فِيهَا غَزْوَة تَبُوك وَهِي الْعسرَة والفاضحة فِي رَجَب لما بلغه أَن الرّوم تجمعت فِي الشَّام مَعَ هِرقل وَقد اشْتَمَلت على أُمُور لِلْمُنَافِقين فضحوا بهَا وفيهَا تَابَ الله على الثَّلَاثَة الَّذين خُلفوا كَعْب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة وَأقَام
بضع عشرَة لَيْلَة وَانْصَرف وَلم يلق كيدًا قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَكَانَت يَوْم الْخَمِيس فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة بِلَا خلاف وذكرُ البُخَارِيّ لَهَا بعد حجَّة الْوَدَاع لَعَلَّه خطأ من النساخ وَكَانَ يَوْمئِذٍ حر شَدِيد وجدب فَلذَلِك لم يُوَر عَنْهَا كعادته فِي سَائِر الْغَزَوَات وَفِي تَفْسِير عبد الرَّزَّاق عَن معمر قَالَ خَرجُوا فِي قلَّة من الظّهْر وَفِي حر شَدِيد حَتَّى كَانُوا ينحرون الْبَعِير فيشربون مَا فِي كرشه من المَاء فَكَانَ ذَلِك عسرة فِي المَاء وَفِي الظّهْر وَالنَّفقَة فسميت غَزْوَة الْعسرَة وسببها أَنه بلغه
من الأنباط الَّذين يقدمُونَ بالزيت من الشَّام إِلَى الْمَدِينَة أَن الرّوم تجمعت بِالشَّام مَعَ هِرقل فندب
النَّاس إِلَى الْخُرُوج وأعلمهم بِالْمَكَانِ الَّذِي يُرِيد لِيَتَأَهَّبُوا لذَلِك وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمرَان بن الْحصين قَالَ كَانَت نَصَارَى الْعَرَب كتبت إِلَى هِرقل إِن هَذَا الرجل الَّذِي خرج يَدعِي النُّبُوَّة قد أَصَابَتْهُم سنُون فَهَلَكت أَمْوَالهم فَبعث رجلا من عظمائهم وجهز مَعَه أَرْبَعِينَ ألفا فَبلغ ذَلِك النَّبِي
وَلم يكن للنَّاس قُوَّة وَكَانَ عُثْمَان قد عير إِلَى الشَّام فَقَالَ يَا رَسُول الله هَذِه مِائَتَا بعير بأقتابها وأحلاسها وَمِائَتَا أُوقِيَّة قَالَ فَسَمعته يَقُول لَا يضر عُثْمَان مَا عمل بعْدهَا وروى عَن قَتَادَة أَنه قَالَ حمل عُثْمَان فِي
[ ٢ / ٢٩٠ ]
جَيش الْعسرَة على ألف بعير وَسبعين فرسا وَعَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ جَاءَ عُثْمَان بن عَفَّان بِأَلف دِينَار فِي كمه حِين جهز جَيش الْعسرَة فنثرها فِي حجره
فرأيته
يقلبها فِي حجره وَيَقُول مَا ضرّ عُثْمَان مَا عمل بعد الْيَوْم أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن غَرِيب وَعند الفضائلي والملا فِي سيرته كَمَا ذكره الطَّبَرِيّ فِي الرياض النضرة من حَدِيث حُذَيْفَة بعث عُثْمَان يعْنى فِي جَيش الْعسرَة بِعشْرَة آلَاف دِينَار إِلَى رَسُول الله
فَكَانَ
يَقُول بِيَدِهِ ويقلبها ظهرا بِبَطن وَيَقُول غفر الله لَك يَا عُثْمَان مَا أسررت وَمَا أعلنت وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَا يُبَالِي مَا عمل بعْدهَا وَلما تأهب
لِلْخُرُوجِ قَالَ قوم من الْمُنَافِقين لَا تنفرُوا فِي الْحر فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تنَفِرُوا فِي الْحر قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ﴾ وَأرْسل ﵊ إِلَى مَكَّة وقبائل الْعَرَب يستنفرهم وَجَاء البكاءون يستحملونه فَقَالَ ﵊ لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ وهم سَالم بن عُمَيْر وعلبة بن زيد وَأَبُو ليلى عبد الرَّحْمَن بن كَعْب الْمَازِني والعرباض بن سَارِيَة وهرم بن عبد الله وَعَمْرو بن عتمة وَعبد الله ابْن مُغفل وَعبد الله بن عَمْرو الْمُزنِيّ وَعَمْرو بن الْحمام ومغفل الْمُزنِيّ وحضرمي بن مَازِن والنعمان وسُويد وَمَعْقِل وَعقيل وَسنَان وَعبد الرَّحْمَن وَهِنْد بَنو مقرن وهم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿تَوَلوَا وأعيُنُهُم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ﴾ قَالَه مغلطاي وَفِي البُخَارِيّ عَن أبي مُوسَى قَالَ أَرْسلنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُول الله
