هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد، عالم الأندلس في عصره، وأحد الأئمة الإسلام، صاحب «المحلّى»، و«جمهرة أنساب العرب»، وغيرهما من المصنفات الكثيرة النافعة.
ولد بقرطبة من بلاد الأندلس في شهر رمضان سنة (٣٨٤) هـ، ونشأ في نعمة سابغة، وجاه عريض، وكانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير المملكة، فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثين، فقيها، حافظا، يستنبط الأحكام من الكتاب والسّنّة، بعيدا عن المصانعة.
وكان إليه المنتهى في الذكاء، والعربية، والآداب، والمنطق، والشعر، مع الصدق، والديانة، والحشمة، والسؤدد، والرياسة، والثروة، وكثرة الكتب.
قرأ ابن حزم على أبي عمر أحمد بن الحسين، ويحيى بن مسعود، وأبي الخيار مسعود بن سليمان الظاهري، ويونس بن عبد الله القاضي، ومحمد بن سعيد بن ساني، عبد الله بن الربيع التميمي، وعبد الله بن يوسف بن نامي، وغيرهم.
وروى عنه أبو عبد الله الحميدي صاحب «جذوة المقتبس» فأكثر الرواية عنه، كما روى عنه بالإجازة سريج بن محمد بن سريج المقبري، فكان خاتمة من روى عنه.
ونشر علمه بالمشرق ولده أبو رافع، كما روى عنه ابناه: أبو أسامة يعقوب، وأبو سليمان المصعب، وممّن تتلمذ له الوزير الإمام أبو محمد بن المغربي، صحبه سبعة أعوام سمع فيها جلّ مصنفاته، واستمرت قراءته عليه إلى سنة وفاته.
قال الغزالي: وجدت في أسماء الله تعالى كتابا لأبي محمد بن حزم يدلّ على عظم حفظه، وسيلان ذهنه.
وقال ابن صاعد في «تاريخه»: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة
[ ١ / ٣٧ ]
لعلوم الإسلام، وأوسعهم مع توسّعه في علم اللسان، والبلاغة، والشعر، والسّير، والأخبار.
وقال ابن خلّكان: كان حافظا، عالما بعلوم الحديث، مستنبطا للأحكام من الكتاب، والسّنّة وكان متفننا في علوم جمّة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدّنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك، متواضعا ذا فضائل وتآليف كثيرة.
ولكنه كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد أحد يسلم من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستملل من فقهاء وقته، فمالوا على بغضه، وردّوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشرّدته عن بلاده.
وقال ابن العريف: كان لسان ابن حزم، وسيف الحجّاج شقيقين.
مات مشردا عن بلده من قبل الدولة ببادية لبلة [١] بقرية له، ليومين بقيا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.
قلت: وقد أشتهر ابن حزم بكتابيه «المحلى» وهو في الفقه، وقد نشر في مصر، وقام بتحقيقه العلّامة الشيخ أحمد محمد شاكر، والشيخ عبد الرحمن الجزيري، وأتمه الشيخ محمد منير الدمشقي، وقد صدر في أحد عشر مجلدا.
و«جمهرة أنساب العرب» وهو من خيرة كتب الأنساب، وقد نشر في دار المعارف بمصر عام ١٣٨٢ هـ بتحقيق الأستاذ المحقّق عبد السلام محمد هارون، وهي طبعة جيدة متقنة مفهرسة.