قَالَ الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي التلقيح كَانَ ﵊ لَهُ اثْنَا عشر عَمَّا بَنو عبد الْمطلب أَبوهُ عبد الله ثَالِث عشرهم عبد الله أَبُو طَالب الزبير حَمْزَة حجل الْمُقَوّم الْعَوام ضرار الْعَبَّاس الْحَارِث قثم أَبُو لَهب مُصعب وَقيل نَوْفَل الملقب بالغيداق وَقَالَ الْعَلامَة شمس الدّين عبد الدَّائِم بن شرف الدّين مُوسَى الْعَسْقَلَانِي الْبرمَاوِيّ ﵀ اثْنَا عشر فعدهم الْحَارِث أول أَوْلَاد عبد الْمطلب وَبِه كَانَ يكنى فَيُقَال يَا أَبَا الْحَارِث وَأَبُو طَالب وَالزُّبَيْر وَعبد الْكَعْبَة والمقوم وحجل واسْمه الْمُغيرَة والغيداق وَقثم مَاتَ صَغِيرا وَضِرَار وَأَبُو لَهب واسْمه عبد الْعُزَّى وَحَمْزَة وَالْعَبَّاس وهما اللَّذَان أسلما من أَعْمَامه وَقَالَ الْعَلامَة الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه ذخائر العقبى فِي مَنَاقِب ذَوي الْقُرْبَى أَوْلَاد عبد الْمطلب ثَلَاثَة عشر عبد الله وَالِد رَسُول الله
والْحَارث وَأَبُو طَالب واسْمه عبد منَاف وَالزُّبَيْر وَحَمْزَة وَأَبُو لَهب واسْمه عبد الْعُزَّى والغيداق والمقوم وَضِرَار وَالْعَبَّاس وَقثم وَعبد الْكَعْبَة وجحل بِتَقْدِيم الْجِيم وَهُوَ السقاء الضخم وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ بِتَقْدِيم الْحَاء مَكْسُورَة قبل الْجِيم الساكنة وَهُوَ الْقَيْد والخلخال وَيُسمى الْمُغيرَة وَقيل كَانُوا اثنى عشر فأسقط الْمُقَوّم وَقيل هُوَ لقب عبد الْكَعْبَة وَقيل كَانُوا أحد عشر فأسقط الغيداق وحجل وَقيل عشرَة وَقيل تِسْعَة كلهم مَاتُوا قبل الْبعْثَة إِلَّا أَرْبَعَة أَبُو طَالب وَأَبُو لَهب والحمزة وَالْعَبَّاس أسلم الأخيران بِلَا خلاف وَاخْتلف فِي إِسْلَام أول الْأَوَّلين وست عمات الْبَيْضَاء بنت عبد الْمطلب تكنى بام الْحَكِيم ودرة وعاتكة وأروى وَأُميَّة وَصفِيَّة وَسَيَأْتِي ذكرهن وَذكر من لود بعد ذكر الذُّكُور من أبنائه وَأَبْنَائِهِمْ قَرِيبا
[ ١ / ٣٦٩ ]
ولنذكر أَعْمَامه جَمِيعًا ونبدأ بِتَقْدِيم حَمْزَة وَالْعَبَّاس على غَيرهمَا وَإِن كَانَ أكبر كالحارث بن عبد الْمطلب فَإِنَّهُ كَمَا تقدم أكبر أَوْلَاد عبد الْمطلب لِأَن الْإِسْلَام قدمهما فَنَقُول أما حَمْزَة فأمه هَالة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة أسلم فِي السّنة الثَّانِيَة من الْبَعْث بعد دُخُوله ﵊ دَار الأرقم وَقبل إِسْلَام عمر ﵁ بِثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ أعز فَتى فِي قُرَيْش وأشده شكيمة فعز بِهِ رَسُول الله
وكفت عَنهُ قُرَيْش قَلِيلا من أذاها فَقَالَ حِين أسلم هَذِه الأبيات // (من الوافر) //
(حمد الله حِين هدى فُؤَادِي إِلَى الْإِسْلَام والدّين الحنيف)
(لدينٍ جَاءَ من ربّ عزيزٍ خبيرٍ بالعباد بهم لطيف)
(إِذا تليت رسائله علينا تحدّر دمع ذِي اللبّ الحصيف)
(رسائل جَاءَ أَحْمد من هداها بآياتٍ مبيّنة الْحُرُوف)
(وَأحمد مصطفىً فِينَا مطاعٌ فَلَا تغشوه بِالْقَلْبِ العنيف)
(فَلَا وَالله نسلمه لقومٍ ولمّا نقض فيهم بالسّيوف)
وَشهد بَدْرًا وَقتل بهَا شيبَة بن ربيعَة مبارزة وَأول راية عقدهَا النَّبِي
كَانَت لِحَمْزَة فِي أول سَرِيَّة بعثها أرْسلهُ يعْتَرض عيرًا لقريش فِيهَا أَبُو جهل بن هِشَام فَلَمَّا تصافوا حجز بَينهم مجدي بن عَمْرو الْجُهَنِيّ كَمَا سَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي بَاب الْحَوَادِث من سنة هجرتنه إِلَى وَفَاته
وَقَالَ ﵊ خير أعمامي حَمْزَة رَوَاهُ الْحَافِظ الدِّمَشْقِي وقصة سَبَب إِسْلَامه ذكرهَا صَاحب تَارِيخ الْخَمِيس وَغَيره وَهِي أَنه
كَانَ جَالِسا عِنْد الصَّفَا فَمر بِهِ أَبُو جهل لَعنه الله فشتمه وآذاه وَقَالَ فِيهِ مَا يكره من
[ ١ / ٣٧٠ ]
الْعَيْب لدينِهِ والتضعيف لأَمره فَلم يكلمهُ رَسُول الله
ومولاة لعبد الله بن جدعَان الْقرشِي التَّيْمِيّ فِي مسكن لَهَا تسمع ذَلِك ثمَّ انْصَرف أَبُو جهل عَنهُ فَعمد إِلَى نَادِي قُرَيْش عِنْد الْكَعْبَة فَجَلَسَ مَعَهم فَلم يلبث حَمْزَة بن عبد الْمطلب أَن أقبل متوشحًا قوسه رَاجعا من قنصه وَكَانَ إِذا رَجَعَ من قنصه لم يصل إِلَى أَهله حَتَّى يطوف بِالْكَعْبَةِ وَكَانَ إِذا فعل ذَلِك لَا يمر على نَاد من أندية قُرَيْش إِلَّا وقف وَسلم فَلَمَّا مر بالمولاة وَقد رَجَعَ رَسُول الله
إِلَى بَيته قَالَت لَهُ يَا أَبَا عمَارَة لَو رَأَيْت الْيَوْم مَا لَقِي ابْن أَخِيك من أبي الحكم بن هِشَام وجده فآذاه وسبه وَبلغ بِهِ مَا يكره ثمَّ انْصَرف عَنهُ وَلم يكلمهُ مُحَمَّد فَاحْتمل حَمْزَة الْغَضَب لما أَرَادَ الله تَعَالَى بِهِ من كرامته فَخرج يسْعَى لم يقف على أحد مغذًا لأبي جهل أَن يُوقع بِهِ فعلا فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد نظر إِلَيْهِ جَالِسا فِي الْقَوْم فَأقبل نَحوه حَتَّى إِذا قَامَ على رَأسه رفع الْقوس فَضَربهُ بهَا فَشَجَّهُ شجة عَظِيمَة فَقَالَ أتشتمه وَأَنا على دينه أَقُول مَا يَقُول فاردد عَليّ ذَلِك إِن اسْتَطَعْت فَقَامَتْ رجال من بني مَخْزُوم إِلَى حَمْزَة لينصروا أَبَا جهل فَقَالَ أَبُو جهل دعوا أَبَا عمَارَة فَإِنِّي وَالله سببت ابْن أَخِيه سبًا قبيحًا وَتمّ حَمْزَة على اسلامه ومتابعة النَّبِي
فَلَمَّا أسلم حَمْزَة عرفت قُرَيْش أَن رَسُول الله
قد عز وَامْتنع وَأَن حَمْزَة سيمنعه فكفوا عَن بعض مَا كَانُوا ينالون مِنْهُ
وَأنْشد حَمْزَة تِلْكَ الأبيات السَّابِقَة وَكَانَ إِسْلَام حَمْزَة يَوْم ضرب أَبُو بكر وَذَلِكَ أَن اصحاب رَسُول الله
لما اجْتَمعُوا فِي دَار الأرقم وَكَانُوا تِسْعَة وَثَلَاثِينَ رجلا ألح أَبُو بكر على رَسُول الله
فِي الظُّهُور فَقَالَ يَا أَبَا بكر إِنَّا قَلِيل فَلم يزل يلح عَلَيْهِ حَتَّى ظهر رَسُول الله
فِي نواحي الْمَسْجِد وَقَامَ أَبُو بكر فِي النَّاس خَطِيبًا وَرَسُول الله
جَالس وَكَانَ أول خطيب دَعَا إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى رَسُوله فثار الْمُشْركُونَ على أبي بكر وعَلى الْمُسلمين يضربونهم فِي نواحي الْمَسْجِد ضربا شَدِيدا ووطىء أَبُو بكر وَضرب ضربا شَدِيدا ودنا مِنْهُ عتبَة بن ربيعَة وَأدْخل إصبعه فِي عينه وَجعل يضْربهُ بنعلين مخصوفتين ويحرفهما بِوَجْهِهِ وَأثر ذَلِك على وَجه أبي بكر ﵁ حَتَّى صَار لَا يعرف
[ ١ / ٣٧١ ]
وَجَاءَت بَنو تيم تَتَعَادَى فأجلوا الْمُشْركين عَن أبي بكر وَحمل أَبُو بكر فِي ثوب حَتَّى أدخلوه بَيته وَلَا يَشكونَ فِي مَوته فَرَجَعت بَنو تيم فَدَخَلُوا الْمَسْجِد وَقَالُوا وَالله لَئِن قتل أَبُو بكر لَنَقْتُلَنَّ عتبَة بن ربيعَة وَرَجَعُوا إِلَى أبي بكر وَجعل أَبوهُ أَبُو قُحَافَة وَبَنُو تيم يكلمون أَبَا بكر حَتَّى أجابهم آخر النَّهَار فَقَالَ مَا فعل برَسُول الله
فَقَالُوا لأم الْخَيْر انظري تطعمينه شَيْئا أَو تسقينه إِيَّاه فَلَمَّا خلت بِهِ وألحت عَلَيْهِ جعل يَقُول مَا فعل برَسُول الله
قَالَت وَالله مَا لي علم بصاحبك قَالَ فاذهبي إِلَى أم جميل بنت الْخطاب فاسأليها عَنهُ فَخرجت حَتَّى جَاءَت إِلَى أم جميل فَقَالَت إِن أَبَا بكر يسْأَل عَن مُحَمَّد
قَالَت مَا أعرف أَبَا بكر وَلَا مُحَمَّدًا وَإِن تحبى أَن أمضى مَعَك إِلَى ابْنك فَقَالَت نعم فمضت مَعهَا حَتَّى وجدت أَبَا بكر صَرِيعًا دنفًا فرنت أم جميل وأعلنت بالصياح وَقَالَت إِن قوما نالوا مِنْك هَذَا لأهل فسق وَإِنِّي لأرجو أَن ينقم الله لَك قَالَ مَا فعل رَسُول الله
قَالَت هَذِه أمك تسمع قَالَت هُوَ صَالح سَالم قَالَ فَأنى هُوَ قَالَت فِي دَار الأرقم قَالَ فَإِن لله على أَلا أَذُوق طَعَاما وَلَا شرابًا أَو آتى رَسُول الله
فأمهلنا حَتَّى هدأت الرجل وَسكن النَّاس خرجنَا بِهِ يتكيء حَتَّى ادخلناه على النَّبِي
فأكب عَلَيْهِ فَقبله وأكب عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ ورق رَسُول الله
عَلَيْهِ رقة شَدِيدَة فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ بِأبي أَنْت وَأمي لَيْسَ بِي إِلَّا مَا نَالَ الْفَاسِق من وَجْهي وَهَذِه امْرَأَة برة بِوَلَدِهَا وَأَنت مبارك فادعها إِلَى الله تَعَالَى وادع لَهَا عَسى أَن يستنقذها الله بك من النَّار فَدَعَا لَهَا رَسُول الله
ودعاها إِلَى الله ﷿ فَأسْلمت وَأَقَامُوا على رَسُول الله
شهرا وهم تِسْعَة وَثَلَاثُونَ رجلا فَأسلم حَمْزَة ذَلِك الْيَوْم وَرجع وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد ذكران وَأُنْثَى عمَارَة وَبِه يكنى ويعلى وَكَانَ أَيْضا يكنى بِهِ قَلِيلا وَلم يعقبا وَالْأُنْثَى فَاطِمَة تزَوجهَا عَمْرو بن سَلمَة المَخْزُومِي ربيبه ﵊ ابْن أم سَلمَة زَوجته ﵊ وامها زَيْنَب بنت عُمَيْس وَاسْتشْهدَ حَمْزَة ﵁ فِي
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقْعَة أحد قَتله وَحشِي غُلَام لجبير بن مطعم بن عدي وعده الْعتْق على قَتله حَمْزَة عَم النَّبِي
بِعَمِّهِ طعمة بن عدي فَقتله غيلَة لَا مبارزة وَعَن سعيد بن الْمسيب كَانَ يَقُول كنت أعجب لقَاتل حَمْزَة كَيفَ ينجو حَتَّى أَنه مَاتَ غريقا فِي الْخمر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ ابْن هِشَام بَلغنِي أَن وحشيًا لم يزل يحد فِي الْخمر حَتَّى خلع من الدِّيوَان وَكَانَ عمر يَقُول لقد علمت أَن الله لم يكن ليَدع قَاتل حَمْزَة وَلما رأى
حَمْزَة قَتِيلا بَكَى فَلَمَّا رأى مَا مثل بِهِ شهق وَذَلِكَ أَن هِنْد ابْنة عتبَة بن ربيعَة لما قتل أَبَاهَا وعمها وأخاها أَبُو عُبَيْدَة بن الْحَارِث وَحَمْزَة وَعلي مبارزة لم تزل هِيَ والنسوة اللَّاتِي كن مَعهَا يَوْم أحد يجدعن آناف الْقَتْلَى وآذانهم ونظمت من ذَلِك أساور ومخانق وخلاخل وأعطت أساورها ومخانقها وخلاخلها لوحشي ثمَّ عَمَدت إِلَى بطن حَمْزَة فشقتها وأخرجت كبده فلاكتها فَلم تستطع سيغها فلفظتها ثمَّ علت على صَخْرَة مشرفة ثمَّ أنشدت // (من الرجز) //
(نَحن جزيناكم بِيَوْم بدر وَالْحَرب بعد الْحَرْب ذَات سعر)
(مَا كَانَ عَن عتبَة لي من صَبر وَلَا أخي وعمّه وبكري)
(شفيت نَفسِي وقضيت نذري شفيت وحشيّ غليل صَدْرِي)
(فَشكر وحشيّ عليّ عمري حتّى ترمّ أعظمي فِي قَبْرِي)
فأجابتها هِنْد بنت أَثَاثَة بن عباد بن الْمطلب فَقَالَت // (من الرجز) //
(خزيت فِي بدرٍ وَبعد بدر يَا ابْنة وقّاعٍ عَظِيم الْكفْر)
(صبّحك الله غَدَاة الْفجْر فِي الهاشمّيين الطّوال الغرّ)
(بكلّ قطّاعٍ حسامٍ يفرى حَمْزَة ليثي وعليٌّ صقري)
(إِذْ ارْمِ شيبٌ وَأَبُوك غدري فخضّبا مِنْهُ ضواحي النّحر)
(ونذرك السوء فشر نذر )
[ ١ / ٣٧٣ ]
وَقد ذكرهَا
بذلك حِين أسلمت وبايعت يَوْم فتح مَكَّة فَقَالَ أَنْت هِنْد فَبَايَعته بيعَة النِّسَاء الْمشَار إِلَيْهَا فِي الْآيَة ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الممتحنة ١٢ إِلَى آخر الْآيَة كَمَا تقدم ذكر جَمِيع ذَلِك وَعَن أبي هُرَيْرَة وقف ﵊ على حَمْزَة وَقد قتل وَمثل بِهِ فَلم ينظر منْظرًا كَانَ أوجع لِقَلْبِهِ مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو عَمْرو وَصَاحب الصفوة وَعَن ابْن شَاذان من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَا رَأينَا رَسُول الله
باكيًا قطّ أَشد من بكائه على عَمه حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَضعه فِي الْقبْلَة ثمَّ وقف على جنَازَته وانتحب حَتَّى نشغ من الْبكاء يَقُول يَا حَمْزَة يَا عَم رَسُول الله واسد رَسُول الله يَا حمزى يَا فَاعل الْخيرَات يَا حَمْزَة يَا كاشف الكربات يَا ذابًا عَن وَجه رَسُول الله والنشغ الشهيق حَتَّى بلغ بِهِ الغشى ثمَّ قَالَ لَئِن امكنن الله تَعَالَى لَأُمَثِّلَن بسبعين من قُرَيْش فَأنْزل الله تَعَالَى عَلَيْهِ آخر سُورَة النَّحْل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ النَّحْل ١٢٦ إِلَى آخر السُّورَة فَقَالَ
اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبِر وأحتسب عنْدك مصيبتي وَقَوله تَعَالَى فِي الْآيَة ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ النَّمْل ٧٠ قيل لَا تحزن على هَؤُلَاءِ الْقَتْلَى فَإِنَّهُم شُهَدَاء الدَّاريْنِ أَو لَا تحزن على عدم إِيمَان قُرَيْش فَيكون الضَّمِير لَهُم قيل وَهُوَ الأولى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَا بعده وَهُوَ ﴿وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ النَّمْل ٧٠ لعدم تفرق الضميرين على الثَّانِي دون الأول قَالَه بعض محشي الْبَيْضَاوِيّ وَصلى عَلَيْهِ فَكبر سبعين تَكْبِيرَة رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه وَقد روى أنس بن مَالك أَن شُهَدَاء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم وَلم يصل عَلَيْهِم أخرجه
[ ١ / ٣٧٤ ]
أَحْمد وَأَبُو دَاوُد فَيحمل أَمر حَمْزَة على التَّخْصِيص وَكَانَ سنّ حَمْزَة يَوْم قتل تسعا وَخمسين سنة وَدفن هُوَ وَابْن أُخْته عبد الله بن جحش فِي قبر وَاحِد فِي سفح أحد حَيْثُ الْوَقْعَة ﵁ وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد عمَارَة أمه خَوْلَة بنت قيس بن فهر النجاري ويعلى قَالَ مُصعب لم يعقب وَاحِد مِنْهُمَا وَلم يحفظ عَن أحد مِنْهُم رِوَايَة وَولد ليعلى خَمْسَة رجال وماتوا عَن غير عقب وَابْنَة اسْمهَا فَاطِمَة وَقيل اسْمهَا أُمَامَة من زَيْنَب بنت عُمَيْس الخثعمية تزَوجهَا عمر بن أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي ربيب رَسُول الله
ابْن زَوجته أم سَلمَة وَهِي الَّتِي اخْتصم فِي حضانتها على جَعْفَر وَزيد فَقَالَ عَليّ ابْنة عمي وَقَالَ جَعْفَر ابْنة عمي كَذَلِك وَقَالَ زيد ابْنة أخي فَقضى بهَا رَسُول الله
لخالتها وَقَالَ الْخَالَة بمنزل الْأُم وَفِيه دلَالَة على أَن من نكحت
[ ١ / ٣٧٥ ]
لَا يسْقط حَقّهَا من الْحَضَانَة وَعَن عَليّ قلت لرَسُول الله
أَلا تتَزَوَّج ابْنة حَمْزَة فَإِنَّهَا أحسن فتاة فِي قُرَيْش فَقَالَ أَلَيْسَ قد علمت أَنَّهَا ابْنة أخي من الرضَاعَة وَأَن الله ﷿ قد حرم بالرضاعة مَا حرم من النّسَب أخرجه الْبَغَوِيّ مُعْجَمه انْتهى وَأما الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وكنيته أَبُو الْفضل فأمه نثلة وَيُقَال نثيلة بنت جناب ابْن كلب فتح الْجِيم وَتَشْديد النُّون بن النمر بن قاسط وَيُقَال إِنَّهَا أول عَرَبِيَّة كست الْبَيْت بالديباج وَسبب الْكسْوَة أَن الْعَبَّاس ضل وَهُوَ صبي فنذرت إِن وجدته لتكسون الْبَيْت وَكَانَ الْعَبَّاس جميلًا وسيمًا أَبيض لَهُ ضفيرتان معتدلًا وَقيل كَانَ طوَالًا ولد قبل الْفِيل بِثَلَاث سِنِين وَكَانَ اسن من النَّبِي
بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث وَكَانَ رَئِيسا فِي قومه وَإِلَيْهِ عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَانَ مَعَ النَّبِي
يَوْم الْعقبَة يقْعد لَهُ الْبيعَة على الْأَنْصَار وَكَانَ ﵊ يَثِق بِهِ فِي أمره كُله وَلما شدوا وثَاقه فِي اسرى بدر سهر
فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَقيل مَا يسهرك يَا رَسُول الله قَالَ أَنِين الْعَبَّاس فَقَامَ رجل فَأرْخى من وثَاقه وَفعل ذَلِك بالأسارى كلهم ذكره أَبُو عمر وَصَاحب الصفوة وَقيل كَانَ يكتم إِسْلَامه وَخرج مَعَ الْمُشْركين يَوْم بدر فَقَالَ ﵊ من لقى مِنْكُم الْعَبَّاس فَلَا يقْتله فَإِنَّهُ خرج مستكرهًا فَأسرهُ كَعْب بن
[ ١ / ٣٧٦ ]
عَمْرو ففادى نَفسه وَرجع إِلَى مَكَّة وروى من حَدِيث أبي الْيُسْر أَنه أسر الْعَبَّاس وَقيل للْعَبَّاس وَكَانَ جسيمًا كَيفَ أسرك وَهُوَ دميم الْخلقَة وَلَو شِئْت لجعلته فِي كفك فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا أَن لَقِيَنِي فَظهر فِي عَيْني كالخندمة انْتهى قلت الخندمة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة جبل من جبال مَكَّة مَعْرُوف قَالَه فِي الْقَامُوس وَأخرج ابْن إِسْحَاق من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه
قَالَ يَا عَبَّاس افْدِ نَفسك وَابْني أَخِيك عقيل بن أبي طَالب وَنَوْفَل بن الْحَارِث وَحَلِيفك عقبَة بن عَمْرو وَقَالَ إِنِّي كنت مُسلما وَلَكِن الْقَوْم اسْتَكْرَهُونِي قَالَ
الله أعلم بِمَا تَقول إِن يَك مَا تَقول حَقًا فَإِن الله يجْزِيك وَلَكِن ظَاهر أَمرك أَنَّك كنت علينا وَذكر مُوسَى ابْن عقبَة أَن فداءهم كَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة ذَهَبا وَفِي رِوَايَة من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه جعل على الْعَبَّاس مائَة أُوقِيَّة وعَلى عقيل ثَمَانِينَ فَقَالَ الْعَبَّاس الْقَرَابَة صنعت هَذَا فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ قُل لِمَن فِي أَيْدِيكُم مِنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الْأَنْفَال ٧٠ فَقَالَ الْعَبَّاس بعد ذَلِك وددت لَو كنت أَخذ مني أضعافها لقَوْله تَعَالَى (﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ وَكَانَ الْعَبَّاس فِيمَا قَالَه أهل الْعلم بالتاريخ قد أسلم قَدِيما وَكَانَ يكتم إِسْلَامه وَقيل إِنَّه أسلم يَوْم بدر وَسبب إِسْلَامه أَنه خرج لبدر بِعشْرين أُوقِيَّة من ذهب ليطعم بهَا الْمُشْركين فَأخذت مِنْهُ فِي الْحَرْب فَكلم النَّبِي
أَن يحْسب الْعشْرين أُوقِيَّة من فدائه فَأبى ﵊ وَقَالَ أما شَيْء خرجت تعين بِهِ علينا فَلَا نتركه كَذَلِك فَقَالَ الْعَبَّاس تَرَكتنِي فَقِيرا أَتَكَفَّف النَّاس وَفِي رِوَايَة قُريْشًا فَقَالَ ﵊ فَأَيْنَ الذَّهَب الَّذِي دَفَنته أَنْت وَأم الْفضل تَحت رجل السرير وَقت خُرُوجك من مَكَّة فَقَالَ الْعَبَّاس وَمَا يدْريك قَالَ أَخْبرنِي
[ ١ / ٣٧٧ ]
رَبِّي فَقَالَ الْعَبَّاس أشهد أَنَّك صَادِق فَإِن هَذَا لم يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الله وَأَنا أشهد أَن لَا إِلَّا الله وَأَنَّك عَبده وَرَسُوله ثمَّ أقبل إِلَى الْمَدِينَة مُهَاجرا فَاسْتقْبل النَّبِي
يَوْم الْفَتْح بالأبواء وَكَانَ أَبُو الْيُسْر مَعَه فِي فتح مَكَّة وَبِه ختمت الْهِجْرَة وَقَالَ عَمْرو أسلم قبل فتح خَيْبَر وَكَانَ يكتم إِسْلَامه ويسره مَا يفتح الله بِهِ على الْمُسلمين وَأظْهر إِسْلَامه يَوْم فتح مَكَّة وَشهد حنيا والطائف وتبوك وَيُقَال أَيْضا إِن إِسْلَامه كَانَ قبل بدر أَيْضا وَكَانَ يكْتب بأخبار الْمُشْركين إِلَى رَسُول الله
وَكَانَ الْمُسلمُونَ يثقون بِهِ وَكَانَ يحب الْقدوم على رَسُول الله
فَكتب إِلَيْهِ
إِن مقامك بِمَكَّة خير لَك وَذكر السُّهيْلي فِي الْفَضَائِل أَن أَبَا رَافع لما بشر النَّبِي
بِإِسْلَام الْعَبَّاس أعْتقهُ خبر أبي رَافع اسْمه أسلم وَقَالَ ابْن معِين اسْمه إِبْرَاهِيم وَقيل هُرْمُز كَانَ عبدا قبطيا فوهب للنَّبِي
فَأعْتقهُ لما بشره بِإِسْلَام الْعَبَّاس فَكَانَ مولى رَسُول الله
وَلما قدم أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث من بدر إِلَى مَكَّة سَأَلَهُ أَبُو لَهب وَكَانَ قد تخلف عَن الْخُرُوج إِلَى الْحِرَابَة فَلم يشْهد بَدْرًا عَن خبر قُرَيْش فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان مَا هُوَ إِلَّا لَقينَا الْقَوْم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كَيفَ شَاءُوا ويأسروننا كَيفَ شَاءُوا وَايْم الله مَعَ ذَلِك مَا لمت النَّاس لَقينَا رجَالًا بيضًا على خيل بلق بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَالله لَا يقوم لَهَا شَيْء قيل وَكَانَ جلوسهما للمحادثة بِهَذَا الْأَمر عِنْد خباء الْعَبَّاس جنب زَمْزَم قَالَ فَلَمَّا سمع ذَلِك أَبُو رَافع وَكَانَ فِي الخباء ينحت أقداحًا لَهُ قَالَ وَكَانَ الْإِسْلَام قد دَخَلنَا فَرفعت طرف الخباء فَقلت وَالله تِلْكَ الْمَلَائِكَة فَرفع أَبُو لَهب يَده فضربني فِي وَجْهي ثمَّ احتملني فَضرب بِي الأَرْض فَقَامَتْ أم الْفضل إِلَى عَمُود فَضربت بِهِ رَأس أبي لَهب وَقَالَت استنقصته أَن غَابَ عَنهُ سَيّده فَقَامَ منكسرًا فوَاللَّه مَا عَاشَ سبع لَيَال حَتَّى رَمَاه الله بالعدسة وَهِي قرحَة كَانَت الْعَرَب تتشاءم بهَا وَأَنَّهَا تعدى أَشد الْعَدْوى فتباعد عَنهُ بنوه حَتَّى قَتله الله بهَا وَبَقِي بعد مَوته ثَلَاثًا لَا تقرب جنَازَته وَلَا تدفن فَلَمَّا خَافُوا السبة فِي تَركه حفروا لَهُ ثمَّ دفعوه بِعُود فِي حفرته ثمَّ قذفوا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ من بعيد كَذَا وَرَوَاهُ
[ ١ / ٣٧٨ ]
كَذَا فِي الرَّوْض الْأنف قلت فِي حفظي عَن كبار مشايخي أَن مَحل الحفرة الَّتِي ألْقى فِيهَا أَبُو لَهب هِيَ الْآن محطة الْعَجم من سوق المعلاة وَالله أعلم وَكَانَ ﵊ يكرم الْعَبَّاس بعد إِسْلَامه ويعظمه وَوَصفه
فَقَالَ أَجود النَّاس وأحناهم عَلَيْهِم رَوَاهُ الفضائلي فِي مُعْجم الْبَغَوِيّ الْعَبَّاس عمي وصنو أبي من آذاه فقد آذَانِي وَذكر السُّهيْلي فِي الْفَضَائِل إِن الْعَبَّاس أَتَى النَّبِي
فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ وَقبل بَين عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ هَذَا عمي فَمن شَاءَ فليباه بِعَمِّهِ فَقَالَ الْعَبَّاس نعم القَوْل يَا رَسُول الله قلت قَالَ وَلم لَا أَقُول هَذَا وَأَنت عمي وصنو أبي وَبَقِيَّة آبَائِي ووارثي خير من أخلف من أَهلِي وَقَالَ ﵊ يَا عَم لَا ترم مَنْزِلك أَنْت وبنوك غَدا حَتَّى آتيكم فَإِن لي فِيكُم حَاجَة فَلَمَّا أَتَاهُم اشْتَمَل عَلَيْهِم بملاءة ثمَّ قَالَ يَا رب هَذَا عمي وصنو أبي وَهَؤُلَاء أهل بَيْتِي فاسترهم من النَّاس كستري اياهم بملاءتي هَذِه قَالَ فاضت أُسْكُفَّة الْبَاب وحوائط الْبَيْت رَوَاهُ ابْن غيلَان والسهمي وَرَوَاهُ ابْن السرى وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِلَفْظ فألبسنا كسَاء ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للْعَبَّاس وَولده مغْفرَة ظَاهِرَة وباطنة لَا تغادر ذَنبا اللَّهُمَّ احفظه وَولده وَقَالَ حسن غَرِيب وَعَن ابْن عبد الْبَاقِي من حَدِيث أبي هُرَيْرَة اللَّهُمَّ اغْفِر للْعَبَّاس وَولد الْعَبَّاس وَلمن أحبهم وروى الْبَغَوِيّ أَنه
قَالَ لَك يَا عَم من الله حَتَّى ترْضى
[ ١ / ٣٧٩ ]
وروى السَّهْمِي فِي الْفَضَائِل أَنه
قَالَ يَا عَبَّاس إِن الله ﷿ غير معذبك وَلَا أحدا من ولدك وَفِي المناقب للْإِمَام أَحْمد ﵁ أَن الْعَبَّاس قَالَ كنت عِنْد النَّبِي
ذَات لَيْلَة قَالَ هَل ترى فِي السَّمَاء قلت نعم قلت الثريا قَالَ أما إِنَّه يَلِي هَذِه الْأمة بعددها من صلبك وروى السَّهْمِي من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه
قَالَ أَلا أُبَشِّرك يَا عَم قلت بلَى بِأبي أَنْت وَأمي فَقَالَ ﵊ إِن من ذريتك الأصفياء وَمن عترتك الْخُلَفَاء وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيكُم النُّبُوَّة والمملكة وَمن حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه
قَالَ يَا أَبَا بكر هَذَا الْعَبَّاس قد أقبل وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وسيلبس وَلَده من بعده السوَاد وَعَن جَابر بن عبد الله سَمِعت رَسُول الله
يَقُول لَيَكُونن من ولد الْعَبَّاس مُلُوك يكونُونَ أُمَرَاء أمتِي يعز الله بهم الدّين قَالَ الْحَافِظ
[ ١ / ٣٨٠ ]
أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر خرجه الْأَصْفَهَانِي وَتُوفِّي ﵁ فِي خلَافَة عُثْمَان قبل مَقْتَله بِسنتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة يَوْم الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة وَقيل لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من رَجَب وَقيل من رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَقيل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة بعد أَن كف بَصَره وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة أدْرك مِنْهَا فِي الْإِسْلَام اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدفن بِالبَقِيعِ وَدخل قَبره ابْنه عبد الله بن الْعَبَّاس ﵄ وَفِي البُخَارِيّ لما رَجَعَ رَسُول الله
من غَزْوَة تَبُوك فَدَنَا من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة قَالَ إِن بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ حَبسهم الْعذر وَهَذَا يُؤَيّد معنى مَا روى نِيَّة الْمَرْء خير من عمله فَإِن نِيَّة هَؤُلَاءِ أبلغ من أَعْمَالهم فَإِنَّهَا بلغت بهم مبلغ أُولَئِكَ العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم فِي بُيُوتهم فالمسابقة إِلَى الله وَإِلَى الدَّرَجَات العلى بِالنِّيَّاتِ والهمم لَا بِمُجَرَّد الْأَعْمَال وَلما أشرف ﵊ على الْمَدِينَة قَالَ هَذِه طابة وَهَذَا أحد جبل يحبنا ونحبه وَلما دخل قَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله قد امتدحتك فائذن لي قَالَ قل لَا يفضض الله فَاك فَقَالَ // (من المنسرح) //
(من قبلهَا طبت فِي الظّلال وَفِي مستودع حَيْثُ يخصف الْوَرق)
(ثمّ هَبَطت الْبِلَاد لَا بشرٌ أَنْت وَلَا مضغةٌ وَلَا علق)
(بل نطفةٌ تركب السّفين وَقد ألْجم نسرًا وَأَهله الْغَرق)
(تنقل من صالبٍ إِلَى رحمٍ إِذا مضى عالمٌ بدا طبق)
[ ١ / ٣٨١ ]
(حَتَّى احتوى بَيْتك الْمُهَيْمِن من خندف علياء دونهَا النّطق)
(وَردت نَار الْخَلِيل مكتتمًا فِي صلبه أَنْت كَيفَ يَحْتَرِق)
(وَأَنت لما ولدت اشرقت الأَرْض وضاءت بنورك الأُفق)
(فَنحْن فِي ذَلِك الضّياء وَفِي النُّور وسبل الرّشاد نخترق)
(وعاليًا قدرك الرّفيع وَفِي معناك حسنا يميلها النّسق)
(قدًّا تثنّيك والقوام إِذا غصنا رطيبا قوامك الرشيق)
(ووجهك الْبَدْر إِذْ يضي وَمن شعرٍ لَك الّليل يحلك الغسق)
(أَضَاء مِنْك الْوُجُود نور سنا وفاح مسكًا نسيمك العبق)
قَوْله من قبلهَا إِضْمَار قبل الذّكر لظُهُور الْمَعْنى وَهُوَ وَارِد فِي كَلَامهم كثيرا وَالْمرَاد بهَا الدُّنْيَا أَو الأَرْض أَي كنت طيبا فِي صلب آدم حَيْثُ كَانَ فِي الْجنَّة وَقَوله تركب السفين يُرِيد بِهِ حَال كَونه فِي صلب أَبِيه نوح فَإِنَّهُ الرَّاكِب السفين وَقَوله ألْجم نسرًا يُرِيد بِهِ الَّذِي كَانَ يعبده قوم نوح والنطق جمع نطاق وَهِي أَعْرَاض من جبال بَعْضهَا فَوق بعض أَي نواحي واوساط مِنْهَا شهبت بالنطق الَّتِي تشد فِي الأوساط ضربه مثلا فِي ارتفاعه وتوسطه فِي عشيرته وجعلهم تَحْتَهُ بِمَنْزِلَة أوساط الْجبَال قَوْله حَتَّى احتوى بَيْتك اراد بِهِ شرفه ومجده
الشَّاهِد على فَضله أَي احتوى أَعلَى مَكَان من نسب خندف إِشَارَة إِلَى الْقَبِيلَة وَهَذَا الِاسْم أَعنِي خندف لزوجة إلْيَاس بن مُضر وَاسْمهَا سلمى بنت عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَله قصَّة تقدّمت سميت الْقَبِيلَة بهَا فَقيل خندف وَمِنْهَا مَا هُنَا انْتهى وَكَانَ لَهُ من الذُّكُور تِسْعَة وَقيل عشرَة وَمن الْإِنَاث ثَلَاث الْفضل وَبِه كَانَ يكنى وَعبد الله وَعبيد الله وَعبد الرَّحْمَن وَقثم ومعبد وَأم حبيب وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة صَفِيَّة وأمينة من أمة وَأم هَؤُلَاءِ مَا عدا صَفِيَّة وأمينة لبَابَة الْكُبْرَى
[ ١ / ٣٨٢ ]
الْهِلَالِيَّة أُخْت مَيْمُونَة زوج النَّبِي
روى انها أول امرى أسلمت بعد خَدِيجَة وَكثير وَتَمام شقيقان أمهما أم ولد والْحَارث بمفرده من أم هذلية وَعون هُوَ الْعَاشِر على الرِّوَايَة الثَّانِيَة وروى صبيح ومسهر وَلم يُتَابع عَلَيْهِمَا ابْن الْكَلْبِيّ قتل هَذَا الْحَارِث سنة ثَلَاثَة عشرَة من الْهِجْرَة وَقيل مَاتَ فِي طاعون عمواس وَهُوَ أول طاعون فِي الْإِسْلَام بِالشَّام سنة ثَمَان عشرَة فِي خلَافَة عمر وَقيل قتل يَوْم اليرموك فِي خلَافَة أبي بكر ﵁ أما الْفضل بن الْعَبَّاس فَكَانَ أكبر أَوْلَاد الْعَبَّاس وَبِه كَانَ يكنى لم يزل اسْمه جَاهِلِيَّة وإسلامًا وَكَانَ أجمل النَّاس وَجها وَلما دفع ﵊ من مُزْدَلِفَة إِلَى منى أردفه فَمر ظعن يجرين فَجعل الْفضل ينظر إلَيْهِنَّ فَوضع رَسُول الله
يَده على وَجه الْفضل فحول الْفضل وَجهه إِلَى الشق الآخر فحول النَّبِي
يَده إِلَى الشق الآخر أخرجه مُسلم وَفِي رِوَايَة غَيره قَالَ الْعَبَّاس لويت عنق ابْن عمك يَا رَسُول الله قَالَ رَأَيْت شَابًّا وشابة فَلم آمن الشَّيْطَان عَلَيْهِمَا شهد الْفضل فتح مَكَّة وغزا حنينًا وَثَبت يَوْمئِذٍ وَشهد حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ الَّذِي كَانَ يصب المَاء فِي غسل رَسُول الله
