في ربيع الأول منها سار أمير المؤمنين الحسن بن عليّ بجيوشه نحو الشّام، وعلى مقدمته قيس بن سعد بن عبادة، وسار معاوية بجيوشه فالتقوا بناحية [١] الأنبار [٢]، فوفّق الله الحسن، فحقن [٣] دماء المسلمين، وترك الأمر لمعاوية كما هو مقرّر في «صحيح البخاري» [٤] .
وظهر حينئذ صدق الحديث النبوي فيه حيث قال ﷺ: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» [٥] . ولما تم الصلح بشروطه برز الحسن بين الصّفّين وقال: إني قد اخترت
_________________
(١) في المطبوع: «في ناحية» .
(٢) الأنبار: في العراق، بينها وبين بغداد ثلاثة عشر فرسخا، وهي مدينة صغيرة متحضرة لها سوق، وفيها قلعة وفواكه كثيرة، وهي على رأس نهر عيسى. «الروض المعطار» للحميري ص (٣٦) .
(٣) في المطبوع: «في حقن» .
(٤) رواه البخاري رقم (٢٧٠٤) في الصلح، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين» وقوله جلّ ذكره: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ٤٩: ٩.
(٥) رواه البخاري رقم (٣٧٤٦) في مناقب الحسن والحسين ﵄، وفي الصلح، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين» وفي الأنبياء باب علامات النبوة في الإسلام، وفي العتق، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: «إن ابني هذا لسيد» من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ما عند الله وتركت هذا الأمر لمعاوية، فإن كان لي فقد تركته لله، وإن كان له فما ينبغي لي أن أنازعه، ثم قرأ: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ٢١: ١١١ [الأنبياء: ١١١]، وكبّر النّاس فرحا، واختلطوا من ساعتهم، وسمّيت سنة الجماعة، وتمت الخلافة لمعاوية ﵁، ولله الحمد.
وفيها توفيت أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂، وقيل: في سنة خمس وأربعين، وكان النبيّ ﷺ طلقها مرّة، فبكى عمر، واشتد عليه، فنزل جبريل وقال للنبيّ ﷺ: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر [١] .
وفي رواية: فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة [٢] .
وفيها مات صفوان بن أميّة بن خلف القرشي الجمحي، وكان من أشراف قريش، ومسلمة الفتح، وكان هرب يومئذ إلى جدّة [٣]، فاستؤمن له فرجع وطلب من النبيّ ﷺ خيار شهرين فقال له: «لك أربعة» وشهد حنينا فأكثر له ﷺ من غنائمها، فقال: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي، وحسن إسلامه، وقدم المدينة فقال له النبيّ ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح»
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (١٢/ ١٩٨) من طريق موسى بن عليّ بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر، فنزل عليه جبريل، فقال: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر» والذي في «سنن أبي داود» رقم (٢٢٨٣)، و«النسائي» (٦/ ٢١٣)، و«ابن ماجة» رقم (٢٠١٦) في الطلاق، عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وهو صحيح بهذا اللفظ.
(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» (٨/ ٨٤) من حديث قيس بن زيد أن رسول الله ﷺ طلقها ثم ارتجعها وذلك أن جبريل قال له: «ارجع حفصة فإنها طوقة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة» وهو حديث مرسل. وانظر «مجمع الزوائد» للهيثمي (٩/ ٢٤٤) .
(٣) هي مدينة كبيرة على ساحل البحر الأحمر، تبعد عن مكة قرابة (٣٠) ميلا. انظر خبرها في «معجم البلدان» لياقوت (٢/ ١١٤ و١١٥)، و«الروض المعطار» للحميري ص (١٥٧) .
(٤) رواه البخاري في الجهاد، باب لا هجرة بعد الفتح، وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ، وفي
[ ١ / ٢٢٩ ]
فرجع إلى مكة، وكان من الأغنياء، قيل: ملك قنطارا من الذهب، [و] شهد اليرموك أميرا.
وفيها لبيد بن ربيعة الشّاعر العامري، الذي صدّقه النبيّ ﷺ [١]، وحسن إسلامه، وقيل: مات في خلافة عثمان بالكوفة عن مائة وخمسين سنة.
_________________
(١) المغازي ومسلم رقم (١٣٥٣) و(١٨٦٤) من حديث عبد الله بن عباس، وعائشة ﵄.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» في ترجمة لبيد (٩/ ٧): وقد ثبت أن النبيّ ﷺ قال: «أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد» وهو قوله: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» وانظر ص (١١٦) من هذا المجلد.
[ ١ / ٢٣٠ ]