أسأله الحملان لَهُم فَقلت يَا نَبِي الله إِن أَصْحَابِي أرسلوني إِلَيْك لتحملهم فَقَالَ وَالله لَا أحملكم على شَيْء فَرَجَعت حَزينًا من منع النَّبِي
وَمن مَخَافَة أَن يكون النَّبِي
[ ٢ / ٢٩١ ]
وجد فِي نَفسه عَليّ فَرَجَعت إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتهمْ الَّذِي قَالَ النَّبِي
فَلم ألبث إِلَّا سويعة إِذْ سَمِعت بِلَالًا يُنَادي أَيْن عبد الله بن قيس فأجبته فَقَالَ أجب رَسُول الله
يَدْعُوك فَلَمَّا أَتَيْته قَالَ خُذ هَاتين القرينتين وَهَاتين القرينتين لسِتَّة أَبْعِرَة ابتاعها حِينَئِذٍ من سعد فَانْطَلق بهما إِلَى أَصْحَابك فَقل إِن الله وَإِن رَسُول الله يحملكم على هَؤُلَاءِ فاركبوهن الحَدِيث وَقَامَ علبة بن زيد فصلى من اللَّيْل وَبكى وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك أمرت بِالْجِهَادِ ورغبتَ فِيهِ ثمَّ لم تجْعَل عِنْدِي مَا أتقوى بِهِ مَعَ رَسُولك وَلم تجْعَل فِي يَد رَسُولك
مَا يحملني عَلَيْهِ وَإِنِّي أَتصدق على كل مُسلم بِكُل مظْلمَة أصابني فِي مَال أَو جَسَد أَو عرض ثمَّ أصبح مَعَ النَّاس فَقَالَ النَّبِي
أَيْن الْمُتَصَدّق فَليقمْ فأقوم إِلَيْهِ فَأخْبرهُ فَقَالَ
أبشر فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لقد كتبت فِي الزَّكَاة المتقبلة رَوَاهُ يُونُس كَمَا ذكره السُّهيْلي فِي الرَّوْض وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم فِي التَّخَلُّف فَأذن لَهُم وهم اثْنَان وَثَمَانُونَ رجلا وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله واستخلف على الْمَدِينَة مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ الدمياطي وَهُوَ عندنَا أثبت مِمَّن قَالَ غَيره انْتهى وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين الْعِرَاقِيّ فِي تَرْجَمَة عَليّ بن أبي طَالب من شرح التَّقْرِيب لم يتَخَلَّف عَن الْمشَاهد إِلَّا فِي تَبُوك فَإِن النَّبِي
خَلفه على الْمَدِينَة وعَلى عِيَاله وَقَالَ لَهُ يَوْمئِذٍ أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص وَرجحه ابْن عبد الْبر وَقيل اسْتخْلف سِبَاع بن عرفطة وتخلف نفر من الْمُسلمين من غير شكّ وَلَا ارتياب مِنْهُم كَعْب بن مَالك ومرارة ابْن الرّبيع وهلال بن أُميَّة وَفِيهِمْ نزل ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وَأَبُو ذَر وَأَبُو خَيْثَمَة ثمَّ لحقاه بعد ذَلِك وَلما رأى ﵊ أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ وَكَانَ ﵊ نزل فِي بعض الطَّرِيق قَالَ يمشي وَحده ويعيش وَحده وَيَمُوت وَحده فَكَانَ كَذَلِك وَأمر
لكل بطن من الْأَنْصَار والقبائل من الْعَرَب أَن يتخذوا لِوَاء وَرَايَة وَكَانَ مَعَه ﵊ ثَلَاثُونَ ألفا وَعند أبي زرْعَة سَبْعُونَ ألفا وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَيْضا أَرْبَعُونَ ألفا وَكَانَت الْخَيل عشرَة آلَاف فرس وَلما مر ﵊ بِالْحجرِ بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْجِيم بديار ثَمُود قَالَ لَا تشْربُوا من مَائِهَا شَيْئا وَلَا يخْرجن أحد مِنْكُم إِلَّا وَمَعَهُ صَاحب لَهُ فَفعل النَّاس إِلَّا أَن رجلَيْنِ من بني سَاعِدَة خرج أَحدهمَا لحَاجَة وَخرج الآخر لطلب بعيره فَأَما الَّذِي خرج لِحَاجَتِهِ فخنق على مذْهبه وَأما الَّذِي خرج لطلب بعيره فاحتملته الرّيح حَتَّى طرحته بجبل طَيء فَأخْبر بذلك رَسُول الله
فَقَالَ ألم أنهكم ثمَّ دَعَا للَّذي خنق على مذْهبه فشفي وَأما الآخر فأهدته طَيء لرَسُول الله
حِين قدم الْمَدِينَة وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي حميد انْطَلَقت حَتَّى قدمنَا تَبُوك فَقَالَ رَسُول الله
