عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجدوه يلعب مع الصبيان في أطم [١] بني مغالة [٢]، وقد قارب ابن صيّاد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال: «أتشهد أني رسول الله؟» فنظر إليه فقال: أشهد أنك رسول الأميّين، ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فرصّه [٣] النبيّ ﷺ ثم قال: «آمنت بالله وبرسله» ثم قال لابن صيّاد: «ما ترى؟» [٤]، قال: يأتيني صادق وكاذب، قال رسول الله ﷺ: «خلّط عليك الأمر» [ثم] [٥] قال رسول الله ﷺ: «إني خبّأت لك خبيئا» وخبّأ له: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ٤٤: ١٠ [الدخان: ١٠]، فقال هو
_________________
(١) الأطم: حصن مبني بحجارة، وقيل: هو كل بيت مربع مسطح، وهو البناء المرتفع أيضا. انظر «لسان العرب» لابن منظور «أطم» (١/ ٩٣) .
(٢) بنو مغالة: اسم قبيلة تنسب لمالك بن النجار. انظر «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم ص (٣٤٧) .
(٣) أي ضغطه حتى ضم بعضه إلى بعض، وفي بعض نسخ البخاري ومسلم: فرفضه، وبالصاد أصوب. (ع) .
(٤) في المطبوع: «ماذا ترى»، والذي في الأصل الذي بين أيدينا موافق لما في «مشكاة المصابيح» بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. (٣/ ٤١) .
(٥) لفظة: «ثم» ليست في الأصل، و«المشكاة» وقد أثبتناها من المطبوع.
[ ١ / ١٤٣ ]
الدّخّ [١]، فقال [ﷺ]: «اخسأ فلن تعدو قدرك» [٢] قال عمر:
يا رسول الله أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله ﷺ:
«إن يكن هو لا تسلّط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله» . قال ابن عمر: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبيّ بن كعب الأنصاريّ يؤمّان النخل التي فيها ابن صيّاد، وطفق رسول الله ﷺ يتّقي بجذوع النخل وهو يختل [٣] أن يسمع [٤] من ابن صيّاد شيئا قبل أن يراه، وابن صيّاد مضطجع على فراشه في قطيفة [٥]، له فيها زمزمة [٦]، فرأت أمّ ابن صيّاد النبيّ ﷺ وهو يتّقي بجذوع النخل، فقالت: أي صاف- وهو اسمه- هذا محمد، فتناهى [٧] ابن صيّاد، قال رسول الله ﷺ: «لو تركته بيّن» . قال عبد الله بن عمر: قام رسول الله ﷺ في النّاس فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ ذكر الدّجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلّا وقد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنّه أعور وإن الله ليس بأعور» متفق عليه [٨] .
_________________
(١) الدّخّ: الدّخان. انظر «لسان العرب» لابن منظور «دخخ» (٢/ ١٣٣٩) .
(٢) انظر «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» للقرطبي (٢/ ٨٠٩) .
(٣) من الختل، وهو طلب الشيء بجيلة، أي يخدع ابن صيّاد.
(٤) أي ليسمع.
(٥) قال ابن منظور: القطيفة: دثار مخمل، وقيل: كساء له خمل، والجمع القطائف وقطف، مثل صحيفة وصحف، كأنها جمع قطيف وصحيف. «لسان العرب» (٥/ ٣٦٨١)، وانظر «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (٣/ ١٩٢) .
(٦) الزمزمة: صوت خفي لا يكاد يفهم.
(٧) أي انتهى عما كان فيه من الزمزمة وسكت.
