ثمَّ مَاتَ يزِيد منصف ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ قَالَ الْعَلامَة الْحَافِظ الذَّهَبِيّ روى زحر بن حُصَيْن عَن جده حميد بن منْهب قَالَ زرت الْحسن بن أبي الْحسن يَعْنِي الْبَصْرِيّ فخلوت بِهِ فَقلت يَا أَبَا سعيد مَا ترى مَا النَّاس فِيهِ فَقَالَ لي أفسد أَمر النَّاس اثْنَان عَمْرو بن الْعَاصِ يَوْم أَشَارَ على مُعَاوِيَة بِرَفْع الْمَصَاحِف فَحملت وَقَالَ أَيْن الْقُرَّاء فَحكم الْخَوَارِج فَلَا يزَال هَذَا التَّحْكِيم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْآخِرَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَإِنَّهُ كَانَ عَامل مُعَاوِيَة على الْكُوفَة فَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة إِذا قَرَأت كتابي فَأقبل معزولا فَأَبْطَأَ عَنهُ فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ قَالَ مَا أَبْطَأَ بك قَالَ أَمر كنت أُوَطئُه وأهَيئُهُ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ الْبيعَة ليزِيد من بعْدك قَالَ أَو فعلت قَالَ نعم قَالَ ارْجع إِلَى عَمَلك فَلَمَّا خرج الْمُغيرَة قَالَ لَهُ
[ ٣ / ٢٠٦ ]
أَصْحَابه مَا وَرَاءَك قَالَ وضعت رجل مُعَاوِيَة فِي غرز غي لَا يزَال فِيهِ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْحسن فَمن أجل ذَلِك بَايع هَؤُلَاءِ لأبنائهم وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ شُورَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ مُحَمَّد بن مَرْوَان السعيدي أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الْخُزَاعِيّ عَن أَبِيه عَن جده عَن مُحَمَّد بن الحكم عَن أبي عوَانَة قَالَ كَانَ مُعَاوِيَة يُعْطي عبد الله بن جَعْفَر كل عَام ألف ألف دِينَار فَلَمَّا وَفد على يزِيد أعطَاهُ ألفي ألف فَقَالَ عبد الله ليزِيد بِأبي أَنْت وَأمي فَأمر لَهُ بِأَلف ألف أُخْرَى فَقَالَ لَهُ عبد الله وَالله لَا أجمعهما لأحد بعْدك حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار بنْدَار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا عَوْف الْأَعرَابِي حَدثنَا مهَاجر أَبُو مخلد حَدثنِي أَبُو الْعَالِيَة حَدثنِي أَبُو مُسلم قَالَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء سَمِعت النَّبِي
يَقُول أول من يُبدل سنتي رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد أْخرجه الرَّوْيَانِيّ فِي مُسْنده عَن بنْدَار وَفِي رِوَايَة عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مَكْحُول عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ قَالَ رَسُول الله
لَا يزَال أَمر أمتِي قائْمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يكون أول من يثلمه رجل من بني أُميَّة يُقَال لَهُ يزِيد وَقَالَ ابْن مُطِيع إِن يزِيد يشرب الْخمر وَيتْرك الصَّلَاة وَيَتَعَدَّى حكم الْكتاب قَالَ رجل مَا رَأَيْت مِنْهُ مَا تذكرُونَ وَقد أَقمت عِنْده فرأيته مواظبًا للصَّلَاة متحريًا للخير يسْأَل عَن الْفِقْه قَالَ كَانَ ذَلِك مِنْهُ تصنعًَا لَك ورياء وَقَالَ الزبري بن بكار فِي أَنْسَاب قُرَيْش أَنْشدني عمي ليزِيد قَوْله // (من المديد) //