فِي رِوَايَة وَعلي يغسلهُ اسْتشْهد بأجنادين بلد من نواحي دمشق فِي وقْعَة بَين الْمُسلمين وَالروم اميرهما عَمْرو ابْن الْعَاصِ وَأَبُو عُبَيْدَة وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وشرحبيل بن حَسَنَة كل مِنْهُم على طَائِفَة وَقيل بطاعون عمواس وَلم يخلف غير ابْنة تزَوجهَا عبد الْحسن بن عَليّ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَولدت لَهُ مُوسَى وَمَات عَنْهَا فَتَزَوجهَا عمر بن طَلْحَة بن عبيد الله وَيُقَال خلفت أَيْضا ابْنا اسْمه عبد الله وَلم يثبت ذَلِك انْتهى وَأما عبد الله فَهُوَ الحبر ولد قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وحنكه رَسُول الله
[ ١ / ٣٨٣ ]
بريقه ودعا لَهُ اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وانشر مِنْهُ أَو أَكثر وَعلمه الْحِكْمَة وَسَماهُ ترجمان الْقُرْآن وروى أَنه قَالَ توفّي رَسُول الله
وَأَنا ابْن عشر سِنِين وَقيل وَأَنا ابْن خمس عشرَة وَكَانَ طَويلا أَبيض مشربًا بالشقرة جسيمًا وسيمًا صبيح الْوَجْه شهد مَعَ عَليّ الْجمل وصفين والنهروان وَقَالَت أمه لما وَضعته اتيت بِهِ النَّبِي
فَأذن فِي أُذُنه الْيُمْنَى وَأقَام فِي أُذُنه الْيُسْرَى وحنكه من رِيقه وَسَماهُ عبدا لله ثمَّ ناولنيه فَقَالَ اذهبي بِأبي الْخُلَفَاء رَوَاهُ ابْن حبَان وَغَيره وَقد مَلأ عقبه الأَرْض حَتَّى قيل إِنَّهُم بلغُوا فِي زمن الْمَأْمُون سِتّمائَة ألف واستبعد كَذَا فِي الْمَوَاهِب توفّي ﵁ بِالطَّائِف سنة ثَمَان وَسِتِّينَ أَيَّام ابْن الزبير وَهُوَ ابْن أَربع وَسبعين سنة وَقيل سبعين وَقيل إِحْدَى وَسبعين وَصلى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَقَالَ الْيَوْم مَاتَ رباني هَذِه الْأمة وَضرب على قَبره فسطاطًا قَالَ الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد الشَّامي فِي سيرته أخرج الطَّبَرَانِيّ عَن حسان بن ثَابت ﵁ قَالَ بَدَت لنا معشر الْأَنْصَار حَاجَة إِلَى الْوَالِي وَكَانَ الَّذِي طلبنا إِلَيْهِ أمرا صعبًا فمشينا إِلَيْهِ بِرِجَال من قُرَيْش وَغَيرهم فكلموه وَذكروا لَهُ وَصِيَّة رَسُول الله
بِنَا فَذكر لَهُم صعوبة الْأَمر فعذره الْقَوْم وألح ابْن عَبَّاس عَلَيْهِ فوَاللَّه مَا وجد الْوَالِي بدا من قَضَاء حَاجته فخرجنا فَإِذا الْقَوْم أندية قَالَ حسان فَضَحكت وَأَنا أسمعهم إِنَّه وَالله كَانَ أولاكم بهَا إِنَّه وَالله صبَابَة النُّبُوَّة ووراثة أَحْمد وتهذيب أعراقه وأسرع شبه طباعه فَقَالَ الْقَوْم أجمل بهَا حسان فَقَالَ ابْن عَبَّاس صدقُوا فأجمل فَأَنْشَأَ حسان يمدح ابْن عَبَّاس ﵃
[ ١ / ٣٨٤ ]
// (من الطَّوِيل) //
(إِذا مَا ابْن عبّاس بدا لَك وَجهه رَأَيْت لَهُ فِي كلّ معمعةٍ فضلا)
(إِذا قَالَ لم يتْرك مقَالا لقائلٍ بملتقطاتٍ لَا ترى بَينهَا فضلا)
(كفى وشفى مَا فِي النُّفُوس فَلم يدغ لذِي إربةٍ فِي القَوْل جدًّا وَلَا هزلا)
(سموت إِلَى الْعليا بِغَيْر مشقّةٍ ونلت ذراها لَا دنيًّا وَلَا وغلا)
(خلقت طبيعا للمروءة والنّدى مليحًا وَلم تخلق كهامًا وَلَا جبلا)
فَقَالَ الْوَالِي مَا أَرَادَ بالكهام غَيْرِي وَالله بَينه وَبَينه انْتهى مروياته ﵁ ألف وسِتمِائَة وَسِتُّونَ حَدِيثا وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد سَبْعَة خَمْسَة ذُكُور وَالسَّادِس وَالسَّابِع أثنيان الْعَبَّاس وَعلي ولافضل وَمُحَمّد وَعبيد الله ولبابة وَأَسْمَاء وَأما عبيد الله فَقيل أَنه رأى النَّبِي
وَسمع مِنْهُ اسْتَعْملهُ عَليّ بن أبي طَالب على الْيمن وَأمره على الْمَوْسِم فحج بِالنَّاسِ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ فَلَمَّا كَانَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين بَعثه أَيْضا على الْمَوْسِم وَبعث مُعَاوِيَة ذَلِك الْعَام يزِيد بن شَجَرَة الرهاوي ليقيم الْحَج فَلَمَّا اجْتمعَا سَأَلَ كل مِنْهُمَا صَاحبه أَن يسلم لَهُ فَأبى واصطلحا على أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ شيبَة بن عُثْمَان الحَجبي وروى أَن مُعَاوِيَة بعث بسر بن أَرْطَأَة العامري إِلَى الْيمن وَعَلَيْهَا عبيد الله بن الْعَبَّاس هَذَا من قبل عَليّ فَتنحّى عبيد الله وَاسْتولى بسر عَلَيْهِ فَبعث عَليّ ﵁ جَارِيَة بن قدامَة السَّعْدِيّ فهرب بسر وَرجع عبيد الله بن عَبَّاس فَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى قتل عَليّ وَكَانَ عبيد الله هَذَا أحد الأجواد الْمَشْهُورين كَانَ يُقَال من اراد الْجمال والفعة والسخاء فليأت ولد الْعَبَّاس الْجمال للفضل والعفة لعبد الله والسخاء لِعبيد الله مَاتَ عبيد الله بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَان وَخمسين وَأما عبد الرَّحْمَن بن عَبَّاس ومعبد فولدا على عَهده
وقتلا شهيدين بإفريقية فِي خلَافَة عُثْمَان مَعَ عبد الله بن أبي سرح سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَاسْتعْمل الثَّانِي
[ ١ / ٣٨٥ ]
مِنْهُمَا عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على مَكَّة وَيُقَال لمن من إخْوَة أَشد تبَاعد قُبُور من بني الْعَبَّاس الْفضل بِدِمَشْق وَعبد الله بِالطَّائِف وَعبيد الله بِالْمَدِينَةِ وَعبد الرَّحْمَن ومعبد بإفريقية وَقثم بسمرقند وَأما قثم فَهُوَ أحد السَّبْعَة المشبهين برَسُول الله
وَهُوَ لِدَة الْحسن بن عَليّ ورضيعه وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَهُ ابْن يُقَال لَهُ قثم يَضَعهُ على صَدره وَهُوَ يَقُول // (من الرجز) //
(خير الْبَنِينَ ذَا قثم شَبيه ذِي الْأنف الأشم)
(نبيّ ربٍ ذِي نعم برغم أنف من رغم)
وَقثم هَذَا آخر النس عهدا برَسُول الله
لِأَنَّهُ آخر من خرج من قَبره مِمَّن نزل فِيهِ وَقيل إِن الْمُغيرَة بن شُعْبَة آخر من خرج من قَبره ﵊ مِمَّن نزل فِيهِ لِأَنَّهُ ترك خَاتمه فِي الْقَبْر فَلَمَّا خرج قَالَ نسيت خَاتمِي فَنزل ثَانِيًا فَكَانَ آخر النَّاس عهدا بِهِ ﵊ وانكر كَونه آخر ابْن عَبَّاس فَقَالَ آخر النَّاس عهدا برَسُول الله
أخي قثم بن الْعَبَّاس وولاه عَليّ بن أبي طَالب ﵁ مَكَّة زمن مُعَاوِيَة وَأبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ فَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى قتل عَليّ ﵁ وكرم وَجهه ثمَّ خرج إِلَى سَمَرْقَنْد مَعَ سعيد بن عُثْمَان زمن مُعَاوِيَة فاستشهد بهَا وقبره فِي قبَّة عالية تعرف بمزار شاه زند يَعْنِي السُّلْطَان الْحَيّ خَارج سور سَمَرْقَنْد وَأما كثير بن عَبَّاس فأمه أم ولد رُومِية اسْمهَا سبا وَقيل حميرية ولد قبل وَفَاته ﵊ بأشهر وَكَانَ فَقِيها فَاضلا ذكيًا روى عَنهُ الْأَعْرَج وَابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَأما تَمام فأمه وَأم أَخِيه قبله وَاحِدَة وَهِي سبا الرومية أَو الحميرية روى عَنهُ ﵊ لَا تدْخلُوا عَليّ قلحًا استاكوا فلولا أَن أشق على أمتِي
[ ١ / ٣٨٦ ]
لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة ولاه عَليّ ﵁ الْمَدِينَة وَكَانَ قد اسْتخْلف قبله سُهَيْل بن حنيف حِين توجه إِلَى الْعرَاق ثمَّ عَزله واستجبله لنَفسِهِ وَولى تَمامًا ثمَّ عَزله وَولي أَبَا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ثمَّ أشخص أَبَا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ واستخلفه فَلم يزل تَمام واليًا فِيهَا إِلَى أَن قتل عَليّ وَكَانَ تَمام أَشد النَّاس بطشًا وَله عقب قَالَ أَيُّوب بن بكار كَانَ للْعَبَّاس عشرَة بَنِينَ سِتَّة مِنْهُم من أم الْفضل لبَابَة الْهِلَالِيَّة فيهم يَقُول يزِيد الْهِلَالِي // (من الرجز) //
(مَا ولدت نجيبةٌ من فَحل كستّةٍ من بطن أُمّ الْفضل)
(أكْرم بهَا من كهلةٍ وكهل )
وهم الْفضل وَعبد الله وَعبيد الله وَقثم ومعبد وَعبد الرَّحْمَن وَقد تقدم أَنهم أشقاء وهم سِتَّة سابعتهم أم حَبِيبَة شقيقتهم وَأما عون فَقَالَ ابْن عَمْرو لم أَقف على اسْم أمه وأصغرهم سنا تَمام وَكَانَ الْعَبَّاس أَبوهُ يحملهُ وَيَقُول // (من الرجز) //
(تمّوا بتمّام فصاروا عشره يَا ربّ فاجعلهم كرامًا برره)
(وَاجعَل لَهُم ذكرا وأنم الشّجرة )
وَأما الْإِنَاث من أَوْلَاد الْعَبَّاس فَثَلَاث أم حبيب وَقد روى من حَدِيث أمهَا أم الْفضل إِن النَّبِي
قَالَ لَو بلغت أم حبيت بنت الْعَبَّاس وَأَنا حَيّ لتزوجتها فَتوفي
قبل أَن تبلغ فَتَزَوجهَا الْأسود بن عبد الْأسد أَخُو أبي سَلمَة بن عبد الْأسد فَولدت لَهُ رزق بن الْأسود ولبابة وَصفِيَّة وأمينة تزوج أمينة عَبَّاس بن عُيَيْنَة بن أبي لَهب فَولدت لَهُ الْفضل الشَّاعِر وَلَا رِوَايَة لَهَا وَلَا لصفية وَهِي الثَّالِثَة من بَنَات الْعَبَّاس
[ ١ / ٣٨٧ ]
وروى الطَّبَرِيّ فِي ذخائر العقبى انبة رَابِعَة تسمى أم كُلْثُوم وروى عَنْهَا وَعَن أُخْتهَا أم حبيب مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَأما أَبُو طَالب فاسمه عبد منَاف وَلما مَاتَ جده عبد الْمطلب كافله كَانَ لَهُ ﵊ من الْعُمر ثَمَان سِنِين كفله عَمه أَبُو طَالب بِوَصِيَّة من عبد الْمطلب لكَونه شَقِيق وَالِده عبد الله وَقد أخرج ابْن عَسَاكِر عَن جلهمة عَن عطرفة قَالَ قدمت مَكَّة وهم فِي قحط فَقَالَت قُرَيْش يَا أَبَا طَالب أقحط الْوَادي وأجدب الْعِيَال فَهَلُمَّ فاستسق فَخرج أَبُو طَالب وَمَعَهُ غُلَام كَأَنَّهُ شمس دجن تجلت عَنهُ سَحَابَة قتماء وَحَوله أغيلمة فَأَخذه أَبُو طَالب وألصق ظَهره بِالْكَعْبَةِ ولاذ الْغُلَام بِأُصْبُعِهِ وَمَا فِي السَّمَاء قزعة فَأقبل السَّحَاب من هَهُنَا وَهَهُنَا وأغدق وانفجر لَهُ الْوَادي وأخصب البادي والنادي وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو طَالب // (من الطَّوِيل) //
(وأبيض يُستسقى الْغَمَام بِوَجْه ثمال الْيَتَامَى عصمةٌ للأرامل)
وَهُوَ من قصيدة نَحْو ثَمَانِينَ بَيْتا قَالَهَا لما تولت عَنهُ وتمالأت عَلَيْهِ قُرَيْش ونفروا عَنهُ ﵊ وأولها // (من الطَّوِيل) //
(ولمّا رَأَيْت الْقَوْم لَا ودّ عِنْدهم وَقد قطّعوا كلّ العرى والوسائل)
(وَقد جاهرونا بالعداوة والأذى وَقد طاوعوا أَمر العدوّ المزايل)
(صبرت لَهُم نَفسِي بسمراء سمحةٍ وأبيض عضبٍ من تراث المقاول)
(وأحضرت عِنْد الْبَيْت رهطى وإخوتي وَأَمْسَكت من أثوابه بالوصائل)
(أعبد منافٍ انتم خير قومكم فَلَا تُشْرِكُوا فِي أمرنَا كلّ واغل)
(فقد خفت إِن لم يصلح الله أَمركُم تَكُونُوا كَمَا كَانَت أَحَادِيث وَائِل)
(أعوذ بربّ النّاس من كلّ طَاعن علينا بسوءٍ أَو ملحٍّ بباطل)
(وثورٍ وَمن أرسى ثبيرًا مَكَانَهُ وراق ليرقى فِي حراءٍ ونازل)
(وبالبيت حَقًا حلّ فِي بطن مكّةٍ وَبِاللَّهِ إنّ الله لَيْسَ بغافل)
(لقد علمُوا أنّ ابننا لَا مكذّبٌ لدينا وَلَا يعْنى بعوراء بَاطِل)
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله نُبزي محمّدًا ولمّا نطاعن عِنْده ونناضل)
[ ١ / ٣٨٨ ]
(ونسلمه حتّى نصرّع حوله ونذهل عَن أَبْنَائِنَا والحلائل)
(وينهض قومٌ فِي الْحَدِيد إِلَيْكُم نهوض الرّوايا تَحت ذَات الصّلاصل)
(وينهض قومٌ نحوكم غير عزّلٍ ببيضٍ حديثٍ عهدها بالصّياقل)
(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ثمال الْيَتَامَى عصمةٌ للأرامل)
(يلوذ بِهِ الهلاّك من آل هاشمٍ فهم عِنْده فِي رحمةٍ وفواضل)
(لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمدٍ وَإِخْوَته دأب المحبّ المواصل)
(فَمن مثله فِي النّاس أيّ مؤمّلٍ إِذا قاسه الحكّام عِنْد التّفاضل)
(حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائشٍ يوالي إِلَهًا لَيْسَ عَنهُ بغافل)
(وميزان حقٍّ مَا يعول شعيرَة ووزّان حقٍّ وَزنه غير عائل)
(فوَاللَّه لَوْلَا أَن أجىء بسبةٍ تجرّ على أشياخنا فِي المحافل)
(لكنّا اتّبعناه على كلّ حالةٍ من الدّهر جدًّا غير قَول التّهازل)
(فَأصْبح فِينَا أحمدٌ ذَا أرومةٍ تقصر عَنْهَا سُورَة المتطاول)
(حدبت بنفسي دونه وحميته ودافعت عَنهُ بالذّرا والكلاكل)
(جزى الله عنّا عبد شمسٍ ونوفلًا عُقُوبَة شرٍّ عاجلٍ غير آجل)
قلت لم أظفر من هَذِه القصيدة إِلَّا بِنَحْوِ السَّبْعَة وَالثَّمَانِيَة الأبيات فِي غَالب كتب السّير وَلم أزل أطلبها حَتَّى ظَفرت بغالبها من تَارِيخ الْعَلامَة الْحَافِظ مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عُثْمَان الذَّهَبِيّ الْمُسَمّى دوَل الْإِسْلَام فنقلتها مِنْهُ وَللَّه الْحَمد وَقَوله ذَات الصلاصل رَأَيْت فِي تَارِيخ التقي الفاسي ﵀ مَا نَصه بِئْر صلاصل فِي الْجَانِب الَّذِي يكون على يَمِين الصاعد إِلَى منى وَلَعَلَّ ذَلِك نسبتها إِلَى صلصل بن أَوْس بن مجاسر بن مُعَاوِيَة بن شرف من بني عَمْرو بن تَمِيم لِأَن الفاكهي روى بِسَنَدِهِ عَن هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ كَانَت الْعَرَب فِي أشهر الْحَج على ثَلَاثَة أهواء مِنْهُم من يفعل الْمُنكر وهم المحلون الَّذِي يحلونَ
[ ١ / ٣٨٩ ]
الْأَشْهر الْحرم فيغتالون فِيهَا وَيَسْرِقُونَ وَمِنْهُم من كَانَ يكف عَن ذَلِك وَمِنْهُم أهل هوى شَرعه لَهُم صلصل بن أَوْس بن مجاسر الْمَذْكُور فِي قتال المحلين ثمَّ قَالَ بعد أَن ذكر المحرمين وَكَانُوا يسمونهم الصلاصل لِأَن صلصل شرع ذَلِك لَهُم وَكَانُوا ينزلون على بِئْر قرب منى ثمَّ يتفرقون على النَّاس مِنْهَا وَكَانَت الْبِئْر تسمى بِئْر صلصل انْتهى قلت قَول أبي طَالب تَحت ذَات صلاصل يعنيها كَأَنَّهُ يُرِيد تَشْبِيه الْقَوْم الثائرين للمدافعة عَن النَّبِي
بأولئك الْقَوْم النازلين عِنْد الْبِئْر وَيكون وَجه الشّبَه الجرأة والإقدام إِن كَانَت الرِّوَايَة بالزاي الْمُعْجَمَة فِي الزوايا جمع زوية للجماعات الكامنين هُنَاكَ وَإِن كَانَت الرِّوَايَة بالراء الْمُهْملَة فِيهَا فَيكون وَجه التَّشْبِيه الثّقل بالحديد وَالسِّلَاح كثقل الروايا بِالْمَاءِ القراح وَهَذِه الْبِئْر هِيَ الْمُسَمَّاة الْآن عِنْد الْعَامَّة بِئْر صراصر برائين مهملتين وَهِي مَعْرُوفَة انْتهى وَمعنى نناضل هُنَا نناظر ونجادل ونخاصم ونبزى بِضَم النُّون وَالْبَاء سَاكِنة أَي نقهره ونغلب عَلَيْهِ وَأَنْشَأَ أَبُو طَالب أبياتًا مِنْهَا قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(وشقّ لَهُ من إسمه ليجلّه فذو الْعَرْش محمودٌ وَهَذَا محمّد)
فَقَالَ حسان وَضمن ذَلِك // (من الطَّوِيل) //
(ألم تَرَ أنّ الله أرسل عَبده بآياته وَالله أَعلَى وأمجد)
(أغرّ عَلَيْهِ للنّبوّة خاتمٌ من الله مشهورٌ يلوح وَيشْهد)
(وضمّ الْإِلَه اسْم النّبيّ إِلَى اسْمه إِذا قَالَ فِي الْخمس المؤذّن أشهد)
(وشقّ لَهُ من إسمه ليجلّه فذو الْعَرْش محمودٌ وَهَذَا محمّد)
(نبيٌّ أَتَانَا بعد يأسٍ وفترةٍ من الدّين والأوثان فِي الأَرْض تعبد)
