كان (حضر الجزائر) أحفاد العرب الأندلسيين يشكلون فئة تمتلك بعض الثراء، وكانوا في العهد التركي يحتلون سياسيا المرتبة الثالثة بعد الأتراك والكراغلة (من أب تركي وأم جزائرية) وكانوا يملكون الأراضي في سهل متوجه (متيجة) وبعض الممتلكات في مدينة الجزائر ذاتها حيث يمارسون أعمال التجارة، وكانوا غالبا راضين بوضعهم ولا يطمحون للمناصب السياسية، ولو أن بعضهم تقلد مناصب القضاء والإفتاء والكتابة ونحوها من الأعمال التي تتطلب ثقافة عالية. وعندما بدأ الإفرنسيون في (فرز) عناصر المجتمع الجزائري تمهيدا لتمزيقه، صنفوا طبقة (حضر الجزائر) على أنها منافسة وساخطة على الأتراك. وهكذا وجهوا أنظارهم إلى هذه الطبقة التي لم تعارض مبدأ التعاون المشروط مع الإفرنسيين الذين عملوا بمجرد الاستيلاء على مدينة الجزائر، على تنحية الأتراك وإسناد بعض مناصبهم لهؤلاء الحضر، فتولى بعضهم مركز (آغا العرب) مثل حمدان بن أمين السكة، وأصبح بعضهم بايا على التيطري (مصطفى بن عمر) وتم تعيين (أحمد بوضربة) رئيسا لأول مجلس بلدي لمدينة الجزائر. ولكن فئة (حضر الجزائر.) اكتشفت
[ ٣ / ٩٦ ]
بسرعة أنها كانت مخطئة في اعتقادها بأن فرنسا ستعوض حكم الأتراك بحكم محلي تكون طبقة الحضر في موقع قيادته. وعرف أفراد هذه الفئة أن فرنسا قد جاءت لتبقى، وأن أموالهم وأراضيهم قد صودرت لمصلحة الإدارة الإفرنسية، وأن مساجدهم وزواياهم ومساكنهم قد احتلت من الجيش الإفرنسي، أو دمرت من أجل إقامة الساحات العامة والمسارح والمستشفيات العسكرية أو تحولت إلى كنائس. حتى أن أملاك (مكة والمدينة) التي كانت مؤسسات خيرية للفقراء وطلبة العلم قد استولى عليها الإفرنسيون، وأصبح ريعها يذهب مباشرة إلى خزينة الإدارة الإفرنسية. وأثناء ذلك كان أعيان هؤلاء (الحضر) يعملون لصالح فكرة (الحكم الإسلامي) سواء لدى السلطات الإفرنسية، أو في اتصالاتهم مع الباشا حسين (داي الجزائر السابق) أو مع باي قسنطينة (الحاج أحمد). وعند ذلك كشفت السلطات الإفرنسية عن أهدافها، فعملت على عزل أو طرد أو نفي أولئك الذين قبلوا التعاون معها بحجة (عدم قيامهم بواجبهم تجاه الدولة) أو (التآمر لاستعادة الحكم الإسلامي) أو (الانضمام إلى فئة الثوار). وزاد نفور (حضر الجزائر) بما أقدمت عليه السلطات الإفرنسية من (غدر بعهود الأمان) ومن (ذبح للقبائل المسلمة والمسالمة بكاملها، مثل قبيلة العوفية) ومن (أسر للمرابطين كرهائن - على نحو ما فعلته مع مرابطي القليعة) ومن (مطالبة بخمسين شابا من كبار العائلات في المدينة لحملهم كرهائن إلى باريس). وأمام هذه الوقاقع، التجأ (حضر الجزائر) إلى طرائق متنوعة للتعبير عن غضبهم، وكان أبرز دور لهم هو إثارة ضجيج عالمي لفضح أساليب الاستعمار الإفرنسي في الخارج، والتحريض على الجهاد وإثارة النقمة في الداخل - وكانت حياة (حمدان خوجة)
[ ٣ / ٩٧ ]
هي النموذج الأمثل لهذا الجهاد، إذ أخذ على عاتقه الدفاع عن قضية (الجزائر) وقضية (الإسلام) خلال تلك الفترة من (بدايات المقاومة).
