عرف الإفرنج الصليبيون عامة والإسبانيون الكاثوليكيون منهم بصورة خاصة، أن ضعف المسلمين عامة إنما يكمن داخلهم أكثر مما يكمن في قدراتهم وإمكاناتهم. وقد أثبتت تجاراب الصراع في الحروب طويلة الأمد على جبهتي الشرق والغرب، في الشام والأندلس، أن الانتصارات التي أحرزها الصليبيون لم تكن إلا بسبب تمزق العرب
[ ١ / ١٣٧ ]
المسلمين وتشتتهم. ولهذا فقد اعتمد قادة الإفرنج باستمرار على الخداع والتفرقة أكثر من اعتمادهم على قوة السلاح، وإذا ما تم استخدام قوة السلاح، فهو من أجل دعم السلاح الأول وزيادة فاعليته. وهكذا جاء (شارلكان) ليسير على سياسة أسلافه وليعمل على تطويرها، فبث جواسيسه وعملاءه في كل مكان، وأخذ في استثمار التناقضاتة المتوافرة من أجل اقتطاف ثمارها. وقد يكون من الصعب استعراض الأساليب المختلفة والطرائق المتنوعة التي تم استخدامها في هذا المضمار، ولعل الإشارة إلى بعضها كافية لإبراز الملامح العامة لما كان عليه الموقف في تلك الحقبة التاريخية من الصراع على جبهة المغرب العربي الإسلامي.
كان محمد السابع (١٥٢٤) بن عبد الله الثاني حاكم تلمسان قد وصل إلى الحكم بدعم الحراب الإسبانية، وثار عليه أخوه عبد الله الذي ناصره جده لأمه عبد الرحمن بن رضوان أحد شيوخ قبيلة بني عامر. ووقف الإسبان خلف الأخوين، يحرضانهما، ويستثيرانهما.
وها هو تقرير كتبه الحاكم العام لوهران (بيدرو دي لودي) ورفعه للأسقف بتارخ ٢٠ آب أغسطس - ١٥٣١ وفيه ما يلي:
١ - (يخوض الملك عبد الله حربا ضد أخيه عبد الله، وقد أرسل مولاي عبد الله جيشه لقتال أخيه محمد، ووقعت معركة يقال أن النصر فيها كان لجماعة عبد الله، لكن قائد بني راشد جاء على رأس خمسمائة من الرجال، فاضطر أخو الملك إلى الانسحاب، وجميع عرب المملكة قائمون اليوم: بعضهم مع الملك وبعضهم مع الأمير عبد الله. وأنا أظن أن كل العرب في هذه الناحية الشرقية من المملكة سينضمون إلى الأمير عبد الله إذا ما حل بهذه الساحة. ونرجو أن يقع الأمر على هذا
[ ١ / ١٣٨ ]
المنوال، لأن أخا الملك أصبح حليفنا، وبذلك سنمسك بجميع خيوط اللعب ويستطيع صاحب الجلالة - إمبراطور إسبانيا - أن يفيد من الموقف حسب إرادته - وأنا أعتقد أن ذلك ممكنا، إذا ما أخذنا بهذه الطريقة: جلالة الإمبراطور يؤيد عبد الله ويعترف به ملكا، ويسلم إليه قسما مهما من الأراضي التي سننتزعها من قبضة الأتراك. لكننا مع ذلك لا نقوض سلطان ملك تلمسان، ونترك له ما بيده من الأرض. وبهذه الطريقة سيعلن الإثنان سرورهما ورضاهما، وسيكونان معا عونا لنا على محاربة - خير الدين بربروس - إن ملك تلمسان، (مولاي محمد) قد دعا إليه أحد اليهود من هنا - وهران - ولا ريب أنه سيتخذه واسطة للدخول في مفاوضات معنا. أما العرب الذين أرسلهم لنا الأمير محمد، فقد اعتبروا دعوة هذا اليهودي لتلمسان فضيحة، وبذلت جهدي لتهدئة خواطرهم. وهذا ما يحدث غالبا لمن يتعامل مع الطرفين المتصارعين في وقت واحد).
