قَالَ الذَّهَبِيّ قَالَ سعيد بن الْمسيب إِن عمر لما نفر من مني أَنَاخَ بِالْأَبْطح ثمَّ كوم كومة من بطحاء ثمَّ اسْتلْقى وَرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ اللَّهُمَّ كَبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إِلَيْك غير مضيع وَلَا مفرط ثمَّ رَجَعَ
[ ٢ / ٤٩٩ ]
إِلَى الْمَدِينَة فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحجَّة حَتَّى طعن وَقَالَت عَائِشَة ﵂ لما كَانَ آخر حجَّة حَجهَا عمر بأمهات الْمُؤمنِينَ مَرَرْت بالمحصب فَسمِعت رجلا على رَاحِلَة رفع عقيرته فَقَالَ // (من الطَّوِيل) //
(أبعد قَتِيلٍ بِالْمَدِينَةِ أَظْلَمَتْ لَهُ الأرضُ تهتزُّ العِضَاهُ بأسوقِ)
(جزى الله خيرا من إمامٍ وباركتْ يَدُ الله فِي ذَاك الأدِيمِ الممزَّقِ)
(فَمن يَسْعَ أَو يركبْ جناحي نعامةٍ ليدركَ مَا قدمتَ بالْأَمْس يُسْبَقِ)
(قَضيْتَ أمورًا ثمَّ غادرتَ بَعْدهَا بَوَائِقَ فِي أكمَامِهَا لم تُفَتَّقِ)
(ومَا كنْت أخْشَى أنْ تكونَ وفاتُهُ بكفِّي سَبَنْتَى أهرتِ الشِّدقِ أزْرقِ)
قَالَت فَلم ندر ذَا الركب من هُوَ وَكُنَّا نتحدث أَنه من الْجِنّ فَرجع عمر من تِلْكَ الْحجَّة وَطعن فِي ذِي الْحجَّة وَقَوْلها لما كَانَ آخر حجَّة وَذَلِكَ لِأَن سيدنَا عمر ﵁ حج عشر سِنِين مُتَوَالِيَات بِأَزْوَاج النَّبِي
آخِرهنَّ سنة ثَلَاث وَعشْرين من الْهِجْرَة حج بِهن فِي الهوادج عَلَيْهِنَّ الستور ووصى عَلَيْهِنَّ ابْنه عبد الرَّحْمَن فَكَانَ ينزلهن فِي الشّعب لَا منفذ لَهُ صونا لَهُنَّ وَينزل هُوَ عِنْد بَابه وَرُوِيَ عَن سيدنَا عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه لما وصل إِلَى الْمَدِينَة قَالَ اللَّهُمَّ ارزقني شَهَادَة فِي سَبِيلك وَاجعَل موتِي فِي بلد رَسُولك كَذَا فِي البُخَارِيّ وَقَالَ معدان بن أبي طَلْحَة الْيَعْمرِي خطب عمر بعد رُجُوعه إِلَى الْمَدِينَة يَوْم جُمُعَة فَذكر نَبِي الله وَأَبا بكر ثمَّ قَالَ رَأَيْت كَأَن ديكًا نقرني نقرة أَو نقرتين وَإِنِّي لَا أرَاهُ إِلَّا لحضور أَجلي وَإِن قوما يأمرونني أَن أستخلف وَإِن الله لم يكن لِيُضيع دينه وَلَا خِلَافَته فَإِن عجل بى أَمْرِي فالخلافة شُورَى بَين هَؤُلَاءِ السِّتَّة الَّذين توفّي
[ ٢ / ٥٠٠ ]
رَسُول الله
وَهُوَ عَنْهُم رَاض عُثْمَان وَعلي وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَسعد وَقَالَ الزُّهْرِيّ كَانَ عمر لَا يَأْذَن لسبي قد احْتَلَمَ فِي دُخُول الْمَدِينَة حَتَّى كتب إِلَيْهِ الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَهُوَ عَامله على الْكُوفَة يذكر لَهُ أَن عِنْده غُلَاما عِنْده صنائع ويستأذنه أَن يدْخل الْمَدِينَة وَيَقُول إِن عِنْده أعمالًا كَثِيرَة يحسنها فِيهَا مَنَافِع للنَّاس إِنَّه حداد نقاش حجار فَأذن لَهُ أَن يُرْسل بِهِ وَضرب عَلَيْهِ الْمُغيرَة بن شُعْبَة مائَة دِرْهَم فِي الشَّهْر فجَاء إِلَى عمر فَشَكا كَثْرَة الْخراج عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عمر مَا خراجك بِكَثِير وَأَنت تحسن هَذِه الصَّنَائِع فَانْصَرف