وتولى الخلافة ولده أبو محمد، ولقب بالمكتفي، فصرف الحسن بن علي
كوره عن ولايته، وولى حلب أحمد بن سهل النوشجاني، في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين. ثم صرفه عنها سنة تسعين ومائتين.
وولى حلب في هذه السنة أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي، ووجهه إليها لمحاربة القرمطي صاحب الخال لعنه الله، فإنه كان قد عاث في البلاد وغلب على حمص، وحماة، ومعرة النعمان، وسلمية. وقتل أهلها وسبى النساء والأطفال.
فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس، فأنفذ القرمطي سرية إلى حلب، فخرج أبو الأغر إلى وادي بطنان، فلما استقر وافاه جيش القرمطي، يقدمه المطوق غلامه وكبسهم، وقتل عامة أصحابه وخادمًا جليلًا يقال له بدر القدامي.
وسلم أبو الأغر في ألف رجل، فصار إلى قرية من قرى حلب، وخرج إليه ابنه في جماعه من الرجالة والأولياء، فدخل إلى حلب وأقام القرامطة على مدينة حلب على سبيل المحاصرة.
فلما كان يوم الجمعة، سلخ شهر رمضان من سنة تسعين ومائتين، تسرع أهل مدينة حلب إلى الخروج للقاء القرامطة فمنعوا من ذلك، فكسروا قفل الباب، وخرجوا إلى القرامطة، فوقعت الحرب بين الفئتين، ورزق الله الحلبيين النصر عليهم. وخرج أبو الأغر فأعانهم، فقتل من القرامطة خلق كثير.
وخرج أبو الأغر يوم السبت يوم عيد الفطر إلى المصلى، وعيد بأهل حلب، وخطب الخطيب، وعادت الرعية على حال سلامة، وأشرف أبو الأغر على القرامطة، فلم يخرج منهم أحد إليه، ثم أنهم رحلوا إلى صاحبهم، في سنة ثلاثمائة.
ثم إن المكتفي ولى حلب الحسين بن حمدان بن حمدون عم سيف الدولة،
[ ٥٤ ]
فعاثت عليه العرب من كلب واليمن وأسد وغيرهم فاجتمعوا بنواحي حلب، فخرج للقائهم، في شهر رمضان من سنة أربع وتسعين ومائتين، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب، وجرى بينه وبين القرامطة، في هذه السنة وقعة كسرهم فيها واستأصلهم.
ثم إنه عزل عن حلب، وولي عيسى غلام النوشري، وكان المكتفي قد صار إلى الرقة في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكان وجه بمحمد بن
سليمان صاحب الجيش إلى حلب والشام في عشرين ألف فارس وراجل، لمحاربة الطولونية والقرامطة، وفتح مصر. فقدم محمد بن سليمان حلب في أواخر سنة تسعين، والوالي بها على الحرب عيسى غلام النوشري، فدخلها محمد في أحسن تعبئة وزي. وأقام بها أيامًا وطالب عمال الخراج بحمل المال، وقصده رؤساء بني تميم وبني كلاب.
فأمر عيسى والي حلب أن يستخلف على عمله ويشخص معه إلى مصر فامتثل أمره، واستخلف على حلب ولده، وأتفق في جنده، ورحل في آخر شوال معه. فلما وافى معرة النعمان خلع عليه، وحمله، وولاه بلده إلى حدود حماة، ولقيهم القرامطة بين تل منس وكفر طاب، في عشرة آلاف فارس، فنصره الله عليهم، وانهزموا وقتل الرجالة، وأسر أكثر الخيالة.
وصار محمد بن سليمان إلى مصر، وافتتحها من يد الطولونية، عند قتل هارون بن خمارويه، واستولى على أموالها. ثم ضم إلى طغج بن جف الطولوني أربعة آلاف رجل، وولاه حلب، وأخرجه عن مصر.
فلما صار إلى حلب وجد بها ابن الواثقي، وقد أنفذه السلطان إلى حلب لعرض جيوش الواردين من مصر، وذلك في سنة اثنتين وتسعين
ومائتين. فعرض ابن الواثقي جيشه لما وصل إلى حلب، وأمره بالنفوذ إلى بغداد، فرحل حتى وافى مدينة السلام.
[ ٥٥ ]
وكذلك ورد حلب جماعة من القواد الطولونية، فعرضهم وتوجهوا إلى بغداد.
ووافى وصيف البكتمري وابن عيسى النوشري صاحب حلب بغداد، يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ومعهما طغج، وأخوه، وابن لطغج، فخلع عليهم وطوق منهم البكتمري وابن عيسى النوشري.
ثم شخص عيسى النوشري عن مصر إلى حلب، لأنه كان واليها. فلما كان بعد شخوصه إليها بأيام، ورد كتاب العباس بن الحسن الوزير بتولية عيسى النوشري مدينة مصر، ويؤمر محمد بن سليمان بالشخوص إلى طرسوس للغزو. فوجه محمد ابن سليمان من لحق عيسى بالرملة فرده، وورد إلى عيسى كتاب من السلطان بذلك فعاد واليًا على مصر.
وولى المكتفي في هذه السنة أبا الحسن ذكا بن عبد الله الأعور، حلب، ودام بها إلى سنة اثنتين وثلاثمائة. وكان كريمًا يهب ويعطي وإليه تنسب دار ذكا التي هي الآن دار الزكاة. وإلى جانبها دار حاجبه فيروز فانهدمت وصارت تلا يعرف بتل فيروز فنسفه السلطان الملك الظاهر ﵀ في أيامه، وظهر فيه بقايا من الذخائر مثل الزئبق وغيره وهو موضع سوق الصاغة الآن. ولأبي بكر الصنوبري الشاعر فيه مدائح كثيرة.
وعاد محمد بن سليمان إلى حلب، ووافاه مبارك القمي بكتب يؤمر فيها
بتسليم الأموال، وركب إليه ذكا الأعور صاحب حلب، وأبو الأغر وغيرهما. فاختلط بهم وسار معهم إلى المدينة، فأدخلوه إلى الدار المعروفة بكوره، بباب الجنان، ووكلوا به في الدار.
وشخص ذكا عن حلب لمحاربة ابن الخلنج مع أبي الأغر إلى مصر ووجه بمحمد بن سليمان مقبوضًا إلى بغداد.