(آبَ هَذَا الهَمُّ فَاكْتَنَعَا وَأَمَرَّ النَّوْم فَامْتَنَعَا)
[ ٣ / ٢٠٧ ]
(رَاعيا للنجْمِ أرقبُهُ فَإذا مَا كوْكَبٌ طَلَعَا)
(حام حتَّى إنَّنِي لَأَرَى أَنه بالغَوْر قد وَقَعَا)
(وَلها بالماطِرُون إِذَا أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَا)
(خرقةٌ حتَّ إِذا ربعَتْ نزلَتْ من جِلَّقٍ بِيَعَا)
(فِي قبابٍ وَسْطَ دسكرةٍ حَوْلَهَا الزيتونُ قد ينَعَا)
قلت هَذِه الأبيات من قصيدة لَهُ فِي نَصْرَانِيَّة تعشقها وافتتن بهَا لنعه الله وَإِيَّاهَا وأساء عقباه وعقباها وَمن شعره فِي الْخمر // (من الطَّوِيل) //
(أقولُ لصَحْبٍ ضَمَّتِ الكَأْسُ شَمْلَهُمْ وَدَاعِي صَبَابَاتِ الهَوَى يَتَرَنَّمُ)
(خُذُوا بنَصِيبٍ مِنْ نَعِيمٍ ولَذَّةٍ فكُلٌّ وَإِنْ طَالَ المدَى يَتَصَرَّمُ)
وَمن شعره أَيْضا فِيهَا // (من الطَّوِيل) //
(وَدَاعٍ دَعانِي والثُّرَيَّا كأَنَّهَا قلائصُ قد أعنقْنَ خَلْفَ فَنِيقِ)
(وَقَالَ اغتنِمْ من دَهْرنا غَفَلاَتِهِ فَعَقْدُ ذِمَامِ الدَّهْرِ غَيْرُ وَثِيقِ)
(وناولنِي كَأْسًا كَأَنَّ بنانَهُ مخضَّبةٌ مِنْ لَوْنِهَا بِخَلُوقِ)
(إِذا مَا طغَى فِيهَا الحَياءُ حسبتَهَا كَوَاكبَ دُرِّ فِي سمَاءِ عَقِيقِ)
(تَدُبُّ دَبِيبَ النَّمْل فِي كُلِّ مفْصلٍ وتَكْسُو وجُوهَ الشَّرْبَ ثَوبَ شقِيقِ)
(وإنِّيَ مِنْ لَذَّاتِ دَهْرِي لقانعٌ بحلْوِ حَدِيثٍ أَوْ بِمُرِّ عتيقِ)
(هَما مَا هُمَا لَمْ يَبْقَ شيءٌ سِوَاهُمَا حَدِيثُ صَدِيقٍ أَوْ عَتِيقُ رَحِيقِ)
وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ يُخَاطب أَبَاهُ مُعَاوِيَة عِنْد نَهْيه إِيَّاه عَن شرب الْخمر قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(أَمِنْ شَرْبَةٍ من ماءِ كرْمٍ شَرِبْتُهَا غبْتَ عليَّ الآنَ طابَ لي السُّكْرُ)
(سأشرَبُ فاغضَبْ لَا رَضِيت كِلَاهُمَا حبيبٌ إِلَى قَلْبِي عُقُوقُكَ والخَمْرُ)
[ ٣ / ٢٠٨ ]
توفّي كَمَا تقدم فِي ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وَله تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَدفن بحوارين من أَرض دمشق بمقبرة بَاب الصَّقْر وَفِيه يَقُول الْقَائِل // (من الرجز) //
(بأَيُّهَا القَبْرُ بِحَوَّارِينَا ضَمَمْتَ شَرَّ الناسِ أَجْمَعِينا)
ورثاه شَاعِرهمْ الأخطل بقوله // (من الطَّوِيل) //
(لَعَمْريَ قَدْ دَلَّى إِلَيّ اللَّحْدِ خَالدٌ جنَازَةَ لاَ نِكْسِ الفُؤَادِ وَلَا غمرِ)
(مُقِيمٌ بحوَّارِينَ لَيْسَ يَرِيمهَا سَقَتْكَ الغَوَادِي مِنْ ثَرِيِّ وَمن قَبْرِ)
قَالَ فِي الإشاعة لأشراط السَّاعَة فِي الْبَاب الأول وَهُوَ فِي الإمارات الْبَعِيدَة الَّتِي ظَهرت وَانْقَضَت وَهِي كثير إِلَى أَن قَالَ وَمِنْهَا ملك بني أُميَّة يزِيد وَمن بعده الْمُشْتَمل على الفتَن الْعِظَام كَقطع اللَّيْل المظلم وَعَن عمرَان بن الْحصين ﵁ قَالَ أبْغض النَّاس إِلَى رَسُول الله