تهب اللَّيْلَة عَلَيْكُم ريح شَدِيدَة فَلَا يقم أحد مِنْكُم فَمن كَانَ لَهُ بعير فليشد رَحْله فَهبت ريح شَدِيدَة فَقَامَ رجل فَحَملته الرّيح حَتَّى ألقته بجبل طيىء وروى الزُّهْرِيّ لما مر رَسُول الله
بِالْحجرِ سَجى ثَوْبه على وَجهه واستحث رَاحِلَته ثمَّ قَالَ لَا تدْخلُوا بيُوت الَّذين ظلمُوا أنفسهم إِلَّا وَأَنْتُم باكون خوفًا أَن يُصِيبكُم مَا أَصَابَهُم رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلما كَانَ
بِبَعْض الطَّرِيق ضلت نَاقَته فَقَالَ زيد بن لصيب وَكَانَ منافقًا أَلَيْسَ مُحَمَّد يزْعم أَنه نَبِي وَيُخْبِركُمْ عَن خبر السَّمَاء وَهُوَ لَا يدْرِي أَن نَاقَته فَقَالَ رَسُول الله
إِن رجلا يَقُول مقَالَة وَإِنِّي وَالله لَا أعلم إِلَّا مَا عَلمنِي الله
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَقد دلَّنِي الله عَلَيْهَا وَهِي فِي هَذَا الْوَادي فِي شعب كَذَا وَكَذَا وَقد حبستها شَجَرَة بزمامها فَانْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بهَا فَانْطَلقُوا فَجَاءُوا بهَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث معَاذ بن جبل أَنهم وردوا عين تَبُوك وَهِي تبض بِشَيْء من مَاء وَأَنَّهُمْ غرفوا مِنْهَا قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى اجْتمع فِي شَيْء ثمَّ غسل
وَجهه وَيَديه ثمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فجرت بِمَاء كثير فاستقى النَّاس الحَدِيث وَلما انْتهى
إِلَى تَبُوك أَتَاهُ صَاحب أَيْلَة فَصَالحه وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة وَأَتَاهُ أهل جربا بِالْجِيم وأذراح بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء والحاء الْمُهْملَة بلدين بِالشَّام بَينهمَا ثَلَاثَة أَيَّام فَأَعْطوهُ الْجِزْيَة وَكتب لَهُم
كتابا وَوجد هِرقل بحمص فَأرْسل خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر بن عبد الْملك النَّصْرَانِي وَكَانَ ملكا عَظِيما بدومة الجندل فِي أَرْبَعمِائَة وَعشْرين فَارِسًا فِي رَجَب سَرِيَّة وَقَالَ لَهُ ﵊ إِنَّك ستجده لَيْلًا يصيد الْبَقر فَانْتهى إِلَيْهِ خَالِد وَقد خرج من حصنه فِي لَيْلَة مق ٤ مرّة إِلَى بقر يطاردها هُوَ وَأَخُوهُ حسان فشدت عَلَيْهِ خيل خَالِد فاستأسر أكيدر وَقتل أَخُوهُ حسان وهرب من كَانَ مَعَهُمَا فَدخل الْحصن ثمَّ أَجَارَ خَالِد أكيدر من الْقَتْل حَتَّى يَأْتِي بِهِ رَسُول الله
على أَن يفتح لَهُ دومة الجندل فَفعل وَصَالَحَهُ على ألفي بعير وَثَمَانمِائَة فرس وَأَرْبَعمِائَة درع وَأَرْبَعمِائَة رمح وَفِي هَذِه كتب
كتابا فِي تَبُوك إِلَى هِرقل يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فقارب الْإِجَابَة وَلم يجب رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أنس وَفِي مُسْند أَحْمد أَن هِرقل كتب من تَبُوك إِلَى النَّبِي
إِنِّي مُسلم فَقَالَ النَّبِي
كذب هُوَ على نصرانيته وَفِي كتاب الْأَمْوَال لأبي عُبَيْدَة بِسَنَد صَحِيح من مُرْسل بكر بن
[ ٢ / ٢٩٤ ]
عبد الله نَحوه وَلَفظه فَقَالَ كذب عَدو الله لَيْسَ بِمُسلم ثمَّ انْصَرف
من تَبُوك بعد أَن أَقَامَ بضع عشرَة لَيْلَة وَقَالَ الدمياطي وَمن قبله ابْن سعد عشْرين لَيْلَة يُصَلِّي بهَا رَكْعَتَيْنِ وَلم يلق بهَا كيدًا وَبنى فِي طَرِيقه مَسَاجِد وَأَقْبل ﵊ حَتَّى إِذا نزل بِذِي أَوَان بِفَتْح الْهمزَة بِلَفْظ الأوان للحين وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة سَاعَة جَاءَهُ خبر مَسْجِد الضرار من السَّمَاء فَدَعَا مَالك بن الدخشم ومعن بن عدي الْعجْلَاني فَقَالَ انْطَلقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ فَخَرَجَا فَحَرقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَذَلِكَ بعد أَن أنزل الله فِيهِ ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا﴾ الْآيَة قَالَ الواحدي قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَعَامة أهل التَّفْسِير إِن الَّذين اتَّخذُوا مَسْجِد الضرار قَالُوا نقِيل فِيهِ فَلَا نحضر خلف مُحَمَّد قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَلما بنوا ذَلِك لأغراضهم الْفَاسِدَة عِنْد ذهَاب رَسُول الله
