[ ١٦٧ ]
فراغ
[ ١٦٨ ]
توالى على كتابة تاريخ حران عدد من العلماء نعرف منهم ثلاثة:
١ - أبو عروبة (أو أبو عمرو) السلمي، وعنه ينقل السمعاني في الأنساب (١) .
٢ - حماد بن هبة الله بن حماد بن الفضيل الحراني (٥١١ ٥٩٨) (٢) وكان محدثًا حافظًا، سمع ببغداد من إسماعيل بن السمرقندي، وبهراة من عبد السلام، وبمصر من ابن رفاعة كما سمع من أبي طاهر السلفي. كان يتجر ويكتب الحديث، وفي هذا النشاط التجاري العلمي غاب عن حران ستين سنة، ولكن تعلقه بها يدل عليه تخصيصه تاريخًا لمن دخلها ومن كان منها وبها من أهل العلم والحديث وغير ذلك. وقد شك الذهبي في أن يكون كتب تاريخ حران كله أو بعضه، ولكن هذا الشك لا يرد عند من كمل تاريخه وذيل عليهوهو أبو المحاسن الآتي ذكره، وقد نقل ابن العديم عن تاريخه الفقرة الآتية (٣):
(قرأت في كتاب شيخنا المعمر أبن عبد الواحد بن الفاخر الأصبهاني
_________________
(١) الأنساب (حيدر أباد) ٣: ٣٢٥ (أبو عروبة) وفي الأنساب (مرغوليوث): ١٣٤ ب (أبو عمرو) .
(٢) ترجمته في عبر الذهبي ٤: ٣٠٢ والشذرات ٤: ٣٣٥ والبداية والنهاية ١٣: ٣٣ والقطعة رقم ٥ من تاريخ أبي المحاسن التي أوردها ابن العديم.
(٣) بغية الطلب ٣: ١٣.
[ ١٦٩ ]
وخطه، أخبرنا الأمام عمي في كتابه قال: أخبرنا أبو منصور الوكيل بهمذان قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن حمزة الهاشمي بالدسكرة قال: حدثنا ابن نصر أبو زياد بالمصيصة قال حدثنا يوسف بن سعد قال حدثنا روح الحراني عن خليد عن دعلج عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: لهذا كل عالم ناطق ومستمع داع) .
٣ - أبو المحاسن ابن سلامة بن خليفة (أو ابن غرير) الحراني (١)، وقد صرح ابن العديم بأن تاريخه تكملة لتاريخ حران الذي ألفه حماد الحراني (٢) ويذكر السخاوي أن نسخة من تاريخه كتبها السيف أبو محمد عبد الغني بن محمد بن تيمية الحراني (٣)، ولم أجد أحدًا ترجم له. وذكره باسم " أبو المحاسن ابن سلامة " عند ابن العديم لا يختل أبدًا، ولكن ابن خلكان ذكره مرة واحدة وكناه أبا يوسف وجعل اسمه " محاسن بن سلامة بن خليفة " (٤) . ويبدو من النصوص التي وصلتنا أنه اهتم بالأحداث التي مرت على حران مثلما اهتم بتراجم الرجال الذين عاشوا فيها سواء أكانوا من أهلها أو من الوافدين، وهو يستدرك على ما فات حمادًا الحراني، وفي ما نقل عنه ترجمة لمن توفي سنة٦٢٤، وهذا قد يحدد بعض الشيء الفترة التي كتب فيها كتابه.
١ - (٥)
حدثني أبي ﵀ قال: كان أتابك زنكي ابن قسيم الدولة آق سنقر، ﵀، إذا ركب مشى العسكر خلفه كأنهم بين خطين مخافة أن يدوس العسكر
_________________
(١) ابن خليفة في بغية الطلب ٢: ١٦٤ وابن غرير فيه ٣: ٤١.
(٢) بغية الطلب ٢: ١٦٤.
(٣) الإعلان بالتوبيخ (عند روزنتال): ٦٢٨.
(٤) وفيات الأعيان ٤: ٣٨٧.
(٥) بغية الطلب: ٧: ٢١٠ وسويم: ٢٦٢.
