١٩ - (٢)
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي في كتاب " سير الثغور " وضعه للوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل فذكر فيه صفة طرسوس فقال:
مدت طرسوس على سورين، في كل سور منهما خمسة أبواب حديد، فأبواب السور المحيط بها حديد ملبس، وأبواب السور المتصل بالخندق حديد مصمت. فالسور الأول الذي يلي المدينة مشرف تعلوه ثمانية آلاف شرافة فيها مرتبة عند الحاجة إلى الحرب عنها رجال يرمون عن ستة عشر ألف قوس رمية رجل واحد، وفي هذا السور من الأبراج مائة برج سواء: منها ثلاثة أبرجة للمجانيق الحرري وعشرون برجًا للمجانيق الكبار، وعشرون برجًا للعرادات، وسائرها لقسي الرجل. وهذه الأبرجة التي ذكرناها فهي ملك لأربابها ومساكن لمتأهلين وعزاب، وبعضها مرسوم بعمل الورق والكاغد وهو مما يلي زاوية الحبالين.
_________________
(١) بغية الطلب: ٨٢.
(٢) بغية الطلب: ٢١٢ - ٢١٦.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
قال: فأما برج باب قلمية المبني عن يمين الخارج منه فمرسوم بتفرقة أعشار غلات ضياع طرسوس متى ورد منها عشرة أحمال أو رواحل أو عجل حط واحد من عشرة وأطلق له تسعة يقبل قوله فيه، فإذا اجتمع أطلق منه لأهل الشرف أبناء المهاجرين والأنصار على رسم جريدة أمر بإنشائها المأمون عبد الله بن هارون الرشيد رحمهما الله، يتوارث ما ثبت في تلك الجريدة أهل الشرف المقيمون بطرسوس، ويجري بينهم مجرى الميراث بأخذه خلفهم عن سلفهم. وإن طرأ طرسوس غريب من أبناء االمهاجرين والأنصار دفع إليه مقدار كفايته وكفاية جملته إن كان ذا عيال أو ذا جملة شريفة، ونفض منه على الشيوخ المسجدية رسمًا لا ينقطع عنهم في كل سنة عند قبض الأعشار من الغلات، لكل شيخ منهم ستة أمداد بالمدي الطغاني الذي يبلغ كل مدي منه أربعة عشر مكوكًا بالمكوك الطرسوسي، مبلغ المكوك منه زيادة على المكوكين بالبغدادي المعدل، ونفض منه على الأدلاء المؤلفة قلوبهم من الروم والأرمن وأولادهم بحسب ما يراه السلطان بطرسوس من حسن النظر لهم، ولمن يتحدد منهم، ويجعل ما يفضل عما وصفناه من الحنطة للخباز المقام لقوت الأعلاج المحبوسين في سجن طرسوس. وما ورد من الشعير برسم العشر أطلق للأدلاء المؤلفة قلوبهم رسمًا على مقدار كراعهم قضيمًا لها في كل سنة، وحمل سائره لقضيم بغال الساقة أولًا أولًا. فإن فضل من القمح شيء عما وصفناه وذكرناه من وجوهه بيع بسعر وقته وصرف في مهمات البلد، وسنذكرها في أماكنها إن شاء الله.
قال: وما وقع في هذا البرج من غلات القطاني كلها مع ما ينضاف إليها من زيتون وكمون وبزر فجل وبزر كتان وسمسم وترمس وأرز بيع كل صنف منه بسعره وأضيف إلى راتب البلد.
قال: وكان في هذا السور قديمًا وقد رأيناه رأي عين أثر خمسة وعشرين بابًا، منها خمسة أبواب مفتوحة مسلوكة معروفة وهي: باب الشام وباب الصفصاف وباب الجهاد وباب قلمية وباب البحر، وسائرها مسدود.
وقال: سمعت أبا الربيع سليمان بن الربيع الجوزاتي، شيخًا كبيرًا كان أقام
[ ٢ / ٤٥٠ ]
بحصن الجوازات زيادة على أربعين سنة مجاهدًا يذكر أن جيشًا لجبًا خرج عن طرسوس غازيًا في زيادة على عشرين ألف فارس وراجل من باب المسدود فأصيبوا عن آخرهم في بلد الروم واستشهدوا رحمة الله عليهم ولم يعد منهم إلى طرسوس مخبر، فأجمع رأي أهل طرسوس على سده تشاؤمًا به.
قال: وقد رأيته مفتوحًا وهو ما بين زاوية الحبالين وباب الجهاد عند آخر شارع النجارين، تتصل به الدار الكبيرة التي بنيت للسيدة أم المقتدر بالله رحمهما الله، وليس بطرسوس ولا بالثغر كله دار أكبر منها. وبرسم هذه الدار صناع معروفون من أهل سوق السلاح لتدبير جوانبها، ورم شعث سلاحها وجلاء دروعها وسيوفها، في كل سنة مرة أو مرتين، وكان يركب من هذه الدار إلى الجهاد في سبيل الله مائة وخمسون غلامًا بجنائبهم ومن ضامهم، ويرؤسهم رجل منهم على رأسه مطارد تعرف بهم متى احتيج إليهم في الغزو لساقة أو ميمنة أو ميسرة أو في تجريد لحادثة سدوا أكبر مسد، وقوفهم بأرض الثغر وأعمال أنطاكية وحلب معروفة مشهورة، وارتفاعها في السنة الواحدة مائة ألف دينار يستغرقها الاتفاق، وربما اقترضوا إن تعذر وجه مالهم وردوه عند حصوله.
قال: وأما شارع باب الصفصاف ففيه دار قبيحة أم المعتز بالله رحمهما الله، قد بنيت حجرًا مقدرة لسكنى مائة وخمسين غلامًا، في كل حجرة منها بيتان ومرتفق، وبرسم هذا الوقف رئيس يركب هؤلاء الغلمان بركوبه ويسيرون بسيره، ينشر على رأسه مطرد وأعلام كتابتها المعتز بالله، وكذلك شعارهم إذا سافروا أو غزوا في بلاد الروم وغيره.
قال: وللدار خزانة للسلاح تظهر في أيام الأعياد وعند ورود الرسل من الروم فيها الدروع الحصينة تستر الفارس والفرس، والعمد المذهبة والجواشن البنية والخوذ المنيعة، ومن الأسلحة كل نوع، يحمل كل غلام ما يعاني العمل به. وبرسم هذه الدار مؤدب لا يدخل مكتبه أحدًا إلا أولاد موالي المعتز بالله، والرئيس على موالي المعتز من الموالي من وجدوه مذكورًا فارسًا رئيسًا مقدمًا، فإن تعذر من هذه صورته من الموالي نصب لهم رئيس من قواد طرسوس ووجوهها يدبر أمرهم
[ ٢ / ٤٥١ ]
وتكتب العقود والضمانات باسمه؛ وقد رأيت أبا حفص عمر بن سليمان الشرابي ﵀ رئيسًا عليهم ثم رأيت بعده جماعة منهم ومن غيرهم.