(وأرسله ضوءًا منيرًا وهاديًا يلوح كَمَا لَاحَ الصّقيل المهنّد)
قَالَ الْعَلامَة ابْن التِّين فِي شعر أبي طَالب دلَالَة على أَنه كَانَ يعرف نبوة النَّبِي
قبل أَن يبْعَث لما أخبرهُ بحيرا الراهب وَغَيره من شَأْنه وَتعقبه الْحَافِظ ابْن حجر بِأَن
[ ١ / ٣٩٠ ]
ابْن إِسْحَاق ذكر أَن إنْشَاء أبي طَالب لهَذَا الشّعْر كَانَ بعد الْبَعْث وَمَعْرِفَة أبي طَالب بنبوته ﵊ جَاءَت فِي كثير من الْأَخْبَار قَالَ الذَّهَبِيّ قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَتَت قُرَيْش إِلَى أبي طَالب فَقَالُوا يَا أَبَا طَالب هَذَا عمَارَة بن الْوَلِيد أعز فَتى فِي قُرَيْش وأجمله فَخذه فلك عقله ونصرته واتخذه لَك ولدا فَهُوَ لَك وَأسلم إِلَيْنَا ابْن أَخِيك فقد أفسد أَحْلَامنَا وَعَابَ آلِهَتنَا وَخَالف دينك وَدين آبَائِك نَقْتُلهُ فَإِنَّمَا رجل كَرجل فَقَالَ وَالله بئْسَمَا تأمرونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابْني تَقْتُلُونَهُ هَذَا وَالله لَا يكون أبدا فَقَالَ الْمطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف وَالله يَا أَبَا طَالب لقد أنصفك قَوْمك وجهدوا على التَّخَلُّص مِمَّا تكره فَمَا أَرَاك تُرِيدُ أَن تقبل مِنْهُم شَيْئا فَقَالَ وَالله مَا أنصفوا وَلَكِنَّك قد أَجمعت على خلافي ومظاهرة الْقَوْم على فَاصْنَعْ مَا بدا لَك فحقب الْأَمر وحميت الْحَرْب وتنابذ الْقَوْم فَقَالَ أَبُو طَالب // (من الطَّوِيل) //
(أَلا قل لعَمْرو والوليد ومطعمٍ أَلا لَيْت حظّي من حياطتكم بكر)
(من الخور صخّابٌ كثيرٌ رغاؤه يرشّ على السّاقين من بَوْله قطر)
(أرى أخوينا من أَبينَا وأُمّنا إِذا سئلا قَالَا إِلَى غَيرنَا الْأَمر)
(أخصّ خُصُوصا عبد شمس ونوفلًا هما نبذانا مثل مَا تنبذ الْخمر)
وَفِي حَيَاة الْحَيَوَان مَاتَ أَبُو طَالب فِي نصف شَوَّال من السّنة الْعَاشِرَة من الْبعْثَة وَكَانَ النَّبِي
ابْن سبع وَأَرْبَعين سنة وَثَمَانِية أشهر وَأحد عشر يَوْمًا وَأَبُو طَالب ابْن بضع وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ قبل هجرته بِثَلَاث سِنِين روى سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه قَالَ لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة جَاءَهُ رَسُول الله
فَوجدَ عِنْده أَخَاهُ الْعَبَّاس وَعبد الله بن أُميَّة وَأَبا جهل بن هِشَام فَقَالَ يَا عَم قل لَا إِلَه إِلَّا الله كلمة أشهد لَك بهَا عِنْد الله فَقَالَ أَبُو جهل يَا أَبَا طَالب أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب فَلم يزل رَسُول الله
يعرضهَا عَلَيْهِ وَيَقُول لَهُ أَبُو جهل أترغب إِلَى اخره فَلَمَّا رأى حرص النَّبِي
قَالَ يَا ابْن أخي
[ ١ / ٣٩١ ]
وَالله لَوْلَا مَخَافَة قُرَيْش أَن تَقول إِنِّي إِنَّمَا قلتهَا جزعًا من الْمَوْت لقلتهَا فَلَمَّا تقَارب من أبي طَالب الْمَوْت نظر الْعَبَّاس إِلَيْهِ يُحَرك شَفَتَيْه فأصغى إِلَيْهِ بأذنيه فَسَمعهُ فَقَالَ يَا ابْن أخي وَالله لقد قَالَ أخي الْكَلِمَة الَّتِي امرته بهَا فَقَالَ
لم أسمعهُ كَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَنه أسلم عِنْد الْمَوْت وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيق يُونُس بن كَبِير لَكِن قَالَ إِنَّه مُنْقَطع والْحَدِيث أثبت لأبي طَالب الْوَفَاة على الْكفْر والشرك كَمَا روينَا فِي الصَّحِيح من حَدِيث سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه حَتَّى قَالَ آخر مَا كَلمهمْ بِهِ أَبُو طَالب قَوْله على مِلَّة عبد الْمطلب وأبى أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ قَالَ رَسُول الله
لأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لم أُنه عَنْك فَأنْزل الله ﷾ قَوْله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ التَّوْبَة ١١٣ وَأنزل الله فِي أبي طَالب ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ الْقَصَص ٥٦ وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث يحيى بن سَلمَة بن كهيل عَن أَبِيه عَن حَبَّة العرنى قَالَ رَأَيْت عَليّ بن أبي طَالب ضحك على الْمِنْبَر حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ثمَّ سُئِلَ بعد فَقَالَ ظهر علينا أَبُو طَالب وَأَنا مَعَ رَسُول الله
نصلي بِبَطن نَخْلَة فَقَالَ مَاذَا تصنعان يَا ابْن أخي فَدَعَاهُ رَسُول الله
إِلَى الْإِسْلَام فَقَالَ مَا بِالَّذِي تصنعان من بَأْس وَلَكِن وَالله لَا تعلوني استى أبدا فَذكرت ذَلِك فَضَحكت تَعَجبا من قَول أبي انْتهى ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه وَفِي الصَّحِيح إِن ابْن عَبَّاس سَأَلَ رَسُول الله
فَقَالَ إِن أَبَا طَالب كَانَ يحوطك وينصرك فَهَل نَفعه ذَلِك قَالَ نعم وجدته فِي غَمَرَات النَّار فَأَخْرَجته إِلَى ضحضاح مِنْهَا وروى البُخَارِيّ حَدِيث
[ ١ / ٣٩٢ ]
الضحضاح وَلَفظه مَا أغنيت عَن عمك فَإِنَّهُ كَانَ يحوطك ويغضب لَك قَالَ نعم هُوَ فِي ضحضاح من نَار وَلَوْلَا أَنا لَكَانَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله
قَالَ أَهْون أهل النَّار عذَابا أَبُو طَالب فِي ضحضاح من نَار منعل نَعْلَيْنِ من حَدِيد يغلي مِنْهُمَا دماغه قيل إِن النَّبِي
مسح أَبَا طَالب بعد مَوته بِيَدِهِ الشَّرِيفَة وأنسى بَاطِن قَدَمَيْهِ فَلم يمسحهما فَكَانَ مس الْعَذَاب لَهما وَذَلِكَ أَنه لما ثَبت قدماه ثبوتًا معنويًا على الشّرك كَانَ الْعقَاب عَلَيْهِمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ عَارض رَسُول الله
فَقَالَ وصلتك رحم وجزاك الله خيرا يَا عَم وَفِي معالم التَّنْزِيل الْكفْر أَرْبَعَة أَنْوَاع كفر الْإِنْكَار وَكفر الْجُحُود وَكفر النِّفَاق وَكفر العناد أما كفر الْإِنْكَار فَهُوَ أَلا يعرف الله بِالْقَلْبِ وَلَا يعْتَرف بِاللِّسَانِ وَأما كفر الْجُحُود فَهُوَ أَن يعرف الله بِقَلْبِه وَلَكِن لَا يقر بِلِسَانِهِ ككفر إِبْلِيس وَكفر الْيَهُود بِمُحَمد
من هَذَا الْقَبِيل قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ الْبَقَرَة ٨٩ أَي جَحَدُوا وَأما كفر النِّفَاق فَهُوَ أَن يقر بِاللِّسَانِ وَلَا يعْتَقد
[ ١ / ٣٩٣ ]
بِالْقَلْبِ وَأما كفر العناد فَهُوَ أَن يعرف الله بِقَلْبِه ويعترف بِلِسَانِهِ وَلَكِن لَا يدين بِهِ وَلَا يكون منقادا مُطيعًا ككفر أبي طَالب فَإِنَّهُ قَالَ فِي شعر لَهُ // (من الْكَامِل) //
(وَلَقَد علمت بأنّ دين محمدٍ من خير أَدْيَان البريّة دينا)
(لَوْلَا الْمَلَامَة أَو حذَارِي سبةٍ لوجدتّني سَمحا بِذَاكَ مُبينًا)
(وَدَعَوْتنِي وَعلمت أنّك ناصحي وَلَقَد صدقت وَكنت ثمّ أَمينا)
(وَالله لن يصلوا إِلَيْك بِجَمْعِهِمْ حَتَّى أُوسّد فِي التّراب دَفِينا)
(فَاصْدَعْ بِأَمْرك مَا عَلَيْك غضاضةٌ واجهر وقرّ بِذَاكَ مِنْك عيُونا)
وَجَمِيع الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة سَوَاء فِي أَن الله تَعَالَى لَا يغْفر لأصحابها إِذا مَاتُوا عَلَيْهَا نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا وَحكى عَن هِشَام بن السَّائِب الْكَلْبِيّ أَو أَبِيه أَنه قَالَ لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة جمع إِلَيْهِ وُجُوه قُرَيْش فأوصاهم فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش أَنْتُم صفوة الله من خلقه وَإِنِّي أوصيكم بِمُحَمد خيرا فَإِنَّهُ الْأمين فِي قُرَيْش وَالصديق فِي الْعَرَب وَهُوَ الْجَامِع لكل مَا أوصيكم بِهِ وَقد جَاءَ بِأَمْر قبله الْجنان وَأنْكرهُ اللِّسَان مَخَافَة الشنآن وَايْم الله كَأَنِّي أنظر إِلَى صعاليك الْعَرَب وَأهل الْوَبر والأطراف وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من النَّاس قد أجابوا دَعوته وَصَدقُوا كَلمته وعظموا أمره فَخَاضَ بهم غَمَرَات الْمَوْت فَصَارَت رُؤَسَاء قُرَيْش وَصَنَادِيدهَا أذنابًا ودورها خرابًا وضعفاؤها أَرْبَابًا فَإِذا أعظمهم إِلَيْهِ أحوجهم إِلَيْهِ وأبعدهم مِنْهُ أحظاهم عِنْده قد محضته الْعَرَب ودادها وأصفت لَهُ فؤادها وأعطت لَهُ قيادها يَا معشر قُرَيْش كونُوا لَهُ وُلَاة ولحرمه حماة وَالله لَا يسْلك أحد سَبيله إِلَّا رشد وَلَا يَأْخُذ أحد بهديه إِلَّا سعد وَلَو كَانَ لنَفْسي مُدَّة ولأجلي تَأْخِير لكففت عَنهُ الهزاهز ولدفعت عَنهُ الدَّوَاهِي ثمَّ هلك وَدفن بصدر الشّعب أَعلَى الْحجُون وَجُمْلَة أَوْلَاده أَرْبَعَة ذُكُور وأنثيان أكبرهم طَالب وَبِه كَانَ يكنى ثمَّ ولد لَهُ بعد عشر سنيتن عقيل ثمَّ بعد عشرَة سِنِين جَعْفَر ثمَّ بعد عشر سِنِين عَليّ والأنثيان هِنْد أَو فَاخِتَة وتكنى بِأم هانىء بِابْن كَانَ لَهَا اسْمه هَانِيء وَالْأُخْرَى جمانة
[ ١ / ٣٩٤ ]
وَأما طَالب فَهُوَ الْقَائِل // (من الرجز) //
(لاهمّ إمّا يغزونّ طَالب فِي عصبةٍ مخالفٌ محَارب)
(فِي مقنبٍ من تلكم المقانب فَلْيَكُن المسلوب غير السّالب)
(وَليكن المغلوب غير الْغَالِب )
قَالَ هَذَا الشّعْر عِنْد خُرُوج قُرَيْش لمنع العير فِي وقْعَة بدر ومحاربة النَّبِي
وَهِي وقْعَة بدر الْكُبْرَى وَكَانَ بَين طَالب فِي الْقَوْم وَبَين بعض قُرَيْش محاورة فَقَالُوا وَالله لقد عرفنَا يَا بني هَاشم وَإِن خَرجْتُمْ مَعنا إِن هواكم مَعَ مُحَمَّد
فَرجع طَالب إِلَى مَكَّة فَقَالَ هَذِه الأبيات قلت لم أفهم معنى هَذِه الأبيات وَهِي كَمَا ترَاهَا نقلتها من نُسْخَة قديمَة من سيرة ابْن هِشَام تَارِيخ كتبهَا سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة مصححة مقروءة فَلَا غلط فِي اللَّفْظ وَلَا تَصْحِيف إِلَّا أَن الْمَعْنى يحْتَاج إِلَى تَبْيِين وتوقيف إِذا المغلوب غير الْغَالِب والمسلوب غير السالب وَلم يظْهر لي وَجه فِي صِحَة الْمَعْنى إِلَّا أَن تكون لَفْظَة غير مصحفة من لَفْظَة عين فَيكون هَكَذَا فَلْيَكُن المسلوب عين السالب بِنصب المسلوب على أَنه خبر كَانَ متوسطًا وَاسْمهَا عين فَيكون دُعَاء مِنْهُ على قُرَيْش بالسلب لَهُم وَالْغَلَبَة عَلَيْهِم انْتهى قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي الرياض النضرة فِي مَنَاقِب الْعشْرَة عَن أبي الْحجَّاج مُجَاهِد بن جُبَير قَالَ كَانَ من نعم الله تَعَالَى على عَليّ بن أبي طَالب وَمِمَّا أَرَادَ الله بِهِ من الْخَيْر أَن قُريْشًا أَصَابَتْهُم شدَّة ومجاعة وَكَانَ أَبُو طَالب فِي مبدأ أمره مقلًا ذَا عِيَال كثير فَقَالَ رَسُول الله
للْعَبَّاس عَمه يَا عَبَّاس إِن أَخَاك أَبَا طَالب كثير الْعِيَال وَقد أصَاب النَّاس مَا ترى من هَذِه الأزمة فَانْطَلق بِنَا إِلَيْهِ فلنخفف من عِيَاله فآخذ من بنيه رجلا وَتَأْخُذ رجلا فنكفيهما عَنهُ قَالَ الْعَبَّاس نعم فَانْطَلَقْنَا
[ ١ / ٣٩٥ ]
حَتَّى أَتَيَا أَبَا طَالب فَقَالَا لَا إِنَّا نُرِيد أَن نخفف عَنْك من عِيَالك حَتَّى ينْكَشف عَن النَّاس مَا هم فِيهِ فَقَالَ لَهما أَبُو طَالب إِذا تركتما لي عقيلًا فاصنعا مَا شئتما وَفِي رِوَايَة وطالبًا فَأخذ رَسُول الله
عليا ﵁ فضمه إِلَيْهِ فَلم يزل عَليّ مَعَ رَسُول الله
حَتَّى بَعثه الله رَسُولا فَآمن بِهِ عَليّ وَصدقه وَأخذ الْعَبَّاس جعفرًا وَلم يزل جَعْفَر عِنْد الْعَبَّاس انْتهى وَلكُل من عَليّ وجعفر وَعقيل عقب وَأَكْثَرهم عقبًا عَليّ ﵁ وَسَيَأْتِي ذكرهم عِنْد ذكر خِلَافَته رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأما عقيل بن أبي طَالب فَلم يزل اسْمه جَاهِلِيَّة وإسلامًا عقيلًا ويكنى أَبَا يزِيد وَكَانَ قد خرج مَعَ كفار قُرَيْش مكْرها يَوْم بدر فَأسر فَفَدَاهُ عَمه الْعَبَّاس ثمَّ أَتَى النَّبِي
مُسلما قبل الْحُدَيْبِيَة وَشهد غَزْوَة مُؤْتَة روى أَنه ﵊ قَالَ لَهُ يَا أَبَا يزِيد إِنِّي أحبك حبين حبا لقرابتك وحبًا لما كنت أعلم من حب عمي إياك وَكَانَ أعلم قُرَيْش بأنسابها وأعرفهم بأيامها وَكَانَ مبغضًا إِلَيْهِم لِأَنَّهُ كَانَ يعد مساويهم وَكَانَت لَهُ قطيفة تفرش فِي مَسْجِد رَسُول الله
يُصَلِّي عَلَيْهَا ويجتمع عَلَيْهِ فِي علم النّسَب وَأَيَّام الْعَرَب وَكَانَ أسْرع النَّاس جَوَابا وأحضرهم مُرَاجعَة فِي القَوْل وأبلغهم فِي ذَلِك وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عقيلًا جَاءَ إِلَى عَليّ بالعراق فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵁ إِن أَحْبَبْت أَن أكتب لَك إِلَى مَالِي بينبع فأعطيك مِنْهُ فَقَالَ لَهُ عقيل لأذهبن إِلَى رجل أوصل لي مِنْك فَذهب إِلَى مُعَاوِيَة وَقَالَ أَبُو عَمْرو غاضب عقيل عليا وَخرج إِلَى مُعَاوِيَة وَأقَام عِنْده فزعموا أَن مُعَاوِيَة قَالَ يَوْمًا بِحَضْرَة عقيل هَذَا أَبُو يزِيد لَوْلَا علمه بِأَنِّي خير لَهُ من أَخِيه مَا أَقَامَ عِنْدِي وَتَركه فَقَالَ عقيل أخي خير لي فِي ديني وَأَنت خير لي فِي دنياي وَقد آثرت دنياي وأسأل الله خَاتِمَة خير وَتُوفِّي عقيل فِي خلَافَة مُعَاوِيَة يروي أَن الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط قَالَ لَهُ غلبك أَبُو تُرَاب على الثروة وَالْعدَد فَقَالَ عقيل نعم وسبقنيى وَإِيَّاك إِلَى الْجنَّة فَقَالَ
[ ١ / ٣٩٦ ]
الْوَلِيد أما وَالله إِن شدقيك لمتوضمتان من دم عُثْمَان فَقَالَ لَهُ عقيل ملك ولقريش إِن أَنْت فيهم لَا كمنيح الميسر فَقَالَ الْوَلِيد وَالله إِنِّي لأرى أهل الأَرْض لَو أشركوا فِي قَتله لوردوا صعُودًا فَقَالَ لَهُ عقيل كلا أما ترغب لَهُم عَن صُحْبَة أَبِيك وَذكر أَنه حضر وَمَعَهُ كَبْش لَهُ إِلَى مجْلِس عَليّ كرم الله وَجهه فَقَالَ عَليّ يمازحه بعد أَن اسْتَقر بهما الْمجْلس أحد الثَّلَاثَة أَحمَق فَقَالَ عقيل أما أَنا وكبشي فَلَا فتضاحكا طَويلا كَذَا فِي دوَل الْإِسْلَام للعلامة الذَّهَبِيّ وَمن أَوْلَاد عقيل مُسلم بن عقيل الَّذِي قَتله أهل الْكُوفَة حِين سيره الْحسن بن عَليّ ﵃ أَجْمَعِينَ إِلَيْهِم برسالة قبله وجميعهم من فاطمبة بنت أَسد بن هَاشم وَأما جَعْفَر بن أبي طَالب فيكنى أَبَا عبد الله أسلم قَدِيما وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة وَمَعَهُ زَوجته أَسمَاء بنت عُمَيْس وَولدت لَهُ ثمَّة ابنيه عبد الله ومحمدًا فحصلت لَهُ الهجرتان وَقد تقدم ذكر جواره بِأَرْض الْحَبَشَة وَمَا جرى لَهُ هُوَ وَأَصْحَابه مَعَ النَّجَاشِيّ بِسَبَب مَا قَالَه عَمْرو بن الْعَاصِ للنجاشي وَقِرَاءَة جَعْفَر سُورَة الْكَهْف بَين يَدي النَّجَاشِيّ وَأما أم هانىء فَتَزَوجهَا هُبَيْرَة بن أبي وهب المَخْزُومِي وَولدت لَهُ أَوْلَادًا وهرب إِلَى نَجْرَان وَمَات بهَا مُشْركًا وَهُوَ الْقَائِل يَوْم أحد يذكر قومه ويفتخر // (من الْبَسِيط) //
