فدخلها قطعًا، وانهزمت عساكره.
فسار مقلد بن كامل إلى حماة ففتحها بعد أن قاتل حصنها أيامًا، ثم سار إلى حمص ووجد ابن منزو قد أتاها في عسكر من دمشق، فانهزم إلى باطن حمص، وقاتل قتالًا عظيمًا فقل عليه الماء، فخرج ابن منزو إليهم بالأمان.