وولي الخلافة الراضي بعد القاهر. وكان الراضي قد خاف على بدر الخرشني من الحجرية أن يفتكوا به، فقلده حلب وأعمالها، وهي بيد طريف سنة أربع وعشرين، وأمره بالمسير من يومه. فسار وبلغ طريف، فأنفذ صاحبًا له إلى ابن مقلة، وبذل له عشرين آلف دينار ليجدد له العهد، وأن لا يصرف من حلب ووصل الخرشني فدافعه طريف، رجاء أن يقضي ابن مقلة وطره، فزحف بدر
[ ٥٩ ]
الخرشني، والتقى طريف في أرض حلب، فانهزم طريف من بين يديه.
وتسلم بدر حلب، وأقام بها مدة يسيرة ثم كوتب من الحضرة بالإنصراف فرجع إلى الحضرة، وقفد طريف حلب مرة ثالثة، فقلد طريف السبكري من جهته حلب والعواصم فأقام بها إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكان قاضي حلب عبيد الله بن عبد الرحمن ابن أخي الإمام.
ثم ولي حلب أبو العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي، ومدحه أبو بكر الصنوبري، وكان بها نائبًا عن أبي بكر الإخشيذ محمد بن طغج بن جف في غالب طني فإن الإخشيذ استولى على الشام إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وفي ولاية أبي العباس الكلابي، وردت بنو كلاب إلى الشام من أرض نجد، وأغارت على معرة النعمان، فخرج إليهم والي المعرة معاذ بن سعيد بجنده، وتبعهم إلى البراغيثي، فعطفوا عليه، وأسروه وأكثر جنده. وأقام فيهم مدة يعذبونه، فخرج إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي والي حلب، فخلصه منهم. وكان ورودهم في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.
ثم إن الراضي قدم الموصل، وكان أبو بكر محمد بن رائق ببغداد، وبينه وبين بجكم وحشة، فأنفذ الراضي أبا الحسين عمر بن محمد القاضي إلى أبي
[ ٦٠ ]
بكر محمد بن رائق يخيره في أحد البلدين واسط أو حلب وأعمالها، فاختار حلب، وأراد بذلك البعد عن بجكم. فأجابه الراضي إلى ذلك، وخلع عليه أبو جعفر وأبو الفضل ابنا الراضي وعقدا له.
وجعل بجكم يحث الراضي على الوصول إلى بغداد، ويتأسف على خروج ابن رائق منها ليشفي غيظه، فقال له الراضي: هذا لا يصلح، وهذا رجل أمنته، وقلدته ناحية من النواحي، فسمع وأطاع وما أمكنك منه.
فخرج أبو بكر بن رائق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وقيل: دخل حلب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وسار عنها إلى قتال الإخشيذ محمد بن طغج بن جف الفرغاني، وولى في حلب نيابة عنه خاصة محمد بن يزداذ.