(٨) رواه البخاري رقم (٣٣٣٧) في الأنبياء، باب قول الله ﷿: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ ١١: ٢٥ [هود: ٢٥]
[ ١ / ١٤٤ ]
وعن أبي سعيد الخدريّ [١] قال: لقيه رسول الله ﷺ، وأبو بكر وعمر- يعني ابن صيّاد- في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: «أتشهد أنّي رسول الله؟»، فقال هو: أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ماذا ترى؟» قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله ﷺ: «ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟»، قال: أرى صادقين وكاذبا، أو كاذبين وصادقا، فقال رسول الله ﷺ: «لبس [٢] عليه فدعوه» رواه مسلم [٣] . وعنه [٤] أن ابن صيّاد سأل النبيّ ﷺ عن تربة الجنة فقال: «درمكة بيضاء مسك خالص» رواه مسلم [٥] . وعن نافع [٦] قال: لقي ابن عمر ابن صيّاد في بعض طرق المدينة، فقال له قولا أغضبه، فانتفخ حتّى ملأ السّكّة [٧]، فدخل ابن عمر على
_________________
(١) و(٧١٢٧) في الفتن: باب ذكر الدجال، ومسلم رقم (٢٩٣٠) في الفتن: باب ذكر ابن صيّاد، و(٢٩٣٣) باب ذكر الدجال وصفته وما معه، وأبو داود رقم (٤٣١٦) في الملاحم: باب خروج الدجال، والترمذي رقم (٢٢٣٥) في الفتن: باب ما جاء في علامة الدجال، وأحمد في «المسند» (٢/ ١٣٥ و١٤٩) و(٣/ ١٠٣ و١٧٣ و٢٧٦ و٢٩٠) .
(٢) هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري ﵁.
(٣) في المطبوع: «ليس عليه» وهو تصحيف.
(٤) رواه مسلم رقم (٢٩٢٥) في الفتن: باب ذكر ابن صيّاد.
(٥) أي عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٦) رواه مسلم رقم (٢٩٢٨) (٩٣) في الفتن: باب ذكر ابن صيّاد.
(٧) هو نافع مولى ابن عمر، الإمام المفتي الثّبت، عالم المدينة. انظر ترجمته ومصادرها في «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٥/ ٩٥- ١٠١)، و«الأعلام» للزركلي (٨/ ٥، ٦) .
(٨) السكة: الطريق.
[ ١ / ١٤٥ ]
حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك! الله ما أردت من ابن صيّاد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «إنما يخرج من غضبة يغضبها؟»، رواه مسلم [١] . وعن أبي سعيد الخدري قال: صحبت ابن صيّاد إلى مكّة، فقال لي:
أما قد لقيت [٢] من النّاس يزعمون أنّي الدّجّال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه لا يولد له»، وقد ولد لي، أليس قد قال:
«هو كافر» وأنا مسلم، أو ليس قد قال: «لا يدخل المدينة ولا مكة؟» وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة، ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو [الآن] [٣]، وأعرف أباه وأمّه، قال: فلبسني، قال [٤]: قلت [له] [٥]: تبا لك سائر اليوم، قال: وقيل له: أيسرّك أنّك ذاك الرّجل؟ [٦]، قال: فقال: لو عرض عليّ ما كرهت. رواه مسلم [٧] .
وعن ابن عمر قال: لقيته وقد نفرت [٨] عينه فقلت: متى فعلت عينك
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٩٣٢) في الفتن: باب ذكر ابن صيّاد.
(٢) في الأصل، والمطبوع، و«مشكاة المصابيح» للتبريزي (٣/ ٤٣): «ما لقيت»، وما أثبتناه من «صحيح مسلم» .
(٣) لفظة «الآن» التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، والمطبوع، و«مشكاة المصابيح»، وأثبتناها من «صحيح مسلم» .
(٤) القائل: أبو سعيد الخدري ﵁.
(٥) لفظة «له» سقطت من الأصل، والمطبوع، وأثبتناها من «مشكاة المصابيح» الذي نقل عنه المؤلف، ومن «صحيح مسلم» أيضا.
(٦) أي الدجال.
(٧) زواه مسلم رقم (٢٩٢٧) (٨٩) و(٩٠) و(٩١) في الفتن: باب ذكر ابن صياد، والترمذي رقم (٢٢٤٦) في الفتن: باب ما جاء في ذكر ابن صيّاد.
(٨) في المطبوع: «نقرت» وهو تصحيف.
[ ١ / ١٤٦ ]
ما أرى؟ قال: لا أدري، قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك [هذه] [١]، قال: فنخر [٢] كأشدّ نخير حمار سمعت. رواه مسلم [٣] .
وعن محمّد بن المنكدر [٤] قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أنّ ابن الصيّاد الدّجال، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبيّ ﷺ، فلم ينكره النبيّ ﷺ، متفق عليه [٥] .