ساخطًا يتذمر وَيَقُول وسع عدل عمر الْعَالمين غَيْرِي فَمَكثَ عمر ليالٍ ثمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ ألم أخبر أَنَّك لَو تشَاء لصنعت رحى تطحن بِالرِّيحِ فَالْتَفت إِلَى عمر عَابِسا وَقَالَ لأصنعن لَك رحى يتحدث النَّاس بهَا فَلَمَّا ولى قَالَ عمر لأَصْحَابه توعدني العَبْد آنِفا ثمَّ اشْتَمَل العَبْد واسْمه فَيْرُوز وكنيته أَبُو لؤلؤة على خنجر ذِي رَأْسَيْنِ فَقَبضهُ فِي وَسطه فكمن لَهُ فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الْمَسْجِد فِي الْغَلَس وَكَانَ عمر يَقُول للنَّاس حَال الْقيام للصَّلَاة أقِيمُوا صفوفكم قبل أَن يكبر فجَاء هَذَا الْغُلَام الْمَجُوسِيّ فَيْرُوز أَبُو لؤلؤة وَقَامَ حذاءه فِي الصَّفّ فَلَمَّا كبر عمر للصَّلَاة ضربه بَين كَتفيهِ وَفِي خاصرته فَسقط قَالَ عَمْرو بن مَيْمُون إِنِّي لقائم فِي الصَّلَاة وَمَا بيني وَبَين عمر إِلَّا ابْن عَبَّاس فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر بعد أَن ضرب فَسَمعته ﵁ يَقُول قتلني الْكَلْب وطار العلج لَا يمر على أحد يَمِينا وَلَا شمالًا إِلَّا طعنه حَتَّى طعن ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم سَبْعَة أَو تِسْعَة فَطرح رجل عَلَيْهِ برنسًا وضمه فَلَمَّا علم عَدو الله أَنه مَأْخُوذ نحر نَفسه ثمَّ قَالَ عمر ﵁ الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل ميتتي على يَد أحد يَدعِي الْإِسْلَام
[ ٢ / ٥٠١ ]
قَالَ ابْن خلكان ذكر أَنه لما طعن عمر اخْتَار من الصَّحَابَة ﵃ السِّتَّة النَّفر الَّذين تقدم ذكرهم وَكَانَ سعد غَائِبا فَأرْسل إِلَيْهِ فَجعل أمره إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَمَا سأذكره وَجعل ابْنه عبد الله بن عمر مُشِيرا وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء وَأمر الْمسور بن مخرمَة وَفِي رِوَايَة أَمر أَبَا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ أَن يكون فِي خمسين رجلا يكونُونَ مَعَ هَؤُلَاءِ النَّفر أهل الشورى قَالَ فَإِنَّهُم فِيمَا أَحسب يَجْتَمعُونَ فِي بَيت فَقُمْ أَنْت فِي أَصْحَابك على بَابه فَلَا تتْرك أحدا يدْخل عَلَيْهِم ثمَّ إِن اتَّفقُوا على وَاحِد إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَإِلَّا فاضربوا أَعْنَاق الْكل فَلَا خير للْمُسلمين فيهم وَلَو افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن فالفرقة الَّتِي فِيهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأوصى أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ صُهَيْب بن سِنَان الرُّومِي فِي تِلْكَ الثَّلَاثَة الْأَيَّام عَن أبي الْحُوَيْرِث قَالَ لما مَاتَ عمر وَوضع ليصلى عَلَيْهِ أقبل عَليّ وَعُثْمَان أَيهمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهما عبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِن هَذَا لَهو الْحِرْص على الْإِمَارَة لقد علمتما مَا هَذَا إلَيْكُمَا وَقد أوصى بِهِ إِلَى غيركما يَا صُهَيْب تقدم فصل عَلَيْهِ قَالَ الذَّهَبِيّ قَالَ سَالم بن عبد الله بن عمر دخل أَصْحَاب الشورى مَا عدا سَعْدا فَإِنَّهُ كَانَ غَائِبا على عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَنظر إِلَيْهِم ثمَّ قَالَ إِنِّي نظرت لكم فِي أَمر النَّاس فَلم أجد عِنْد أحد شقاقًا إِلَّا أَن يكون فِيكُم ثمَّ قَالَ مُخَاطبا عُثْمَان وعليًا وَابْن عَوْف إِن قومكم لن يدَعوا أَن يؤمروا أحدكُم أَيهَا الثَّلَاثَة فَإِن كنتَ على شَيْء من أَمر النَّاس يَا عُثْمَان فَلَا تحملن بني أبي معيط على رِقَاب النَّاس وَإِن كنت يَا بن عَوْف على شَيْء من أَمر النَّاس فَلَا تحملن بني زهرَة على رِقَاب النَّاس وان كنت يَا بن أبي طَالب على شَيْء من أَمر النَّاس فَلَا تحملن بني هَاشم على رِقَاب النَّاس قومُوا فتشاوروا وَأمرُوا أحدكُم فَقَامُوا يتشاورون قَالَ ابْن عمر فدعانى عُثْمَان ليدخلني فِي هَذَا الْأَمر فَقلت لَهُ لم يدخلنى أَمِير
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الْمُؤمنِينَ مَعكُمْ وَقلت وَكَيف تؤمرنى وأمير الْمُؤمنِينَ حَيّ فَكَأَنَّمَا أيقظتهم فَقَالَ عمر أمهلوا فَإِذا حدث بِي حَادث فَأمروا قَالَ الذَّهَبِيّ فَلَمَّا دفن اجْتمع هَؤُلَاءِ الرَّهْط أهل الشورى فَقَالَ عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان خلْوَة إِن لم أُبَايِعك فبمن تُشِير عَليّ فَقَالَ أُشير عَلَيْك بعلي وَقَالَ لعَلي إِن لم أُبَايِعك فبمن تُشِير عَليّ فَقَالَ بعثمان ثمَّ قَالَ لطلْحَة أما أَنا وَأَنت فَلَا نريدها فبمن تُشِير عَليّ فَقَالَ أُشير بعثمان ثمَّ إِن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ اجعلوا أَمركُم إِلَى ثَلَاثَة فَقَالَ الزبير قد جعلت أَمْرِي إِلَى عَليّ وَقد كَانَ سعد جعل أمره إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقَالَ طَلْحَة قد جعلت أَمْرِي إِلَى عُثْمَان فَخَلا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعلي وَعُثْمَان فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أَنا لَا أريدها فأيكما يبرأ من هَذَا الْأَمر لصَاحبه فَيَجْعَلهُ لله وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام لينظرن أفضلهم وليحرصن على صَلَاح الْأمة فَسكت الشَّيْخَانِ عَليّ وَعُثْمَان فَقَالَ عبد الرَّحْمَن اجعلاه إِلَيّ وَالله عَليّ لَا آلوكم عَن أفضلكم قَالَا نعم فَخَلا بعلي وَقَالَ لَهُ لَك من الْقدَم فِي الْإِسْلَام والقرابة مَا قد علمت الله عَلَيْك وَعَهده لَئِن أَمرتك لتعدلن وَلَئِن أمرتُ عَلَيْك لتسمعن وتطيعن قَالَ عَليّ نعم ثمَّ خلا بعثمان فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ نعم فَلَمَّا أَخذ ميثاقهما نُودي فِي النَّاس الصَّلَاة جَامِعَة فَخرج عبد الرَّحْمَن عَلَيْهِ عِمَامَة النَّبِي
الَّتِي عممه إِيَّاهَا مُتَقَلِّدًا سَيْفه وَصعد الْمِنْبَر فَوقف طَويلا يَدْعُو سرا ثمَّ قَالَ يأيها النَّاس إِنِّي قد سألتكم سرا وجهرًا ثَنَا ووحدانا على أمانتكم فَلم أَجِدكُم تعدلون عَن أحد هذَيْن الرجلَيْن عَليّ وَعُثْمَان قُم إِلَيّ يَا عَليّ فَقَامَ عَليّ ﵁ ووقف جنب الْمِنْبَر فَأخذ بِيَدِهِ فَقَالَ تبايعني على كتاب الله وَسنة رَسُوله
