هو أحمد بن داود بن ونند الدينوري، أبو حنيفة، الإمام المؤرّخ، المهندس، النباتي، أحد نوابغ الدهر، صاحب «الأخبار الطوال»، وغير ذلك من المصنفات.
ولد في مدينة الدينور من أعمال الجبال بأرض فارس [٢]، ونشأ في أسرة من أصل فارسي، وقد عاش معظم حياته في تلك المدينة، وأمضى شبابه في الرحلات، وقادته هذه الرحلات إلى بلاد ما بين النهرين، ثم امتدت به أسفاره إلى المدينة المنورة، وإلى بيت المقدس، وإلى شواطئ الجزيرة العربية من جهة الخليج، فعاش في هذه البلدان فترات مختلفة، ثم انتقل إلى أصفهان سنة (٢٣٥) هـ وعاش بها مدة، اشتغل فيها برصد الكواكب.
قال أبو حيّان: الذي أقوله وأعتقده، وآخذ به، وأستهام عليه، أني لم أجد
_________________
(١) وهو ما ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، وابن العماد في «شذرات الذهب»، وقيل غير ذلك.
(٢) انظر «معجم البلدان» لياقوت (٢/ ٥٤٥) .
[ ١ / ٢٨ ]
في جميع من تقدم وتأخر إلا ثلاثة، لو اجتمع الثّقلان على تقريظهم ومدحهم ونشر فضائلهم في أخلاقهم، وعلمهم، ومصنفاتهم، ووسائلهم مدى الدّنيا إلى أن يأذن الله بزوالها، لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم عمرو بن بحر، والثاني أبو حنيفة بن داود الدينوري، فإنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة، وبيان العرب، له في كل فنّ ساق وقدم، ورواء وحكم.
وأما الثالث فهو أبو زيد البلخي.
نعم لقد كان أبو حنيفة عالما في شتى العلوم والمعارف، حباه الله بعقلية علمية واسعة، واستوعبت معارف كثيرة انفرد بها عن علماء فترته وما تلاها ممّن كان لهم شأن في تاريخ الأدب العربي، وعلوم اللغة، فلقد كان أبو حنيفة عالما في كثير من فروع العلم، وكان دائما مجدّدا، وظل مع كل هذا مبدعا دون تكرار عن أسلافه ومعاصريه.
مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
وكتابه «الأخبار الطوال» من أهم المصادر التاريخية الأولى، وغاية في سرد حوادث الحياة المعاشية، والسياسية، والحربية عند الفرس، وفي الإبانة عن الأحداث الدقيقة في الدولة الإسلامية حتى عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله، وقد طبع في مصر بتحقيق الأستاذ عبد المنعم عامر، ومراجعة الدكتور جمال الدين الشيّال، وهي طبعة جيدة متقنة منتشرة.