إِلَى تَبُوك قَالُوا يَا رَسُول الله بنينَا مَسْجِدا لذِي الْعلَّة وَاللَّيْلَة الْمَطِيرَة وَنحن نحب أَن تصلي فِيهِ وَتَدْعُو لنا بِالْبركَةِ فَقَالَ ﵊ إِنِّي على جنَاح سفر وَإِذا قدمنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى صلينَا فِيهِ فَلَمَّا قفل من غَزْوَة تَبُوك سَأَلُوهُ إتْيَان الْمَسْجِد فَنزلت هَذِه الْآيَة وَلما دنا
خرج النَّاس لتلقيه وَخرج النِّسَاء وَالصبيان والولائد يقلن // (من مجزوء الرمل) //
(طَلَعَ البَدرُ علينَا منْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاع)
(وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا للهِ دَاع)
وَقد وهم بعض الروَاة كَمَا قَدمته إِذْ قَالَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا عِنْد مقدمه الميدنة وَهُوَ وهم ظَاهر لِأَن ثنيات الْوَدَاع إِنَّمَا هِيَ من نَاحيَة الشَّام لَا يَرَاهَا القادم من مَكَّة
[ ٢ / ٢٩٥ ]
إِلَى الْمَدِينَة وَلَا يَرَاهَا إِلَّا إِذا توجه إِلَى الشَّام وَفِي البُخَارِيّ لما رَجَعَ
من غَزْوَة تَبُوك فَدَنَا من المدينهَ قَالَ إِن بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ حَبسهم الْعذر وَهُوَ يُؤَيّد معنى مَا روى نِيَّة الْمَرْء خير من عمله فَإِن نِيَّة هَؤُلَاءِ أبلغ من عَمَلهم فَإِنَّهَا بلغت بهم مبلغ أُولَئِكَ العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم فِي بُيُوتهم والمسابقة إِلَى الله تَعَالَى إِلَى الدَّرَجَات الْعلَا بِالنِّيَّاتِ والهمم لَا بِمُجَرَّد الْأَعْمَال وَلما أشرف
على الْمَدِينَة قَالَ هَذِه طابة وَهَذَا أحد جبل يحبنا ونحبه وَلما دخل قَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله ائْذَنْ لي أمتدحك قَالَ قل لَا يفضض الله فَاك وَقد تقدم ذكرهَا وَتبين غَرِيب ألفاظها ومعانيها وجاءه
من كَانَ تخلف عَنهُ فعذرهم واستغفر لَهُم وأرجأ أَمر كَعْب وصاحبيه حَتَّى نزلت تَوْبَتهمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لقد تَابَ اللهُ عَلىَ النبيِ والمهاجرينَ وَالأنصارِ﴾ إِلَى ﴿إنَ الله هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ وَالثَّلَاثَة هم كَعْب بن مَالك وهلال بن أُميَّة ومرارة بن ربيعَة وَعند الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من مُرْسل سعيد بن الْمسيب أَن أَبَا لبَابَة لما أَشَارَ لبني قُرَيْظَة بِيَدِهِ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَأخْبر عَنهُ رَسُول الله
بذلك فَقَالَ لَهُ
أحسبت أَن الله غفل عَن يدك حَيْثُ تُشِير إِلَيْهِم بهَا إِلَى حلقك فَلبث حينا وَرَسُول الله عَاتب عَلَيْهِ ثمَّ غزا تَبُوكا فَتخلف عَنهُ أَبُو لبَابَة فِيمَن تخلف فَلَمَّا قفل رَسُول الله
مِنْهَا جَاءَ أَبُو لبَابَة يسلم عَلَيْهِ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله
فَفَزعَ أَبُو لبَابَة فَارْتَبَطَ
[ ٢ / ٢٩٦ ]
بِسَارِيَة التَّوْبَة سبعا وَقَالَ لَا يزَال هَذَا مَكَاني حَتَّى أُفَارِق الدُّنْيَا أَو يَتُوب الله عَليّ الحَدِيث وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله تَعَالَى ﴿وآخَرُونَ اعتَرَفوُا بِذُنوبِهِم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ قَالَ كَانُوا عشرَة تخلفوا عَن النَّبِي
فِي غَزْوَة تَبُوك فَلَمَّا رَجَعَ
أوثق سَبْعَة مِنْهُم أنفسهم بِسوَارِي الْمَسْجِد وَكَانَ ممر النَّبِي
