وبأخيه وأهلهم إلى دمشق] وأنزلهم والدي في مسجد أبي صالح، فاستوخم المسجد عليهم، فمات منهم في شهر واحد قريب أربعين نفسًا، فأشار عليهم والدي بالانتقال إلى الجبل حيث هم الآن، فانتقلوا إليه، وكان رأيًا مباركًا.
حفظ الشيخ أبو عمر القرآن وقرأه بحرف أبي عمرو، وسمع الحديث من والده وأبي المكارم ابن هلال، وأبي تميم سليمان بن الرحبي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، وأبي الفتح عمر بن عليّ بن حمويه، وأبي المعالي ابن صابر، وأبي محمد عبد الله بن عبد الواحد الكناني، وأبي عبد الله محمد بن عليّ الحراني، وأبي الفهم، عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدي، ويحيى ابن محمود الثقفي، ومحمد بن حمزة بن أبي الصقر.
وقدم مصر، فسمع بها من الشريف أبي المفاخر سعيد بن الحسن المأموني وأبي محمد ابن بري النحوي، وخرج له الحافظ ابن عبد الغني المقدسي أربعين حديثًا من رواياته وحدث بها. وسمع منه جماعة منهم: الضياء والمنذري، وروى عنه ابن خليل وولده أبو الفرج عبد الرحمن قاضي القضاة، وحفظ منه " مختصر الخرقي " في الفقه، وتفقه في المذاهب، وقرأ النحو على ابن بري بمصر وأظنه حفظ " اللمع " لابن جني.
وكان أبو عمر فقيهًا زاهدًا عابدًا، كتب بخطه كثيرًا من كتب الحديث والفقه على مذهب الإمام أحمد وكتاب " المغني " لأخيه، وكان مع ذلك له أوراد من الصلاة والتلاوة يقوم بها، وحج وغزا وكان شيخ جماعته، مطاعًا فيهم محترمًا عند نور الدين محمود بن زنكي، وزاره وبنى لهم في الجبل مسجدًا وسقاية.
٤٠ - (١)
محمد بن الخضر ابن تيمية الحراني أبو عبد الله فخر الدين: انتهت إليه رياسة حران، وله خطبة الجمعة، وإمامة الجامع، وتدريس المدرسة النورية، وهو
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٢: ١٥٢ (٥٤٢ - ٦٢٢) .
[ ١٩٨ ]
واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها، وكان في ملازمته التفسير والوعظ مع الطريقة الظاهرة الصلاح.
٤١ - (١)
محمد بن عبد الله بن الحسين الهروي أبو عبد الله: كان رجلًا صالحًا، سمعت منه بقراءته جزءًا بمكة. وكان في عزمي أنني أدخل اليمن، وقد هيأت هدية لصاحبها من طرف دمشق، فاستشرته فقال: أنت أعلم، ثم قال: قرأنا هاهنا جزءًا من أيام، فجاء فيه عن بعض السلف علامة قبول الحج: أن الإنسان ينصرف عن مكة غير طالب للدنيا، فزهدت في اليمن، ورجعت عن ذلك العزم، وذلك سنة تسع وثمانين.
٤٢ - (٢)
الشيخ شرف الدين محمد بن عبد الوهاب شرف الإسلام: كان فقيهًا فرضيًا يعرف الغزوات ويعبر المنامات ويتجر، ولا يداخل الملك، وتوفي ودفن بالباب الصغير.
٤٣ - (٣)
محمد بن عليّ بن نصر بن البل الدوري أبو المظفر مهذب الدين، كان واعظًا حسنًا، وكان يضاهي ابن الجوزي في وعظه، وكان فصيحًا في إيراده. وله نظم ونثر، سمعته يتكلم. وقال وهو على المنبر بالله عليك يا جامع المنصور هل تسمع قط مثل وعظ الدوري؟.
وقال:
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١: ٣٨٢ (توفي سنة ٥٩٠) .
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ١: ٣٧٠ (والشيخ شرف الدين هو عم المؤلف) .
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ٢: ٧٥ (توفي سنة ٦١١) .
