وكان معز الدولة كريمًا معطاء حليمًا. فمما يحكى من كرمه: أن العرب اقترحوا عليه مضيرة، فتقدم إلى وكليه أن يطبخها لهم، وسأله: كم ذبحت لأجلها؟. فقال: سبعمائة وخمسين رأسًا. فقال: والله لو أتممتها ألفًا لوهبت لك ألف دينار.
واستغنى أهل حلب في أيامه، حتى أن الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة امتدحه بقصيدة، شكا فيها كثرة أولاده، وكان له أربعة عشر ولدًا، قال فيها:
جنيت على نفسي بنفسي جناية فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري
عداد الثريا مثل نصف عدادهم ومن نسله ضعف الثريا متى يثري
وأخشى الليالي الغادرات عليهم لأن الليالي غير مأمونة الغدر
ولي منك إقطاع قديم وحادث تقلبت فيه تحت ظلك من عمري
وما أنا بالممنوع منه ولا الذي أخاف عليه منك حادثة تجري
ولكنني أبغيه ملكًا مخلدًا خلود القوافي الباقيات على الدهر
[ ١٥٣ ]
فأمر معز الدولة بإحضار شهود، أشهدهم بتمليكه ضيعتين من أعمال حلب ومنبج، مضافتين إلى ما كان له من الإقطاع، فاثرى وحسنت حاله، وعمر بحلب دارًا وكتب على روشنها:
دار بنيناها وعشنا بها في نعمة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا علي للأيام من باس
قل لبني الدنيا إلا هكذا فليفعل الناس مع الناس
فكتب معز الدولة له دارًا إلى جانب داره، وهي الآن لبعض السراف بحلب بالبلاط، تجاه المسجد، والدار التي بناها إلى جانبها مقابل حمام الواساني.
ومما يحكى عن معز الدولة: أن فراشًا من جملة الحفدة، صب يومًا من الأيام على يده ماء بإبريق كان في يده، فصادفت أنبوبة الإبريق بعض ثنيته،
فكسرتها وسقطت في الطست، فهم به الغلمان فمنعهم، وأمر برفعها، وعما عنه، فقال ابن أبي حصينة:
حليم عن جرائمنا إليه وحتى عن ثنيته انقلاعا
ولما اتسع الرزق على معز الدولة، ولم يبق له عدو يقصده، اضطرب عليه بنو كلاب، وامتدت أعينهم إلى ما في يده، واستقلوا ما كان يصل منه إليهم، وأكثروا في العنت له، وقالوا: لولانا ما صرت إلى ما صرت إليه، وما أنت بأحق منا بذلك، فينبغي أن تفرضه على جميعنا.
وأوجب الزيادة في ذلك أن معز الدولة في سنة تسع وأربعين، سلم الرقة والرافقة إلى منيع بن شبيب بن وثاب النميري، لأئها كانت لأبيه وكانت عمته السيدة زوجة معز الدولة وكانت قبله عند أخيه شبل الدولة، فولدت له محمود بن نصر وهي التي أخذتها من غلمان أبيها، على ما ذكرناه، فأعادها إلى منيع، فكثر اشتطاط بني كلاب وفسادهم.