إِذا رَجَعَ فِي الْمَسْجِد عَلَيْهِم فَقَالَ من هَؤُلَاءِ قَالُوا أَبُو لبَابَة وَأَصْحَاب لَهُ تخلفوا عَنْك يَا رَسُول الله حَتَّى تُطْلِقهُمْ وَتَعْذُرهُمْ قَالَ أقسم بِاللَّه لَا أطلقهُم وَلَا أَعْذرهُم حَتَّى يكون الله الَّذِي يُطْلِقهُمْ رَغِبُوا عني وتخلفوا عَن الْغَزْو فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَآخَرون اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ ١٠٢ فَلَمَّا نزلت أرسل إِلَيْهِم النَّبِي
فأطقوا وعذروا الحَدِيث قَالُوا وَلما قدم ﵊ من تَبُوك وجد عُوَيْمِر الْعجْلَاني امْرَأَته حُبْلَى فلاعن ﵊ بَينهمَا وَكَانَت تَبُوك آخر غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله
وَقَالَ حسان بن ثَابت يعدد أَيَّام الْأَنْصَار مَعَ رَسُول الله
وَيذكر مواطنهم مَعَه فِي أَيَّام غَزوه // (من الْبَسِيط) //
(أَلسْتَ خَيْرَ مَعَدٍّ كلِّهَا نَفرا ومَعْشَرًا إنْ هُم عُمُّوا وإِنْ حُصِلُوا)
(قومٌ هُمُ شَهِدُوا بَدْرًا بِأَجْمَعِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ فَمَا أَلَوْا وَمَا خَذَلُوا)
(وَبَايَعُوهُ فَلَمْ يَنْكُثْ بِهِ أَحَدٌ منهُمْ وَلَمْ يَكُ فِي إِيِمَانِهِمْ دَخَلُ)
(ويومَ صَبَّحَهُمْ فِي الشَّعْبِ مِنْ أُحُدٍ ضرْبٌ رَصِينٌ كَحَرِّ النَّأرِ مُشْتَعِلُ)
(وَيَوْم ذِي قَرَدٍ يومَ استثَارَ بهمْ عَلَى الجِيادِ فَماَ خَامُوا وَمَا نَكَلُوا)
(وذَا العُشَيرةِ جاسُوها بخَيْلِهمُ مَعَ الرسولِ عيلهَا البيضُ والأسَلَ)
(ويومَ ودَّانَ أَجْلَوا أهلَهُ رَقَصًا بالخَيْلِ حتَّى نَهَانَا الحزنُ والجبلُ)
(وليلَةً طلَبُوا فِيهَا عدُوَّهُمُ لله واللهُ يجْزِيهمْ بِمَا عَمِلُوا)
(وغزوةَ يَومَ نَجْدٍ ثمَّ كانَ لَهُمْ مَعَ الرَّسُولِ بهَا الأسْلابُ والنَّفَلُ)
[ ٢ / ٢٩٧ ]
(وَلَيْلَة بحنينٍ جَالدُوا معهُ فِيهَا يعلهم بالحْربِ إذْ نَهَلُوا)
(وغَزْوةَ القَاعِ فرقْنَا العدوِّ بهِ كَمَا تَفرَّقَ دون المشربِ الرَّسلُ)
(ويومَ بُويعَ كانُوا أَهْلَ بيعَتِهِ عَلى الجِلاَدِ فآسَوْهُ ومَا عَدَلُوا)
(وغزوةَ الفتْحِ كانُوا فِي سريَّتِهِ مُرَابِطِينَ فَمَا طاشُوا ومَا عَجِلُوا)
(ويومَ خَيْبرَ كانُوا فِي كَتيبَتِهِ يَمْشُونَ كلُّهُمُ مسْتبسِلٌ بَطَلُ)
(بالبيضِ عُرعَشُ تُرعَشُ فِي الأيمَانِ عَارِيةً تعوجُ فِي الضِّربِ أَحْيَانًا وتعتَدلُ)
(ويومَ سارَ رَسولُ اللهِ محتَسِبًا إِلَى تبوكَ وهمْ راياتُهُ الأولُ)
(وسَاسَةُ الحربِ إنْ حربٌ بدَتْ لهمُ حتَّى بَدَا لهُمُ الإقْبَالُ والقَفَلُ)
(أولئكَ القومُ أنصَارُ النبيِّ وهم قوْمِي أَصِيرُ إِلَيْهِم حينَ أتَّصِلُ)
(ماتُوا كِرامًا ولمْ تُنْكَثْ عهُودُهمُ وقَتْلُهم فِي سَبِيل الله إِذْ قتلُوا)
وَقَالَ حسان بن ثَابت أَيْضا // (من الطَّوِيل) //
(وكنَّا ملوكَ الناسِ قبلَ محمَّدٍ فلمَّا أَتى الإسَلامُ كانَ لَنا الفضْلُ)
(وأكرمنَا الله الَّذِي ليسَ غيرُه إِلَه بأيامٍ مَضَتْ مَا لَهَا شَكْلُ)
(بنصرِ الإلَهِ والرَّسولِ ودينِهِ وألبسنَاهُ اسْما مَضَى مَا لَهُ مثْلُ)
(أُولَئِكَ قومِي خيرُ قَومٍ بأسرِهم فَمَا عُدِّ من خَيْرٍ فقومِي لهُ أهلُ)
(يَرُبُّونَ بالمعروفِ معروفَ من مَضَى وليسَ عَلَيْهِم دُونَ معروفِهم قفلُ)
(إِذا اختُبطُوا لمْ يفْحِشُوا فِي نديِّهم وليسَ عَلَى سُؤالهم عِنْدهم بخلُ)
(وإنْ حارَبُوا أَوْ سَالموا لَمْ يشبهُوا فحربُهُمُ حتْفٌ وسَلْمُهُمُ سَهْلُ)
(وَجَارَهُمُ موفٍ بعلْيَاء بَيْتُهُ لَهُ مَا ثوى فينَا الكَرامةُ والبَذْلُ)
(وحامِلُهم موفٍ بكلِّ حَمَالةٍ تحمَّل لَا غرمٌ عَلَيْهِ وَلَا خذْلُ)
(وقائلهُم بالحقِّ إِن قَال قَائِلٌ وحِلْمُهُمُ عَوْدٌ وحكْمُهُمُ عَدْلُ)
(ومنَّا أمينُ المسلِمينَ حياتَهُ وَمنْ غسلتْهُ مِنْ جَنَابَتِهِ الرّسْلُ)
وَقَالَ أَيْضا // (من المتقارب) //
