كان الكاردينال الإسباني (خمينيس) يتابع هذه الفترة تجهيز حملته الكبرى للقضاء على المسلمين في المغرب، وما أن أكمل استعداداته حتى أبحر من مرسى قرطاجنة الإسباني في يوم (١٦ أيار - مايو - ١٥٠٩) وهو يدفع قوة من (١٥) ألف مقاتل بقيادة (بطرس النافاري) ووصلت هذه الحملة إلى المرسى الكبير في اليوم التالي. ونزلت إلى البر دون أدنى عائق. وكان (حاكم المرسى الكبير) قد اتخذ كل الاستعدادات لمساعدة هذه الحملة، لا من أجل النزول في المرسى فحسب، وإنما أيضا من أجل بلوغ هدفها في (وهران) وذلك عندما تمكن من شراء ذمة قابض المكوس العام لمدينة وهران (اليهودي
_________________
(١) المغطسين: (MOGATEZES) وهي مقابلة للكلمة التي أطلقها المسلمون في الجزائر على الخونة المتعاونين مع الاستعمار الإفرنسي فيما بعد والتي عرفت (بالبيا عين).
[ ١ / ٦٥ ]
اشطورا) (١) من أجل مساعدة قوات الحملة الإسبانية على احتلال مدينة (وهران).
واستعد المجاهدون في وهران للقاء قوات العدو، واصطدموا بهذه القوات في ظاهر المدينة غير أن تفوق الإسبانيين بالقوى أرغمهم على العودة إلى المدينة للإفادة من تحصيناتها. وبينما كان المسلمون على الأسوار، كانت القوات الإسبانية تتجمع أمام أحد الأبواب الذي لم يلبث الخونة أن فتحوه فتدفقت جموع المقاتلين كالسيل الجارف تجتاح كل من يعترضها. وانسحب المجاهدون من الأسوار والأبراج للدفاع عن منازلهم، فيما كانت بقية القوة الإسبانية تتدفق من كل أبواب المدينة. ودارت مذبحة رهيبة سقط فيها أكثر من أربعة آلاف مسلم ومسلمة.
وعلى الرغم من ذلك استمرت فلول المجاهدين في مقاومتها لمدة خمسة أيام (حول المسجد الأعظم في حي الفقيه). ولم تتوقف المقاومة حتى قضي على المجاهدين، وانطلقت القوات الإسبانية تقتل وتأسر وتستبيح وتنتهب وتنتهك المحرمات - على مشهد من الكاردينال خمينيس - وبمباركته. وزاد عدد الأسرى الذين استعبدهم الإسبان عن
_________________
(١) كان هذا اليهودي - اشطورا - من مهاجري الأندلس، ومن الذين أنقذتهم عدالة الإسلام - والمسلمون في وهران بالذات - من المحارق الإسبانية. واستخدمه حاكم وهران قابضا عاما للمكوس في وهران. فخان المسلمين لقاء ما قدمه له حاكم (المرسى الكبير) من الأموال الضخمة والتي ساعدته على شراء ضمير القائد الخائن عيسى العريبي والقائد الخائن ابن قانص، اللذين ساعداه على فتح أبواب وهران أمام حجافل الغزاة الإسبان، والدين كافؤوه بعد ذلك بتعيينه لجباية الخراجات البرية والبحرية وتوارثها عنه بنوه (من سنة ٩١٥ - إلى سنة ٩٨٠) حتى ثار عليه النصارى لجوره وظلمه وفسوقه فطردوه من البلاد، (حرب الثلاثمائة سنة ص ١١١ - ١١٦).
[ ١ / ٦٦ ]
ثمانية آلاف، ونهب رجال الحملة ما قدرت قيمته بـ (٤٨) مليون دينار جزائري اقتسمها الجنود. وكان نصيب الكاردينال الموقر من الغنيمة وفيرا، وقد اتجه على الفور لأداء واجبه المقدس، وذلك بتحويل مساجد وهران إلى كنائس، وجعل المسجد الأعظم كاتدرائية (وكتب لمدينة وهران بعد ذلك، أن تبقى تحت ربقة الاستعمار الإسباني حتى سنة ١٧٩٢).
وقد نتج عن انتصار الإسبانيين في وهران مجموعة من التحولات أبرزها:
١ - خضوع بني زيان للإسبانيين، واعتراف (أبو حمو الثالث) بتبعيته وخضوعه للحكم الإسباني وتقديم جزية سنوية مقدارها إثنا عشر ألف دوقة ذهبية (ما يعادل ٢٨٨ ألف دينار جزائري).
٢ - خضوع رجال قبائل (بني عامر) وغيرهم من الأعراب الواقعين ضمن دائرة وهران الإسبانية للحكم الإسباني، وأصبحوا له أعوانا وجنودا وعيونا.