[ ٢١٥ ]
فراغ
[ ٢١٦ ]
ا (١)
لما خاف خمارويه أن يضطرب الشام أنفذ إليه جيشًا أمر عليه سعد الأيسر وأمده بأحمد بن محمد الواسطي كاتب أبيه ليدبر الجيش ويتولى النفقات فيه، وكان الواسطي يطمع أن يدبر أمر خمارويه وأنه يرد تدبير الأمر إليه، وقال: هذا صبي حدث أدبره كما أرى. فلما أخرجه إلى هذا الوجه واستكتب محبوب بن رجا بعده فسدت نيته، وقال: محبوب أحد كتابي يتصرف بين أمري ونهيي، آل الأمر إلى أن صرت بعض خلفائه؟ فتغير على سعد وافترقا، وتغير الواسطي وكتب إلى ابن الموفق كتابًا يحثه على المسير إلى مصر وقال: أنا أسست أمر أبي الجيش، والله لأهدمن ما كنت بنيته، وضمن الكتاب هذه الأبيات:
يا أيها الملك المرهوب جانبه شمر ذيول السرى فالأمر قد قربا
كم ذا القعود ولم يقعد عدوكم عن النهوض لقد أصبحتم عجبا
ليس المريد لما أصبحت تطلبه إلا المشمر عن ساق وإن لغبا
لا تقعدن على التفريط معتكفًا واجدد فقد قال قوم إنه رهبا
فأنت في غفلة يقظان ذو سنة وطالب الوتر ذو جد إذا طلبا
أجاد مروان في بيت أراد به عين الصواب وما أخطأ وما كذبا
إذ قال لما رأى الدنيا تميل من بعد الهدوء وعاد الحبل مضطربا
" إني أرى فتنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا "
_________________
(١) بغية الطلب ٢: ٥٣ (ولم يصرح ابن العديم باسم مؤلف السيرة ولهذا أدرجتها هنا على وجه الترجيح) .
[ ٢١٧ ]
فلما قرأ ابن الموفق كتاب الواسطي قال لابن كنداج وابن أبي الساج: ما قعودكم؟ وضرب طبله وسار وساروا معه حتى كبسهم في شيزر وقتل منهم مقتلة عظيمة. وكان ابن الواسطي في الرملة يقطع الطريق فيما بين ابن أبا وسعد الأعسر وهما بدمشق، فسار أحمد بن الموفق إلى دمشق وكبسهما على غرة فانهزما إلى الكسوة وقتل من بقي من أصحابهما. ثم إنهم اجتمعوا وقصدوا ابن الواسطي فهزموه، وأخذ على طريق الساحل حتى لحق بأحمد بن الموفق ودخل المصريون إلى الرملة فنهبوا دار الواسطي وخزائنه.
ولما وصل أحمد بن الموفق وأبصر عسكر أبي الجيش هاله وأكبره، وصغر جيشه في عينه، فشجعه الواسطي وضمن له النصرة عليه وقال له: لا يغرك هذا فأكثرهم عامة: بقال وحائك وفاعل، فثق بالنصر ولا تجزع، إلى أن التقى العسكران وكانت النصرة على أحمد بن الموفق، فركبا دواب الهزائم ومر كل واحد منهما على حدة، فأما ابن الموفق فلم يرد وجهه عن دمشق شيء، فلم يفتح له أهلها بابها ومنعوه من الدخول، فمر على طيته إلى طرسوس، وأما ابن الواسطي فأدى به الهرب إلى أنطاكية فأقام بعا مديدة ومات كمدًا.
٢ - (١)
سنة٢٧٨: وفي هذه السنة في صفر منها مات أبو أحمد الموفق وعقد العهد لابنه أبي العباس، وكان للموفق غلام خادم من جلة غلمانه يعرف براغب، فلما مات مولاه أحزنه موته، فأحب أن يسكن طرسوس، فأستأذن في ذلك فأذن له، فخرج قاصدًا يريد الثغر، وكان خمارويه يومئذ بدمشق، فلما بلغ راغب إلى حلب وهم بالدخول إلى طرسوس قيل له: طرسوس من عمل أبي الجيش وهو بالقرب منك، فلو صرت إليه زائرًا وقضيت حقه وعرفته ما عزمت عليه من المقام بالثغر ما ضرك ذلك، وكان أجل لمحلك، وأقوى لك على ما تريده، فبعث بثقله وبجميع ما
_________________
(١) بغية الطلب ٧: ١١.
[ ٢١٨ ]
كان معه مع غلام له يعرف بمكنون وأمره أن يتقدمه إلى طرسوس، ورحل هو مخفًا إلى دمشق، فلقي أبا الجيش فأحسن أبو الجيش تلقيه وسر بنظره ووصله وأحسن إليه، وكان يكثر عنده ويحادثه، وكانت لراغب عارضة وبيان وحسن عبارة، وكان قد رأى الخلفاء، وعرف كثيرًا من أخبارهم، فكان يصل مجلسه بشيء من أخبارهم وسيرهم، فأنس به خمارويه وكان يستريح إلى خدمته ومذاكرته، فلما رأى راغب ما يخصه به خمارويه من التكرمة والأنس به والاستدعاء إذا تأخر استحيى أن يذكر له الخروج إلى طرسوس، فلما طال مقامه بدمشق ظن مكنون غلامه أن أبا الجيش قد قبض عليه ومنعه من الخروج إلى الثغر، فأذاع ما ظنه عند المطوعة وشكاه إليهم، وأكثر هؤلاء المطوعة من أهل الجبل وخراسان معهم غلظ الأعجمية وسوء أدب الصوفية، فأحفظهم هذا القول وظنوه حقًا، فقالوا: أتعمد إلى رجل قد خرج إلى سبيل الله محتسبًا نفسه لله ﷿ وفي مقام مثله للثغر قوة للمسلمين وكبت لأعدائهم من الكافرين فتقبض عليه وتمنعه من ذلك جرأة على الله؟ واتفقوا وتجمعوا ومشى بعضهم إلى بعض وأقبلوا إلى واليهم ابن عم خمارويه فشغبوا عليه، فأدخلهم إليه ليسكن منهم [وليجيبهم إلى] ما يحبون، فنهضوا عليه وقالوا: لآ نزال أو يطلق [خمارويه] صاحبنا فإن قتله قتلناك به، وتسع سفلهم إلى داره فنهبت وهتكت حريمه ولحقه كل ما يكره، وجاءت الكتب إلى أبي الجيش بذلك، فأحضر راغبًا وأقرأه الكتب وقال له: والله ما منعناك ولا عسرنا عليك الخروج، ولقد سررنا بقربك وما أوليت فما أوليناك إلا جميلًا، وقد جنى علينا سوء ظن غلامك ما لم نجنه فإن شئت فارحل مصاحبًا، وقل لأهل طرسوس: ياجهلة، ما يومنا فيكم بواحد، تتسرعون إلى ما نكره مرة بعد أخرى، ونغضي عنكم، ويحكم الله ﷿، ولولا المحافظة على ثغر المسلمين وعز الإسلام لا خشية منكم، ولا من كثرتكم وإلى الله الشكوى، ولولا الخوف من غضبه ﷿ لحاربناكم على أفعالكم. فودعه راغب ورحل إلى طرسوس، فلما صح عند أهل طرسوس خبر راغب أطلقوا عن محمد بن موسى بن طولون، فلما أطلقوه قال: قبح الله بلدكم، ورحل عنهم فسكن بيت المقدس، وكان له دين وفيه خير كثير.
[ ٢١٩ ]
فراغ
[ ٢٢٠ ]