(قَوْمى أولئِكَ إِنْ تَسْألِي كرامٌ إِذا الضّيفُ يَوْمًا ألَم)
[ ٢ / ٢٩٨ ]
(عِظَامُ القُدُورِ لأيْسِارِهم يكبُّونَ فِيهَا السَّمِينَ السَّنِمْ)
(يُواسُوانَ جَارهُمُ فِي الغِنَى ويَحْمُونَ مَوْلاَهُمُ إِن ظُلِمْ)
(فكَانُوا مُلُوكًا بَأَرضيهِمُ ينادونَ غُضبًا بِأمْرٍ غشمْ)
(مُلوكًا عَلَى النَّاسِ لَمْ يُملَكُوا مِنَ الدَّهْرِ يَوْمًا كحِلِّ القَسَمْ)
(فَأَنْبَوْا بِعَادٍ وأَشْيَاعها ثَمُود وَبَعض بَقَايَا إرَمْ)
(بيثْربَ قَدْ شيدُوا فِي النَّخِيل حُصونًا ودُجنَ فِيهَا النَّعَمْ)
(نَواضِحَ قَدْ علَّمَتْهَا اليهودُ علَّ إليكَ وَقَوْلًا هَلمّ)
(وفيهَا اشْتَهوا مِنْ عصِير القِطَافِ وعيش رخى عَلَى غيرِهمْ)
(فَسِرْنَا إِليْهِم بأثْقَالِنَا عَلَى كلِّ فَحْلٍ هِجَانٍ قِطمْ)
(جَنَبْنَا بِهن جِيَادَ الخيولِ والزحفُ مِنْ خَلْفِهِم قَدْ دهَمْ)
(فَطَارُوا سَرَاعًا وقَدْ أُفْزِعُوا وجِئْنَا إِليْهِمْ كَأُسْدِ الأَجَمْ)
(عَلَى كُلِّ سَلْهَبَةٍ فِي الصِّيَان لاَ تَسْتَكينَ لطوُلِ السِّأَمْ)
(وكل كميت مُطَارِ الفُؤَاد أمينِ الفُصوصِ كمِثْل الزُّلَمْ)
(عَلَيْهَا فوارسُ قَدْ عوِّدُوا قِرَاعَ الكمَاةِ وضرْبَ البُهَمْ)
(ملوكٌ إِذا غَشَمُوا فِي البِلادِ لاَ يَنْكلُونَ ولكِنْ قُدُمْ)
(فأُبْنَا بِسَادَاتهم والنِّسَاء وَأولادهُم فيهمُ تقْتَسمْ)
(ورِثنا مسَاكنُهم بعدَهُم وكنَّا ملوكًا بِهَا لم نرِمْ)
(فلمَّا أتانَا الرسولُ الرشيدُ بالحقِّ والنُّورِ بعْدَ الظُّلَمْ)
(فَقُلْنَا صَدَقْتَ رَسُولَ المليكِ هلُم إِلَيْنَا وفينَا أَقِمْ)
[ ٢ / ٢٩٩ ]
(فَنَشْهَدُ أنَّكَ عبدُ الإِله أُرْسِلتَ نورا بدِينِ قيمْ)
(فَإِنَّا وَأْولادنَا جُنَّةٌ نَقِيكَ وَفِي مَالِنَا فاحْتَكِمْ)
(فَنَحْنُ ولاتكَ إِنْ كذبُوك فَنَادِ نِدَاء وَلَا تَحتشِمْ)
(ونادِ بِمَا كنتَ أخفَيْتَهُ نِدَاء جهارًا وَلَا تَكتتِمْ)
(فَسَار الغواةُ بأسيَافِهم إِلَيْهِ يظنُّونَ أَن يخْتَرمْ)
(فقُمْنَا إِلَيْهِم بأسْيَافِنَا نجالدُ عَنهُ بُغَاةَ الأممْ)
(بكلِّ صقيلٍ لهُ مَيْعَةٌ رَقِيق الذُبابِ عَضُوضٍ خّذِمْ)
(إِذا مَا يُصادفُ صمَّ العظَامِ لَمْ ينبُ عَنْهَا وَلم ينثَلِمْ)
(فَذلك مَا وَرَّثَتْنَأ القرومُ مَجْدًا تليدًَا وعزُّا أَشمّ)
(إِذا مرِّ نَسْلٌ كَفَى نسلَهُ وغَادرَ نَسْلًا إِذا مَا انفصمْ)
(فَمَا إِنْ من النَّاسِ إِلَّا لَنَا عَلَيْهِ وإنْ خَاسَ فضل النَعَمْ)
وفيهَا بنى
فِي طَرِيقه مَسَاجِد حِين رَجَعَ من تَبُوك وَقدم فِي رَمَضَان وَأمر بِمَسْجِد الضرار أَن يحرق وَاشْترى
جمل جَابر مرجعه فَلَمَّا قدمُوا إِلَى الْمَدِينَة أعطَاهُ الْجمل وَالثمن كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وفيهَا بعث المصدقين لأخذ الصَّدقَات عُيَيْنَة بن حصن إِلَى بني تَمِيم كغيرهم والوليد بن عقبَة إِلَى بني المصطلق ليَأْخُذ الصَّدَقَة فَخَرجُوا بِالسِّلَاحِ فَرحا بِهِ فولى رَاجعا وَأخْبر بمنعهم فهم
أَن يبْعَث لَهُم جَيْشًا فَنزل ﴿إِن جَاءَكمُ فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وفيهَا سَرِيَّة عبد الله بن عَوْسَجَة إِلَى بني حَارِثَة مستهل صفر يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام فرقعوا بالصحيفة أَسْفَل دلوهم وأبوا الْإِجَابَة فَدَعَا
عَلَيْهِم بذهاب عقلهم فهم إِلَى الْيَوْم فِي رعدة وعجلة واختلاط كَلَام وَقُطْبَة بن عَامر إِلَى خثعم بِنَاحِيَة بيشة من مخاليف مَكَّة فِي صفر فِي عشْرين رجلا فَقتلُوا مِنْهُم وغنموا
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وعلقمة بن مُحرز المدلجي إِلَى الْحَبَشَة فِي ثَلَاثمِائَة لما ترَاءى أهل جدة نَاسا من الْحَبَشَة فَخَاضَ إِلَيْهِم فَهَرَبُوا فَلَمَّا رجعُوا وَكَانَ أمره على من تعجل فِي الرُّجُوع وَمَعَهُ عبد الله بن حذافة السَّهْمِي أَو هُوَ الْأَمِير كَمَا فِي بعض الرِّوَايَات فأجج نَارا وأرادهم على الْوُثُوب ثمَّ كف عَن ذَلِك فَبَلغهُ
