قال عثمان بن عبد الله بن إبراهيم في مقدمة كتابه الموسوم بسير الثغور ونقلته من خطه مع ما نقلته من حوادث الأمور، بعد أن حمد الله على نعمه التي تظاهرت فما تحصى، وأياديه التي ترادفت فما تستقصى: نفذت سوابق أقضيته في عالم من بريته، أسكنهم حينًا من الدهر ثغرًا بأطراف الشام، نوه به وبهم في معالم الإسلام، متعهم فيه مدة من المدد، وأعزه وأعزهم إلى غاية من الأمد، ظاهرين على أعدائهم، مظفرين في قلوب إخوانهم المسلمين، معظمين مبجلين ضاقت بهم أرض الروم، وكثرت فيهم منهم الكلوم، تراءى نيرانهم، وتكافح فرسانهم، إن دنوا منهم هلكوا، وأن أمعنوا الهرب عنهم عنهم أدركوا، لا تحرزهم أرضهم وإن اتسعت، ولا تحميهم معاقلهم وإن امتنعت، تعرى بنودهم، وتهزم حشودهم، وتفل جنودهم، ويستباح حريمهم، ويستأصل كريمهم، وتروح أفنيتهم، وتهدم أبنيتهم، وتشن الغارات فيهم زيادة على مائتي سنة، حتى نبغ من نقفور بن فاردس بن الفقاس من صمد نحوهم وعندهم، وأناخ بهم وقصدهم، وأجمع على استئصالهم واجتياحهم وبوارهم، فغزاهم عامًا بعد عام، ونازلهم في عقر ديارهم يدوخ أطرافهم ويسوق عواملهم ويتردد إلى زروعهم أوان استحصادهم فيجتثها ويأتي عليها، ويتوالى لأجل ذلك سنوات الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وضيق الأسعار وتأخر المير والأمداد وفناء الحماة من الرجال الكماة، وتلاشي الشجعان والفرسان، وانحلال الأحوال، واختلال الأبطال، وحلول الداء الذي لا دواء له والعلة التي لا يرجى برؤها، وهو نبو السلاطين حينئذ عن نصرتهم
_________________
(١) بغية الطلب: ٢٢٦ - ٢٢٩.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وتثاقلهم عن إجابة مستصرخهم، وتخلفهم حين دهمهم ما دهمهم، فالنائب بمصر وما ينسب إليها برًا وبحرًا من أقاصي الصعيد إلى حدود جوسيه راض بمدافعة الأيام، وسلامة الشهور والأعوام، من صولة ملك الغرب ومدبره. والراتب المشار إليه بأرض العراق وما يجري مجراها إلى حدود بحر الصين وباب الأبواب يتشاغل بأساورة ديلمان وجيلان وملك خراسان في كف غربه، كما قال المساور بن هند العبسي:
وتشعبوا شعبًا فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر فحاق لذلك بأهل الثغر جدده الله من قراع الروم، وقمهم الله، على وفور عددهم وقوة عددهم، ووفاق أجناس الكفرة إياهم ما ثقل حده، وعظم مرده، وامتنع مسده، بما وصفنا من خلف سلاطين الإسلام وأمرائه، وتفاوت كل منهم في شتات آرائه، وما خامر أفئدتهم من الوهل، وران على قلوبهم من الرعب والوجل، كما سبق لهم في علم الله العزيز وإرادته ألا يجعل لهم حظًا في الآخرة. فقد حدثني أبو العباس محمد بن نصر بن مكرم أحد عدول بغداد في درب الريحان أن أحمد بن بويه ﵀ جلس بمكان أرانيه بباب داره المعزية يعرض خيله متنزهًا بالنظر إليها فقيد بين يديه من دار الدواب إلى ذلك المكان في مدة أربعة عشر يومًا متصلة اثنا عشر ألف فرس، أغلاها ثمنًا بمائة ألف درهم، وأدناها ثمنًا بعشرة آلاف درهم لم يطرح قط على فرس منها سرج في سبيل الله ولا في غير سبيل الله.
وحدثني أيضًا كهل من أهل أربة يعرف بابن الشعراني وقد سألته ببغداد عن منصرفه، فوصف إشرافًا على قضيم حمير برسم فناخسرو بن الحسن بن بويه ﵀ عددها ستة آلاف حمار قد رتبها لخدمة الكراع ينقل عليها القصيل في حينه والقضيم والعلوفات في سائر الأوقات، وسألته عن عدد هذا الكراع الذي قد رتبت هذه الحمير لخدمته فذكر أن المشرف على قضيم جميع الكراع يستوفي كل ليلة قضيمًا لثمانين ألف رأس، من ذلك ثلاثون ألف جمل، وعشرون ألف بغل، وعشرون ألف فرس، وستة آلاف حمار. فهذان رجلان من أمراء الإسلام وصفنا
[ ٢ / ٤٤٠ ]
ظاهر نعم الله عليهما، والجهاد معطل والثغر يباب لا أنيس به خاو من القرآن خال من الأذان
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات فمن قتيل أو جريح، وعقير من أهلها طريح، وهارب طامح، ومتحيز إلى وطن نازح، ومفتون في دينه، ومغلوب على ملك يمينه، قد استبيحت منازلهم بجميع ما كانت تحويه، إلا ما نقله السائر عنها على ظهره بحسب قوته إن كان ذا طاقة لشيء من حمله، أو على ذي أربعة إن كان واجدًا له، أو أعوانه إن وجد عونًا، فلكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا يعرج على سواه، ولا يعود بعد إلى مثواه، بذلك سبق فيهم علم الله المكنون الغامض المصون (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) .
٢ - (١)