[ ١٧٠ ]
شيئًا من الزرع، ولا يجسر أحد من هيبته على أن يدوس عرقًا من الزرع ولا يمشي فرسه فيه، ولا يقدر أحد من الأجناد يأخذ لفلاح علاقة تبن إلا بثمنها أو بخط من الديوان إلى رئيس القرية وإن تعدى أحد حاسبه عليها. وكان إذا بلغه عن جندي أنه تعدى على فلاح قطع خبزه وطرده، حتى عمر البلاد بعد خرابها وأحسن إلى أهل مملكته، وكان لا يبقي على مفسد. وأوصى ولاته بأهل حران وعماله، ونهى عن الكلف والمغارم والسخر والتثقيل على الرعية وأقام الحدود في بلاده، ﵁.
٢ - (١)
وفي سنة٥٣٩ نزل [يعني أتابك زنكي] على الرها، وفيها الإفرنج، فحصرها وأخذها بالسيف، سادس عشر جمادى الآخرة، وكانت أيام الشتاء والبرد، قال الشاعر:
أصبحت صفرًا من بني الأصفر أختال بالأعلام والمنبر
دان من المعروف حال به ناء عن الفحشاء والمنكر
مطهر الرحب على أنني لولا جمال الدين لم أطهر فبلغ ذلك رئيس حران جمال الدين فضل الله أبا المعالي فقال: امحوا " جمال الدين " واكتبوا " عماد الدين " فبلغ ذلك أتابك عماد الدين فقال: صدق الشاعر، لولاك ما طمعنا فيها. وأمر عماله إذا جاءت جائحة في الغلة أن يأخذوا الخراج على قدرها، فكانوا يأخذون خراجًا، وتارة نصف خراج، وتارة ثلث خراج، وتارة ربع خراج، وتارة لا يأخذون شيئًا إذا أمحلت البلاد. وقسم الماء الذي لحران ثلاثة أقسام: قسمًا للسلطان وقسمًا للسايات، وقسمًا لآبار حران ولخندق القلعة. فلما أخذ الرها نزل على البيرة وفيها الإفرنج، وذلك في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وجاءه الخبر من الموصل أن نصير الدين نائبه بالموصل قتل فخاف
_________________
(١) بغية الطلب ٧: ٢١٠ وسويم: ٢٦٠.
[ ١٧١ ]
عليها وسار حتى دخل الموصل وأخذ وخابشا ابن السلطان الذي قتل نصير الدين جقر بن يعقوب فقتله بدم نصير الدين.
٣ - (١)
فلما كان في سنة أربعين وخمسمائة نزل أتابك زنكي على قلعة جعبر بالمرج الشرقي تحت القلعة يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة، فأقام عليها إلى ليلة الأحد سادس ربيع الآخر نصف الليل من ستة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله يرنقش الخادم، كان تهدده بالنهار فخاف منه فقتله في الليل في فراشه، وجاء إلى تحت القلعة فنادى أهل القلعة: شيلوني فقد قتلت السلطان، فقالوا له: إذهب إلى لعنة الله، فقد قتلت المسلمين كلهم بقتله. وافترقت العساكر فأخذ أولاد الداية نور الدين محمود الملك العادل بن عماد الدين زنكي وطلبوا حلب والشام فملكها، وسار أجناد الموصل بسيف الدين غازي إلى الموصل وأعمالها فملكها وملك الجزيرة، وبقي عماد الدين أتابك زنكي وحده، فخرج إليه أهل الرافقة فغسلو بقحف جرة ودفنوه على باب مشهد الإمام عليّ ﵇ في جوار الشهداء من الصحابة، وبنى بنوه عليه قبة فهي باقية حتى الآن (٢) .
٤ - (٣)
حدثني الشيخ أبو الحسن عليّ بن عمر السعردي ﵀ قال: انقطع الشيخ أبو الفتح البغدادي [أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن] عن المدرسة بحران شهرًا بسبب مرض أصابه، فحمل إليه قيم المدرسة واجب الشهر، فقال له الشيخ: يا ابني ما ألقيت في هذا الشهر درسًا، ولا لي فيه واجب، ردها إلى
_________________
(١) بغية الطلب ٧: ٢١٤ وسويم: ٢٦٨.