ذَلِك فَقَالَ من أَمركُم بِمَعْصِيَة فَلَا تطيعوه وعليا إِلَى القلس صنم لطيىء فِي مائَة وَخمسين أَو مِائَتَيْنِ فهدمه وغنم غَنَائِم من آل حَاتِم ثمَّ لما ظفروا بهدمه هرب عدي بن حَاتِم إِلَى الشَّام وكلم النَّبِي
أُخْت عدي سفانة بنت حَاتِم أَن يمن عَلَيْهِ فَمن عَلَيْهِ ثمَّ قدم وَأسلم وعكاشة بن مُحصن إِلَى الْحباب أَرض عذرة وبلي وغَطَفَان أَو فزارهَ وكلب ولعذرة فِيهَا شركَة وَأَبا سُفْيَان والمغيرة لهدم الطاغية وَغَيرهَا فهدماها وأخذا مَالهَا وفيهَا قدم وَفد بني أَسد فَقَالُوا جِئْنَا قبل أَن ترسل إِلَيْنَا فَنزل ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا﴾ وَتَتَابَعَتْ الْوُفُود تَمِيم وَعَبس وفزارة وَغَيرهم مِمَّا لَا ينْحَصر وفيهَا حج أَبُو بكر الصّديق ﵁ بِالنَّاسِ فِي ثَلَاثمِائَة رجل وَمَعَهُ عشرُون بَدَنَة وَبعث عليا خَلفه بِسُورَة بَرَاءَة لينبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده وَألا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان فأدركه عَليّ بالعرج مبلغا لَا أَمِيرا وَكَانَ حجهم فِي ذَلِك الْعَام فِي ذِي الْقعدَة وفيهَا مَاتَ النَّجَاشِيّ فَخرج
إِلَى الْمصلى وَالنَّاس مَعَه فصلوا عَلَيْهِ وَمَات عبد الله بن أبي الْمُنَافِق فصلى عَلَيْهِ فَنزل ﴿وَلَا تُصَلِّ على أحَدٍ منهُم مَاتَ أبدا﴾ وآلى من نِسَائِهِ شهرا وَلَا عَن بَين عُوَيْمِر الْعجْلَاني أَو هِلَال ابْن أُميَّة وَامْرَأَته خَوْلَة بنت عَاصِم أَو بنت قيس أَو غير ذَلِك على الِاخْتِلَاف لما رَمَاهَا بِشريك بن السحماء فِي شعْبَان عِنْد قدومه من تَبُوك فَوَجَدَهَا حُبْلَى وَنزلت
[ ٢ / ٣٠١ ]
حِينَئِذٍ آيَة اللّعان قَالَ فِي الْمَوَاهِب حجَّة أبي بكر الصّديق سنة تسع فِي ذِي الْقعدَة كَمَا ذكره ابْن سعد وَغَيره بِسَنَد صَحِيح عَن مُجَاهِد وَوَافَقَهُ عِكْرِمَة بن خَالِد فِيمَا أخرجه الْحَاكِم فِي الإكليل وَقَالَ قوم فِي ذِي الْحجَّة وَبِه قَالَ الدَّاودِيّ والثعلبي وَالْمَاوَرْدِيّ وَيُؤَيِّدهُ أَن ابْن إِسْحَاق صرح بِأَن النَّبِي
أَقَامَ بَعْدَمَا رَجَعَ من تَبُوك رَمَضَان وشوالًا وَذَا الْقعدَة ثمَّ بعث أَبَا بكر أَمِيرا على الْحَج فَهُوَ ظَاهر فِي أَن بعث أبي بكر كَانَ بعد انسلاخ ذِي الْقعدَة فَيكون حجه فِي ذِي الْحجَّة على هَذَا وَالله أعلم وَكَانَ مَعَ أبي بكر ثَلَاثمِائَة رجل من الْمَدِينَة وَعِشْرُونَ بَدَنَة وَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة أَن أَبَا بكر بعث فِي الْحجَّة الَّتِي أمره رَسُول الله
قبل حجَّة الْوَدَاع فِي رَهْط يُؤذن فِي النَّاس يَوْم النَّحْر إِلَّا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان ثمَّ أرْدف النَّبِي
بعلي بن أبي طَالب وَأمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة فَأذن مُعْلنا فِي أهل منى بِبَرَاءَة وَألا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان قَالَ فنبذ أَبُو بكر إِلَى النَّاس فِي ذَلِك الْعَام فَلم يحجّ فِي الْعَام الْقَابِل الَّذِي حج فِيهِ رَسُول الله
حجَّة الْوَدَاع مُشْرك فَأنْزل الله تَعَالَى فِي الْعَام الَّذِي نبذ فِيهِ أَبُو بكر إِلَى الْمُشْركين ﴿يَا أَيهَا الَّذين ءامنوا إِنَمَا المُشركوُن نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجدَ الحَرَامَ بعد عَامهمْ هَذَا﴾ الْآيَة وَقد دلّت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة على نَجَاسَة الْمُشرك يعْنى نَجَاسَة اعْتِقَاده وَأما نَجَاسَة بدنه فالجمهور على أَنه لَيْسَ بِنَجس الْبدن والذات وَذهب بعض الظَّاهِرِيَّة إِلَى نَجَاسَة أبدانهم وَهَذَا ضَعِيف لِأَن أعيانهم لَو كَانَت نَجِسَة كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِير لما طهرهم الْإِسْلَام ولاستوى فِي النَّهْي عَن دُخُول الْمُشْركين المسجدُ الْحَرَام وَغَيره من الْمَسَاجِد فَالْمُرَاد نَجَاسَة الْخبث لما فيهم من خبث الظَّاهِر بالْكفْر وخبث الْبَاطِن بالعداوة قَالَه مقَاتل