٢ - وجاء في رسالة الدكتور (لبريخا كوريجبدور) من وهران إلى الإمبراطور بتاريخ ٢ أيلول (سبتمبر) ١٥٣١ ما يلي:
(أبذل قصارى جهدي لإقناع عرب المملكة - تلمسان - بأن ينضموا إلينا، وأعتقد أن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من معاقبة ملك تلمسان على عدم وفائه بعهوده، وعلى عدم سماحه للعرب بأن يبيعونا المؤن كما كانوا يفعلون من قبل. ولقد دخلت في مفاوضات مع الأمير عبد الله، مع حرصي على أن يعرف الملك - مولاي محمد - ذلك بصفة رسمية، حتى يعلم مدى الخسارة التي تلحق
به من جراء امتناعه عن خدمة جلالتكم. وقد طلب إلي الملك أن أرسل له شخصا للتفاوض معه منذ خمسة عشر يوما، فبعثت إليه باثنين
[ ١ / ١٣٩ ]
من اليهود الحذرين الأذكياء، وهما أفضل من وجدت هنا. وسارت الأمور سيرا حسنا في بداية الأمر، لكن الأحوال ساءت عندما حل بتلمسان مندوب من قبل التركي العظيم (سليمان القانوني) إذ أظهر مولاي محمد عندها الاعتزاز بالرسول التركي، مما جعله لا يقف عند حدود عدم استقبال المندوبين اليهوديين، بل إنه أسلمهما للقتل. وفي هذه الأثناء، أعلمني الأمير عبد الله بأنه سيحل قريبا بوهران، بصحبة نسائه وأولاده والشيوخ المنضمين تحت لوائه، وأعلمني كذلك أنه سيسلم إلي الرهائن التي طلبناها منه. وأشعر في الواقع بالحيرة، لأنني كنت أخبرت الأمر بأنه إذا ما وضع عائلته عندنا في مدينة وهران، وحذا الشيخ المنثمون إليه حذوه، فإن جلالتكم سوف تسلمون له العون من مال ورجال حتى يحتل مدينة تلمسان، على شرط أن يكون أكثر وفاء من أخيه في تنفيذ شروط الاتفاقية التي ستعقد معه).
٣ - وكتب حاكم (هنين) رسالة للإمبراطور (شارلكان) في يوم ٢٦ نيسان - أبريل - ١٥٣٤ يصف بها حالة (الموقف) في تلمسان؛ وجاء في الرسالة ما يلي:
(كتبت منذ أيام لجلالتكم أعلمكم أنني اتصلت من جواسيسنا بأخبار عن مولاي محمد ملك تلمسان، أنه قد استعرض يوم ٢٠ من هذا الشهر جيشا أعده لقتالنا، وهذا الجيش مستعد للسفر حيثما يريد. وأخبرني أحد هؤلاء الجواسيس أن الملك قد اتصل برسول من الجزائر يحمل إليه رسالة تخبره بموت - خير الدين - بربروس. فحزن الملك حزنا شديدا، وألقى بنفسه فوق الأرض نائحا منتحبا، ثم نهض وقال للشيوخ الذين كانوا حوله، بما أن والدي بربروس قد مات، فلم يبق لنا من عمل نعمله، وطلب إليهم أن يعودوا إلى بلادهم ريثها
[ ١ / ١٤٠ ]
يحصل من الأتراك على العون والتأييد من جديد. فلما سمع الشيوخ حديثه، خرجوا من عنده وكلهم يقول فيه سوءا. ويقول بعض الجواسيس الآخرين أنه جاءت بعد ذلك رسالة من الجزائر تؤكد أن بربروس لم يمت، إنما هو في مكان مجهول. ويقول البعض أن الملك مولاي محمد لا يريد أن يحارب النصارى، لأنه رجل ليس له إرادة على القتال وأنه منصرف إلى ملذاته، وغارق فيها، وأنه لا يفكر إلا في ابتزاز المال من أية جهة كانت. ويقولون إنه جاء من مدينة الجزائر بزوجتين دخل بهما في هذه المدينة، وجاء كذلك بزوجتين أخذهما بمدينة (فاس) عندما كان محاربا لأبيه. وبعدما تولى الملك بتلمسان، تزوج ست عشرة مرة، ولا يفعل شيئا إلا إقامة الحفلات والأفراح، ويلح في طلب المال من أهل المدينة ومن العرب واليهود).
٤ - وعندما اندلعت الحرب بين الأخوين ملك تلمسان (محمد) وأخيه (عبد الله) الذي كان الإسبانيون يناصرونه ويناصرون جده (ابن رضوان) انتصر ملك تلمسان، وكتب حاكم وهران (الكونت دي الكوديت) تقريرا بتاريخ ١٢ تموز - يوليو - ١٥٣٥ رفعه للإمبراطور شارلكان، وجاء فيه:
(إن - ابن رضوان - لا يفكر إلا في أمر واحد ألا وهو الانتقام وأخذ الثأر من مولاي محمد. ولقد طلب مني الإذن بالقدوم إلى وهران، وكذلك طلب بقية الشيوخ الذين بقوا على ولائهم له. وقد منحتهم الإذن. وبما أنه من المهم جدا بالنسبة إلينا أن يبقى العرب دوما مختلفين، فقد حرضت ابن رضوان والشيوخ الذين معه على مواصلة القتال وعلى كل فإنني مواصل الجهود لكي يتفاقم أمر الخلاف بين الطرفين).
[ ١ / ١٤١ ]
لقد نجحت هذه السياسة في تحقيق أهدافها، وكان من بعض نتائجها تثبيت أقدام الإستعماريين الإسبانيين فوق بعض مواقع المغرب العربي - الإسلامي. وكان من بعض نتائجها إخضاع الحكام وإشاعة روح التخاذل وهي الروح التي وجدت تعبيرا لها في التحالفات التي أقامها الحكام الإسبان مع بعض الحكام (مثل المعاهدة الإسبانية مع ملك تلمسان) (١).
