فلما قتل الأمين وبويع المأمون ولي حلب والشام جميعه طاهر بن الحسين، وجعل إليه حرب نصر بن شبث فتحصن بكيسوم فقصده طاهر فلم يظفر به ولقيه، فكسر طاهر وعاد مفلولًا وذلك في سنة ثمان وتسعين ومائة. ثم أضاف إليه ولاية مصر وإفريقية في سنة أربعة ومائتين. ثم ولاه خراسان سنة ست. وولي ابنه عبد الله مصر والشام جميعه، وأمره بمحاربة نصر بن شبث في سنة ست ومائتين.
وتوفي طاهر بخراسان سنة سبع ومائتين، فأضاف المأمون ولايته إلى ابنه عبد الله مع الشام. فسار عبد الله بن طاهر إلى الشام من الرقة واحتوى على الشام جميعه. وهدم سور معرة النعمان. وهدم معظم الحصون الصغار مثل
حصن الكفر وحصن حناك وغير ذلك. ونزل بكيسوم وبها نصر بن شبث فحصره إلى أن ظفر
[ ٣٩ ]
به، وخرج إليه بأمان. وخرب حصن كيسوم بعد وقائع كثيرة جرت بينه وبين نصر ابن شبث، وسار إلى مصر، وذلك كله في سنة تسع ومائتين.
ولما فتح مصر فى سنة إحدى عشرة ومائتين كتب المأمون إليه:
أخي أنت ومولاي ومن أشكر نعماه
فما أحببت من أمر فإني الدهر أهواه
وماتكره من شيء فاني لست أرضاه
لك الله على ذاك لك الله لك الله
ودامت ولاية عبد الله بن طاهر إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين، ووجهه المأمون إلى خراسان، وعزله عن الشام، وولى ابنه العباس بن المأمون حلب وقنسرين والعواصم والثغور، وأمر له بخمسمائة آلف دينار في سنة ثلاث عشرة ومائتين ثم ولاها المأمون إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بن زريق وعزل ابن العباس في سنة أربع عشرة ومائتين. ثم إن المأمون عزل إسحاق بن إبراهيم في هذه السنة وولاه مصر وأعاد ابنه العباس إليها ثانية.
ثم ولى المأمون حلب وقنسرين ورقة الطريفي وأظنه مع العباس
وكانت لورقة حركة أيام الفتنة.
فلما قدم المأمون حلب للغزاة ونزل بدابق، في سنة خمس عشرة ومائتين، لقيه عيسى بن علي بن صالح الهاشمي فقال له: يا أمير المؤمنين أيلينا أعداؤنا في أيام الفتنة وفي أيامك. فقال: " لا ولا كرامة. فصرف ورقة.
وولي عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ولده العباس فيما أرى، فوجد عنده
[ ٤٠ ]
من الكفاية والضبط وحسن السيرة ما أراد فقدمه وكبر عنده وأحبه. وكان المأمون كلما غزا الصائفة لقيه عيسى بن علي بالرقة ولا يزال معه حتى يدخل الثغور ثم يرد عيسى إلى عمله.
وولى المأمون في سنة خمس عشرة ومائتين قضاء حلب عبيد بن جناد بن أعين مولى بني كلاب، فامتنع من ذلك، فهدده على الامتناع فأجاب.
ثم ولى المأمون عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح لما غزا الصائفة في سنة ثمان عشرة ومائتين العواصم. وفيها مات المأمون وإنما وليها عبيد الله عن العباس بن المأمون في غالب ظني فإن العباس ولي حلب وقنسرين والجزيرة من سنة أربع عشرة ومائتين إلى أن توفي أبوه المأمون بالبدندون من أرض طرسوس.