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وروى النَّسَائِيّ عَن جَابر أَن النَّبِي
لما رَجَعَ من عمْرَة الْجِعِرَّانَة بعث أَبَا بكر على الْحَج فأقبلنا مَعَه حَتَّى إِذا كُنَّا بالعرج ثوَّب بالصبح فَلَمَّا اسْتَوَى للتكبير سمع الرغوة وَرَاء ظَهره فَوقف عَن التَّكْبِير فَقَالَ هَذِه رغوة نَاقَة رَسُول الله
الجدعاء لقد بدا لرَسُول الله
فِي الْحَج فَلَعَلَّهُ أَن يكون رَسُول الله
فنصلي مَعَه فَإِذا عَليّ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر أَمِير أم رَسُول قَالَ رَسُول أَرْسلنِي رَسُول الله
بِبَرَاءَة أقرأها على النَّاس فِي مَوَاقِف الْحَج فقدمنا مَكَّة فَلَمَّا كَانَ قبل التَّرويَة بِيَوْم قَامَ أَبُو بكر فَخَطب النَّاس فَحَدثهُمْ عَن مناسكهم حَتَّى إِذا فرغ قَامَ عَليّ فَقَرَأَ على النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا ثمَّ إِذا كَانَ يَوْم النَّحْر فأفضنا قَامَ أَبُو بكر فَخَطب النَّاس فَحَدثهُمْ عَن إفاضتهم وَعَن نحرهم وَعَن مناسكهم فَلَمَّا فرغ قَامَ عَليّ فقرأعلى النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّفر فأفضنا قَامَ أَبُو بكر فَخَطب النَّاس فَحَدثهُمْ كَيفَ ينفرون وَكَيف يرْمونَ وَيُعلمهُم مناسكهم فَلَمَّا فرغ قَامَ عَليّ فَقَرَأَ على النَّاس بَرَاءَة حَتَّى خَتمهَا وَهَذَا السِّيَاق فِيهِ غرابة من جِهَة أَن أَمِير الْحَج سنة الْجِعِرَّانَة إِنَّمَا هُوَ عتاب بن أسيد فَأَما أَبُو بكر ﵁ فَإِنَّمَا كَانَ سنة تسع وَاسْتدلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّة على أَن فرض الْحَج كَانَ قبل حجَّة الْوَدَاع وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك شهيرة كَثِيرَة وَذهب جمَاعَة إِلَى أَن حج أبي بكر هَذَا لم يسْقط عَنهُ الْفَرْض بل كَانَ تَطَوّعا قبل فرض الْحَج وَلَا يخفي ضعفه وَفِي هَذِه السّنة مَاتَ عبد الله بن أبي ابْن مسلول فجَاء ابْنه عبد الله بن عبد الله إِلَى رَسُول الله
فَسَأَلَهُ أَن يُعْطِيهِ قَمِيصه يُكفن فِيهِ أَبَاهُ فَأعْطَاهُ ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَامَ عمر ﵁ فَأخذ بِثَوْب رَسُول الله
فَقَالَ يَا رَسُول الله تصلي عَلَيْهِ وَقد نهاك رَبك أَن تصلي عَلَيْهِ فَقَالَ
إِنَّمَا خيرني الله ﷿ قَالَ ﴿أستَغفِر لَهُم أَو لَا تستَغْفِر لهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سبعين مرّة﴾ وسأزيد على السّبْعين قَالَ إِنَّه مُنَافِق فصلى عَلَيْهِ رَسُول الله
فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تُصَلِّ على أحَدٍ منهُم مَاتَ أبدا وَلَا تَقُم عَلىَ قَبرهِ إنَّهُم كفرُوا باللهِ وَرَسُوله وماتوا وهم فَاسِقُونَ﴾ // (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ) //
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وفيهَا آلى من نِسَائِهِ
شهرا وجحش شقَّه أَي خدش وَجلسَ فِي مشربَة لَهُ لَهَا درج من جُذُوع فَأَتَاهُ أَصْحَابه يعودونه فصلى بهم جَالِسا وهم قيام فَلَمَّا سلم قَالَ إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ فَإِذا صلى قَائِما فصلوا قيَاما وَإِن صلى قَاعِدا فصلوا قعُودا وَلَا تركعوا حَتَّى يرْكَع وَلَا تَرفعُوا حَتَّى يرفع وَنزل لتسْع وَعشْرين فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّك آلَيْت شهرا فَقَالَ إِن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين
[ ٢ / ٣٠٤ ]