(١٦٢٠ م)
أفادت الجزائر المجاهدة من فترات الهدوء النسبي لإعادة تنظيم أمورها داخليا وخارجيا. فقد توفي (قلج علي) سنة (١٥٨٧م) وانتهى بموته نظام (الباي لرباي). وأعقب ذلك نظام الباشوات (الثلاثيين) الذين يعينهم الخليفة العثماني لمدة ثلاثة أعوام. واستمر هذا النظام من سنة ١٥٨٧ - حتى سنة ١٦٥٩م. ثم جاء نظام (آغة الهلاليين) الذي هو نوع من (الحكم العسكري الجماعي) الذي يؤلف (الديوان) والذي يحكم البلاد، ويسند الرئاسة التنفيذية لكبير الضباط الذي يدعى (الآغا) وذلك لمدة شهرين فقط ثم يتولاها غيره تحت رعاية (الباشا) الذي ترسله إستانبول من قبلها ممثلا للإمبراطور العثماني (الخليفة) وليس له مطلقا التدخل في شؤون البلاد الداخلية. واستمر هذا النظام من سنة ١٦٥٩ - حتى سنة ١٦٧١م. وأخيرا جاء نظام (الديوان - والباي) الذي استمر (١٦٠ عاما) أي من سنة (١٦٧١ - ١٨٣٠) عندما دخلت فرنسا الجزائر. وكان (الديوان العسكري) في هذه الفترة هو السلطة العليا: يعلن الحرب ويعقد معاهدات السلام. ويعين موظفي الدولة، ويحدد العلاقات بين دولة الجزائر والدولة العثمانية وبقية الدول. وهذا الديوان هو الذي ينتخب رئيس الدولة الذي يدعى (الداي) باللغة التركية، وله معنيان (الزعيم
[ ٢ / ١٠٩ ]
والخال). فالداي هو رئيس الهيئة التنفيذية، وإلى جانبه مجلس وزراء يضم خمسة رجال وينتخب لمدة العمر. وكانت السلطة القضائية، مستقلة تمام الاستقلال عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، يتولى أمرها القضاة تحت إشراف المجلس التشريعي، أما النظام الداخلي (نظام البايات وشيوخ الوطن) فلم يتغير. في الوقت ذاته، انصرفت الجزائر لمتابعة الجهاد في البحر، ولم تلبث أعمال القتال (التي تحولت إلى حرب منظمة - والتي أطلق عليها اسم القرصنة) أن أصبحت المورد الرئيسي - الاقتصادي للجزائر. وكانت أعمال القرصنة من الأمور المتعارف عليها، وكانت إنكلترا - بعد إسبانيا والبرتغال - من الدول التي تشجع على القرصنة، غير أن الجزائر أفادت من موقعها، ومما توافر لها من القدرات لتطوير أعمال الجهاد في البحر، فغنم الجزائريون خلال حروبهم البحرية مع أوروبا أكثر من ثمانمائة سفينة محملة في الفترة من سنة ١٦١٣ حتى سنة ١٦٢١ (أي بمعدل مائة سفينة في السنة) وهذا تفصيلها: (٤٤٧ سفينة هولاندية و١٩٣ سفينة إفرنسية و١٢٠ سفينة إسبانية و٦٠ سفينة إنكليزية و٥٦ سفينة ألمانية) هذا بالإضافة إلى السفن الصغيرة التي كان المجاهدون الجزائريون يغنمونها أثناء إغارتهم المتواصلة على السواحل الإسبانية، والسواحل الإيطالية. فكانت منازل مدينة الجزائر ومخازخها المخصصة لإيواء الأسرى المسيحيين في انتظار افتدائهم تضم أكثر من ثلاثين ألف أسير يعودون إلى جنسيات مختلفة. وكان الأسطول الجزائري المحارب يتكون خلال تلك الفترة من مائة سفينة، وكان عدد رجال البحر من الجزائريين يبلغ الثلاثين ألف رجل.