(٢) علق ابن العديم على ذلك بقوله: كذا قال أبو المحاسن، وإنما دفن أولًا داخل مشهد علي ﵁، قريبًا من الباب ثم نقل من ذلك الموضع إلى جوار الشهداء.
(٣) بغية الطلب ٢: ١٦٤.
[ ١٧٢ ]
الخزانة، فردها ولم يأخذها. وكان أبو الفتح يدخل على أبي يزوره، وكان أبي فقيرًا، وكان الفقيه يريد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته تبركًا بالفقراء وتواضعًا لهم وحسن ظن فيهم، مع جلالة قدره وعلمه، وكان كلما دخل على أبي ينشده:
يا بومة القبة الخضراء قد أنست روحي بروحك إذ تستبشع البوم
زهدت في زخرف الدنيا فأسكنك الز هد الخراب فمن يذممك مذموم وحدثني عنه رجل من فقهاء بغداد قال: سافر الشيخ أبو الفتح في طلب العلم إلى خراسان سفرة طويلة ثم رجع إلى بغداد وليس معه غير كتبه وثيابه، فوضعها في بيت من الخان، ثم دخل إلى شارعهم فدخل الدرب الذي كان أهله فيه، فجلس في مسجد وسأل عن أهله فأخبروه أنه لم يبق منهم في ذلك الدرب أحد، فجال مع الفقيه الذي هو قاضي الشارع، فتكلما في مسألة واختلفا فيها، فلما رأى خصمه على نفسه الغلبة وقهره الشيخ أبو الفتح بالحجة قال: والله لو أنك أبو الفتح ابن الصايغ ما سلمت إليك، فقال: يا أخي أنا أبو الفتح ابن الصايغ، فقام إليه واحترمه.
توفي أبو الفتح ابن أبي الوفاء بحران في سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
٥ - (١)
وفي الأربعاء ثاني عشر ذي الحجة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة مات الشيخ الحافظ رضي الدين أبو الثناء حماد بن هبة الله بن فضيل الحراني، من أهل العلم والحديث، سمع من السلفي أبي طاهر وغيره، وسافر فغاب عن حران ستين سنة يتجر ويكتب الحديث، وألف لحران تاريخًا لمن دخلها ومن كان منها وبها من أهل العلم والحديث وغير ذلك.
_________________
(١) بغية الطلب ٥: ٢٧٢.
[ ١٧٣ ]
٦ - (١)
كان مولده [يعني أسعد بن المنجا] بدمشق سنة عشرين وخمسمائة، ومات بدمشق سنة خمس وستمائة وخطب على منبر حران، سمعته يخطب ويدعو للإمام المستضيء ﵁، صنف: كتاب النهاية في شرح الهداية، عشرين مجلدًا، جمع فيه المذاهب وأدلتها، واختصر كتاب الهداية، وله شعر حسن.
٧ - (٢)
سنة٦٢٤: في ليلة السبت خامس شوال مات الشيخ الزاهد الناسك المبتلى الراضي الصابر أبو الثناء حماد بن الشيخ أحمد بن محمد بن بركة بن صديق النجار الحراني بعد مرض طويل تفتح (٣) فيه بدنه مدة اثنتي عشرة سنة، وهو مقيم على ذكر الله وطاعته وشكره، صابرًا محتسبًا ذلك في ثواب الله ومرضاته، وكان قد لقي الشيخ حياة بن قيس وعاهد ولده عمر، وأقام بزاوية في مسجد لله يعرف ببيت الزجاج معلق داخل باب من يزيد (٤) مدة من السنين منقطعًا إلى عبادة الله ﷾، وترك المعاش وقد كان نجارًا من قبل، وكان له ملك فجعل يؤجره ويأكل من أجرته، وبنى لله تعالى مسجدًا قريبًا من داره، ولم يتزوج قط، وكان عمره نيف وسبعين سنة، وكان صبيح الوجه دمث الأخلاق سلس القياد طيب المعاشرة والمحاضرة.
_________________
(١) بغية الطلب ٣: ٤١.
(٢) بغية الطلب ٥: ٢٦٣.
(٣) لعل الصواب: تقيح.
(٤) كذا في الأصل.
[ ١٧٤ ]
١٨ - (١)