وفيها- وقيل سنة تسع وسبعين وهو الصحيح- توفي الشيخ شهاب الدّين أحمد الطيّبي الشافعي [١] الإمام العلّامة.
أخذ عن الكمال بن حمزة وغيره من علماء عصره، وأجازوه، وعني بالحديث والقراآت، فصار ممن يشار إليه فيهما بالبنان.
وكان إماما بجامع بني أمية، علّامة، محدثا، فاضلا، عديم النظير.
ومن شعره عاقدا لما أخرجه أبو المظفّر ابن السّمعاني عن الجنيد ﵀ إنما تطلب الدّنيا لثلاثة أشياء: الغنى، والعزّ، والرّاحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قلّ سعيه فيها استراح، ومن قنع فيها استغنى:
لثلاث يطلب الدّنيا الفتى للغني والعزّ أو أن يستريح
عزّه في الزّهد والقنع غنى وقليل السّعي فيها مستريح
وبالجملة فكان أحد مشايخ دمشق وعلمائها وصدورها، رحمه الله تعالى.
وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد الفارضي القاهري الحنبلي [٢] الشاعر المشهور الإمام العلّامة.
قال في «الكواكب»: أخذ عن جماعة من علماء مصر، واجتمع بشيخ
_________________
(١) ترجمته في «الكواكب السائرة» (٣/ ١١٤- ١١٦) و«الأعلام» (١/ ٩١- ٩٢) و«معجم المؤلفين» (١/ ١٤٦- ١٤٧) .
(٢) ترجمته في «الكواكب السائرة» (٣/ ٨٣- ٨٥) و«النعت الأكل» ص (١٤٢- ١٤٨) و«مختصر طبقات الحنابلة» (٩٧- ٩٩) و«الأعلام» (٦/ ٣٢٥) و«معجم المؤلفين» (١١/ ١١٤) .
[ ١٠ / ٥٧٦ ]
الإسلام الوالد حين كان بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين، وكان بدينا سمينا، فقال الوالد يداعبه:
الفارضيّ الحنبليّ الرّضي في النحو والشعر عديم المثيل
قيل ومع ذا فهو ذو خفّة فقلت كلا بل رزين ثقيل
واستشهد الشيخ شمس الدّين العلقمي [١] بكلامه في «شرح الجامع الصغير» فمن ذلك قوله في معنى ما رواه الدّينوري في «المجالسة» والسّلفي في بعض تخاريجه، عن سفيان الثوري قال: «أوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التّنين خير من أن ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر»:
إدخالك اليد في التّنّين تدخلها لمرفق منك مستعد فيقضمها
خير من المرء يرجى في الغنى وله خصاصة سبقت قد كان يسنمها
ومن بدائع شعره:
إذا ما رأيت الله للكلّ فاعلا رأيت جميع الكائنات ملاحا
وإن لا ترى إلا مضاهي صنعه حجبت فصيّرت المساء صباحا
ومن محاسنه أيضا أنه صلّى شخص إلى جانبه ذات يوم فخفّف جدا، فنهاه فقال: أنا حنفيّ، فقال الفارضي:
معاشر النّاس جمعا حسبما رسمت أهل الهدى والحجا من كل من نبها
ما حرّم العلم النّعمان في سند يوما طمأنينة أصلا ولا كرها
وكونها عنده ليست بواجبة لا يوجب التّرك فيما قرّر الفقها
فيا مصرّا على تفويتها أبدا عد وانتبه رحم الله الذي انتبها
انتهى ملخصا.
وأخذ عن الفارضي كثير من الأجلاء، منهم العلّامة شمس الدّين محمد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في وفيات سنة (٩٦٣) من هذا المجلد ص (٤٩٠) .
[ ١٠ / ٥٧٧ ]
المقدسي العلمي، مدرّس القصّاعية بدمشق، وأنشد له، وذكر أن القاضي البيضاوي خطّأ من أدغم الراء في اللام ونسبه إلى أبي عمرو:
أنكر بعض الورى على من تدغم في اللام عنه راء
ولا نخطّي أبا شعيب والله يغفر لمن يشاء
وله:
ألا خذ حكمة مني وخلّ القيل والقالا
فساد الدّين والدّنيا قبول الحاكم المالا
وقال يرثي الشيخ مغوش التونسي لما مات بمصر:
تقضّى التونسيّ فقلت بيتا يروّح كل ذي شجن ويؤنس
أتوحشنا وتؤنس بطن لحد ولكن مثل ما أوحشت تونس
وفيها- تقريبا أيضا- قال في «الكواكب» ما لفظه: محمد بن عبد الله بن علي الشيخ العلّامة الشّنشوري المصري الشافعي [١] .
مولده- تقريبا- سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وأخذ عن الجلال السيوطي، والقاضي زكريا، [٢] والدّيمي، والقلقشندي [٢]، والسّعد الذهبيّ، والكمال الطّويل، والنور المحلّي، وله مؤلفات في الفرائض وغيرها، وأجاز ابن كسباي في ربيع الثاني سنة ثمانين وتسعمائة. انتهى بحروفه وقال ولده الشيخ عبد الله [٣] شارح «الترتيب» [٤] في إجازة ذكر فيها مشايخه:
_________________
(١) ترجمته في «الكواكب السائرة» (٢/ ٣٧- ٣٨) و«معجم المؤلفين» (١٠/ ٢٢٦- ٢٢٧) والشنشوري: نسبة إلى قرية شنشور من قرى المنوفية. انظر «التحفة السّنية» ص (١٠٧) وانظر ما علّقه العلامة الزركلي في ضبطها في «الأعلام» (٤/ ١٢٩) في ترجمة ولده.
(٢) ما بين الرقمين سقط من «الكواكب السائرة» الذي بين يدي.
(٣) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي العجمي الشنشوري، الفرضي، من فقهاء الشافعية في عصره. كان خطيب الجامع الأزهر بمصر. له مؤلفات مختلفة. مات سنة (٩٩٩) هـ. عن «معجم المطبوعات العربية» (٢/ ١١٤٧) و«الأعلام» للزركلي (٤/ ١٢٨- ١٢٩) و«معجم المؤلفين» لكحالة (٦/ ١٢٨) .
(٤) واسم كتابه: «فتح القريب المجيب بشرح الترتيب» وهو مطبوع بمجلدين بمطبعة محمد مصطفى
[ ١٠ / ٥٧٨ ]
ومن مشايخي الشيخ العلّامة والدي الشيخ بهاء الدّين محمد بن الشيخ الصّالح عبد الله بن الشيخ المسلّك نور الدّين علي الشّنشوري الشافعي.
وتوفي والدي سابع عشر الحجّة الحرام سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، وله من العمر تسع وتسعون سنة. انتهى ومن خطّه نقلت.
وفيها المولى علي بن عبد العزيز، المشتهر بأم ولد زاده [١] .
قال في «العقد المنظوم»: صار ملازما من المولى محيي الدّين الفناري، وتنقّل في المدارس، وقاسى فقرأ شديدا أيام طلبه، إلى أن ولي قضاء حلب فلم يكمل سنة حتى توفي.
وكان عالما، أديبا، وفاضلا لبيبا، مبرّزا على أقرانه، حائزا قصبات السبق في ميادين العلوم، وله رسائل أنيقة وألفاظ رشيقة.
ومن شعره القصيدة الميمية الطنّانة التي أولها:
أبا لصّدّ تحلو عشرة وتدام وفي القلب من نار الغرام ضرام
شربت بذكر العامريّة قهوة فسكري إلى يوم القيام مدام
وهي طويلة انتهى ملخصا.
_________________
(١) بمصر سنة ١٣٠١ هـ. انظر «معجم المطبوعات» لسركيس (٢/ ١١٤٧) .
(٢) ترجمته في «العقد المنظوم» ص (٤٣٠- ٤٣٦) و«درّ الحبب» (١/ ٢/ ١٠٠١- ١٠٠٣) .
[ ١٠ / ٥٧٩ ]