(مَا بَال همّ عميدٍ بَات يطرقني بالود من هِنْد إِذْ تَغْدُو عواديها)
(باتت تعاتبني هندٌ وتعذلني وَالْحَرب قد شغلت عنّي مواليها)
(مهلا فَلَا تعذليني إنّ من خلقي مَا قد علمت وَمَا إِن لست أُخفيها)
(مساعفٌ لبني كَعْب بِمَا كلفوا حمّال عبءٍ وأثقال أُعانيها)
(وَقد حملت سلاحي فَوق مشترف ساطٍ سبوحٍ إِذا يجْرِي يباريها)
(كأنّه إِذْ جرى عيرٌ بفدفدةٍ مكدّمٌ لاحقٌ بالعون يحميها)
(من آل أَعْوَج يرتاح النّديّ لَهُ كجذع شعراء مستعلٍ مراقيها)
(أعددتّه ورفاق الحدّ منتخلًا وَمَا رنا لخطوبٍ قد أُلاقيها)
(هَذَا وبيضاء مثل النّهي محكمةٌ لظّت عليّ فَمَا تبدو مساويها)
[ ١ / ٣٩٧ ]
(سقنا كنَانَة من أَطْرَاف ذِي يمنٍ عرض الْبِلَاد على مَا كَانَ يزجيها)
(قَالَت كنَانَة أنّى تذهبون بِنَا قُلْنَا النّخيل فأمّوها وَمن فِيهَا)
(نَحن الفوارس يَوْم الجرّ من أُحدٍ هابت معدٌّ فَقُلْنَا نَحن نأتيها)
(هابوا ضرابًا وطعنًا صَارِمًا خذمًا ممّا يرَوْنَ وَقد ضمّت قواصيها)
(ثمت رحنا كأنا عراض برد وَقَامَ هام بني النّجّار يبكيها)
(كأنّ هامهم عِنْد الوغى فلقٌ من قيض ربدٍ نفته عَن أداحيها)
(أَو حنظلٌ زعزعته الرّيح فِي غصنٍ بالٍ تعاوره مِنْهَا سوافيها)
(قد نبذل المَال سحًّا لَا حِسَاب لَهُ ونطعن الْخَيل شزرًا فِي مآقيها)
(وليلةٍ يصطلي بالفرث جازرها يختصّ بالنّفر المثرين داعيها)
(فِي ليلةٍ من جمادي ذَات أنديةٍ جربا جماديّةٍ قد بتّ أسريها)
(لَا ينبح الْكَلْب فِيهَا غير واحدةٍ من القريس وَلَا تسري أفاعيها)
(أوقدتّ فِيهَا لذِي الضّرّاء جاحمةً كالبرق ذاكية الْأَركان أُحميها)
(أورثني ذاكم عمرٌو ووالده من قبله كَانَ بِالْمَثْنَى يُغَالِيهَا)
(كَانُوا يبَارُونَ أَنوَاءَ النجُومِ فَمَا دنت عَن السّورة الْعليا معاليها)
فَأَجَابَهُ حسان بن ثَابت ﵁ فَقَالَ // (من الْبَسِيط) //
(سقتم كنَانَة جهلا من سفاهتكم إِلَى الرَّسُول فجند الله مخزيها)
(أوردتموها حِيَاض الْمَوْت ضاحيةً فالنّار موعدها وَالْقَتْل لاقيها)
(جمّعتموهم أحابيشًا بِلَا حسبٍ أئمّة الْكفْر غرّتكم طواغيها)
(ألها اعتبرتم بخيل الله إِذْ قتلت أهل القليب وَمن ألقينه فِيهَا)
(كم من أسيرٍ فككناه بِلَا ثمنٍ وجزّ ناصيةٍ كنّا مواليها)
وَإِنَّمَا أوردتها وجوابها لاشتمالها على المباني الراسخة والمعاني الشامخة وَأم هَانِيء هَذِه هِيَ الَّتِي صلى ﵊ فِي بَيتهَا يَوْم الْفَتْح صَلَاة الضُّحَى ثَمَان رَكْعَات فِي ثوب وَاحِد مُخَالفا بَين طَرفَيْهِ فروت ذَلِك وَقَالَت وَكَانَ
[ ١ / ٣٩٨ ]
قد التجأ إِلَيْهَا بعض أصهارها من بني مَخْزُوم قيل هُوَ الْحَارِث بن هَاشم وَآخر مَعَه فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن أخي عليا لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَأَن أَخَاف أَن يعلم بِمن لَجأ إِلَيّ فيقتله فَاجْعَلْ من دخل دَار أم هَانِيء آمنا حَتَّى يسمع كَلَام الله وَفِي رِوَايَة إِن أخي اراد قَتلهمَا إِنِّي قد اجرتهما فَقَالَ
قد أجرنا من أجرت يَا أم هَانِيء ثمَّ قَالَ هَل عنْدك من طَعَام نأكله فَقَالَت لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا كسر يابسة وَإِنِّي لأَسْتَحي أَن أقدمهن إِلَيْك قَالَ هَلُمِّي بِهن فكسرهن فِي مَاء وملح فَقَالَ هَل من إدام فَقَالَت مَا عِنْدِي يَا رَسُول الله إِلَّا شَيْء من خل فَقَالَ هلميه فَصَبَّهُ على طَعَامه فَأَكله ثمَّ حمد الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ نعم الإدام الْخلّ يَا أم هَانِيء لَا يفقر بَيت فِيهِ خل أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِهَذَا السِّيَاق
[ ١ / ٣٩٩ ]
وَمن أَوْلَادهَا من هُبَيْرَة جعدة بن هُبَيْرَة وَقد اسْتَعْملهُ عَليّ ﵁ حِين أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة وَهُوَ الْقَائِل // (من الطَّوِيل) //
(أَنا من بني مَخْزُوم إِن كنت سَائِلًا وَمن هَاشم أُمّي لخير قبيل)
(فَمن ذَا الّذي يبأى علّى بخاله وخالي عليٌّ ذُو النّدى وَعقيل)
قلت لَعَلَّ قبيلا مُضَاف إِلَى يَاء المتلكم تخلصًا من الْوُقُوع فِي الضَّرُورَة أَو ورطة عين الإقواء وَالله أعلم وَأما جمانة بنت أبي طَالب فَتَزَوجهَا ابْن عَمها أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَولدت لَهُ وَلم يسند عَنْهَا شَيْء ذكر ذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ وَأما أَبُو عَمْرو فَلم يذكرهَا فَلَعَلَّهُ لم يثبت إسْلَامهَا عِنْده لِأَنَّهُ لَا يذكر إِلَّا من أسلم فَلم يذكرهَا لذَلِك وَذكرهَا ابْن قُتَيْبَة وَأَبُو سعد فِي شرف النُّبُوَّة فِي جملَة أَوْلَاد أبي طَالب وَأما الْحَارِث فَهُوَ كَمَا سبق أكبر أَوْلَاد عبد الْمطلب وَبِه كَانَ يكنى مَاتَ قبل الْبعْثَة وَله من الْأَوْلَاد خَمْسَة ذُكُور أَبُو سُفْيَان وَنَوْفَل وَرَبِيعَة والمغيرة وَعبد شمس وَأُنْثَى وَاحِدَة وَهِي أروى أما أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث وَهُوَ الأول من اولاد الْحَارِث ذكرا واخو رَسُول الله
من الرضَاعَة أرضعتهما حليمة السعدية وَكَانَ ترب رَسُول الله
يألفه إلفًا شَدِيدا قبل النُّبُوَّة فَلَمَّا بعث ﵊ عَادَاهُ وهجاه وهجا أَصْحَابه وَكَانَ شَاعِرًا قَالَ الذَّهَبِيّ وَعَن مُحَمَّد بن
[ ١ / ٤٠٠ ]
إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله
قَالَ اهجوا قُريْشًا فَإِنَّهُ أَشد عَلَيْهِم من رشق النبل وَأرْسل إِلَى عبد الله بن رَوَاحَة فَقَالَ اهجهم فهجاهم فَلم يرضه ﵊ هجوه فَأرْسل إِلَى كَعْب بن مَالك كَذَلِك فهجاهم فَلم يرضه ثمَّ أرسل إِلَى حسان فَلَمَّا دخل قَالَ قد آن لكم أَن تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأسد الضَّارِب بِذَنبِهِ ثمَّ أدلع لِسَانه فَجعل يحركه ثمَّ قَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لأفرينهم بِهِ فري الْأَدِيم فَقَالَ ﵊ لَا تعجل فَإِن أَبَا بكر أعلم قُرَيْش بأنسابها وَإِن لي فيهم نسبا فأته حَتَّى يخلص لَك نسبي فَأَتَاهُ حسان ابْن ثَابت ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَا رَسُول الله قد أخْلص لي نسبك وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لأسلنك مِنْهُم كَمَا تسل الشعرة من الْعَجِين فَقَالَ // (من الطَّوِيل) //
(لقد علم الأقوام أنّ ابْن هاشمٍ هُوَ الْغُصْن ذُو الأفنان لَا الْوَاجِد الوغد)
(وأنّ سَنَام الْمجد من آل هاشمٍ بَنو بنت مَخْزُوم ووالدك العَبْد)
(وَمن ولدت أَبنَاء زهرَة مِنْهُم كرام وَلم يلْحق عجائزك الْمجد)
(وَلست كعبّاسٍ وَلَا كَابْن أُمّه وَلَكِن لئيم لَا يَقُول لَهُ زند)
(وَمَا لَك فيهم محتد غير ملصق فدونك فالصق مثل مَا لصق القرد)
(وإنّ امْرأ كَانَت غزيّة أُمه وسمراء مغمور إِذا بلغ الْجهد)
(وَأَنت زنيمٌ ليط فِي آل هَاشم كماليط خلف الرّاكب الْقدح الْفَرد)
وَقَالَ حسان عدمت بنيتي تَصْغِير بنت وَرَأَيْت فِي نُسْخَة ثنيتي وَفِي أُخْرَى نشيتي وَكلهَا يَقع بِهِ الْقسم بَينهم وَفِي رِوَايَة عدمنا خَيْلنَا // (من الوافر) //
(عدمنا خَيْلنَا إِن لم تَرَوْهَا تثير النّقع مطْلعهَا كداء)
(يبارين الأعنّة مسرجاتٍ تلطّمهنّ بِالْخمرِ النّساء)
(فإمّا تعرضوا عنّا اعتمرنا وَكَانَ الْفَتْح وانكشف الغطاء)
(وإلاّ فَاصْبِرُوا لجلاد يومٍ يعزّ الله فِيهِ من يَشَاء)
(وَقَالَ الله قد أرْسلت عبدا يَقُول الحقّ لَيْسَ بِهِ خَفَاء)
[ ١ / ٤٠١ ]
(وَقَالَ الله قد سيّرت جندًا هم الْأَنْصَار عُرْضَتُهَا اللقَاءُ)
(لَنَا فِي كُل يَوْمٍ مِنْ معدٍّ سبابٌ أَو قتالٌ أَو هجاء)
(وجبريلٌ رَسُول الله فِينَا وروح الله لَيْسَ لَهُ كفاء)
وَصرح بخطاب أبي سُفْيَان خَاصَّة فَقَالَ
(هجوت محمّدًا فأجبت عَنهُ وَعند الله فِي ذَاك الْجَزَاء)
(هجوت مُبَارَكًا برًّا حَنِيفا رَسُول الله شيمته الْوَفَاء)
(أتهجوه وَلست لَهُ بكفءٍ فشركما لخيركما الْفِدَاء)
(فَمن يهجو رَسُول الله مِنْكُم ويمدحه وينصره سَوَاء)
(فإنّ أَبى ووالده وعرضي لعرض محمّدٍ مِنْكُم وقاء)
(لساني صارمٌ لَا فلّ فِيهِ وبحري لَا تكدّره الدّلاء)
فَقَالَ رَسُول الله
يَا حسان إِن روح الْقُدس لَا يزَال يؤيدك مَا نافحت عَن الله وَرَسُوله قَالَ عَائِشَة سَمِعت رَسُول الله
يَقُول هجاهم حسان فشفى وأشفى وَقد قَالَ حسان بن ثَابت ﵁ غير هَذِه الأبيات الهمزية قبل فتح مَكَّة وَفِي مغازي ابْن عقبَة أَن رَسُول الله
أَمر خَالِدا أَن يدْخل من أَسْفَل مَكَّة وَنَهَاهُ عَن الْقِتَال فَلَمَّا دخل من أَسْفَلهَا قَاتل فَقَالَ لَهُ النَّبِي
لم قَاتَلت وَقد نهيتك عَن الْقِتَال قَالَ خَالِد هم بدءونا بِالْقِتَالِ وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاح واشعرونا بِالنَّبلِ وَقد كَفَفْت يَدي مَا اسْتَطَعْت فَقَالَ ﵊ مَا قضى الله خير وَيُقَال قَالَ أَبُو بكر يَوْمئِذٍ يَا رَسُول الله إِنِّي أرنى فِي الْمَنَام وأراك دنونا من مَكَّة فَخرجت إِلَيْنَا كلبة تهر فَقَالَ ﵊ ذهب كلبهم وَأَقْبل
[ ١ / ٤٠٢ ]
دِرْهَم ثمَّ الْتفت إِلَى أبي بكر مُبْتَسِمًا حِين رأى الْخَيل يلطمن بِالْخمرِ أَي ينفضن الْغُبَار عَن الْخَيل فاستنشده هَذِه الأبيات لحسان فأنشده إِيَّاهَا أَقُول تحْتَاج هَذِه السَّبْعَة الأبيات الدالية إِلَى تَفْسِير مبناها وتفصيل مَعْنَاهَا أما قَوْله بَنو بنت مَخْزُوم فَأَرَادَ بهم عبد الله بن عبد الْمطلب وَالِد النَّبِي
وَالزُّبَيْر بن عبد الْمطلب وَأَبا طَالب بن عبد الْمطلب والبيضاء بنت عبد الْمطلب وَمرَّة وعاتكة وأروى وَأُمَيْمَة فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الذُّكُور وَالْخمس الْإِنَاث أشقاء أمّهم جَمِيعًا فَاطِمَة بنت عَمْرو بن عَائِذ بن مَخْزُوم وَهِي المرادة بقوله بَنو بنت مَخْزُوم وَأما قَوْله وَمن ولدت أَبنَاء زهرَة مِنْهُم فيريد بذلك حَمْزَة والمقوم وحجل وَصفِيَّة فهم أشقاء أَيْضا أمّهم هَالة بنت وهيب بن عبد منَاف بن زهرَة وَأما قَوْله وَلست كعباس وَلَا كَابْن أمه يَعْنِي أَخَاهُ ضِرَارًا وهما شقيقان أَيْضا أمهما نثلة بنت جناب بن كلب بن النمر بن قاسط وَأما الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَهُوَ مُفْرد وَأمه سمراء بنت جُنْدُب بن هجير بن عَامر بن صعصعة وَابْنه أَبُو سُفْيَان هَذَا الْمَقْصُود بالهجاء كَذَلِك مُفْرد لَا شَقِيق لَهُ وَأمه غزيَّة بنت قُرَيْش بن طريف من ولد فهر بن مَالك وَقيل لَهُ شَقِيق يُسمى قثم بن الْحَارِث مَاتَ صَغِيرا وَالْمعْنَى أَن حسانا جعل تفرد أبي سُفْيَان من غزيَّة أمه تفرد أَبِيه من سمراء أمه غمزًا فِي نسبه مضمرًا ثمَّ أفْصح بِإِخْرَاجِهِ أَصَالَة من النّسَب فِي قَوْله فِي الْبَيْت الْأَخير وَأَنت زنيم إِلَى آخِره كَمَا أفحش فِي قَوْله فِي الْبَيْت الثَّانِي ووالدك العَبْد لَعَلَّه أَرَادَ معنى الْعُبُودِيَّة لله وروى عَنهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِيهِ هجاؤه وعَلى الْجُمْلَة فَللَّه در حسان فِيمَا أَتَى بِهِ فِي هجاء هَذَا السَّيِّد الْكَرِيم ذِي النّسَب الصَّرِيح اللّبَاب الصميم إِذْ هُوَ من أكبر أَوْلَاد عبد الْمطلب وَمن بِهِ كَانَ يكنى فَيُقَال يَا أَبَا الْحَارِث كَمَا تقدم ذكر ذَلِك لَكِن يسْتَحق الْعَزِيز المذلة بتطاوله على الْأَعَز وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلكنه لله الْحَمد أسلم فَإِنَّهُ لما كَانَ عَام الْفَتْح ألْقى الله فِي قلبه الْإِسْلَام فَخرج متنكرًا فتصدى لرَسُول الله
فَأَعْرض عَنهُ فتحول إِلَى
[ ١ / ٤٠٣ ]
الْجَانِب الآخر فَأَعْرض عَنهُ قَالَ أَبُو سُفْيَان فَقلت أَنا مقتول قبل أَن أصل إِلَيْهِ وَذَلِكَ بطرِيق الْأَبْوَاء مقبل النَّبِي
إِلَى فتح مَكَّة فَأسلم وَحسن إِسْلَامه وَيُقَال أَنه مَا رفع راسه إِلَى النَّبِي
حَيَاء مِنْهُ وَأسلم مَعَه ابْنه جَعْفَر فَأَسْلمَا قبل دُخُول مَكَّة وَقيل بل لقِيه هُوَ وَابْنه بَين السقيا وَالْعَرج فَأَعْرض رَسُول الله
عَنْهُمَا فَقَالَت لَهُ أم سَلمَة زوج النَّبِي
يَا رَسُول الله لَا يكن ابْن عمك أَشْقَى النَّاس بك وَقَالَ لَهُ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكرم وَجهه يَا أَبَا سُفْيَان ائْتِ رَسُول الله
من قبل وَجهه فَقل لَهُ مَا قَالَه إخْوَة يُوسُف ليوسف ﴿تَاللهِ لَقَد آثَرَكَ الله علينَا وَإن كُنَا لَخَاطِئين﴾ يُوسُف ٩١ فَإِنَّهُ لَا يرضى أَن يكون أحد أحسن قولا مِنْهُ فَفعل ذَلِك أَبُو سُفْيَان ﵁ فَقَالَ ﵊ ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ يُوسُف ٩٢ قَالَ أَبُو سُفْيَان وسرت مَعَه حَتَّى شهِدت فتح مَكَّة وحنينًا فَلَمَّا لَقينَا الْعَدو بحنين اقتحمت فرسي وَبِيَدِي السَّيْف صَلتا وَالله يعلم أَنِّي أُرِيد الْمَوْت دونه وَهُوَ ينظر إِلَيّ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله أَخُوك وَابْن عمك أَبُو سُفْيَان فارض عَنهُ فَقَالَ قد فعلت فغفر الله كل عَدَاوَة عادانيها ثمَّ الْتفت إِلَيّ فَقَالَ أخي لعمري فَقبلت رجله فِي الركاب وَكَانَ أَبُو سُفْيَان مِمَّن ثَبت مَعَ رَسُول الله
وَلم يفر وَلم تفارق يَده لجام بغلة رَسُول الله
وَكَانَ الَّذين يشبهون رَسُول الله
سَبْعَة جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁
[ ١ / ٤٠٤ ]
وَالْحسن بن عَليّ ﵁ وَعبد الله بن عَامر ابْن عمته الْبَيْضَاء المكناة أم حليمة وَعبد الله بن جَعْفَر ﵄ وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث هَذَا ﵁ وَكَانَ
يحب أَبَا سُفْيَان بن الْحَارِث وَشهد لَهُ بِالْجنَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث من شُبَّان الْجنَّة وَقَالَ أَبُو سُفْيَان خير أَهلِي أَو من خير أَهلِي وَلما حضرت أَبَا سُفْيَان الْوَفَاة قَالَ لأَهله لَا تبكوا عَليّ فَإِنِّي لم ألمم بخطيئة مُنْذُ أسلمت وَمَات ﵁ بِالْمَدِينَةِ بعد اسْتِخْلَاف عمر سنة عشْرين من الْهِجْرَة وَصلى عَلَيْهِ عمر ﵁ وَدفن قيل بِالبَقِيعِ وَقيل بدار عقيل بن أبي طَالب وحفر قبر نَفسه قبل أَن يَمُوت بِثَلَاثَة أَيَّام فَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد جَعْفَر الَّذِي أسلم مَعَه وَشهد حنينًا مَعَ النَّبِي
وَتُوفِّي فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَعبد الله رأى النَّبِي
وروى عَنهُ وَأَبُو الْهياج قيل اسْمه عبد الله أَو عَليّ فهم ثَلَاثَة وَابْنَة رَابِعَة وَاسْمهَا عَاتِكَة تزَوجهَا معتب بن أبي لَهب وَولدت لَهُ وَأما نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَهُوَ الثَّانِي من أَوْلَاد الْحَارِث ذكرا وَكَانَ أسن من إخْوَته وَمن جَمِيع من أسلم من بني هَاشم فَأسر يَوْم بدر فَفَدَاهُ الْعَبَّاس أَو هُوَ فدى نَفسه وَذَلِكَ أَنه لما أسر قَالَ رَسُول الله
افْدِ نَفسك برماحك الَّتِي بجدة قَالَ وَالله مَا علم أحد اني لي بجدة رماحًا بعد الله أشهد أَنَّك رَسُول الله وفدى نَفسه بهَا وَكَانَت ألف رمح ثمَّ شهد مَعَ رَسُول الله
فتح مَكَّة وحنينًا والطائف وَكَانَ مِمَّن ثَبت مَعَ رَسُول الله
يَوْم حنين فَقَالَ رَسُول الله
كَأَنِّي أرى رماحك تقصف أصلاب الْمُشْركين وآخى رَسُول الله
بَينه
[ ١ / ٤٠٥ ]
وَبَين الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّة متفاوضين فِي المَال متحابين توفّي بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة عمر وَصلى عَلَيْهِ وشيعه بِالبَقِيعِ ووقف على قَبره حِين دفن وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد الْحَارِث وَعبد الله وَعبيد الله والمغيرة وَسَعِيد وَعبد الرَّحْمَن وَرَبِيعَة فهم سَبْعَة فَأَما الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ ببة لِأَن أمه هِنْد ابْنة سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة كَانَت ترقصه وَهُوَ طِفْل فَتَقول // (من الرجز) //
(لأنكحن ببّة جَارِيَة خدبّه)
(مكرمَة محبّه تحبّ أهل الكعبه)
والخدبة الْعَظِيمَة السمينة والخدب الْعَظِيم السمين الجافي وَكَانَ الْحَارِث هَذَا قد اصلح عَلَيْهِ أهل الْبَصْرَة حِين توفى يزِيد بن مُعَاوِيَة وَخرج ابْن الْأَشْعَث فَلَمَّا هزم هرب إِلَى همذان فَمَاتَ بهَا وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ الْحَارِث بن نَوْفَل على عَهده ﵊ ولد لَهُ عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فاتى بِهِ رَسُول الله
فحنكه ودعا لَهُ وَكَانَت تَحت الْحَارِث هَذِه درة بنت أبي لَهب بن عبد الْمطلب وَاسْتَعْملهُ ﵊ على بعض اعمال بِمَكَّة وَاسْتَعْملهُ أَبُو بكر أَيْضا وَقيل إِنَّه مَاتَ بِالْبَصْرَةِ بعد أَن اختطها دَارا فِي ولَايَة عبد الله بن عَامر بن كريز فَمَاتَ بهَا آخر خلَافَة عُثْمَان ﵄ وَأما الْمُغيرَة بن نَوْفَل بن الْحَارِث فيكنى أَبَا يحيى بِابْن لَهُ من أُمَامَة بنت الرّبيع الَّتِي أمهَا زَيْنَب بنت رَسُول الله
كَانَ الْمُغيرَة تزَوجهَا بعد عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكرم وَجهه شهد صفّين مَعَ عَليّ وولاه الْقَضَاء عُثْمَان بن عَفَّان ولد الْمُغيرَة الْمَذْكُور بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة وَقيل بعْدهَا وَلم يدْرك من حَيَاته ﵊ غير سِتّ سِنِين وَهُوَ الَّذِي تلقى عبد الرَّحْمَن بن ملجم لَعنه الله حِين ضرب علينا فَلَمَّا علم النَّاس بِهِ حمل عَلَيْهِم بِسَيْفِهِ فأفرجوا لَهُ فَتَلقاهُ الْمُغيرَة هَذَا بقطيفة فَرَمَاهَا عَلَيْهِ واحتمله وَضرب بِهِ الأَرْض وَقعد على صَدره وانتزع السَّيْف من يَده وَكَانَ أسدًا وافرا
[ ١ / ٤٠٦ ]
وَأما عبد الله بن نَوْفَل فَكَانَ جميلًا يشبه رَسُول الله
ولي الْقَضَاء بِالْمَدِينَةِ لمعاوية وَهُوَ أول قاضٍ لَهَا بهَا وَأما عبيد الله بن نَوْفَل وَسَعِيد بن نَوْفَل فقد روى عَنْهُمَا الْعلم وَأما عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل وَرَبِيعَة بن نَوْفَل فَذكر الدارقطين أَن لَا لقيا لَهما وَلَا رِوَايَة وَأما ربيعَة بن الْحَارِث وَهُوَ الثَّالِث من أَوْلَاد الْحَارِث بن عبد الْمطلب ذكرا ويكنى أَبَا أروى فَكَانَت لَهُ صُحْبَة وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ﵊ يَوْم فتح مَكَّة أَلا إِن كل مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة فَهِيَ تَحت قدمي هَاتين وَدِمَاء الْجَاهِلِيَّة مَوْضُوعَة وَإِن أول دم أَنا وَاضعه دم آدم بن ربيعَة بن الْحَارِث وَذَلِكَ أَنه كَانَ قتل لِرَبِيعَة بن الْحَارِث الْمَذْكُور ابْن سمي آدم وَقيل تَمام وأبطل ﵊ الطّلب بِهِ فِي الْإِسْلَام وَلم يَجْعَل لِرَبِيعَة فِي ذَلِك تبعة وأطعمه ﵊ الطّلب بِهِ فِي الْإِسْلَام وَلم يَجْعَل لِرَبِيعَة فِي ذَلِك تبعة وأطعمه ﵊ الطّلب بِهِ فِي الْإِسْلَام وَلم يَجْعَل لِرَبِيعَة فِي ذَلِك تبعة وأطعمه ﵊ مائَة وسق من خَيْبَر كل عَام وَكَانَ أسن من الْعَبَّاس بِنَحْوِ سنة وَكَانَ شريك عُثْمَان فِي التِّجَارَة توفّي فِي آخر خلَافَة عمر ﵁ وَله من الْوَلَد الْعَبَّاس بن ربيعَة وَعبد الْمطلب بن ربيعَة وَعبد الله بن ربيعَة وَشهد الْعَبَّاس وَعبد الله صفّين مَعَ عَليّ وللعباس وَاقعَة غَرِيبَة سأذكرها فِي وقْعَة صفّين إِن شَاءَ الله تَعَالَى والْحَارث بن ربيعَة وَأُميَّة بن ربيعَة وَعبد شمس بن ربيعَة ذكر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الدَّارَقُطْنِيّ وآدَم بن ربيعَة وَكَانَ هَذَا ذَا قدر عَظِيم أقطعه عُثْمَان دَارا بِالْبَصْرَةِ وَأَعْطَاهُ مائَة ألف دِرْهَم وَله أَوْلَاد من أم فراس بنت حسان بن ثَابت وَكَذَلِكَ عدَّة بَنَات لم تذكر أسماؤهن مِنْهُنَّ أروى بنت ربيعَة وَهِنْد تزَوجهَا حَيَّان بن منقذ الْأنْصَارِيّ النجاري فَولدت لَهُ يحيى بن حَيَّان قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ وَلم أظفر بأسمائهن وَلَا بعددهن وَإِنَّمَا ذكر لَهُنَّ على سَبِيل الْإِجْمَال وَأما الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَهُوَ الرَّابِع من أَوْلَاد الْحَارِث السِّتَّة فَلهُ
[ ١ / ٤٠٧ ]
صُحْبَة قيل إِن الْمُغيرَة اسْم لأبي سُفْيَان فَهُوَ عينه وَالصَّحِيح أَنه أَخُوهُ فَهُوَ غَيره وَأما عبد شمس بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَهُوَ الْخَامِس من أَوْلَاد الْحَارِث بن عبد الْمطلب سَمَّاهُ ﵊ عبد الله وَمَات بالصفراء فِي حَيَاته ﵊ فَكَفنهُ فِي قَمِيصه وَقَالَ سعيد أَدْرَكته السَّعَادَة وَله عقب بِالشَّام يُقَال لَهُم المنازرة لقلتهم لَا يكادون يزِيدُونَ على ثَلَاثَة أشخاص وَفِي مُعْجم الْبَغَوِيّ لَا عقب لَهُ وَأما أَبُو لَهب بن عبد الْمطلب واسْمه عبد الْعُزَّى فقد كناه أَبوهُ بذلك لحسنه وإشراق وَجهه وَله من الْأَوْلَاد ثَلَاثَة ذُكُور وأنثيان عتبَة وعتيبة ومعتب ودرة وسبيعة إِن كَانَت غير درة وَإِلَّا فالأربعة أسلم الأول وَالثَّالِث من الذُّكُور وهما من أم جميل حمالَة الْحَطب ابْنة حَرْب بن أُميَّة أُخْت أبي سُفْيَان بن حَرْب أسلما يَوْم الْفَتْح وَكَانَا قد هربا من النَّبِي
وَلما قدم مَكَّة ﵊ قَالَ يَا عَبَّاس أَيْن ابْنا أَخِيك عتبَة ومعتب لَا أراهما قَالَ الْعَبَّاس فَقلت يَا رَسُول الله تنحيا فِيمَن تنحى من مشيخة قُرَيْش فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِمَا فائتني بهما قَالَ الْعَبَّاس فركبت إِلَيْهِمَا بِعَرَفَة فَقلت إِن رَسُول الله
يدعوكما فركبا معي فَقدما على رَسُول الله
فدعاهما إِلَى الْإِسْلَام فَأَسْلمَا وبايعهما وسر بإسلامهما وشهدا مَعَه حنينًا والطائف وفقئت عين معتب بحنين وَكَانَ فِيمَن ثَبت وَلم ينهزم وَلم يخرجَا بعد من مَكَّة وَلما يأتيا الْمَدِينَة وَلَهُمَا عقب وروى الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن سعيد بن جبر عَن ابْن عَبَّاس لم نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ الشُّعَرَاء ٢١٤ خرج رَسُول الله
حَتَّى صعد الصَّفَا فَهَتَفَ يَا صَبَاحَاه قَالُوا من هَذَا الَّذِي يَهْتِف قيل مُحَمَّد فاجتموا إِلَيْهِ فَقَالَ أَرَأَيْتُم لَو أَخْبَرتكُم أَن خيلًا تخرج من خلف هَذَا الْجَبَل أَكُنْتُم مصدقي
[ ١ / ٤٠٨ ]
قَالُوا نعم مَا جربنَا عَلَيْك كذبا قَالَ فَإِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد فَقَالَ أَبُو لَهب تَبًّا لَك أَلِهَذَا جمعتنَا فَنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد ١ كَذَا فِي صَحِيح مُسلم وروى ابْن عُيَيْنَة عَن أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق ﵄ لما نزلت سُورَة تبت أَقبلت أم جميل بنت حَرْب زَوْجَة أبي لَهب وَلها ولولة وبيدها فهر وَهِي تَقول // (من الرجز) //
(مذمما قلينا ودينة ابينا أمره عصينا)
وَالنَّبِيّ
بِالْمَسْجِدِ وَأَبُو بكر مَعَه فَقَالَ يَا رَسُول الله قد أَقبلت هَذِه وَإِنَّهَا امْرَأَة بذيئة فَلَو قُمْت فَقَالَ النَّبِي
إِنَّهَا لن تراني فَجَاءَت فَلم تره فَقَالَت يَا أَبَا بكر أَيْن صَاحبك فقد أخْبرت أَنه قد هجاني فو الله لَو وجدته لضَرَبْت بِهَذَا الفهر فَاه وَالله اني لشاعرة فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر ﵁ لَا وَرب الْبَيْت مَا هجاك وَإنَّهُ لَا يَقُول الشّعْر فَقَالَت أَنْت عِنْدِي مُصدق فَانْصَرَفت وَهِي تَقول لقد علمت قُرَيْش أَنِّي ابْنة سَيِّدهَا فَقَالَ أَبُو بكر للنَّبِي
إِنَّهَا لم ترك يَا رَسُول الله فَقَالَ ﵊ لم يزل عِنْدِي ملك يسترني مِنْهَا بجناحيه قَالَ أَبُو زناد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله
قَالَ انظرونا قُريْشًا كَيفَ يصرف الله عني شتمهم ولعنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وَأَنا مُحَمَّد النَّبِي
كَذَا فِي التلقيح للعلامة ابْن الْجَوْزِيّ ﵀
[ ١ / ٤٠٩ ]
وَلما نزلت سُورَة تبت قَالَ أَبُو لَهب لِوَلَدَيْهِ عتبَة وعتيبة رَأْسِي من رأسكما حرَام إِن لم تفارقنا ابْنَتي مُحَمَّد وكانتا تحتهما رقية تَحت عتبَة وَأم كُلْثُوم تَحت عتيبة ففارقاهما وَلم يَكُونَا دخلا بهما فصانهما الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَلما فارقاهما جَاءَ عتيبة إِلَى النَّبِي
فَقَالَ كفرت بِدينِك وَفَارَقت ابْنَتك لَا تحبني وَلَا أحبك ثمَّ سَطَا عَلَيْهِ وشق قَمِيصه وَهُوَ خَارج نَحْو الشَّام تَاجِرًا فَقَالَ ﵊ اللَّهُمَّ سلط عَلَيْهِ كَلْبا من كلابك وَأَبُو طَالب حَاضر فَوَجَمَ لَهَا فَقَالَ لَهُ مَا كَانَ أَغْنَاك عَن دَعْوَة ابْن أخي فَخرج فِي تجر من قُرَيْش حَتَّى نزلُوا مَكَانا بِالشَّام يُقَال لَهُ البلقاء لَيْلًا فأطاف بهم الْأسد تِلْكَ اللَّيْلَة فَجعل عتيبة يَقُول يَا ويل أُمِّي هُوَ وَالله آكِلِي كَمَا دَعَا عَليّ مُحَمَّد أقاتلي ابْن أبي كَبْشَة وَهُوَ بِمَكَّة وَأَنا بِالشَّام روى أَنهم جمعُوا مَتَاعهمْ وقصدوه وناموا حوله وَعَلِيهِ فجَاء الْأسد فَجعل يشم وُجُوههم ثمَّ ألْقى ذَنبه فَضَربهُ ضَرْبَة وَاحِدَة فخدشه فَقَالَ قتلتني وَمَات وَفِي رِوَايَة أَن الْأسد أقبل يَتَخَطَّاهُمْ حَتَّى أَخذ بِرَأْس عتيبة ففدغه ذكره الدولابي كَذَا فِي الذَّخَائِر قلت قَول عتيبة أقاتلي ابْن أبي كبيشة يَعْنِي النَّبِي
هُوَ كَقَوْل أبي سُفْيَان بن حَرْب وَهُوَ عِنْد ملك الرّوم لما جَاءَهُ كتاب النَّبِي
وَسَأَلَ أَبَا سُفْيَان عَن نسب النَّبِي
وَغَيره وَرَأى أَبُو سُفْيَان مَا رأى من خوف هِرقل لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة حِين أصبح يخافه ملك بني الْأَصْفَر وكقول غَيره من كفار قُرَيْش قَالَ ابْن أبي كَبْشَة وَفعل ابْن أبي كَبْشَة وَنسبَة النَّبِي
إِلَيْهِ فِيهَا أَقْوَال قيل إِنَّهَا كنية أَبِيه لأمه وهب بن عبد منَاف
[ ١ / ٤١٠ ]
وَقيل كنية أَبِيه من الرضَاعَة الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى وَقيل إِن سلمى أم عبد الْمطلب كَانَ أَبوهَا عَمْرو بن لبيد يكنى أَبَا كَبْشَة وَالْأَشْهر من هَذِه الْأَقْوَال كلهَا عِنْد النَّاس أَنهم شبهوه بِرَجُل كَانَ يعبد الشعري وَحده دون الْعَرَب فشبهوه بِخُرُوجِهِ عَن دين قومه كخروج الْمُشبه بِهِ ونسبوه إِلَيْهِ بِسَبَب هَذِه المشابهة وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ اسْم أبي كَبْشَة هَذَا فِي المؤتلف والمختلف فَقَالَ اسْمه وخز بن غَالب وَهُوَ خزاعي انْتهى كَذَا فِي الرَّوْض الْأنف للعلامة السُّهيْلي وَأما درة بنت أبي لَهب فَأسْلمت تزَوجهَا نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَولدت لَهُ أَبَا سَلمَة والوليد وَعقبَة وروت عَن أبي هُرَيْرَة أَن أُخْتهَا سبيعة بنت أبي لَهب شكت إِلَيْهِ ﵊ أَذَى النَّاس لَهَا بقَوْلهمْ لَهَا بنت حطب النَّار وَقيل إِن سبيعة لقب لدرة فَهِيَ عينهَا لَا غَيرهَا وَزيد عَلَيْهِمَا فروى خالدة وَلَا رِوَايَة لَهما قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ وَأما الزبير بن عبد الْمطلب فَلهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد ذكر وَاحِد وَهُوَ عبد الله وابنتان أم حَكِيم وضباعة أم عبد الله بن الزبير فأمه عَاتِكَة بنت أبي وهب أُخْت هُبَيْرَة بن أبي وهب زوج أم هَانِيء بنت أبي طَالب أدْرك الْإِسْلَام وَثَبت مَعَه ﵊ يَوْم حنين شهد أجنادين فِي خلَافَة أبي بكر وَاسْتشْهدَ بهَا بعد أَن قتل جمَاعَة من الرّوم وجدوا حوله قَتْلَى ثمَّ أثخنته الْجراحَة فَمَاتَ وَذكر الْوَاقِدِيّ فَقَالَ كَانَ أول قَتِيل من الرّوم بطرِيق معلم برز ودعا إِلَى البرَاز فبرز إِلَيْهِ عبد الله بن الزبير بن عبد الْمطلب هَذَا فَقتله عبد الله وَلم يعْتَرض لسلبه ثمَّ برز آخر يَدْعُو إِلَى البرَاز فبرز إِلَيْهِ أَيْضا الله فاقتتلا بالرمحين ثمَّ صَارا إِلَى السيفين فَضَربهُ عبد الله على عَاتِقه وَهُوَ يَقُول خُذْهَا وَأَنا ابْن عبد الْمطلب فَقطع سَيْفه وأسرع فِي مَنْكِبه ثمَّ ولى الرُّومِي مُنْهَزِمًا فعزم عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ لَا يبارز فَقَالَ عبد الله إِنِّي وَالله مَا أجد أَنِّي أَصْبِر فَلَمَّا التحمت السيوف وَأخذ بَعْضهَا بَعْضًا وجد فِي ربضة من الرّوم عشرَة حوله قَتْلَى وَهُوَ بَينهم قَتِيل وَكَانَت سنه نَحوا من ثَلَاثِينَ سنة وَلم يعقب وَأما ضباعة بنت الزبير وَهِي الَّتِي أمرهَا ﵊ بالاشتراط فِي
[ ١ / ٤١١ ]
الْحَج يَعْنِي اشْتِرَاط التَّحَلُّل بِوُقُوع الْمَرَض فَكَانَت تَحت الْمِقْدَاد بن الْأسود الْكِنْدِيّ وَأما أم حَكِيم فَكَانَت تَحت ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب قَالَه ابْن قُتَيْبَة وَأما الغيداق والمقوم وحجل وَضِرَار والعوام وَقثم على الْعدة المصدرة الَّتِي عدهَا ابْن الْجَوْزِيّ فَلم يذكر الْقُسْطَلَانِيّ وَابْن هِشَام لَهُم عقبًا وَالْحَاصِل أَن جملَة بني اعمامه
خَمْسَة وَعِشْرُونَ اثْنَان مِنْهُم لم يسلما طَالب بن أبي طَالب وعتيبة بن أبي لَهب أكيل السَّبع وَالْبَاقُونَ أَسْلمُوا وَلَهُم صُحْبَة وَأما أَوْلَاد أبي طَالب فعقيل وجعفر وَعلي وَأما بَنو الْعَبَّاس فعشرة الْفضل وَعبد الله وَعبيد الله وَعبد الرَّحِيم وَقثم ومعبد وَكثير والْحَارث وَعون وَتَمام وَأما بَنو الْحَارِث بن عبد الْمطلب فخمسة أَبُو سفاين وَنَوْفَل وَرَبِيعَة والمغيرة وَعبد شمس كَذَا عدهم صَاحب تَارِيخ الْخَمِيس قلت وَلَيْسَ مِنْهُم عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب كَمَا توهم بَعضهم فعدهم بِهِ سِتَّة إِذْ الْكَلَام فِي بني الْحَارِث بن عبد الْمطلب لَا فِي أَبنَاء الْمطلب فَهُوَ ابْن ابْن عَم أَبِيهِم لَا اخوهم وَعبارَته فِي تَرْجَمَة عبيد بن الْحَارِث هِيَ عُبَيْدَة بن الْحَارِث ابْن الْمطلب كَانَ اسن من رَسُول الله
بِعشر سِنِين وَأسلم قبل دُخُوله دَار الأرقم ثمَّ شهد بَدْرًا وجرح بهَا وتأخرت وَفَاته حَتَّى وصل وَادي الصَّفْرَاء فَدفن بهَا وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة انْتهى قلت وَهُوَ المبارز لعتبة بن ربيعَة يَوْم بدر فَإِنَّهُ صرع عتبَة وَعتبَة ضربه فِي نصف سَاقه فقطعها فَلذَلِك هُوَ الْجرْح الَّذِي مَاتَ بِهِ وَأما بَنو أبي لَهب فَثَلَاثَة عتبَة وعتيبة ومعتب وَأما بَنو حَمْزَة فعمارة ويعلى وَأما بَنو الزبير بن عبد الْمطلب فواحد عبد الله بن الزبير بن عبد الْمطلب فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة وَعِشْرُونَ رجلا وَأَن جملَة بَنَات اعمامه
عشر اثْنَتَانِ لأبي طَالب أم هانىء وجمانة وَثَلَاث
[ ١ / ٤١٢ ]
للْعَبَّاس أم حَبِيبَة وَصفِيَّة وأمينة وَوَاحِدَة لأبي لَهب اسْمهَا درة وَوَاحِدَة لِحَمْزَة اسْمهَا فَاطِمَة وَأما عماته وأولادهن فعماته سِتّ الْبَيْضَاء وعاتكة وأروى وبرة وَأُمَيْمَة وَصفِيَّة أما الْبَيْضَاء وتكنى أم حَكِيم فَهِيَ توأم عبد الله وَالِد النَّبِي
تزَوجهَا كزير بن ربيعَة بن عبد شمس فَولدت لَهُ عَامِرًا وَهَذَا عَامر هُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الشّعب بِمَكَّة الْمَعْرُوف بشعب عَامر كَذَا رَأَيْته فِي شِفَاء الغرام للعلامة الفاسي وَهُوَ وَالِد عبد الله بن عَامر الَّذِي تفل فِي فَمه النَّبِي
هُوَ طِفْل فتسوعها وازدراها فَقَالَ النَّبِي
أَنه لمسقى وَهُوَ أحد السَّبْعَة المشهابهين لَهُ
فِي الْخلقَة وَقد تقدم ذكرهم وَهُوَ الَّذِي شقّ نهر الْبَصْرَة حِين كَانَ عَاملا عَلَيْهِ لعُثْمَان ﵁ ولي الْعرَاق وخراسان وَهُوَ ابْن أَربع وَعشْرين سنة وَقَالَ فِيهِ النَّبِي
يَا بني عبد شمس هُوَ من صلبكم وَهُوَ بِنَا أشبه مِنْهُ بكم ثمَّ ولدت الْبَيْضَاء الْمَذْكُورَة لكريز بعد عَامر أُخْتا لَهُ اسْمهَا أروى وَهِي أم عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فعامر خَال عُثْمَان وَابْنه عبد الله بن عَامر ابْن خَاله وَعُثْمَان ابْن عمَّة عبد الله بن عَامر الْمَذْكُور وَأما عَاتِكَة ابْنة عبد الْمطلب فَتَزَوجهَا أَبُو أُميَّة المَخْزُومِي فأنجب مِنْهَا عبد الله وزهيرًا فَأَما عبد الله بن أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي فَأسلم وَكَانَ قبل إِسْلَامه شَدِيد الْعَدَاوَة لَهُ ﵊ وللمسلمين وَهُوَ الَّذِي قَالَ لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا ثمَّ أَنه خرج مُهَاجرا إِلَى النَّبِي
فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيق بَين السقيا وَالْعَرج مرِيدا مَكَّة عَام الْفَتْح فَتَلقاهُ فَأَعْرض عَنهُ ﵊ ثمَّ تَلقاهُ فَأَعْرض عَنهُ مرّة أُخْرَى حَتَّى دخل على أُخْته لأمه أم سَلمَة وسألها أَن تشفع لَهُ فشفعها فِيهِ رَسُول الله
فَأسلم وَحسن إِسْلَامه وَشهد مَعَ رَسُول الله
فتح مَكَّة مُسلما وحنينًا والطائف فَرمى يَوْم الطَّائِف بِسَهْم فَقتل فَمَاتَ
[ ١ / ٤١٣ ]
شَهِيدا وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ المخنث فِي بَيت أم سَلمَة يَا عبد الله إِذا فتح الله عَلَيْكُم الطَّائِف غَدا فَإِنِّي أدلك على بادية بنت غيلَان فَإِنَّهَا تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان إِن مشت تثنت وَإِن قعدت تبنت وَإِن تحدثت تغنت وَإِن لبين فخذيها لكالعقب المكفى قَالَ فَدخل ﵊ على أم سَلمَة حِينَئِذٍ فَسَمعهُ يتَكَلَّم بِهَذَا الْكَلَام فَقَالَ اخْرُج فَلَقَد غلغلت النّظر يَا عَدو الله وَفِي رِوَايَة من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ يدْخل على ازواج رَسُول الله
مخنث قَالَت وَكَانُوا يعدونه من غير أولي الإربة ثمَّ قَالَ
لَا يدْخل عَلَيْكُم هَذَا بعد الْيَوْم فحجبوه وَقَوله تقبل بِأَرْبَع إِلَى آخر مَا قَالَ سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْمَقْصد الرَّابِع قبل الخاتمة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فالأليق تَأْخِيره عَن ذكره فِي معرض ذكر أَعْمَامه وعماته ﵊ وَأما زُهَيْر بن أُميَّة فَأسلم وعد من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَهُوَ أحد القائمين فِي نقض الصَّحِيفَة القاطعة الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَالْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي قَول الإِمَام أبي سعيد البوصيري وَزُهَيْر والمطعم بن عدي إِلَى آخِره وَأَبُو أُميَّة هَذَا هُوَ وَالِد أم سَلمَة زوج النَّبِي
مشيرة الْحُدَيْبِيَة بِالْحلقِ الَّتِي كَانَت زَوْجَة أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي تزَوجهَا النَّبِي
بعد وَفَاته وعاتكة هَذِه هِيَ صَاحِبَة الرُّؤْيَا فِي قصَّة بدة قَالَ ابْن هِشَام لما سمع رَسُول
[ ١ / ٤١٤ ]
الله
بِأبي سُفْيَان مُقبلا من الشَّام بتجارات لقريش قَالَ هَذِه عير قُرَيْش فِيهَا تِجَارَتهمْ وَأَمْوَالهمْ فاخرجوا إِلَيْهَا لَعَلَّ الله أَن ينفلكموها فَانْتدبَ النَّاس فخف بَعضهم وَثقل بَعضهم وَذَلِكَ أَنهم لم يَظُنُّوا إِن رَسُول الله
يقلى حَربًا وَكَانَ أَبُو سُفْيَان فِي العير وَكَانَ حِين دنا من الْحجاز يتحسس الْأَخْبَار وَيسْأل من لَقِي من الركْبَان وَالرجلَانِ عَن أَمر النَّاس حَتَّى أصَاب خَبرا من بعض الركْبَان أَن مُحَمَّدًا قد استفز أَصْحَابه لَك ولعيرك فحذر عِنْد ذَلِك واستأجر ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فَبَعثه إِلَى مَكَّة وَأمره أَن يَأْتِي قُريْشًا ويستنفرهم إِلَى أَمْوَالهم ويخبرهم أَن مُحَمَّدًا قد عرض لَهَا فِي أَصْحَابه فَخرج ضَمْضَم بن عَمْرو سَرِيعا إِلَى مَكَّة قَالَ ابْن إِسْحَاق فَحَدثني من لَا أتهم عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَيزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة بن الزبير قَالَا وَقد رَأَتْ عَاتِكَة ابْنة عبد الْمطلب قبل قدوم ضَمْضَم بِثَلَاث رُؤْيا أفزعتها فَبعثت إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَقَالَت لَهُ وَالله يَا أخي لقد رَأَيْت اللَّيْلَة رُؤْيا أفظعتني وتخوفت أَن يدْخل على قَوْمك مِنْهَا شَرّ ومصيبة فاكتم عني مَا أحَدثك فَقَالَ لَهَا مَا رَأَيْت قَالَت رَأَيْت اللَّيْلَة رابكا أقبل على بعير لَهُ حَتَّى وقف بِالْأَبْطح ثمَّ صرخَ بِأَعْلَى صَوته أَلا انفروا يَا آل غدر لمصارعكم فِي ثَلَاث فَأرى النَّاس اجْتَمعُوا إِلَيْهِ ثمَّ دخل الْمَسْجِد وَالنَّاس يتبعونه فَبَيْنَمَا هم حوله مثل بِهِ بعيره على ظهر الْكَعْبَة ثمَّ صرخَ بِمِثْلِهَا أَلا انفروا يَا آل غدر لمصارعكم فِي ثَلَاث ثمَّ مثل بِهِ بعيره على رَأس أبي قبيس فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا ثمَّ أَخذ صَخْرَة فأرسلها فَأَقْبَلت تهوي حَتَّى إِذا كَانَت بِأَسْفَل الْجَبَل ارفضت فَمَا بَقِي بَيت من بيُوت مَكَّة وَلَا دَار مِنْهَا إِلَّا دَخلهَا فلقَة من تِلْكَ الصَّخْرَة
[ ١ / ٤١٥ ]
قَالَ الْعَبَّاس وَالله إِنَّهَا لرؤيا وَأَنت فاكتميها وَلَا تذكريها لأحد ثمَّ خرج الْعَبَّاس فلقي الْوَلِيد بن عتبَة بن ربيعَة وَكَانَ لَهُ صديقا فَذكرهَا لَهُ واستكتمه إِيَّاهَا فَذكرهَا الْوَلِيد لِابْنِهِ عتبَة فَفَشَا الحَدِيث حَتَّى تحدثت بِهِ قِرْش فِي أنديتها قَالَ الْعَبَّاس فَغَدَوْت لأَطُوف بِالْبَيْتِ وَأَبُو جهل بن هِشَام فِي رَهْط من قُرَيْش يتحدثون برؤيا عَاتِكَة فَلَمَّا رَآنِي أَبُو جهل قَالَ يَا أَبَا الْفضل إِذا فرغت من طوافك فَأقبل إِلَيْنَا فَلَمَّا فرغت أَقبلت حَتَّى جَلَست مَعَهم فَقَالَ لي أَبُو جهل يَا بني عبد الْمطلب مَتى حدثت فِيكُم هَذِه النبية قلت وَمَا ذَاك قَالَ تِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَتْ عَاتِكَة فَقلت وَمَا رَأَتْ فَقَالَ أَبُو جهل يَا بني عبد الْمطلب أما رَضِيتُمْ إِن تتبنأ رجالكم حَتَّى تنبأت نِسَاؤُكُمْ قد زعمت عَاتِكَة فِي رؤياها أَنه قَالَ انفروا فِي ثَلَاث فسنتربص بكم هَذِه الثَّلَاث فَإِن يَك حَقًا مَا تَقول فسيكون وَإِن تمض الثَّلَاث وَلم يكن من ذَلِك شَيْء نكتب عَلَيْكُم كتابا أَنكُمْ أكذب أهل بَيت فِي الْعَرَب قَالَ الْعَبَّاس فوَاللَّه مَا كَانَ مني إِلَيْهِ كَبِير إِلَّا أَنِّي جحدت ذَلِك وَأنْكرت أَن تكون رَأَتْ شَيْئا قَالَ ثمَّ تفرقنا فَلَمَّا أمسيت لم تبْق امْرَأَة من بني عبد الْمطلب إِلَّا أَتَتْنِي فَقَالَت أقررتم لهَذَا الْفَاسِق الْخَبيث أَن يَقع فِي رجالكم ثمَّ قد تنَاول النِّسَاء وَأَنت تسمع ثمَّ لم يكن عنْدك غيرَة لشَيْء قَالَ قلت قد وَالله فعلت مَا كَانَ مني إِلَيْهِ كَبِير أَمر وَايْم الله لأتعرضن لَهُ فَإِن عَاد لأكفيكنه قَالَ فَغَدَوْت فِي الْيَوْم الثَّالِث من رُؤْيا عَاتِكَة وَأَنا حَدِيد مغضب أرى أَن قد فَاتَنِي مِنْهُ أَمر أحب أَن أدْركهُ مِنْهُ قَالَ فَدخلت الْمَسْجِد فرأيته فو الله إِنِّي لأمشي نَحوه أتعرضه ليعود لبَعض مَا قَالَ فأقع بِهِ وَكَانَ رجلا خَفِيفا حَدِيد الْوَجْه حَدِيد اللِّسَان حَدِيد النّظر قَالَ إِذْ خرج نَحْو بَاب الْمَسْجِد يشْتَد قَالَ قلت فِي نَفسِي مَاله لعنة الله عَلَيْهِ أكل هَذَا فرقا من أَن أشاتمه قَالَ فَإِذا هُوَ قد سمع مَا لم أسمع صَوت ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ وَهُوَ يصْرخ بِبَطن الْوَادي وَاقِفًا على بعيره قد جدع بعيره وَحَوله رَحْله وشق قَمِيصه وَهُوَ يَقُول يَا معشر قُرَيْش اللطيمة اللطيمة أَمْوَالكُم مَعَ أبي سُفْيَان قد عرض لَهَا مُحَمَّد فِي أَصْحَابه لَا أَدْرِي أَن تدركوها الْغَوْث الْغَوْث قَالَ فَشَغلهُ عني وشغلني عَنهُ مَا جَاءَ من الْأَمر فتجهز النَّاس سرَاعًا فَخَرجُوا إِلَى بدر وَكَانَت القتلة فِي أَشْرَافهم ورءوسهم وصناديدهم وأعز الله الْإِسْلَام
[ ١ / ٤١٦ ]
وَأَهله فَهَذِهِ رُؤْيا عَاتِكَة الْمشَار إِلَيْهَا بقوله وَهِي صَاحِبَة الرُّؤْيَا فِي قصَّة بدر وَأما أروى ابْنة عبد الْمطلب فَكَانَت تَحت عُمَيْر بن وهب بن عبد بن قصي بن كلاب أسلم ﵁ ولإسلامه قصَّة هِيَ أَنه لما كَانَت وقْعَة بدر وَقتل من قتل من أَشْرَافهم وصناديدهم منعت قُرَيْش النِّيَاحَة على من قتل إِظْهَارًا للْجدّ والثبات فَاجْتمع صَفْوَان بن أُميَّة وَعُمَيْر ابْن وهب وَكَانَ هَذَا عُمَيْر فِي الْجَاهِلِيَّة شَيْطَانا من الشَّيَاطِين وَهُوَ الَّذِي حرز لقريش النَّبِي
وَأَصْحَابه يَوْم بدر فَضرب بفرسه بطن الْوَادي ثمَّ قَالَ الْقَوْم ثَلَاثمِائَة يزِيدُونَ قَلِيلا أَو ينقصُونَ وهم كَذَلِك كَانُوا فِي الْحَقِيقَة ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا ثمَّ رَجَعَ واستبطن الْوَادي وَقَالَ توهمت أَن للْقَوْم كمينًا فَلم أجد وَلَكِنِّي يَا معشر قُرَيْش رَأَيْت المنايا على البلايا نواضح يثرب تحمل السم الناقع لَا ملْجأ لَهُم وَلَا مَنْعَة إِلَّا سيوفهم وَالله لَئِن أَصَابُوا منا كَمَا نصيب مِنْهُم لبطن الأَرْض خير من ظهرهَا فَاجْتمع هُوَ وَصَفوَان بعد وقْعَة بدر فَقَالَ عُمَيْر لَوْلَا أَن لي صبية وَأهلا لذهبت حَتَّى أغتال مُحَمَّدًا أصل إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ فِي طلب ابْني وَكَانَ لَهُ ابْن أسر يَوْم بدر فضمن لَهُ صَفْوَان كِفَايَة أَوْلَاده وَأَهله وَأَن يجعلهم أُسْوَة أَهله وَيقوم عَلَيْهِم بِمَا يَحْتَاجُونَ فاتفقا على ذَلِك وَأَن يُعْطِيهِ مَا يُعْطِيهِ فَخرج عُمَيْر حَتَّى قدم الْمَدِينَة المشرفة وأناخ بِبَاب الْمَسْجِد فَأقبل عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب ﵁ فَأخذ بِمَجَامِع ثَوْبه فِي صَدره وحمائل سَيْفه وَدخل بِهِ إِلَى النَّبِي
فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله
مُقبلا كَذَلِك قَالَ أرْسلهُ يَا عمر ادن لي يَا عُمَيْر فَدَنَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ﵊ مَا الَّذِي أقدمك قَالَ لهَذَا الْأَسير الَّذِي فِي أَيْدِيكُم فَقَالَ لَهُ ﵊ فَمَا بَال هَذَا السَّيْف مَعَك فَقَالَ عُمَيْر قبحها الله من سيوف وَهل أغنت عَنَّا يَوْم بدر شَيْئا ثمَّ قَالَ لَهُ إِنَّمَا أتيت من أجل فدَاء ابْني قَالَ ﵊ ألم تجْلِس أَنْت وَصَفوَان بن أُميَّة بِالْحجرِ فتذاكرتما مصاب قُرَيْش فَقلت مَا قلت وشكوت خوف ضَيْعَة صبيتك وَأهْلك فضمن لَك صَفْوَان الْقيام بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِم والكفاية لَهُم قَالَ من أخْبرك بِهَذَا فَلم يكن أحد مَعنا قَالَ أَخْبرنِي الله
[ ١ / ٤١٧ ]
﷿ قَالَ صدق الله وصدقت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَنَّك رَسُول الله هَذَا وَصَفوَان بعد ذهَاب عُمَيْر كَانَ يَقُول سَيَأْتِيكُمْ يَا أهل مَكَّة أَمر يسر كل ذِي حزن فَلَمَّا طَالَتْ الْمدَّة وَجَاء الْخَبَر بِإِسْلَام عُمَيْر غضب صَفْوَان وَمنع النَّفَقَة على أَوْلَاد عُمَيْر وَأَهله فَهَذَا سَبَب إِسْلَامه ﵁ فَولدت لَهُ طليب بن عُمَيْر أسلم طليب وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة وَشهد بَدْرًا وَقتل بأجنادين وَكَانَ سَببا فِي إِسْلَام أمه كَمَا ذكره الْوَاقِدِيّ ثمَّ خلف عَلَيْهِ بعد موت عُمَيْر كلدة بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصي أمهَا غزيَّة بنت جندت أم الْحَارِث ابْن عبد الْمطلب فَهِيَ شقيقته وَكَأن حسانا لما جعله فَذا فِي السَّبْعَة الأبيات الْمُقدم ذكرهَا لم يَعْتَبِرهَا شَقِيقَة لَهُ للأنوثة الَّتِي لَيست موضعا للفخر فنبذ ابْنه أَبَا سُفْيَان بِانْفِرَادِهِ من سمراء وبتره بِانْفِرَادِهِ من غزيَّة وَكَيْفِيَّة سببيته فِي إِسْلَام أمه أروى هِيَ أَنه لما أسلم طليب فِي دَار الأرقم ثمَّ خرج دخل على أمه أروى بنت عبد الْمطلب فَقَالَ لَهَا تبِعت مُحَمَّدًا وَأسْلمت لله ﷿ فَقَالَت إِن أَحَق من واددت وعضدت ابْن خَالك وَالله لَو قَدرنَا على مَا تقدر عَلَيْهِ الرِّجَال لمنعناه وذببناه عَنهُ فَقَالَ لَهَا طليب مَا يمنعك أَن تسلمي وتتبعيه فقد أسلم أَخُوك حَمْزَة قَالَت أنظر مَا يصنع أخواتي ثمَّ أكون إِحْدَاهُنَّ قَالَ فَقلت اني اسألك بِاللَّه لَا أَتَيْته فَسلمت عَلَيْهِ وصدقتيه وَشهِدت أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ فَأَتَت النَّبِي
وَقَالَت إِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ثمَّ
[ ١ / ٤١٨ ]
كَانَت تعضد النَّبِي
بلسانها وتحض على نصرته وَالْقِيَام بأَمْره وَقَالَ الزبير بن بكار كَانَ طليب من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين وَقتل بأجنادين شَهِيدا وَلَا عقب لَهُ وَقيل قتل يَوْم اليرموك وَالله أعلم وَأما برة بنت عبد الْمطلب فَكَانَت عِنْد أبي رهم بن عبد الْعُزَّى العامري فَولدت لَهُ أَبَا سُبْرَة بن أبي رهم ثمَّ خلف عَلَيْهَا عبد الْأسد بن هِلَال المَخْزُومِي فَولدت لَهُ أَبَا سَلمَة بن عبد الْأسد الَّذِي كَانَ زوج أم سَلمَة قبل النَّبِي
وَاسم أبي سَلمَة عبد الله أسلم وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة الهجرتين وَهُوَ أول من هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَهُوَ أَيْضا أول من هَاجر إِلَيْهَا وَكَانَت هجرته قبل بيعَة الْعقبَة لما آذته قُرَيْش حِين قدم من الْحَبَشَة وَقد بلغه إِسْلَام من أسلم من الْأَنْصَار فَخرج مُهَاجرا إِلَيْهَا وَشهد بَدْرًا وجرح جرحا اندمل ثمَّ انْتقض عَلَيْهِ فَمَاتَ مِنْهُ وَتزَوج ﵊ زَوجته أم سَلمَة بعده قَالَت أم سَلمَة دخل عَليّ أبي سَلمَة وَقد شقّ بَصَره فأغمضه وَقَالَ إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر فصاح نَاس من أَهله فَقَالَ لَا تدعوا على أَنفسكُم إِلَّا بِخَير فَإِن الْمَلَائِكَة تؤمن على مَا تَقولُونَ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة وارفع دَرَجَته فِي المقربين اللَّهُمَّ افسح لَهُ فِي قَبره ونوره لَهُ أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم ثمَّ قَالَ لَهَا قولي اللَّهُمَّ إِنِّي أحتسب عنْدك مصيبتي واخلف عَليّ خيرا مِنْهُ فَقَالَت وَهل خير من أبي سَلمَة فأخلف الله عَليّ مِنْهُ النَّبِي
فَكَانَ هُوَ خيرا أَو كَمَا قَالَ
وَأما أُمَيْمَة بنت عبد الْمطلب فَكَانَت تَحت جحش بن رِئَاب فَولدت لَهُ عبد الله وَعبيد الله والبصير الملقب أَبَا أَحْمد وَزَيْنَب وَأم حَبِيبَة وَحمْنَة أما عبد الله بن جحش فَهُوَ ابْن أُخْت حَمْزَة مثل بِهِ كَمَا مثل بِحَمْزَة وَعبد الله هَذَا يعرف بالمجدع فِي الله جدع أَنفه وأذناه يَوْمئِذٍ
[ ١ / ٤١٩ ]
وَكَانَ سعد بن أبي وَقاص يحدث أَنه لقِيه يَوْم أحد أول النَّهَار فَخَلا بِهِ وَقَالَ لَهُ عبد الله ياسعد هَلُمَّ فلندع الله وليذكر كل منا حَاجته وليؤمن الآخر قَالَ سعد فدعوت الله أَن ألْقى فَارِسًا شَدِيدا جريئًا من الْمُشْركين فَأَقْتُلهُ فَأخذ سلبه فَقَالَ عب الله آمين ثمَّ اسْتقْبل عبد الله الْقبْلَة وَقَالَ اللَّهُمَّ لقني الْيَوْم فَارِسًا شَدِيدا بأسه شَدِيدا جرده فَيَقْتُلنِي ويجدع أنفي وأذني فَإِذا لقيتك غَدا تَقول لي يَا عبد الله فيمَ جدع أَنْفك فَأَقُول فِيك يَا رب وَفِي رَسُولك فَتَقول لي صدقت قل يَا سعد آمين فقلتها ثمَّ مَرَرْت بِهِ آخر النَّهَار قَتِيلا مجدع الْأنف والأذنين وَإِن أَنفه وَأُذُنَيْهِ معلقتان فِي خيط وَلَقِيت أَنا فلَانا من الْمُشْركين فَقتلته وَأخذت سلبه وَذكر الزبير بن بكار أَن سيف عبد الله بن جحش انْقَطع يَوْم أحد فَأعْطَاهُ رَسُول الله
عرجونًا فَعَاد فِي يَده سَيْفا صقيلًا فقاتل بِهِ وَكَانَ ذَلِك السَّيْف يُسمى العرجون وَلم يزل حَتَّى بيع من بغا التركي بِمِائَة دِينَار وَالَّذِي قتل عبد الله بن جحش هُوَ الْأَخْنَس بن شريق وَكَانَ عبد الله حِين قتل ابْن بضع وَأَرْبَعين سنة وَدفن مَعَ حَمْزَة ﵄ وَأما عبيد الله بن جحش فَأسلم وَهَاجَر بِزَوْجَتِهِ رَملَة بنت أبي سُفْيَان إِلَى أَرض الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة ثمَّ تنصر وارتد عَن الْإِسْلَام وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَمَات هُنَاكَ وَسَيَأْتِي ذكر زَيْنَب فِي زَوْجَاته ﵊ وَأما حمْنَة فَكَانَت تَحت مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار فَلم يُولد لَهُ مِنْهَا ثمَّ تزَوجهَا طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ فَولدت لَهُ مُحَمَّدًا وَعمْرَان وَهِي الَّتِي استحيضت وَسَأَلت النَّبِي
وحديثها فِي بَاب الِاسْتِحَاضَة مَشْهُور وَأما أم حَبِيبَة وَيُقَال أم حبيب فَكَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَانَت تستحاض أَيْضا وَأهل السّير يَقُولُونَ الْمُسْتَحَاضَة حمْنَة وَالصَّحِيح أَنَّهَا
[ ١ / ٤٢٠ ]
استحيضت وَقد قيل إِن زَيْنَب أَيْضا كَانَت استحاضت وَأما أَبُو أَحْمد الملقب بالبصير فَكَانَ سلفا لرَسُول الله
كَانَت تَحْتَهُ الفارعة بنت أبي سُفْيَان مَاتَ بعد وَفَاة أُخْته زَيْنَب فِي سنة عشْرين وَكَانَ عبد الله بن جحش أول من سنّ الْخمس فِي الْغَنِيمَة للنَّبِي
قبل أَن يفْرض ثمَّ افْترض بعد ذَلِك واستشاره وابا بكر النَّبِي
فِي اسارى بدر فَأَشَارَ بِالْفِدَاءِ وَأَشَارَ عمر بِالْقَتْلِ وَكَانَ أول لِوَاء عقد لَهُ وَقيل لِحَمْزَة وَقيل لعبيدة ابْن الْحَارِث وَأما صَفِيَّة ابْنة عبد الْمطلب فأمها هَالة بنت وهب بن عبد منَاف وَشهِدت الخَنْدَق وَقتلت رجلا من الْيَهُود وَضرب لَهَا ﵊ بِسَهْم وروت عَنهُ حَدِيثا رَوَاهُ عَنْهَا الزبير وقتلها لِلْيَهُودِيِّ هُوَ أَنه لما كَانَت فِي النِّسَاء والذراري رَأَتْ يَهُودِيّا يَدُور حول الْحصن يُرِيد اغتيالًا فَقَالَت لحسان بن ثَابت وَكَانَ مَعَ النِّسَاء والذراري فِيهِ أَلا تتسور لَهُ تقتله فَقَالَ مَا لي وَله يَا ابْنة عبد الْمطلب ثمَّ إِنَّهَا احتزمت وَأخذت بِيَدِهَا عمودًا فَضربت بِهِ الْيَهُودِيّ فَقتلته ثمَّ قَالَت يَا حسان انْزِلْ إِلَيْهِ فاسلبه فَإِنِّي امْرَأَة وَهُوَ رجل فَقَالَ حسان مَالِي ولسلبه يَا ابْنة عبد الْمطلب قَالَ السُّهيْلي عِنْد ذكر حسان حِين جعل فِي الْآطَام مَعَ النِّسَاء والذراري مَا نَصه قيل إِن حسانا كَانَ جَبَانًا شَدِيد الْجُبْن وَقد دفع هَذَا بعض الْعلمَاء وَقَالَ إِنَّه حَدِيث مُنْقَطع الْإِسْنَاد وَقَالَ لَو صَحَّ هَذَا لهجي بِهِ حسان فَإِنَّهُ كَانَ يهاجي فحول الشُّعَرَاء كضرار وَابْن الزبعري وَغَيرهمَا وَكَانُوا يناقشونه ويردون عَلَيْهِ فَمَا
[ ١ / ٤٢١ ]
عيره أحد مِنْهُم بجبن وَلَا وصمه بِهِ فَدلَّ ذَلِك على ضعف حَدِيث ابْن إِسْحَاق وَإِن صَحَّ فَلَعَلَّ حسانا كَانَ مُعْتَلًّا فِي ذَلِك الْيَوْم بعلة منعته من شُهُود الْقِتَال انْتهى مَا قَالَه السُّهيْلي قلت وَرَأَيْت فِي كتب السّير إِن حسانا أَصَابَته عِلّة أحدثت فِيهِ الْجُبْن وَلم يكن أول أمره جَبَانًا وَإِلَّا لعير بِهِ كَمَا قَالَه السُّهيْلي وَقد سَأَلت بعض حذاق الْأَطِبَّاء عَن هَذَا فَقَالَ نعم ذَلِك مَذْكُور عندنَا وَالله أعلم وَكَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تَحت الْحَارِث بن حَرْب بن أُميَّة فَولدت لَهُ صَيْفِي بن الْحَارِث ثمَّ هلك عَنْهَا فخلف عَلَيْهَا الْعَوام بن خويلد أَخُو خَدِيجَة فَولدت لَهُ الزبير والسائب وَعبد الْكَعْبَة فَأَما الزبير فَأسلم قَدِيما وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين أَو سِتّ عشرَة سنة وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة الهجرتين وَلم يتَخَلَّف عَنهُ
فِي غزَاة وَقتل يَوْم الْجمل غيلَة وَسَيَأْتِي ذكره عِنْد ذكر وقعته وَأما عبد الْكَعْبَة فَهُوَ مَذْكُور من اولاد صَفِيَّة توفيت بِالْمَدَنِيَّةِ فِي خلَافَة عمر ﵁ سنة عشْرين من الْهِجْرَة وَلها ثَلَاث وَسَبْعُونَ سنة ودفنت بِالبَقِيعِ فَهَؤُلَاءِ عماته
وأولادهن أسلم مِنْهُنَّ صَفِيَّة بِيَقِين وَاخْتلف فِي إِسْلَام عَاتِكَة وأروى والأشقاء من أَوْلَاد عبد الْمطلب عبد الله وَالزُّبَيْر وَأَبُو طَالب وَالْخمس الْإِنَاث مَا عدا صَفِيَّة كلهم من فَاطِمَة بنت عَمْرو بن عَائِذ بن عمر بن مَخْزُوم
[ ١ / ٤٢٢ ]
وَحَمْزَة وحجل والمقوم وَصفِيَّة أشقاء أمّهم هَالة بنت وهب وَكَذَلِكَ بَقِيَّتهمْ أشقاء كالعباس وَضِرَار وَقثم فانهم من نثلة بنت جناب ماعدا أكبر أَوْلَاد عبد الْمطلب وَهُوَ الْحَارِث فَإِنَّهُ فذ أمه سمراء بنت جُنْدُب كَمَا تقدم عِنْد ذكر أَبْيَات حسان بن ثَابت ﵁ فِي أبي سُفْيَان وَأما أَوْلَاد عماته
فأحد عشر رجلا وَثَلَاث بَنَات عرفن أما الرِّجَال فعامر بن الْبَيْضَاء بن كريز بن ربيعَة بن عبد شمس وَعبد الله وَزُهَيْر ابْنا عَاتِكَة بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي وَأَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد المَخْزُومِي وَعبد الله وَعبيد الله والبصير الملقب أَبَا أَحْمد بَنو أُمَيْمَة بنت عبد الْمطلب من جحش بن رِئَاب وطليب بن أروى من عُمَيْر بن وهب المَخْزُومِي وَالزُّبَيْر والسائب وَعبد الْكَعْبَة بَنو صَفِيَّة من الْعَوام بن خويلد كلهم أَسْلمُوا وثبتوا على الْإِسْلَام إِلَّا عبيد الله بن جحش كَمَا تقدم فَإِنَّهُ ارْتَدَّ وَتَنصر بِالْحَبَشَةِ وَمَات بهَا وَأما الْإِنَاث فزينب وَأم حَبِيبَة وَحمْنَة بَنَات أُمَيْمَة من جحش وَذكر للبيضاء بَنَات وَلم يذكر عددهن وَلَا أساميهن سوى أروى من كريز الْمَذْكُور وَهِي أم عُثْمَان بن عَفَّان فهن بهَا أَربع وَذكر لبرة ابْن من أبي رهم فَيكون ثَانِي عشر أَبنَاء العمات وَأما جداته ﵊ من جِهَة أَبِيه فَأم أَبِيه عبد الله بن عبد الْمطلب فَاطِمَة بنت عمر بن عَائِذ بن عَمْرو بن مَخْزُوم وَأم عبد الْمطلب سلمى بنت عَمْرو النجارية وَكَانَت قبل هَاشم تَحت أحيحة بن الجلاح فلودت لَهُ عَمْرو بن أحيحة فَهُوَ أَخُو عبد الْمطلب لأمه وَله أَو لِأَبِيهِ القصيدة المرثية البليغة الَّتِي يستشهد أهل الْمعَانِي مِنْهَا بقوله // (من المنسرح) //
(ألألمعي الَّذِي يظنّ بك الظظن كَأَن قد رأى وَقد سمعا)
وَقَبله قَوْله
(إِن الَّذِي جمع السماحة والسؤدد وَالْمجد والتُّقى جمعا)
وَهِي طَوِيلَة مطْلعهَا
(أيّتها النّفس أجملي جزعا إنّ الّذي تحذرين قد وَقعا)
ولعلي أَن أظفر إِن شَاءَ الله تَعَالَى بهَا فألحقها بِمَا هُنَا وَأم هَاشم هِيَ عَاتِكَة بنت مرّة بن هِلَال بن فالح بن ذكْوَان من بني سليم وَأم عبد
[ ١ / ٤٢٣ ]
منَاف عَاتِكَة الْبَيْضَاء بنت فالح بن مَالك بن ذكْوَان من بني سليم وَأم قصي فَاطِمَة بنت سعد بن سبل من أَزْد السراة وَأم كلاب نعم بنت سَرِير بن ثَعْلَبَة بن مَالك بن كنَانَة وَأم مرّة وحشية بنت شَيبَان بن محَارب بن فهم وَأم كَعْب سلمى بنت فهر أَو فهم وَأم لؤَي وحشية بنت مُدْلِج بن مرّة بن عبد منَاف بن كنَانَة وَأم غَالب سلمى بنت سعد بن هُذَيْل وَأم فهر جذلة ابْنة الْحَارِث الجرهمي وَأم مَالك هِنْد بنت عدوان بن عَمْرو بن قيس عيلان وَأم النَّضر برة أُخْت تَمِيم بن مر ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب المعارف فالجدة الأولى مخزومية وَالثَّانِي نجارية وَالثَّالِثَة سلمية وَالرَّابِعَة سلمية أَيْضا وَالْخَامِسَة أزدية وَالسَّادِسَة كنانية وَالسَّابِعَة فهمية وَالثَّامِنَة فهرية أَو فهمية لإيهام الْخط فِيهَا والتاسعة كنانية والعاشرة هذلية والحادية عشرَة جرهمية وَالثَّانيَِة عشرَة قيسية من قيس عيلان وَالثَّالِثَة عشرَة مرية وَأما جداته من جِهَة أمه فَأم آمِنَة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب برة بنت عبد الْعُزَّى بن قصي بن كلاب وَأم أَبِيهَا وهب عَاتِكَة بنت الأوقص بن مرّة بن هِلَال بن فالح بن ذكْوَان من سبي سليم وَأم مرّة أم حبيب بنت أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي بن كلاب وَأم أم حبيب برة بنت عَوْف بن عبيد بن عدي بن كَعْب بن لؤَي وَأم برة قلَابَة بنت الْحَارِث بن صعصعة بن عَائِذ بن لحيان بن هُذَيْل وَأم قلَابَة هِنْد بنت يَرْبُوع من ثَقِيف فالجدة الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة من أُمَّهَات أمه ﵊ قرشيات وَالرَّابِعَة لحيانية هذلية وَالْخَامِسَة ثقفية فَفِي كل قَبيلَة من قبائل الْعَرَب لَهُ ﵊ علقَة نسب وَأما إخْوَته من الرضَاعَة فحمزة عَمه وَأَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد أرضعتهما مَعَه ثويبة جَارِيَة عَمه أبي لَهب بِلَبن ابْنهَا مسروح بن ثويبة وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب أَرْضَعَتْه مَعَ رَسُول الله
حليمة السعدية وَعبد الله وأنيسة وحذافة وتعرف بالشيماء الثَّلَاثَة أَوْلَاد حليمة وَقد روى أَن خيلًا لَهُ ﵊ أغارت على هوَازن فَأخذُوا هَذِه الشيماء فِي جملَة السَّبي فَقَالَت أَنا أُخْت نَبِيكُم أَو صَاحبكُم فَلَمَّا قدمُوا على رَسُول الله
قَالَت لَهُ يَا مُحَمَّد أَنا أختك فَرَحَّبَ بهَا وَبسط لَهَا رِدَاءَهُ وأجلسها عَلَيْهِ ودمعت عَيناهُ وَقَالَ لَهَا إِن أَحْبَبْت أقيمي عِنْدِي مكرمَة محببة وَإِن أَحْبَبْت أَن تَرْجِعِي إِلَى قَوْمك وصلتك قَالَت بل أرجع
[ ١ / ٤٢٤ ]
إِلَى قومِي فَأسْلمت وَأَعْطَاهَا
ثَلَاثَة أعبد وَجَارِيَة وَنِعما وشيئًا ذكره ابْن قُتَيْبَة وَيُقَال إِنَّه ﵊ قَالَ لَهَا حِين قَالَت أَنا اختك قَالَ مَا آيَة ذَلِك قَالَت عضة فِي ظَهْري مِنْك خَفِيفَة إِذْ كُنَّا نروح فِي البهم وَالله تَعَالَى أعلم وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَة فِي قَول البوصيري رَحمَه الله تَعَالَى // (من الْخَفِيف) //
(وأتى السّبي فِيهِ أُخت رضاعٍ وضع الْكفْر قدرهَا والسّباء)
(بسط الْمُصْطَفى لَهَا من رداءٍ أيّ فضلٍ حواه ذَاك الرّداء)
[ ١ / ٤٢٥ ]