وأرسل ابن عمه مقلد بن كامل بن مرداس إلى ملك الروم، يسأله أن لا يقصده، ويحمل إليه من القطيعة ما كان يحمله أولاد سيف الدولة إلى باسيل، فأبى واعتقل مقلد بن كامل عنده، فحين تحقق رجوع نصر عن رأيه الأول جبن وضعف عن منازلة حلب.
وسار من أنطاكية إلى قيبار في بضعة عشر يومًا، وكسرت سرية له عرب حلب، وكانوا قد طاردوا عسكر الروم، فاستظهر الروم عليهم، وكان معه ملك
[ ١٣٦ ]
البلغر، وملك الروس، والأبخاز، والخزر، والأرمن والبجناك، والأفرنج.
ونزل الملك بجيوشه على تبل قريبًا من الجبل، في موضع بعيد عن الماء، وضرب على عسكره خندقًا، وكانت أمواله على سبعين جمازة، وكان قدر موضع عسكره لمن يدور حوله مقدار يوم في يوم للمجد الراكب على فرس.
ولقيه في طريقه أبو علوان دفاع بن نبهان الكلابي في خيل قليلة، فنال من سرياه كل ما طلب، وأرسل الملك سرية فيها صناديد عسكره إلى عزاز،
فلقيتها بنو كلاب، فظفروا بها، وقتلوا بطارقها، وأسروا جماعة من أولاد الملوك الذين معهم، وجسرت عليهم بنو كلاب، فحاصروهم في الموضع الذي نزلوا فيه.
ولقد أخبر بعض من شاهدهم أن مقثاوة كانت قريبة من العسكر بمقدار رمية سهم، وأن الروم لم يقطعوا منها قثاءة واحدة، خوفًا من العرب أن تتخطفهم.
ولما كسرت السرية التي أرسلها الملك أجمع رأيه على العود إلى بلاده، واعتذر قائلًا: لولا عطش عسكري لبلغت مرادي.
وهجم نصر والعرب على سوق الملك فنهبوه، وتأخر رحيل ملك الروم من منزلته ثلاثة أيام.
وأقبل شبل الدولة نصر في تسعمائة وثلاثة وعشرين فارسًا، وقيل في سبعمائة فارس، فحين أشرف على الروم ظنوا أنها كبسة فانهزموا، ومنح الله أكتافهم يوم الاثنين لسبع ليال خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين.
ونزع ارمانوس الملك خفه الأحمر لئلا يعرف، ولبس خفا أسود ولا يلبس الخف الأحمر عندهم إلا الملك وهرب. وأخذ شبل الدولة تاجه وبلاطه ولباده، وهرب في أرمن كانوا معه حموه بالسهام.
[ ١٣٧ ]
وأخذ الروم الطريق إلى الجبل منهزمين وطلعوا فيه، وحصلوا في بلد
قورس، وكان للروم. ولحق بعضهم ولم يبق مع الملك إلا القليل. وقتل المسلمون من بطارقته وغيرهم ما لا يحصى، وأسروا من أولاد الملوك وغيرهم كذلك، واشتغل الناس بالنهب، وأخذوا من الدواب والثياب والديباج والأمتعة وآلات العسكر ما لا يوصف.
وذكر أن طائفة من بني قطن من نمير وردت عند الهزيمة، فأخذت ثقل الملك نحوًا من ثلاثمائة بغل محملة، حتى أنهم تقاسموا الدنانير الأرمانوسية بالقصعه، فحصل لكل واحد منهم ثماني عشرة جفنة.
وكان ملك الروم لما رحل طرح النار في المنجنيقات والعرادات والتراس، ونهب الناس منها ما أبقته النار، حتى أن أكثر سقوف بلد حلب جعلت التراس عليها عوض الدفوف.
وقيل: إن الناس بحلب باتوا على السور قبل الوقعة بيوم، وفيهم ابن نمير العابد، فبات يصفي على السور، وسجد في آخر الليل، فنام وهو ساجد، فرأى في منامه عليًا ﵇ راكبًا، ولباسه أخضر، وبيده رمح، وهو يقول له: " ارفع رأسك يا شيخ، فقد قضيت حاجتك. فانتبه بقوله فحكى للناس ذلك، فتباشروا به. وحكي عن مرتضى الدولة إنه قال، " استدعاني أرمانوس في آخر تلك
الليلة التي رأى ابن نمير تلك الرؤيا فيها، فقال لي: لكم بحلب راهب. فعلمت أنه يعني أبن نمير، فقلت: نعم، فقال: صفه لي، فوضفته، وحليته، فقال لي: رأيت هذا الرجل بعينه في هذه الساعة، وكأني قد أشرفت على سور هذه المدينة، وهو قائم عليه يومىء إلي بيده ويقول: ارجع، فما تصل إلى هذا البلد. وتكرر ذلك، ولا أرى أنه يتم فيه شيء. فلما كان من غد كسرت السرية التي أرسلها الملك إلى عزاز، ثم كانت الوقعة والهزيمة بعد ذلك.
وقد ذكرنا عن ابن نمير نحوًا من هذه الحكاية، عند منازلة ملك الروم حلب.
وحكى بعض الكتاب بحلب: إنه كان في خدمة وثاب بن محمد بن نصر، عند
[ ١٣٨ ]
تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، وهو في نوبتيه على ظاهر حماة، فخلع على وثاب فرجية وشق، وقال: " هذه مباركة أخذها أبي السلطان ألب أرسلان من ديوخانس ملك الروم لما كسره.