بَنو أُميَّة وَثَقِيف وَبَنُو حنيفَة وَعَن أبي ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا بلغت بَنو الْعَاصِ أَرْبَعِينَ رجلا اتَّخذُوا عباد الله خولا وَمَال الله دولا وَكتاب الله دخلاَ وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لكل أمة آفَة وَآفَة هَذِه الْأمة بَنو أُميَّة وَعَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ قَالَ اسْتَأْذن الحكم بن أبي الْعَاصِ على رَسُول الله
فَعرف صَوته فَقَالَ ائذنوا لَهُ حَيَّة ولد حَيَّة لعنة الله عَلَيْهِ وعَلى كل من يخرج من صلبه إِلَّا الْمُؤمن مِنْهُم وَقَلِيل مَا هم قلت وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء إِشَارَة إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز وَمُعَاوِيَة بن يزِيد وَيزِيد النَّاقِص والصالحِ مِنْهُم وَعَن ابْن عمر هجرت الرواح إِلَى النَّبِي
فجَاء أَبُو الْحسن ﵁ فَقَالَ لَهُ
ادن فَلم يزل يُدْنِيه حَتَّى الْتَقم أُذُنه فَبَيْنَمَا هُوَ يسارُّهُ إِذْ رفع رَأسه كالفزع فَإِذا قارع يقرع بِسَيْفِهِ الْبَاب فَقَالَ
لعَلي اذْهَبْ فَقده كَمَا تقاد الشَّاة إِلَى حالبها فَإِذا عَليّ
[ ٣ / ٢٠٩ ]
كرم الله وَجهه يدْخل الحكم بن أبي الْعَاصِ آَخذًَا بأذنه وَلها زنمة حَتَّى أوقفهُ بَين يَدَيْهِ
فلعنه نَبِي الله ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ أجلسه نَاحيَة حَتَّى رَاح إِلَيْهِ قوم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثمَّ دَعَاهُ فلعنه ثمَّ قَالَ إِن هَذَا سيخالف كتاب الله وَسنة نبيه وسيخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السَّمَاء فَقَالَ نَاس من الْقَوْم هُوَ أقل وأذل من ذَلِك فَقَالَ
بلَى وبعضكم يَوْمئِذٍ شيعته ثمَّ إِنَّه
نَفَاهُ إِلَى الطَّائِف وَلم يردهُ أَبُو بكر وَلَا عمر ورده عُثْمَان حِين ولي الْخلَافَة وَكَانَ رده أحد الْأُمُور الَّتِي نقمت عَلَيْهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قلت وَقد ذكرت ذَلِك وَجَوَابه فِيمَا تقدم فِي تَرْجَمَة عُثْمَان ﵁ وَمن الْفِتَن الَّتِي وَقعت فِي زمن يزِيد قتل الْحُسَيْن ووقعة الْحرَّة وخراب الْمَدِينَة بعد الْحرَّة وَرمي الْكَعْبَة بالمنجنيق وَمِنْهَا فِي زمن بني مَرْوَان قتل ابْن الزبير وَهدم الْكَعْبَة بعد رميها بالمنجنيق أَيْضا وتولية الْحجَّاج وَأَنه قتل مائَة وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألف نفس حَرَامًا صبرًَا سوى مَا قَتله فِي المحاربات وَوجد فِي حَبسه ثَمَانُون ألفا مِنْهُم ثَلَاثُونَ ألف امْرَأَة وَكَانَ حَبسه مبلطًَا لَا سقف لَهُ ليتأذوا بِالْحرِّ وَالْبرد وَكَانَ حَبسه من حَبسه ظلما صرفا وَهوى نفس حَتَّى إِنَّه وجد فِيهِ من حبس لبولة بالها فِي جنب سور وَاسِط الْبَلَد الَّتِي اختطَّها الْحجَّاج وَمِنْهَا قتل زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وصلبه وإحراقه بالنَّار وَقتل وَلَده يحيى فِي زمانْهم وشربهم الْخمر وصلاتهم بِالنَّاسِ سكارى وَتَقْدِيم