ولكن إذا لم يكن باستطاعة (حضر الجزائر) تجاوز هذه الحدود في المقاومة، وهي حدود مثمرة ومفيدة على كل حال إذ أنها أسهمت بوضع حجر الأساس للصراع السياسي اللاحق، فقد كان هناك فوق الثرى الجزائري من لا يزال يمتلك القدرة لحمل السلاح. وكان (المرابطون) هم الطليعة الأولى، حيث كانوا يجمعون بين مضمون (الجهاد) وبين الهدف (السياسي). وكان هؤلاء المرابطون يضمون أصالة الجزائر الإسلامية ويمثلونها أصدق تمثيل. فكان فيهم عرب الصحراء - البادية - والفلاحين وشيوخ القبائل ورجال الدين، وكلهم متفقون على الاستمرار في المقاومة وحصار الجيش الإفرنسي في حدود (مدينة الجزائر، وعدم السماح له بتجاوز حدودها. فكان من الطبيعي أن يكون سكان سهل المتوجة - (متيجة) (١) هم أول من يصطدم بقوات الإفرنسيين.
_________________
(١) سهل متيجة: (كلمة متيجة هي تحريف للكلمة العربية - متوجة - بضم الميم وفتح التاء والراء والجيم) وقد أطلق اسم (سهل متيجة) على السهل الذي تحيط به الجبال وتتوجه من أغلب جهاته. وهو عبارة عن سطح مستو ومنبسط حوضي ومنخفض طولي في كل جهاته الغربية، ومفتوح نحو البحر في جهاته الشرقيه، تقرب مساحته من (١٣٠) ألف هكتار. يبلغ طوله من وادي الناطور في الغرب إلى وادي بودواو في الشرق نحو المائة كيلومتر، ويختلف عرضه في الأطراف الغربية والشرقية عنه في الوسط، إذ هو عريض في الوسط حيث يبلغ ١٨ كيلومتر، وهي المسافة الفاصلة بين قرية الأربعاء الواقعة عند أقدام جبل الأطلس وبين مدينة الحراش الواقعة عند أقدام تلال الساحل أو في الأطراف الشمالية لسهل متيجة. ويقل هذا العرض إلى (١٠) كيلومترات في الأطراف الشرقية والغربية ويضم السهل مجموعة كبيرة من المدن والقرى، أشهرها البليدة والقليعة =
[ ٣ / ٩٨ ]
وكانت هناك حوالي اثنتي عشرة قبيلة منتشرة في سهل متيجة، لكل قبيلة منها مشيختها أو زعامتها، ولكل قبيلة منطقتها - أو وطنها - وعلى كل وطن قائد، فكان هناك على سبيل المثال وطن (بني خليل) وعلى رأسه الشرقي، وكان هناك وطن (بني موسى) وعلى رأسه (أوشفون) وكان هناك وطن (الخشنة) وعلى رأسه (العمري)، وكذلك وطن (الست) وعلى رأسه (عبد الوادي) وكذلك أيضا (شرشال) التي اعترفت بالبركاني شيخ بني مناصر زعيما لها. وكذلك (القليعة) التي كانت تخضع لعائلة (ابن المبارك) وهو مرابط له سمعة واسعة. وكانت مدينة (البليدة) هي عاصمة (سهل المتوجة) أو (المتيجة). وعندما شعرت هذه القبائل، والمدن المجاورة بالخطر، تحالفت، وقررت المقاومة، ومن ثم ابتدأت سلسلة من الاصطدامات مع العدو، وتحولت شيئا فشيئا إلى ثورة عامة. وظهر خلال هذه الثورات زعماء مارسوا دورا أساسيا وبارزا خلال السنوات الأولى (من ليل الاستعمار الطويل). وقد يكون من الصعب الإحاطة بكافة الظواهر الثوروية خلال تلك الحقبة الحافلة بكل ظواهر الاضطراب، غير أنه ليس من العسير استقراء بعض تلك الظواهر.