[ ١٩٩ ]
أخافك حتى لا أظن سلامة وأرجوك حتى لا أظن هلاكا
وها أنا رهن في يديك، ومحسن بك الظن، فأجعل للأسير فكاكًا
فما نلت مما أرتجيه لموتتي سواك، ولا قدر الأراك سواكا ٤٤ (١)
الشيخ الإمام عماد الدين [محمد بن معالي بن غنيمة] أبو بكر الخياط: كان زاهدًا عالمًا فاضلًا مشتغلًا بالكسب من الخياطة، ومشتغلًا بالعلم، ويقرىء القرآن احتسابًا، قال لي: تشكل عليّ المسألة، فآتي الشيخ أبا الفتح ابن المني لأسأله عنها، فتكشف لي وأفهمها قبل جواب الشيخ، يشير إلى بركة الشيخ. وكنت أنا أقرأ عليه شيئًا من القرآن، ثم يقول: خذ عليّ، فيناولني مقدمة الخبري في الفرائض، فيقرأها من حفظه. وكان متطهرًا ومتشددًا في الطهارة. وكان الإمام الظاهر في حياة والده الناصر قد أحسن به الظن وصحبه في الزيادة، وانتفع الظاهر بصحبته كثيرًا، ورتب كتاب " جامع المسانيد " تأليف الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي على أبواب الفقه، وكان يقرأ على شيخنا ابن المني من " كفاية المفتي " لابن مقبل.
٤٥ - (٢)
محمود بن عثمان بن مكارم النعال البغدادي ناصر الدين أبو الثناء: لما قدمت بغداد سنة اثنتين وسبعين نزلت الرباط، ولم يكن فيه بيت خال، فعمرت به بيتًا وسكنته، وكان الشيخ محمود وأصحابه ينكرون المنكر ويريقون الخمور، ويرتكبون الأهوال في ذلك، حتى إنه قام أنكر على جماعة من الأمراء، وبدد خمورهم وجرت بينه وبينهم فتن، وضرب مرات. وهو شديد في دين الله، له إقدام وجهاد. وكان كثير الذكر، قليل الحظ من الدنيا، وكان يسمى شحنة الحنابلة. وكان يهذبنا ويؤدبنا وانتفعنا به كثيرًا.
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة٢: ٧٧ - ٧٨ (توفي سنة ٦١١) .
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ٢:٦٤ (توفي سنة ٦٠٩) .
[ ٢٠٠ ]
٤٦ - (١)
نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي الأصل الدمشقي أبو العلاء ابن شرف الإسلام: ولد سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وأفتى ودرس وهو أين نيف وعشرين سنة، إلى أن مات، وعاش هنيًا مرفهًا، ولم يل ولاية من جهة سلطان، وما زال محترمًا معظمًا ممتعًا قويًا.
قال لي قبل أن يموت سنة: رأيت الحق ﷿ في منامي، فقال لي: يا نجم أما علمتك وكنت جاهلًا؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أغنيتك وكنت فقيرًا؟ قلت: بلى يا رب، قال: أما أمت سواك وأحييتك؟ وجعل يعدد النعم، ثم قال: قد أعطيتك ما أعطيت موسى بن عمران.
ولما مرض مرض الموت، رآني وقد بكيت، فقال: أيش بك؟ فقلت: خير، فقال: لا تحزن عليّ، أنا ما توليت قضاء، ولا شحنكية، ولا حبست، ولا ضربت، ولا دخلت بين الناس، ولا ظلمت أحدًا، فإن كان لي ذنوب، فبيني وبين الله ﷿. ولي ستون سنة أفتي الناس، والله ما حابيت في دين الله تعالى.
وكان يقول قبل موته بسنين: سنتي سنة ست وثمانين، فقال: هذه سنتي، فقلنا: كيف تقول هذا؟ قال: هي سنة أبي وجدي لأن أباه مات سنة ست وثمانين وخمسمائة، وجده مات سنة ست وثمانين وأربعمائة، وكان الأمر كما قال.
وكان الشيخ الموفق وأخوه أبو عمر إذا أشكل عليهما شيء سألا والدي.
وخرج له أبو الحسين سلامة بن إبراهيم الحداد مشيخة، وسمعناها عليه بقراءته.
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١: ٣٦٨ - ٣٦٩.
