هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السّخاوي، أبو الخير، الإمام الحافظ المؤرّخ الكبير، صاحب «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع»، و«الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ»، و«المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة»، وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
ولد في القاهرة في شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة،
[ ١ / ٧٦ ]
وحفظ القرآن الكريم وهو صغير، وجوّده، ثم حفظ «المنهاج» و«ألفية ابن مالك»، و«ألفية العراقي»، وغالب «الشاطبية» و«النخبة» لابن حجر، ومقدمة «الشاوي» في العروض، وبرع في العربية، والفقه، والقراءات، والحديث، والتاريخ، وشارك في الفرائض، والحساب، والتفسير، وأصول الفقه، والميقات، وغيرها.
وأما مقروءاته ومسموعاته، فكثيرة جدا لا تكاد تنحصر، وأخذ عن جماعة لا يحصون، يزيدون على أربعمائة شيخ، وأذن له غير واحد بالإفتاء، والتدريس، والإملاء، وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر، وأقبل عليه بكليته إقبالا يزيد على الوصف، حتى حمل عنه علما جمّا، واختصّ به كثيرا بحيث كان أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله من منزله، وكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلّا النادر، وقرأ عليه «الإصلاح» بتمامه، وسمع عليه جلّ كتبه، كالألفية وشرحها مرارا، وعلوم الحديث إلا اليسير، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها، وغير ذلك من المصنفات الأخرى.
وقد رحل إلى عدد كبير من الأمصار في سبيل طلب العلم، منها دمشق، وحلب، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، والرملة، وحماة، وبعلبك، وحمص.
مات في المدينة المنورة يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعمائة، وصلي عليه بعد صلاة صبح يوم الإثنين، ودفن بالبقيع بقرب الإمام مالك رحمه الله تعالى.
قلت: وقد قامت شهرة السّخاوي على عدد من الكتب التي صنّفها، وأهمها كتبه الثلاثة المنوّه عنها في صدر الترجمة.
والأول منها مطبوع طبعة تجارية غير محققة.
والثاني مطبوع مرتين الأولى على يد الأستاذ حسام الدين القدسي ﵀ في مصر، وهي طبعة غير محققة وفيها الكثير من التحريف والتصحيف، والثانية ضمن كتاب المستشرق الدكتور فرانز روزنثال «علم التأريخ عند
[ ١ / ٧٧ ]
المسلمين» الذي ترجمه الأستاذ الدكتور صالح العلي ونشر في العراق، وهي نشرة جيدة، غير أن المؤلف روزنثال كان قد أخرج من الكتاب رسالة الذهبي «الأمصار ذوات الآثار» التي ساقها السخاوي في الكتاب، فقام المترجم بإعادة هذه الرسالة من «الإعلان» المنشور على يد القدسي بكل ما فيها من السقط، والتحريف، والتصحيف، والخطأ، وهذا ما تأكد لنا لدى تحقيقنا لكتاب «الأمصار ذوات الآثار» للذهبي الصادر عن دار ابن كثير حديثا.
والكتاب الثالث وهو «المقاصد الحسنة» مطبوع في دار الكتب العلمية ببيروت بعناية الشيخ عبد الله الصّدّيق، وتقديم الشيخ عبد الوهّاب عبد اللطيف، ولكنها طبعة تفتقر إلى التحقيق والضبط والتخريج.