قال: فاستدعى وثاب قحف مينا ظاهرًا وباطنًا، وقال: " هذا يا مولانا مبارك نشرب به لأن جدي نصرًا أخذه من الملك أرمانوس بناحية عزاز ". فقال تاج الدولة: " يا وثاب لم يكن بد من مساواتي في الافتخار. فقال، " لا بل عزفت مولانا كبر بيتي، وإنني له كبعض العبيد الصغار. فقال له بالتركي: بل أنت أخي الكبير. فقام وثاب، وقبل الأرض قدام السرير، فزاد في إقطاعه، وخلع وحمله على مركوبه.
وقيل: إن ثمالًا ونصرًا حقد عليهما ملك الروم ما جرى منهما على ميخائيل بناحية قيبار، فخرج بنفسه، فسيرا ابن عمهما مقلد بن كامل يبذلان له الطاعة والخدمة، وكان قد سير إليهما يسومهما تسليم حلب، ويقول إنه يخاف أن تتم عليهما حيلة فتخرج حلب من أيديهما وعرض عليهما عوضًا عنها ما اختاراه، فاعتقلا رسوله انتظارًا لما يرد من جواب رسالتهما.
فبلغه ذلك فاعتقل مقلد بن كامل، وخرج بنفسه، فأخرجا حرمهما من حلب إلى البرية خوفًا منه، حتى كان من أمره ما ذكرناه، وكان ثمال في القلعة يحفظها، ونصر باشر القتال.
فلما عاد ملك الروم سار نصر وثمال لاحضار حرمهما، فسبق نصر إليها، واستولى عليها، وعوض ثمالًا بوساطة من توسط بينهما الرحبة وبالس ومنبج وأعمالها.
وخرج بعد هذه الكسرة قطبان أنطاكية الخادم المعروف بنقيطا وتفسيره بالعربية الدويك في خلق عظيم، فعاث في البلد العربي، وأفسد، وفتح حصن المنيفة، وهجم رفنية، وسبى عشرة آلاف من أهلها، ونقض أبرجة سورها في سنة
[ ١٣٩ ]
إحدى وعشرين، وفتح في سنة اثنتين حصن بني الأحمر، وحصن بني غناج، وغير ذلك من الحصون وخربها.
فراسله شبل الدولة ولاطفه إلى أن صالحه، وجعله سفيرًا بينه وبين ملك الروم في طلب الهدنة، فاستقر أن يحمل نصر في كل سنة إلى ملك الروم دراهم خمسمائة ألف درهم، في نجمين من السنة، قيمتها ثمانية ألاف مثقال ذهب.
وأطلق الملك مقلد بن كامل بن مرداس رسول نصر، وأعطاه صليبًا من ذهب مرصعًا أمانًا لنصر، ووفاء بالشرط.
وسير شبل الدولة نصر شيخ الدولة أبا الحسن بن الأيسر إلى الظاهر بمصر، وحمل إليه هدية من جملة ما غنمه من الروم، من الثياب، والصياغات، والأواني، والألطاف الكثيرة. وقاد في صحبته نحو مائة وخمسين رأسًا من الدواب، خيلًا وبغالًا ووقع فعله عندهم أحسن موقع. وقام أبو الحسن الجرجرائي بتمهيد أمره. وأقام ابن الأيسر إلى أن توفي الظاهر، فخلع المستنصر على ابن الأيسر، وسير معه خلعًا لنصر بن صالح، ولفبه مختص الأمراء، خاصة الأمامة، شمس الدولة ومجدها، ذو العزيمتين.
وفي أيام نصر اجتمع بجبل السماق قوم يعرفون بالدرزية منسوبون إلى رجل خياط أعجمي، وجاهروا بمذهبهم، وخربوا ما عندهم من المساجد، ودفعوا نبوة الأنبياء، وجحدوهم إلا الإمام الحاضر الذي يدعو إليه الدرزي،
وأحلوا نكاح المحارم، وتفاقم أمرهم، وتحصنوا في مغاير شاهقة على العاصي، وانضوى إليهم خلق من فلاحي حلب، وطمعوا بالاستيلاء على البلاد.
[ ١٤٠ ]
فخرج إليهم نقيطًا قطبان أنطاكية، وحاصرهم في المغاير، ودخن عليهم، وساعده على ذلك نصر بن صالح صاحب حلب، ثم التمسوا الأمان بعد اثنين وعشرين يومًا، فأخرجوهم بالأمان، وقبضوا على دعاتهم وقتلوهم، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
وفي هذه السنة استوحش سالم بن مستفاد الحمداني من شبل الدولة نصر، وكان صالح بن مرداس قد ولاه رئاسة حلب بعد ما سلمها إليه، وقدمه على الأحداث، وأبقاه نصر بعده على حاله إلى هذا التاريخ واستقر عليه أحداث حلب ورعاعها ولبسوا السلاح، وعولوا على محاربة القلعة.
وكان يتردد بين سالم وبين شبل الدولة كاتب نصراني يعرف بتوما وكان يحرف ما ينقله عن ابن مستفاد إلى نصر، ويزيد في التجني، ويسوم شططًا لا يمكن إجابته إليه، وذلك من غير علم ابن مستفاد.
فلما رأى شبل الدولة نصر كثرة تعديه حمل نفسه على محاربته، وركب إليه، فلما رآه الحلبيون دعوا له وانقلبوا إليه، وقاتلوا دار ابن مستفاب، فطلب الأمان فحلف له أنه لا يجري له دمًا وحبسه بالقلعة، ونهبت داره، ثم خاف استبقاءه فقتله خنقًا، ليخرج عن يمينه بأنه لم يجر له دمًا.
وتبين لنصر بعد قليل كذب ذلك النصراني الكاتب، وما كان يحرفه في رسالته فقبض عليه، وطالبه بمال، فلما استصفى ماله دخل عليه بعض أجناد القلعة فخنقه في ذي القعدة. وقيل ذي الحجة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة.