_________________
(١) انظر الملحقات، فإن اسم التاريخ هو " البداية والنهاية ".
[ ١٢٥ ]
فراغ
[ ١٢٦ ]
١ - (١)
سنة ٤٤١:فيها وصل أمير الأمراء أبو الفضل رفق، خادم كان على المطالب بمصر، في عسكر عظيم ومضى إلى حلب ونزل في منزل الجف، فقيل إن الكلبيين داهنوا عليه، فأشير عليه أن يقبض على أمراء طيء فلم يفعل، فأشير عليه أن ينشئ سجلًا عن السلطان بإيقاع معز الدولة الشام فما فعل، فلما رآه أمراء العسكر لا يقبل منهم انهزموا مع العسكر، وانهزم العسكر لما رأى رحيل أكثره، وأتوه أهل حلب وبنو كلاب فأخذوه، وضرب على رأسه فشجَّ فمات بعد مدة في القلعة؟
وحدثني أبي قال: سمعت أن الخادم هذا لما أطلع إلى قلعة حلب استعظموا خلقه وطوله، فكان بعض الفراشين يخدمه ويكرمه، فوهبه يومًا سراويلًا من سراويلاته دبيقية ففصلها الفراش له ثوبين وسراويل أو سروالين وثوب كما قال. ومات فدفن في مسجد الجف، وأخذ من العسكر شيء عظيم من الأموال والآلات والدواب وغير ذلك؟
ومضيت أنا إلى حلب في سنة سبع وعشرين وخمسمائة فرأيت مسجدًا غير مسجد الجف فشربنا منه فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذا مسجد الخادم رفق.
_________________
(١) بغية الطلب ٧: ١٠٠، وانظر ما تقدم ص ١٠٦.
[ ١٢٧ ]
- ٢ - (١)
[وفي ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة توفي جد أبي أبي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ] ورثاه الشيخ أبو الحسين أحمد بن يعقوب [الكفرطابي] فقال:
لا تصحب الدهر عزمًا واصحبِ الجزعا ولا تُطِعْ زاجرًا عنه وإن وزعا
أتابع أنا من لم يدرِ ما كمدي وقد رأيت الفتى من كان متبعا
لو قلبه بين أحشائي إذًا لرأى قلبًا تقطعه أيدي الجوى قطعا
ويحَ الردى راميًا لم تُشْوِ أسهمُه وفاجع الخطب لم يعلمْ بمن فجعا
أمخلصَ الدولةِ اعتاقَتْ حبائله لا حبذا بك من ناع إليَّ نعى قال في آخرها يخاطب أبا الحسن عليًا ولده:
ما جار حكمُ الليالي عن سجيّته ولا استسنَّ الردى فيكم ولا ابتدعا
هذي سبيل (٢) الألى من قبلنا سلفوا وسوف نمضي على آثارهم تبعا
لو خُلّدوا لم تكن هذي منازلَنَا ولم نجدْ معهمْ في الأرض متسعا
فعشتُم يا بني نصرٍ ولا سلب الر حمن أنعُمَهُ عنكم ولا نزعا ٣ (٣)
سنة ٤٦٠: وفيها وثب ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن الحسن بن ناصر الدولة بن عبد الله بن حمدان وجماعة قواد الأتراك بمصر، وحصروا المستنصر، حدثني أبي قال: نظر ناصر الدولة ابن حمدان إلى أخيه المهذب وقد وفر له وفرة من شعره فقال: يا مهذب، نحن قوم خوارج عرب، أين أنت وهذا الشعر الذي تركته؟ فقال له المهذب: يا مولانا، نحن قوم خوارج وقلما مات خارجي إلا مقتولًا،
_________________
(١) بغية الطلب ٣: ١٣٧.
(٢) في الأصل: الردى.
(٣) بغية الطلب ٤: ٨٧.
[ ١٢٨ ]
فيكون حمل المقتول بشعره المضفور خيرًا من أن يخرَّقَ شِدْقُهُ ويحملَ به أو بلحيته، فقال ناصر الدولة: ذخيرة سوء ليوم ميشوم، قال: فحدثني جماعة بعد ذلك أنهم رأوا ناصر الدولة حين قتل والمهذب في جماعة من الأمراء ورأس المهذب محمول بدبوقته المضفورة، وناصر الدولة قد ثُقِبَ شدقه وقد حمله به.
٤ - (١)
وحدثني الأستاذ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن المنيرة [الكفرطابي] وهو أستاذي قال، حدثني أبو شملة بن المره الحلبي، وكان قد سكن كفرطاب، قال: أصبحت يومًا في برد وثلج يزيد عن الحدّ، فقلت لهم في داري: اعملوا لنا كبولا، وهي العصيدة، وأَسْرِعُوا بها من اجل الصبيان، فعملوها وبالغوا في جودتها، فهم يريدون غرفها وإنسان يدق الباب فقلت: من؟ قال: رسول الأمير أبي سالم ناجية يستدعيك إلى العمرة بأمر وصله فيك من محمود لتدخل إليه، قال: قلت أدخل، فنحن في غداء، نتغذى ونسير، قال والله ما أقدر أتركك ولا آكل أنا، ودخل، فما برح إلى أن لبست عدتي وخرجت، والماء علي يكاد ينفذ اللباد، فمضينا وعجوزٌ لنا تقول: أسال الله الراحة المعجلة، فقد والله سئمنا. فمضينا إلى باب المدينة، وإذا فارس آخر يخبرنا بموت محمد ويأمره بردي، فرجعت إلى داري، فوجدت فيها كالجنازة، فدققت الباب ففتحوا، ودخلت، فأجد الطعام على جهته ما إنتقض حره، فأكلت أنا والرسول الثاني، وعجبت من حرمان الأول وحرماني، ورزق الثاني ورزقني، وإجابة دعوة عجوز.
٥ - (٢)
وأقام نصر [بن محمود بن نصر المرداسي] مالكًا إلى سنة ثمان وستين، فلما كان يوم عيد الأضحى عيَّد وخرج العصر لينهبَ الأتراك: ابن خان وأصحابه ويأخذ
_________________
(١) بغية الطلب ٩: ١٠٨.
(٢) بغية الطلب ٨: ١٤٧ وسويم: ٥٥٠.
[ ١٢٩ ]
نساءهم، فإنه قال: نريد الوجوهَ الملاح، فضربه واحدًا فقتله، واختبطت حلب وقفلت أبوابها، وقفل باب القلعة، فجاء الأمير أبو الحسن سديد الملك، وكان قد نزل لما مات محمود، وقال له نصر: ما يربُّ هذه الدولة غيرك، فلما قتل نصر لم يجسر أن يذكر للوزير النحاس وكان صديقه ذلك ظاهرًا، فقال له وهو في القلعة من تحت السور: الأمير نصر سالم كما تحب، ولكن سألتني عن شيء قبل خروجي وهو: القيل فاد، معناه القيل: الملك، وفاد: مات، فاحتفظ ابن النحاس من القلعة وأجلسوا بعده أخاه سابقًا، وكان سابق كما قيل لي من أحسن الناس محاضرةً وأصبحهم وجهًا وأسوأهم فعلًا في نفسه وأفعاله، حدثني مولاي ﵀ قال: من طريف عمله أنه مدحه الشريف أبو المجد بثلاث قصائد، فتأخرت الجائزة، فكتب إليه وقد ضاع له دنانير ثم وجدها:
قلْ للأميرِ أبي الفضائلِ سابقِ قولًا يفوهُ به لسانُ الناطقِ
فبحقِّ من ردَّ الدنانيرَ التي ضاعت بتقدير الإله الخالق
أرددْ عليَّ مدائحًا أنشدتها ذهبتْ لديك ذهابَ خُلَّبِ بارقِ قال: فأنفذ له قصيدة وكتب إليه على ظهرها: نحن نسأل عن الباقي وننفذه إليك. وأقام بحلب مستضعفًا يغير بني كلاب على باب حلب تاخذ منه الغسالات والقوافل ولا يخرج أحدٌ إلا بخفارة ولا يدخل إلا كذلك، والأمير سديد الملك مقيم بالجسر لعلمه أن الداءَ قد أعضل، قال: فاشتغل عنهم بحصنه وبلده كفر طاب، يشتو بالجسر ويصيف بكفر طاب إلى أن غلب سابق واستحكم بأسه، أنفذ إليه وقال: أشتهي أن تحضر تفصل بيني وبين إخوتي وما قد دهمنا من شرف الدولة، فمضى حينئذٍ وقد أمن غائلتهم.
٦ - (١)
[ذَكَرَ أحوال سابق بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس وضعف أمره وقال
_________________
(١) بغية الطلب ٦: ١٦١.
[ ١٣٠ ]
في أثناء كلامه]: والأمير سديد الملك مقيمٌ بالجسر لعلمه أن الداء قد أعضل. وكان سبب ذلك أنَّ الأمير بهاء الدولة ابن الملك فناخسرو، وهو خاله، وقد نزل من مصر لما تولى ابن أخته حلب كانت جاريته قد أعتقلها أمير الجيوش بدر بمصر وأراد يضرب رقبتها لأنها كانت أوفى طبقة في الغناء، فكان الأمراء بمصر يتقاتلون عليها، فقتل من أجلها عدة من الأمراء، فقال لسابق: ما يقدر أحد يخلص جاريتي وأولادي إلا الأمير سديد الملك فإنني رأيت له بمصر صيتًا وافيًا، وقال من بها: لو جعل مقره بمصر عوض طرابلس كانت الدولة في قبضته، فثقل على الأمير إلى ان كتب وسير إلى أمير الجيوش في أمر الجارية فقال: والله ما أردت أخرجها أبدًا من الحبس ولكني لا أرد مسألة ذلك المحتشم، فسيرها إلى طرابلس إلى دار جدي، فأحضرها إلى حلب ومعها ابناها دارا وبهمن، فلما حضرت في مجلس سابق أول صوت غنت:
نفسي فداؤك كيف تصبُر طائعًا عن فتيةٍ مثلِ البدور صباحِ
حَنَّتْ نفوسهمُ إليكَ فأعلنوا نفسًا يغلّ مسالكَ الأرواح
وغَدَوْا لراحهمُ وذكرك فيهمُ أذكى وأطيبُ من نسيم الراح
فإذا جَرَتْ خببًا وذكرك فيهمُ جعلوك ريحانًا على الأقداح ثم قامت وقبلت الأرض وقالت: يا أمير بو الحسن أنا مُصْطَنَعَتُكَ وكذلك أولادي، فتخيَّل مولاها وخاف أن يكون الأمير أبو الحسن يخرجه من منزله، إذ كان يعلم أنه من غير شَكْلِهِ ولا هو من رجال سديد الملك، فاشتغل عنهم بحصنه وبلده كفرطاب يشتو بالجسر ويصيف بكفرطاب إلى أن غلب سابق واستحكم بأسه. [سديد الملك علي بن منقذ والحكاية لا تتعلق بالملك العزيز بل بابنه] .
٧ - (١)
سنة ٤٧٣:فيها تسلم شرف الدولة قلعة حلب، شهر ربيع الآخر، ولم يكن فيها ما يؤكل.
_________________
(١) بغية الطلب ٨: ١٤٧.
[ ١٣١ ]
٨ - (١)
سنة ٤٧٣: حدّث الأمير أتابك طغتكين صاحب دمشق أبي قال: كنت حامل وراء السلطان [ألب أرسلان] السلاح حين ضربه حجر المنجنيق ولو سلم ساعةً لأخذها [أي حلب]، وكان قد وصل إلى الشام يريد الطلوع إلى مصر ليفتحها، ولو طلع لأخذ البلاد جميعها وأخذ مصر.
وحدثني مولاي أبي قال: كانت خيامه من شمال مسجد مرج دابق إلى قناطر قنسرين، أي موضع عبرت فيه ورأيت السرادق والخيام قلت: في هذه السلطان. وقال همام بن الفضل: كانت خيام السلطان على المعشرية، وهي متصلة إلى الفرات بعضها ببعض.
قال أبي: وحدثني وزير تاج الدولة أبو النجم (٢) قال: شرب السلطان على حلب وسكر وضلَّ رشده بالسكر فقال: هاتوا الأمير البدوي، يعني محمود [بن نصر ابن صالح المرادسي] لأضربَ رقبته، فجاء الغلمان إلى خواجا بزرك وقالوا له: قد قال السلطان كذا وكذا، فمضى إليه خواجا بزرك وقال له: يا سلطان العالم، يظهر عنك مثل هذا؟ وكان السلطان قد بلغ منه السكر فضربه بالمغسل الذي في دست الشرب، وقال: أريده، ففتح أثرًا في جهه، فمضى خواجا إلى جانب السرادق إلى خاتون، فقال: بادرينا يا خاتون وإلا الساعةَ يتلفُ العسكر وينهبُ بعضه بعضًا، كان كذا وكذا، فقامت تمشي إليه، فقال لها: خاتون، ما جاء بك؟ فقالت: نَمْ أنت سكران، وتفرقوا، فلما أصبحت قالت له: ما تحتشم تفتح عليك باب غدر؟ قال: لا إن شاء الله، قالت: بلى البارحة أردت تحضر الأمير البدويَّ وتضرب رقبته، وأنت قد أعطيته أمانك، هذا أنت تريد تفتح مصر وما دونها، وفعلت كذا وكذا بخواجا بزرك، قال: والله ما معي علم من هذا جميعه. ولما حضر عنده خواجا قال له: يا حَسَن ما هذا الأثر في وجهك؟ قال: يا سلطان العالم هذا أثر
_________________
(١) بغية الطلب ٣: ٢٨٤ وسويم: ٢٧.
(٢) في حاشية النسخة: هو أبو النجم ابن بديع.
[ ١٣٢ ]
وقعتُ البارحةَ وأنا خارجٌ من خيمتي ضربني عمود الخيمة، ولم يُعْلِمْهُ بذلك، فاستحسن الناس منه ذلك. ثم رحل السلطان من حلب يريد مصر، فرحل مرحلةً واحدة فجاءه الخبر بأن ملك الروم ديوجانس قد خرج لما رأى البلادَ خاليةً من العساكر، فرحل على أدراجه يريد ملك الروم.
٩ - (١)
سنة ٤٨٤: وفيها نزل تاج الدولة إلى السلطان [يعني نزل تتش إلى ملكشاه] فلما رآه ترجل له، وكان في الصيد خيفة أن يتخيل منه، وحضر هو وقسيم الدولة في حضرته، فقال تاج الدولة تتش: كان من الأمر كذا وكذا، فقال له قسيم الدولة: تكذب، فقال له السلطان: تقول لأخي كذا؟ قال: نعم، يطلع الله في عينيه ما يريده لك، ويطلع في عيني ما أريده لك.
١٠ - (٢)
سنة ٤٨٥:قتل نظام الملك وأنه اتهم بذلك متولي الخزانة تاج الملك. وكان تاج الملك لا يفارق السلطان إلى أن يدخل فراشه، ويدخل إليه وهو وخاتون في الفراش، لا يختبي منه، وكان شيخًا مليح الشيبة أبيض الحواجب يقول لي أبي والله كأنه جدك، ﵏. فلما مات السلطان، يعني ملكشاه، اجتمع مماليك خواجا بزرك وكانوا في سبعة آلاف مملوك مزوجين إلى سبعة آلاف مملوكة له وقالوا: ما قُتِلَ مولانا نظام الدين، إلا بأمر تاج الملك فإنه باطنيّ وأمر به الباطنية فقتلوه، فوثبوا على تاج الملك فقتلوه وتوازعوا جثته، فصار إلى كل واحد منهم عظم أو قطعة لحم لفّها وجعلها في خريطته، حدثني بذلك جماعة من الثقات.
_________________
(١) بغية الطلب ٣: ٢٦٩ وسويم ١٠٠.
(٢) بغية الطلب ٩: ١٥٣ وسويم: ٩٥.
[ ١٣٣ ]
- ١١ - (١)
حدثني أبي عنه [يعني عن نظام الملك] قال: كان رجلًا يصوم الدهر، وله في أصبهان أربع نسوة، يُعْمَلُ له في كلَّ دارٍ طعامٌ ولأصحابه ومن يكون عنده بقيمةٍ وافيه، فأي دار أراد أن يجلس بها كان الطعام الكثير معدًّا له كما قال: عشرة رؤوس غنم مشوية وعشرة ألوان وعشر جامات حلوى.
١٢ - (٢)
سنة ٤٨٥: قفز باطنيّ على خواجا بزرك ببغداد وهو محمول في محفته التي كان يحمل فيها من ضعفه وكبره في تاسع شهر رمضان، فجرحه، وحمل إلى داره التي ببغداد، فجاء السلطان ملكشاه يفتقده ويتوجع له، فقال له خواجا: يا سلطان العالم، كبرت في دولة أبيك ودولتك، كنت تمهلت علي فما بقي من عمري إلا القليل، أو صرفتني ولا أمرت أن يفعل بي هكذا. فأخرج السلطان مصحفًا في تقليده وحلف له بما فيه أنه لم يأمر ولم يعلم، ثم قال: كيف أستجيز هذا وأنت بركه دولتي وبمنزلة أبي؟ وكان الذي أتهم بذلك متولي الخزانة تاج أبا الغنائم؟
حدثني أبي عنه قال: فمات خواجا ومضى السلطان فمات في العشر الاخير مكن شوال؟
وذكر ان السلطان لما مات اجتمع مماليك خواجا بزرك وكانوا في سبعة الاف مملوك مزوجين إلى سبعة آلاف مملوكة فقتلوا تاج الملك.
١٣ - (٣)
سنة ٤٨٧: فيها كانت وقعة قسيم الدولة [آق] سنفر وتاج الملك يوم السبت تاسع
_________________
(١) بغية الطلب ٤: ٢٩٧ وسويم: ٢٨٤.
(٢) بغية الطلب ٤: ٢٩٨ وسويم: ٨٨.
(٣) بغية الطلب ٣: ٢٧٠ وسويم: ١٠٤.
[ ١٣٤ ]
جمادى الأولى، وذلك أن تاج الدولة لما أراد العبور مختفيًا ليمضي إلى خراسان، فبلغ خبره قسيم الدولة فخرج إليه فقال لأصحابه: الحقوني بحبال لكتاف الأسرى، استصغارًا لهم، فقال له سكمان بن أرتق: حركش هم؟ (أي أرانب هم) ولم يتمهل إلى حين تصله خيله فمضى واستعجل، فكسره تاج الدولة بأرض رمل وأسره ورحل من موضع الكسرة إلى حلب فملكها واستولى على المواضع التي كانت لقسيم الدولة، وجلس في قلعة حلب وشرب فيها واحضر قسيم الدولة كما حدثنا رومي بن وهب قال: حضرته وقد أحضر قسيم الدولة، فدخل وفي رقبته بند قبائه يسحب، فلا والله إن أنكرت من عزة نفسه شيئًا مما كنت أعرفه، فما زال يمشي حتى وقعت عينه على تاج الدولة، فجلس وأدار ظهره إليه، فسحبوه وكلموه فما رد جوابًا مرتين أو ثلاثًا، فضرب رقبته بيده، وقطع رأسه فطيف به البلاد وحملت جثته فدفنت عند مشهد قرنبيا وبقي ليلتين، وسار تاج الدولة إلى خراسان، وبقي قسيم الدولة في قبره وقد طوف برأسه إقليم الأرض من الشام سنة خمسٍ وثمانين إلى سنة ست وعشرين إلى حين ولى السلطان والخليفة المسترشد بالله ولده زنكي بن آق سنقر وهو وعماد الدين. . ملك الأمراء بهلوان جهان عمر له مدرسةً تولى أمرها الشيخ الأجل الفقيه الإمام أبو طالب العجمي، ووقف عليها ضيعتين يساوي مغلهما ألف دينار كل سنة، وعمر بها عمارة معجزة رمته إليها، رأيتها في سنة سبعة وعشرين ولم تكنت أكملت، وهي تزيد عن الوصف، وجعل قبره قبالة البيت المسجد من الشمال، وأجرى إليها قناة من ماء، وغرس وسطها، وجعل القبر مثل قبر أبي حنيفة ﵁ [هكذا نقلت من خط ابن منقذ وفيه أوهام من جملتها أنه قال فكسره بأرض سل، وليس كذلك بل بأرض سبعين أو كارس، وسل ليست من هذه الكورة، وبينهما مسافة يوم، من جملة أوهامه أنه قال: جلس في قلعة حلب وضرب رقبته آق سنقر، وليس الأمر كذلك، بل ضرب رقبته عقيب الكسرة بسبعين أو كارس، ورومي بن وهب حكى له صورة قتله، لأنه كان بحلب والذي قتله تاج الدولة صبرًا بحلب هو بزان صاحب الرها، وكان انهزم في هذه الوقعة إلى حلب، فلما دخلها تاج الدولة أحضره وقتله، وقيل بل أسره وحمله إلى حلب فقتله؟
[ ١٣٥ ]
وقال: بقي قسيم الدولة في قبره من سنة خمس وثمانين إلى سنة ست وعشرين وهذا طغيان من القلم، فإن قسيم الدولة قتل سنة سبع وثمانين، وقد ذكره كذلك، وقال عمر يعني ولده زنكي له مدرسة، ووقف عبيه صبعين، والمدرسة لم يعمرها زنكي بل عمرها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وأبتدأ في عمارتها في سنة سبع وعشرة، واسمه وتاريخ عمارتها على جدارها، لكن قسيم الدولة آق سنقر لما قتل دفن إلى جانب مشهد قرنبيا بالقبة الصغيرة المبنية بالحجارة من غربي المشهد، وكان قسيم الدولة بنى مشهد قرنبيا لمنام رآه بعض أهل زمانه ووقف عليه وقفًا فدفن إلى جنبه، وعمر على قبره تلك القبة، فلما ملك زنكي حلب آثر أن يبني لأبيه مكانًا ينقله إليه، وكانت المدرسة بالزجاجين لم تتم، وكان شرف الدين أبو طالب العجمي هو الذي يتولى عمارة المدرسة، ووقف من يقرأ على قبره القرية المعروفة بشامر، وهي جارية إلى الآن، وأما كارس التي هي وقف على المدرسة فأظنها وقف سليمان بن عبد الجبار] .
١٤ - (١)
سنة ٥١٦: وفيها وصل الواعظ أبو طالب من الخليفة، فانتسجت بيني وبينه مودة، فكتب إلي أبياتًا وأنا داخلٌ من الركوب:
يا ليلَ ما جئتكمُ زائرًا إلا رأيتُ الأرضَ تُطْوَى لي
ولا ثنيتُ العزمَ عن داركم إلا تعثَرْتُ بأذيالي فلم أعلم ما معناها في وصولها، وأنا مع أبي دخول من الصيد، فأريته الرقعة وقلت: ما معنى هذا؟ فقال: والله لا أعلم، وأريتها لعمي عز الدين في الحال فقال: ما أعلم فأمرني أن أخلع عدتي وأرجع سريعًا، فخطر لي أنه يختبرني ليعلم بديهيتي، فكتب في ظهرها:
كم لي إلى داركَ من صبوةٍ أَعْتدَتْ فأبكتْ ليَ عُذَالي
وحرّ نار في الحشا محرقٍ لبعدكم يقضي بترحالي
_________________
(١) بغية الطلب ٩: ١١٤.
[ ١٣٦ ]
إن كنت أضمرت سلوًا فلا بلغت من وصلك آمالي
وعشت من بعدك وهو الذي أخشى لأن الموت أشى لي ورجعت إلى مجلس عمي وقعدت فيه ساعة، وحضر الرجل فقلت: يا سيدنا جمال الأدب والعلماء، ما علمت ما معنى البيتين وأريتهما لمولييَّ عمي وأبي فما علما، فقالا: والله كذلك كان، قلت: بل وقع إلي أنك أردت تختبرني، فعملت في ساعتي هذه الأبيات وأنشدتها، فقال لي من حضر: والله لولا أنها مكتوبة في ظهر الرقعة لظنناها من حفظك، وكان والله أديبًا مليحًا، وهو كان لازمًا لبني الشهرزوري، والأبيات لابن الشهرزوري. وأنشدني له أيضًا وقد مر بقبر أخيه:
مررت على قبر تداعت رسومه ومنزله بين الحوائج آهل
فريدٌ وفي الإخوان والأهل كثرة بعيد ومن دون اللقاء الجنادل
فحرك مني ساكنًا وهو ساكن وثقف مني مائلًا وهو مائل
وقلت له إن كنت أخليت منزلًا فقد ملئت بالحزن منك المنازل
عليك سلام الله ما ذر شارق وما حن مشتاق وما ناح ثاكل - ١٥ - (١)
سنة ٥٣٤: في شوال وفي حادي عشره مات أبو القاسم ابن السحلول الزاهد ﵀، وكان لا يأكل خبزًا لأحدٍ قط، إلا ما يعمل، ولقد حدثني جماعة وهو حاضر يتحدث حينئذ أنه حج وجاءت طريقه إلى حير، وهو وجماعة من الحجاج، فأخذوهم العرب، قال: ومشينا حتى نال الحر والعطش منا، فقال له أصحابه: ما تشتهي يا أبا القاسم؟ قال: اشتهيت رحمة الله وشربة من ماء، قالوا: أين ذاك؟ قال: أما أنا فأتكل على الله وأموت ولا أتعب، ورجع إلى موضع يلتجئ إليه فوجد ماء معينًا فغرف منه بيده، فنادى أصحابه فجاءوا وشربوا واستراحوا، فإذا ناقة قد أقبلت من التي كانت لهم وقد أخذها العرب، فجاءت إلى أن حققوها، فرأوها ناقة
_________________
(١) بغية الطلب ٩: ١٧٠.
[ ١٣٧ ]
أبي القاسم، فما وقعت إلا في يده فقال: يا قوم لي فيها وديعة سبعة دنانير، قفوا نتبلغ بها إن كانت ناقته، فمد يده إلى رقبتها فوجد ذهبه في المكان الذي عمله، فسلم وسلمنا ببركته.
- ١٦ - (١)
سنة ٥٣٤: وفي ثالث ذي الحجة توفي الشيخ أبو عبد الله الزاهد ابن العجمي (٢) ﵀، حدثني من حضره قال: جئت يومئذ أفتقده وهو في آخر قوته فقلت: كيف تجدك؟ وأومأ إلي إيماءةً فما شككت أنه تلك الساعة يموت، فقال: امضوا فعلي مهلة إلى بعد غد، وكان قد عطس ثلاث عطسات، كل عطسة ليوم، فكان الأمر كما ذكر، ﵀.
_________________
(١) بغية الطلب ٥: ٥.
(٢) هو الحسين بن طاهر العجمي، فقيه زاهد عاش بحلب وكان كولده سنة ٤٤٨.
[ ١٣٨ ]
- ١٣ -