لقد كانت عملية (التفتيت المادي والمعنوي) لقوى العرب المسلمين هي المرحلة التمهيدية لتطوير الأعمال العدوانية، والتي سبقتها عملية جمع معلومات دقيقة عن موازين القوى وتوزيعها وإمكاناتها (أعمال الجاسوسية) وقد يكون من الصعب استقراء كافة البيانات والتقارير المتوافرة في هذا المجال غير أنه ليس من الصعب أبدا معرفة الصورة الإجمالية للجهد المبذول خلال مرحلة الإعداد للمرحلة التالية من الحرب، عبر التقريرين التاليين.
٥ - تقرير سري إسباني عن قوة الجزائر - سنة ١٥٣٣:
(يحكم الجزائر الآن (حسن آغا) وينوب عنه في حالة غيابه (حاج باشا) و(القائد الصرردو). ويوجد بمدينة الجزائر (١٨٠٠) تركي، أما ببقية البلاد فيوجد من الأتراك: في تنس ٢٠، في برسك ١٠، في شرشال ٣٠، في المدية ١٥٠، في مليانه ١٠٠، في تادلس ٦٠، في بنوره - أوزنوره - ٢٠، في جيجل ٢٠، في القل ٢٠، في قسنطينة ٣٠٠، فيكون المجموع ٧٣٥. وهكذا يوجد (٢٦٠٠) تركي تقريبا، وتوجد بمدينة الجزائر (٣) آلاف عائلة عربية تقريبا و(٣٠٠)
_________________
(١) أنظر نص هذه المعاهدة في (قراءات - ٤) في نهاية الكتاب.
[ ١ / ١٤٢ ]
عائلة يهودية. أما القوة التي بين يدي حسن آغا، وهو مخيم الآن خارج المدينة فهي تشمل (٧٠٠) تركي وألف فارس وألفي راجل من العرب، ويشمل تسليح الجزائر ما يلي: في البرج الفوقاني ثلاثة مدافع لرمي الحجارة، و(٥) مدافع صغيرة. وفي البرج الكبير بباب الواد مدفعان كبيران ومدفعان صغيران. وفي زاوية باب الواد قرب البحر أربعة مدافع، ومن هذا المكان إلى الباب المقابل للجزيرة (١٧) مدفعا، ومن هذا الباب إلى المسجد الكبير (١٧) مدفعا من البرونز و(٤) مدافع من الحديد. وبين المسجد الكبير ودار الصناعة (٢١) مدفعا من بينها (٦) مدافع صغيرة من الحديد. وبين دار الصناعة وباب عزون (٨) مدافع، وفوق الباب ذاته مدفعين صغيرين (يرميان قنابل من الرصاص تزن الواحدة منها كيلوغرام تقريبا). وفي المرسى (٨) سفن يحتوي أكبرها على (١٧) صفا للجذافين. ويشتغلون الآن في المدينة بصنع الخبز المجفف (كعك أو بسكويت) بكل نشاط. وكذلك في المدينة والمليانة، الأمر الذي لم نشاهده من قبل أبدا. ويسود الانزعاج في المدينة لأنهم سمعوا أن الإمبراطور سيعقد الصلح مع ملك فرنسا. لكن خواطرهم هدأت عندما علموا أن السلطان يحهز الآن عمارة قوية - أسطولا).
٦ - وهذا تقرير سري إسباني آخر عن حالة الجزائر:
إلى صاحبة الجلالة الملكة
من فرانسيسكو بيريز دي إيديا كاييز - حاكم بجاية.
بجاية ٢٩ آذار - مارس- ١٥٣٦
(وردت إلينا معلومات من مدينة الجزائر، نقلها لنا ستة من
[ ١ / ١٤٣ ]
العبيد المسيحيين الذين تمكنوا من الفرار يوم ٢٧ شباط (فبراير) وغادروا الجزائر بسفينة صغيرة أوصلتهم إلى مدينة بجاية.
يوجد الآن في مدينة الجزائر ألفان من الأتراك وسبعة أو ثمانية آلاف من مهاجري الأندلس في مدن الجزائر ومليانة وبقاع أخرى وزعها بربروس على الحاميات. أما حاكم الجزائر اليوم فهو من سردينيا، اسمه حسن آغا، وسكان المدينة في قلق شديد، لأنهم اتصلوا بأنباء موثوق بها تفيد تحرك أسطول جلالتكم. وأخبرنا الأسرى المذكورون ان الأمطار الغزيرة التي انهمرت في فصل الشتاء قد هدمت سور المدينة في ثلاث جهات، وعلى مسافات شاسعة، وقد أقدم السكان على ترميم ما تحطم بكل سرعة، لكن العمل لم يتم إلى الآن نظرا لعدم وجود البنائين العارفين. ويقولون هنا أنهم سيستعينون بألف وخمسمائة من العرب المحيطين بالجزائر من أجل إنجاز العمل. أما مدينة قسنطينة ففيها ألف وخمسمائة من الإنكشارية يقودهم تركي اسمه (القائد كلج علي) وبربروس هو الذي أرسل هؤلاء الإنكشارية وبما أن كلج علي هذا تابع لحكومة الجزائر، فلا ريب أنه سيقدم إلى مدينة الجزائر بمجرد علمه بتحرك أسطول جلالتكم).