وَفعل أبي بكر فَقَالَ عَليّ اللَّهُمَّ لَا وَلَكِن على جهدي من ذَلِك وطاقتي ثمَّ قَالَ عبد الرَّحْمَن يَا عُثْمَان قُم فَقَامَ فَأخذ بِيَدِهِ فِي موقف عَليّ وَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لعَلي فَقَالَ عُثْمَان اللَّهُمَّ نعم فَرفع عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَأسه إِلَى
[ ٢ / ٥٠٣ ]
سقف الْمَسْجِد وَيَده فِي يَد عُثْمَان ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ إِنِّي جعلت مَا فِي رقبتي فِي رَقَبَة عُثْمَان قَالَ فازدحم النَّاس على عُثْمَان يبايعونه حَتَّى غشوه عِنْد الْمِنْبَر فَأقْعدَ على الدرجَة الثَّانِيَة من الْمِنْبَر وَعبد الرَّحْمَن قَاعد فى مقْعد النبى
من الْمِنْبَر فَوْقه قَالَ وتلكأ عَليّ فَقَالَ عبد الرَّحْمَن ﴿فَمَن نكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلى نَفسِه﴾ الْفَتْح ١٠ فَرجع عَليّ وشق النَّاس حَتَّى وصل إِلَى عُثْمَان وَبَايَعَهُ وَهُوَ يَقُول خدعة وَأي خدعة وَبَقِي عمر ﵁ بعد طعنه ثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ طعنه يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع لَيَال بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين من الْهِجْرَة قَالَ الْعَلامَة الشَّامي فِي سيرته أرسل عمر ﵁ وهوجريح ابْنه عبد الله إِلَى عَائِشَة ﵂ فَقَالَ لَهُ قل لَهَا يقْرَأ عمر عَلَيْك السَّلَام وَلَا تقل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي الْيَوْم لست أَمِيرهمْ وَقل يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ فجَاء إِلَيْهَا عبد الله بن عمر فَسلم وَاسْتَأْذَنَ فَدخل فَوَجَدَهَا تبْكي فَقَالَ لَهَا فَأَذنت وَقَالَت كنت أردته تَعْنِي مَكَان الْقَبْر لنَفْسي ولأوثرنه الْيَوْم على نَفسِي فَلَمَّا أقبل عبد الله من عِنْدهَا قيل لعمر هَذَا عبد الله قَالَ ارفعوني فأسنده رجل فَقَالَ لعبد الله مَا لديك فَقَالَ عبد الله الَّذِي تحب أَذِنت عَائِشَة قَالَ الْحَمد لله مَا كَانَ شَيْء أهم إِلَيّ من ذَلِك فَإِذا أَنا قبضت فاحملوني ثمَّ سلم وَقل يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب فَإِن أَذِنت لي فأدخلوني وَإِن ردَّتْ فردوني إِلَى مَقَابِر الْمُسلمين
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وأوصاهم أَن يقصدوا فِي كَفنه وَلَا يتغالوا وغسله ابْنه عبد الله وَحمل على سَرِير رَسُول الله
وَصلى عَلَيْهِ صُهَيْب فى مَسْجده
وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا وَدفن يَوْم الْأَحَد هِلَال الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة عَليّ الصَّحِيح فَنزل فِي قَبره ابْنه عبد الله وَعُثْمَان بن عَفَّان وَسَعِيد بن زيد كَانَت مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَخمْس لَيَال قَالَ الذَّهَبِيّ لما توفّي عمر أظلمت الأَرْض فَجعل الصَّبِي يَقُول يَا أُمَّاهُ أَقَامَت الْقِيَامَة فَتَقول لَا يَا بني وَلَكِن قتل عمر