فلما وصل دلوك يريد الإدراب، كتب إليه عامله بحلب يخبره بوفاة
السفاح وبيعة المنصور فرجع من دلوك، وأتى حران، ودعا إلى نفسه، وزعم أن السفاح جعله ولي عهده.
وغلب على حلب، وقنسرين، وديار ربيعة ومضر، وسائر الشام. ولم يبايع
[ ٣٣ ]
المنصور. وبايعه حميد بن قحطبة وقواده الذين كانوا معه. وولى على حلب زفر بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي أبا عبد الله، في سنة سبع وثلاثين مائة.
فسير المنصور أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة لقتال عبد الله بن علي، فسير عبد الله حميد بن قحطبة، وكتب له كتابًا إلى زفر بن عاصم إلى حلب، وفيه: " إذا ورد عليك حميد فاضرب عنقه ". فعلم حميد بذلك، فهرب إلى أبي مسلم الخراساني، خوفًا من عبد الله.
ثم سار أبو مسلم إلى عبد الله بن علي، فالتقيا، وانهزم عبد الله وعبد الصمد أخوه معه، فسار أبو مسلم خلفه فوصل إلى الرقة وأخذ منها أموال عبد الله، وتبعه رصافة هشام فانهزم عبد الله إلى البصرة، وتوارى عند أخيه سليمان بن علي، فأخذ له أمانًا من المنصور، وسيره إليه، فحبسه إلى أن سقط عليه الحبس، فمات.
وقبض أبو مسلم على عبد الصمد بن علي، بالرصافة، وأخذ أمواله، وسيره إلى المنصور، فأمنه وأطلقه.
وورد كتاب المنصور على أبي مسلم بولاية الشام جميعه، وحلب وقنسرين، وأمر أن يقيم له في بلاده نوابًا، ففعل أبو مسلم ذلك.
وسار إلى المنصور، فالتقاه في الطريق يقطين بن موسى، وقد بعثه المنصور إليه لإحصاء جميع ما وجدوا في عسكر عبد الله بن علي. فغضب أبو مسلم وقال: أنكون أمناء في الدماء وخونة في الأموال؟. ثم أقبل وهو مجمع على خلاف المنصور. فاستوحش المنصور منه، وقتله في سنة تسع وثلاثين ومائة.
ولما عاد أبو مسلم من الشام ولي المنصور حلب وقنسرين وحمص صالح بن علي بن عبد الله بن العباس سنة سبع وثلاثين ومائة، فنزل حلب، وابتنى بها خارج المدينة قصرًا بقرية يقال لها بطياس بالقرب من النيرب،
وآثاره باقية إلى الآن. ومعظم أولاده ولدوا ببطياس. وقد ذكرها البختري وغيره في أشعارهم.
وأغزى الصائفة مع ابنه الفضل في سنة تسع وثلاثين ومائة بأهل الشام، وهي أول صائفة غزيت في خلافة بني العباس. وكانت انقطعت الصوائف في أيام بني أمية قبل ذلك بسنين.
[ ٣٤ ]
وظهر في سنة إحدى وأربعين ومائة قوم يقال لهم الراوندية، خرجوا بحلب وحران. وكانوا يقولون قولًا عظيمًا. وزعموا أنهم بمنزلة الملائكة. وصعدوا تلا بحلب، فيما قالوا ولبسوا ثيابًا من حرير وطاروا منه فتكدوا وهلكوا. ودام صالح في ولاية حلب إلى أن مات في سنة اثنتين وخمسين ومائة.
ورأيت فلوسًا عتيقة، فتتبعت ما عليها مكتوب فإذا أحد الجانبين مكتوب عليه: ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة ست وأربعين ومائة. وعلى الجانب الآخر: " مما أمر به الأمير صالح بن علي أكرمه الله ".
ولما مات صالح بن علي تولى حلب وقنسرين بعده ولده الفضل بن صالح، واختار له العقبة بحلب، فسكنها وأقام بحلب واليًا مدة. ثم ولى المنصور بعد موسى بن سليمان الخراساني. ومات المنصور سنة ثمان وخمسين،
وموسى على قنسرين وحلب. ورأيت فلوسًا عتيقة فقرأت عليها: " ضرب هذا الفلس بقنسرين سنة سبع وخمسين ومائة ". وعلى الجانب الآخر: " مما أمر به الأمير موسى مولى أمير المومنين ".