[ ٢٠١ ]
٤٧ - (١)
نصر بن فتيان بن مطهر النهرواني أبو الفتح المعروف بابن المني: رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورًا، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورًا، فأنخت راحلتي بربعه، وحططت زاملة بغيتي على شرعه، فوجدت الفضل الغزير والدين القويم المنير، والفخر المستطير، والعالم الخبير، فتلقاني بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح، فتح الله عليه. حفظ القرآن العظيم وهو في حداثة من سنه، ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح منه على كل فن بفضل الله ومنه.
قال لي المهذب بن قيداس: كنا نسمي شيخك شيخ صبي يعني في صباه لعقله ووقاره وتركه للعب، ثم قال: لم ينقل عنه أنه لعب ولا لها، ولا طرق باب طرب، ولا مشى إلى لذة ومشتهى.
حدثني شيخنا الإمام ناصح الدين ابن المني قال: حصل لي من ميراث والدي عشرون دينارًا، فاشتريت بها شيئًا وبعته فأربحت، فخفت أن تحلو لي التجارة فأشتغل بها، فنويت الحج فحججت، وتجردت للعلم، فسمعت درس الشيخ أبي بكر الدينوري صاحب الشيخ أبي الخطاب الكلوذاني، قلت، فتفقه به، ومال الفقهاء من أصحاب شيخه إلى الاشتغال عليه. ودرس بعد موت شيخه.
قال لي: تقدمت في زمن أقوام ما كنت أصلح أن أقدم مداسهم، وقال لي: ﵀: ما أذكر أحدًا قرأ عليّ القرآن إلا حفظه، ولا أسمع درس الفقه إلا انتفع. ثم قال: هذا حظي من الدنيا.
وأفتى ودرس نحوًا من سبعين سنة، ما تزوج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرسًا، ولا ملك مملوكًا، ولا لبس الثياب الفاخرة إلا لباس التقوى. وكان أكثر طعامه يشرب له في قدح ماء الباقلا، وكان إذا فتح عليه بشيء فرقه بين أصحابه. وكان لا يتكلم في الأصول، ويكره من يتكلم فيه، سليم الاعتقاد صحيح الانتقاد
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١: ٣٥٩ - ٣٦٢ (توفي سنة ٥٨٣) .
[ ٢٠٢ ]
في الأدلة الفروعية. وكنا نزور معه في بعض السنين قبر الإمام أحمد.
وسمعت الشيخ الإمام جمال الدين ابن الجوزي وقد رآه يقول له: أنت شيخنا. وأضر بعد الأربعين سنة، وثقل سمعه. وكان تعليقه الخلاف على ذهنه، وفقهاء الحنابلة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه.
[قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك، فإن أهل زماننا إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: موفق الدين المقدسي، ومجد الدين ابن تيمية الحراني. فأما الشيخ موفق الدين فهو تلميذ ابن المني، وعنه أخذ الفقه. وأما ابن تيمية فهو تلميذ تلميذه أبي بكر محمد ابن الحلاوي] . وقد جمع بعض فضلاء أصحابه له سيرة طويلة، وهو أبو محمد عبد الرحمن بن عيسى البزوري الواعظ، وقفت على بعضها مما ذكره فيها.
وكان ﵀ كثير الذكر والتلاوة للقرآن لا سيما في الليل، مكرمًا للصالحين، محبًا لهم، ليس فيه تيه الفقهاء ولا عجب العلماء، إن مرض أحد من تلامذته ومعارفه عاده، أو كانت لهم جنازة شيعها ماشيًا غير راكب، على كبر السن وضعف البنية، زاهدًا في الدنيا يقنع منها بالبلغة، وإذا جاءه فتوح أو جائزة من بيت المال وزعها بين أصحابه، وإن ناله منها شيء أعاده عليهم في غضون الأيام.
