(١٧٩١ م)
لم يتوقف الصراع يوما بين المجاهدين في الجزائر وبين أعدائهم المتمركزين في وهران والمرسى الكبير، وقد أخذ هذا الصراع أشكالا مختلفة بداية من العزل والتطويق وحرمان الحامية الإسبانية من المواد التموينية وحتى الاستنزاف المستمر بطرائق الصراع المسلح. وتعرضت الحامية الإسبانية لنكبات كثيرة، ولمحن صعبة، وكان من أبرز ما جابهته الحامية الإسبانية تلك المعركة التي فرضها عليها حاكم (بايليك الغرب) محمد بن عثمان الكردي - المشهور بمحمد الأكحل لشدة سمرته - حيث أرغمها بعد فترة من الحصار على مغادرة المدينة (سنة ١٧٨٠) والاشتباك في معركة تصادمية خارج الأسوار انتهت بتدمير قسم كبير من الحامية. واستمرت بعد ذلك أعمال الحصار حتى ١٤ أيلول - سبتمبر - ١٧٨٤م. حيث أمكن قطع الماء عن مدينة وهران. ثم تعرضت المدينة للهجوم يوم ٢٦ أيلول - سبتمبر - وأمكن احتلال (البرج الأحمر،) بعد تضحيات كبيرة ومعارك بطولية رائعة. واستمرت عمليات الصراع بين تصعيد وتهدئة، وبين توتر واسترخاء. حتى إذا ما كان ليل ٨ - ٩ تشرين الأول - أكتوبر - ١٧٩٠ حدثت هزة أرضية عنيفة في الساعة الواحدة صباحا واستمرت ولفترة ثلاث دقائق، وانتهت بتدمير وهران تدميرا شبه كامل، وأصيبت الحصون
[ ٢ / ١٥٥ ]
والقلاع والكنائس بأضرار بالغة. ومات تحت أنقاضها ثلاثة آلاف نسمة من سكانها وجندها - ومن بينهم الحاكم العام الإسباني - بالنيابة - (دون نيكولا غارسيا،) والتهمت النيران بعض السفن والأماكن الأخرى. وزاد من هول الكارثة انطلاق الإسبانيين للنهب والسلب، وهو ما أورده قائد الجيش الإسباني في تقريره للملك والذي جاء فيه: (أن بعض الرجال الذين لا أخلاق لهم، من أصحاب الحياة السافلة - من إسبانيي وهران - قد اغتنموا فرصة هذه الحادثة فامعنوا في نهب الديار الغنية بصفة أفظع مما لو كان العدو قد قام بهذا النهب، ولم يبق للمستعمرين البائسين أي شيء مطلقا. ورغم القسوة التي قابلنا بها هذه الأعمال اللصوصية، والعقاب الصارم الذي أنزلناه بمرتكبيها، فإن الأشقياء لم يرتدعوا، واستمروا في أعمال النهب والسلب). وحدث بعد ذلك مزيد من الهزات الأرضية كان من أقواها ما حدث يوم ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - ويوم ٦ كانون الثاني - يناير ١٧٩١. ولم يتوقف الصراع خلال ذلك، وتناقص عدد أفراد الحامية الإسبانية حتى بلغ (١٥٢٦) رجلا. تم توزيعهم على أكثر المواقع أهمية، في حين كان بقية الرجال من غير المقاتلين يعملون مع النسوة في إصلاح الحصون وترميم الثغرات التي تحدثها هجمات المجاهدين. وتلقت الحامية الإسبانية على إثر ذلك دعما مكونا من (٧) آلاف مقاتل. واستمرت حروب الاستنزاف طوال فصلي الربيع والصيف من سنة ١٧٩١، تخللتها معارك طاحنة كان من أبرزها معارك ٣ - ٩ أيار - مايو - ومعركة يوم ٥ تموز يوليو -.
عرفت إسبانيا أنه بات من المحال عليها الاحتفاظ بقاعدتي (وهران والمرسى الكبير) وتحولت هاتين القاعدتين إلى عبء يستنزف القدرة الإسبانية، فحاولت الحصول على شروط مناسبة للصلح،
[ ٢ / ١٥٦ ]
واستمرت المفاوضات مع الجزائرين طويلا إلى أن تم الاتفاق على عقد معاهدة يوم ٩ كانون الأول - ديسمبر ١٧٩١٠ - تضمنت نصوصها ما يلي:
١ - تنسحب إسبانيا من وهران والمرسى الكبير دون قيد أو شرط.
٢ - تدفع إسبانيا لخزينة الجزائر سنويا مبلغ (١٢٠) ألف فرنك (ما يعادل ٢٤٠ ألف دينار جزائري).
٣ - ترجع إسبانيا للجزائر كل المدافع والقنابل والذخائر التي غنمتها عند استرجاعها لوهران والمرسى الكبير.
٤ - تحمل سفينة إسبانية، بصفة رسمية، إلى إستانبول مفتاحين ذهبيين رمز استسلام وهران والمرسى الكبير مع جرتين من ماء عيون (وهران) للخليفة السلطان العثماني، كبشرى بالفتح وتأكيده للرابطة مع دولة الخلافة.
وتقبل الجزائر مقابل ذلك:
١ - أن يكون لإسبانيا مركز تجاري في بلدة (جامع الغزوات).
٢ - وأن تبتاع من البلاد الجزائرية ثلاثة آلاف كيلة من القمح سنويا.
٣ - وأن تباشر صيد المرجان على الساحل الغربي الجزائري.
وبدأت القوات الإسبانية بالانساب يوم ١٧ كانون الأول
[ ٢ / ١٥٧ ]
- ديسمبر - من تلك السنة، وتم الانسحاب نهائيا، بعد ترك الأسلحة والعتاد المتفق عليه وتسليم المدينة للباي (محمد بن مصطفى) الذي دخلها على رأس المجاهدين الجزائرين يوم ٢٤ شباط - فبراير - ١٧٩٢. وكان أول عمل قام به، بعد تحرير المدينة، هو بناءه للمسجد الكبير - مسجد الباشا - وانصرف لبناء المدينة الخالدة، حتى تستأتف دورها التاريخي.
[ ٢ / ١٥٨ ]
﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾
(سورة الأنفال - الآية ٧٤).