كانت إنكلترا أقل الدول البحرية تأثرا بالصراع البحري، ولم تكن تجارتها بعد قد تطورت مع الشرق، غير أنها أخذت في عهد (جاك
[ ٢ / ١١٠ ]
الأول) (١) بإعطاء مزيد من الاهتمام بعالم البحر، لا سيما وأنها لمست ما حققته إسبانيا والبرتغال من مغانم عبر غزواتها البحرية، فكان أن أطلق (جاك الأول) حرية العمل لقراصنته الذين حققوا أرباحا خيالية من خلال هجماتهم على السفن التجارية الإسبانية والبرتغالية. وفي سنة (١٦٢٠م) أراد (جاك الأول) إرغام دولة الجزائر على إيقاف الحرب البحرية ضد السفن الإنكليزية، دون أن يعقد معاهدة مع الجزائر يسود بواسطتها السلام. وجاء الأسطول الإنكليزي إلى الجزائر، تحت قيادة الأميرال مانسل، وكان يحمل ألفا وخمسمائة رجل من المقاتلين، وطالب الجزائريين بتسليمه ما لديهم من أسرى الإنكليز، فرفضوا الإذعان لذلك الإنذار، وأخذ الأسطول يرمي القنابل على المرس، وحاول أخذ سفن من أسطول الجزائر، فلم يقدر على ذلك. وأنزل رجاله حوالي المدينة قصد إرهاب الجزائريين، فما استطاعوا أن ينالوا منهم منالا، ورجعوا إلى سفنهم، ثم أقلعوا إلى بلادهم دون طائل.
وتكررت بعد ذلك عمليات الصراع في البحر مع السفن الإنكليزية، وكانت هذه العمليات الكثيرة والمتنوعة تدخل في إطار (أعمال القرصنة) بأكثر مما تدخل في إطار (الأعمال العدوانية ضد الجزائر).
_________________
(١) جاك الأول: (JACQUES ١er) وهو جاك السادس (JACQUES D'ECOSSE) ابن ماري استيوارت الأولى. ولد في ادنبرة سنة (١٥٦٦م) وأصبح ملك ايقوسيا سنة (١٥٦٧م) تحت الوصاية، وأصبح ملكا لإنكلترا (١٦٠٣ - ١٦٢٥م). اشتهر بحروبه الدينية.
[ ٢ / ١١١ ]
ـ[صورة]ـ
الأسطول الفرنسي تحت إمرة دوكين يرمي القذائف على مدينة الجزائر
[ ٢ / ١١٢ ]
٣ - الأعمال العدوانية الإفرنسية (١٦٦٤ و١٦٨٢ م)
اتخذت فرنسا سياسة ثابتة ضد إسبانيا وأوروبا، ودفعها ذلك إلى التحالف مع الإمبراطورية العثمانية في مناسبات كثيرة، وقد أرادت فرنسا استثمار هذا التحالف إلى أبعد الحدود، من أجل الحصول على امتيازات خاصة في المجالات التجارية مع كل دول الخلافة الإسلامية. ووافقت إستانبول على منح فرنسا (امتيازات قنصلية). ورغبت فرسا الإفادة من هذه الامتيازات لإرغام الجزائر على التعامل معها بموجبها. غير أن الجزائر رفضت باستمرار الاعتراف لفرسا بهذا الحق، وصممت على التعامل معها كدولة أجنبية في مجال التجارة، كما في مجال صيد المرجان على السواحل الجزائرية، حيث كانت هذه المجالات تنفتح في أيام السلم لتتوقف في أيام الحرب. وعندما تولى الملك لويس الرابع عشر (١٦٣٨ - ١٧١٥م) حكم فرسا وانصرف لبناء عظمة بلاده، خاض مجموعة من الحروب ضد إسبانيا خاصة، وضد كل الدول المتحالفة معها. وفي إطار بناء عظمة فرنسا أيضا، أراد لويس الرابع عشر إرغام الجرائريين على الالتزام (بالامتيازات الخاصة لفرنسا في المجال التجاري) و(إيقاف أعمال القرصنة ضد السفن الإفرنسية فجهز حملة بحرية قوية واجبها احتلال موقع ممتاز على الساحل الجزائري واتخاذه قاعدة تضمن حقوق فرنسا
[ ٢ / ١١٣ ]
المزعومة من جهة، وتساعد على التوسع الفرنسي فيما بعد.