ولقد حدثني من أثق به من أصحابنا أنه جاءته صلة من بعض الصدور نحو أربعين دينارًا فرقها في يومه بين أهله وأصحابه، وما أخذ منها شيئًا، فلما كان آخر النهار قال لي: يافلان، لوكنا عزلنا من ذاك الذهب قيراطين للحمام، وكان قوته كل يوم قرصين، وربما لم يفنهما. وقال لي بعض أصحابه: إنه يستفضل منهما بعض الأيام ما يدفعه إلى السقاء. وكان معظم أدامه أن يشتري له برغيف ماء الباقلا، وما رأيته جعل عليه دهنًا قط، راضيًا بذلك مع قدرته. وكان يخدم نفسه بنفسه، لا يثقل على أحد من أصحابه، ولا يكلفهم شيئًا، اللهم إلا أن يعتمد على يد أحدهم في الطريق. ولقد كنا عنده يومًا جماعة من أصحابه، فأوذن بالصلاة
[ ٢٠٣ ]
فنهض بنفسه فاستقى الماء للتطهير، وما ترك أحدًا منا ينوبه في ذلك، ولقد قدمت له نعله يومًا فشق عليه وجعل يقول: أيش هذا؟ مثلك لا نسامحه في هذا.
وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسي فقال: شيخنا أبو الفتح كان رجلًا صالحًا حسن النية والتعليم، وكانت له بركة في التعليم، قل من قرأ عليه إلا انتفع، وخرج من أصحابه فقهاء كثيرون منهم من ساد. وكان يقنع بالقليل، وربما يكتفي ببعض قرصة، ولم يتزوج. وقرأت عليه القرآن. وكان يحبنا ويجبر قلوبنا، ويظهر منه البشر إذا سمع كلامنا في المسائل. ولما انقطع الحافظ عبد الغني عن الدرس لاشتغاله بالحديث، جاء إلينا، وظن أن الحافظ انقطع لضيق صدره.
٤٨ - (١)
نصر بن محمد ين عليّ الحصري الهمذاني البغدادي أبو الفتوح برهان الدين: سمعت عليه جزءًا في المسجد الحرام. وكان إمامًا في علوم القرآن، ومحدثًا حافظًا وعابدًا.
قال لي الملك المحسن أحمد بن الملك الناصر صلاح الدين: ما رأيت أعبد من البرهان ابن الحصري، كان يعتمر في رمضان ثلاث عمر في نهاره وثلاث عمر في ليله.
وقال لي شيخنا طلحة العلثي ببغداد سنة أربع أو خمس وسبعين: ما في بغداد مثل برهان ابن الحصري في علم القراءات، ما تقدر تقرأ عليه سورة كاملة من شدة تحريره.
حدث أبو الفتوح ابن الحصري بالكثير ببغداد ومكة، وسمع من خلق كثير من الأئمة والحفاظ وغيرهم. مات بالمهجم من أرض اليمن في شهر ربيع الآخر وقيل في ذي القعدة سنة ثمان عشرة.
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٢: ١٣١ - ١٣٢ (٥٣٦ - ٦١٨) .
[ ٢٠٤ ]
٤٩ - (١)
نصر الله بن عبد العزيز بن صالح بن عبدوس الحراني: لقيته بدمشق وحران، وكان فقيهًا صالحًا ينقل المذاهب جيدًا، وكان ينكر المنكر، ضربه مظفر ابن زين الدين على الإنكار ثم ندم واستغفر منه، وأحسن القاضي الفاضل ظنه به. وكان أبيض قصيرًا جدًا، وشعر لحيته أحمر، وحكى لي أنه كان يأخذ اللحمة من المقلى فيضعها في فيه ولا يتضرر بذلك ومات قبل الستمائة بآمد ﵀.
٥٠ - (٢)
يحيى بن المظفر بن نعيم البغدادي أبو زكريا المعروف بابن الحبير: كان في السفر إذا نزل الناس واستقروا توضأ للصلاة، وتنحى قليلًا عن القافلة وبسط سجادة له، واستقبل القبلة حتى يدخل الوقت فيصلي. وكان كثير العبادة ملازمًا لمنزله، لا يخرج منه إلى مسجده إلا لتأدية الفرائض، ثم يرجع (وأثنى على مودته ومروءته) .
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١: ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ٢: ٦٢ (توفي سنة ٦٠٧) .
[ ٢٠٥ ]
فراغ
[ ٢٠٦ ]
١٩ -، ٢٠، ٢١ (١)