الْجَوَارِي فِي الْمِحْرَاب للصَّلَاة بِالنَّاسِ وَغير ذَلِك من أَنْوَاع القبائح بل نقل الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه للخلفاء أَن الْوَلِيد بن يزِيد عزم على الْحَج لأجل أَن يشرب الْخمر فَوق الْكَعْبَة فَقتل قبل أَن يبلغ مُرَاده وَعَن الْمسور بن مخرمَة قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ألم يكن فِيمَا تَقْرَءُونَهُ قَاتلُوا فِي الله آخِره مرّة كَمَا قاتلتم أول مرّة قَالَ مَتى ذَاك قَالَ إِذا كَانَت بَنو أُميَّة الْأُمَرَاء وَبَنُو مَخْزُوم الوزراء رَوَاهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَكَانَت
[ ٣ / ٢١٠ ]
دولتهم لمفاسد كَثْرَة ومظالم لَا تعد وَلَا تحصى إِلَى أَن قَالَ وَأما بَنو يزِيد وَبَنُو الحكم فهم ملعونون على لِسَان النَّبِي
وَلذَا قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل حِين سَأَلَهُ ابْنه عَن لعن يزِيد فَقَالَ الإِمَام إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَليتم أَن تفسِدُوا فِي اَلأرض وَتُقَطعُوا أَرحَامَكُم أُولَئكَ اَلَذِينَ لعنَهُمُ اللَهُ﴾ الْآيَة مُحَمَّد ٢٢ ٢٣ وَأي فَسَاد وَقَطِيعَة أَشد مِمَّا فعله يزِيد يَا بني وَفِي تَارِيخ أبي مخرمَة الْمُسَمّى قلادة النَّحْر عَن الشَّيْخ نصر بن مجلي وَكَانَ من الثِّقَات الْعباد الصَّالِحين قَالَ رَأَيْت عَليّ بن أبي طَالب فِي الْمَنَام فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تفتحون مَكَّة وتقولون من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن ثمَّ يتم عَليّ ولدك الْحُسَيْن مَا تمّ فَقَالَ لي أما سَمِعت أَبْيَات ابْن صَيْفِي فِي هَذَا قلت لَا قَالَ اسمعها مِنْهُ ثمَّ انْتَبَهت فبادرت إِلَى دَار ابْن الصيفي فَذكرت لَهُ الرُّؤْيَا فشهق وَبكى وَحلف بِاللَّه إِنَّهَا لم تخرج من فِيهِ وَلَا من خطه إِلَى أحد وَمَا نظمها إِلَّا فِي ليلته ثمَّ أَنْشدني من // (الطَّوِيل) //
(مَلَكْنَا وكَانَ العفْوُ منا سجيَّةً فَلَمَّا ملكْتُمْ سَالَ بالدَّمِ أيطَحُ)
(وَحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الأسَارَى وطَالَمَا غدَوْنَا مِنَ الأَسْرَى نَمُنُّ ونَصْفَحُ)
(وَحَسْبُكُمُ هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا فكُلُّ إِنَاءٍ بالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ)
قلت اسْم ابْن الصيفي سعيد بن مُحَمَّد أَبُو الفوارس التَّمِيمِي شَاعِر مَشْهُور وَهُوَ الملقب بحيص بيص توفّي سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة فِي الْقرن السَّادِس قَالَ الْعَلامَة الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان سُئِلَ الإِمَام أَبُو الْحسن عماد الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الملقب بالكيا الهراسي من رُؤُوس معيدي إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَن يزِيد بن مُعَاوِيَة هَل هُوَ من الصَّحَابَة وَهل يجوز لَعنه أم لَا فَأجَاب إِنَّه لم يكن من الصَّحَابَة لِأَنَّهُ ولد فِي زمن عُثْمَان وَأما جَوَاز لَعنه فَفِيهِ لكل وَاحِد من الإِمَام أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد قَولَانِ تَصْرِيح وتلويحٌ وَلنَا قَول وَاحِد التَّصْرِيح دون التَّلْوِيح وَكَيف لَا يكون ذَلِك وَهُوَ المتصيد بالفهد واللاعب بالنرد والمدمن على الْخمر وَكتب فصلا طويلاَ أضربنا عَن ذكره ثمَّ قَالَ وَلَو مددت ببياض لأطلقت الْعَنَان وَبسطت الْكَلَام فِي مخازي هَذَا الرجل
[ ٣ / ٢١١ ]
هَذَا وَأما الْغَزالِيّ فقد أفتى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِخِلَاف مَا أفتى بِهِ الكيّا وَبسط الْكَلَام فِي ذَلِك قَالَ الْعَلامَة مُحَمَّد بن مصطفى كاتي فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بغية الخاطر ونزهة النَّاظر كَانَ ليزِيد بن مُعَاوِيَة قرد سَمَّاهُ أَبَا قيس كَانَ يركبه فَوق حمَار بسرج فِي المواكب وَله زِيّ كزي راكبي الْخَيل من الْعِمَامَة وَالْكِسْوَة ويجلسه فِي مجَالِس أنسه وَكَانَ لهَذَا القرد من الفطنة وَإِدْرَاك الْأُمُور مَا لَا يدْرك فأركب مرّة على حمَار وحشيّ ففرت بِهِ فَأَنْشد يزِيد يَقُول من // (الطَّوِيل) //
(تَمَسَّكْ أَبَا قيْسٍ بفَضَلِ عِنَانِهِ فلَيْسَ عَليْهِ إنْ هَلَكْتَ ضَمَانُ)
وبويع بعده ابْنه مُعَاوِيَة فَمَكثَ ثَلَاثَة أشهر ثمَّ خطب النَّاس وَقَالَ إِنِّي ضَعِيف عَن أَمركُم وَطلبت لكم مثل عمر بن الْخطاب حِين اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر فَلم أَجِدهُ فطلبت سِتَّة مثل أهل الشورى فَلم أجدهم فَأنْتم أولى بأمركم اخْتَارُوا لَهُ وَدخل منزله فَمَاتَ يُقَال مسمومًا وَصلى عَلَيْهِ الْوَلِيد بن عتبَة بن أبي سُفْيَان وَهلك ليومه بالطاعون وَقيل إِن مُعَاوِيَة بن يزِيد أوصى الضَّحَّاك بن قيس أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى تجمع النَّاس على إِمَام قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ إِن مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة لما خلع نَفسه صعد الْمِنْبَر فَجَلَسَ طَويلا ثمَّ حمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ بأبلغ مَا يكون من الْحَمد وَالثنَاء ثمَّ ذكر النَّبِي
لأحسن مَا يذكر بِهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس مَا أَنا بالراغب فِي الائتمار عَلَيْكُم لعَظيم مَا أكرهه مِنْكُم وَإِنِّي أعلم أَنكُمْ تكرهونا أَيْضا لأَنا بلينا بكم وبليتم بِنَا إِلَّا أَن جدي مُعَاوِيَة نَازع هَذَا الْأَمر من كَانَ أولى بِهِ مِنْهُ وَمن غَيره لِقَرَابَتِهِ من رَسُول الله
وعظيم فَضله وسابقيته أعظم الْمُهَاجِرين قدرًَا وأشجعهم قلبًَا وَأَكْثَرهم علما وأولهم إِيمَانًا وأشرفهم منزلَة وأقدمهم صُحْبَة ابْن عَم رَسُول الله
وصهره وَأَخُوهُ زوجه ابْنَته رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَجعله لَهَا بعلا بِاخْتِيَارِهِ لَهَا وَجعلهَا لَهُ زَوْجَة باختيارها لَهُ أَبُو سبيطه سيدَيْ شباب أهل الْجنَّة وَأفضل هَذِه الْأمة تربية الرَّسُول وابنا فَاطِمَة البتول رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حَتَّى انتظمت لجدي مُعَاوِيَة الْأُمُور فَلَمَّا جَاءَهُ الْقدر المحتوم واخترمته أَيدي الْمنون بَقِي مرتهنًا بِعَمَلِهِ فريدًا فِي قَبره وَوجد مَا قدمت يَدَاهُ
