طالما رجعنا البصر كرتين، وأكثرنا الإمعان في عدم شهرة تلك القرون بالعلم العربي السوسي كما اشتهرت به بعد ذلك، فتراءى لنا ما ربما نَميل إلى ترجيحه أحيانا، من أن السبب الوحيد هو ما ابتلي به السوسيون إلى اليوم، من عدم الاعتناء برجالِهم، والتفريط دائما لا ينتج إلا الْجهل المظلم، وهذا العيب لا يزال فيهم ماثلا إلى الآن، كأنه مُمتزج بدمائهم، مستحوذٌ على ألبابِهم، فلولا دواع خاصة لبعض الناس؛ لَما رأينا أيضا من القرن التاسع إلى الآن إلا مثل ما نراه فيما قبل، مِمَّا بين القرنين الخامس والثامن، فلولا (التشوف) للزيات؛ لَما ظفرنا ببعض صوفية سوسيين، ولولا مُؤرخون آخرون غير سوسيين؛ لَما ظفرنا بآخرين من فطاحل علماء سوس إذ ذاك، نزلوا
_________________
(١) من مراكز اللمتونيين المشهورة إلى الآن: مركز السوق بتَانْكرْت في أفران ومركز فَمِ أكادير بتامانارْت ومركز آخر في (تَاغَاجِّيجْيت، وكان وادي نون مضرب سكتهم
[ ١٩ ]
القيروان ومراكش وفاسا وغيرها، وبآخرين: منهم من كان عالِما وسطا، ومنهم من نَحسبه كذلك، ومنهم من لا نظنه إلا عابدا صوفيّا لا غير، كما أنه لولا دواع أخرى لأناس آخرين؛ لَمَا رأينا من التاسع إلى الآن شيئا، فكان الشكر الجزيل للدواعي الخاصة التي تعتني بوجهة يحفزها إليها حافز، إمَّا التاريخ العام الذي يترامى إلى نواح شتى، فلم نَحسب أنه جال قط في دماغ سوسيين إلى الآن.