[ ٣ / ٢١٢ ]
فَرَأى مَا ارْتَكَبهُ واعتداه ثمَّ انْتَقَلت الْخلَافَة فِي أبي يزِيد فتقلد أَمركُم لهوى كَانَ أَبوهُ هويه فِيهِ وَلَقَد كَانَ أبي يزِيد بِسوء فعله وإسرافه على نَفسه غَيْرَ خليق بالخلافة على أمة مُحَمَّد
فَركب هَوَاهُ وَاسْتحْسن خطاه وأقدم على مَا قدم من جرأته على الله تَعَالَى وبغيه على من اسْتحلَّ حرمته من أَوْلَاد رَسُول الله
فقلتْ مدَّته وَانْقطع أَثَره وضاجع عمله وَصَارَ حَلِيف حفرته رهين خطيئته وَبقيت أوزاره وتبعاته فَهَل عُوقِبَ بإساءته وجوزى بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ ظَنِّي ثمَّ اختنقته الْعبْرَة فَبكى طويِلاَ وَعلا نحيبه وَحمد الله ثمَّ قَالَ وصرت أَنا ثَالِث الْقَوْم والساخطُ عليَ أَكثر من الراضي وَمَا كنت لأتحمل آثامكم وَلَا يراني الله جلت قدرته مُتَقَلِّدًا أوزاركم وألقاه بتبعاتكم فشأنكم وأمركم فَخُذُوهُ وَمن رَضِيتُمْ بِهِ عَلَيْكُم فولوه فَلَقَد خلعت بيعتي من أَعْنَاقكُم وَالسَّلَام فَقَالَ لَهُ مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ تَحت الْمِنْبَر أسنة عمْرَة يَا أَبَا ليلى فَقَالَ اغدُ عني أعن ديني تخدعوني فوَاللَّه مَا ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها ائْتِنِي بِرِجَال مثل رجال عمر على أَنه كَانَ حِين جعلهَا شُورَى وصرفها عَمَّن لَا يشك فِي عَدَالَته ظلومًا وَالله لَئِن كَانَت الْخلَافَة مغنمًَا لقد نَالَ أبي مَعهَا مغرمًا ومأثمًَا وَلَئِن كَانَت شرا فحسبه مِنْهَا مَا أَصَابَهُ ثمَّ نزل فَدخل عَلَيْهِ أَقَاربه وَأمه فوجدوه يبكي فَقَالَت لَهُ أمه ليتك كنت حَيْضَة وَلم أسمع بخبرك فَقَالَ وددت وَالله ذَلِك ثمَّ قَالَ ويلي إِن لم يرحمني رَبِّي ثمَّ إِن بني أُميَّة قَالُوا لمؤدبه القصوص أَنْت عَلمته هَذَا ولقنته إِيَّاه وصددته عَن الْخلَافَة وزينت لَهُ حب عَليّ وَأَوْلَاده رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَحَمَلته على مَا وَسَمَنَا بِهِ من الظُّلم وَحسنت لَهُ الْبدع حَتَّى نطق بِمَا نطق وَقَالَ مَا قَالَ فَقَالَ وَالله مَا فعلته وَلكنه مجبول ومطبوع على حب عَليّ وَأَوْلَاده ﵃ فَلم يقبلُوا مِنْهُ ذَلِك وأخذوه ودفنوه حَيا حَتَّى مَاتَ ﵀ وَتُوفِّي معاويةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعد خلعه نَفسه بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الْمُسَمّى مُعَاوِيَة الْأَصْغَر وَقيل بعد الْخلْع بتسعين لَيْلَة وَكَانَ عمره ثلاثًَا
[ ٣ / ٢١٣ ]
وَعشْرين سنة وَقيل إِحْدَى وَعشْرين وَقيل ثَمَان عشرَة وَيُقَال إِنَّه لما احْتضرَ قيل لَهُ أَلا تسْتَخْلف فَأبى وَقَالَ مَا أصبت من حلاوتها فلمَ أتحمل مرارتها وَلم يعقب رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه