٢٢ - (١)
قرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه قال: يركب المتولي لعمل الحسبة أي وقت وقع النفير من ليل أو نهار ورجالته بين يديه ينادون بأعلى أصواتهم أجمع صوتًا واحدًا يقولون: النفير يا أصحاب الخيل والرجالة، النفير حملكم الله إلى باب الجهاد، وإن أراد إلى باب قلمية أو إلى باب الصاف أو إلى أي باب اتفق، وتغلق سائر أبواب المدينة وتحصل مفاتيحها عند صاحب الشرطة فلا تزال مغلقة حتى يعود السلطان من النفير ويستقر في داره ثم تفتح الأبواب المغلقة كلها ويطوف المحتسب ورجالته الشوارع الجواد كلها، فإن كان ذلك نهارًا انضاف إلى رجالته عدد كثير من الصبيان وساعدوهم على النداء بالنفير، وربما احتاجوا إلى حشد الناس لشدة الأمر وصعوبة الحال، فأمر أهل الأسوق بالنفير وحضهم على المسير في أثر الأمير أين أخذ وكيف سار، ويكون مركز صاحب الشرطة إذا وقع النفير مع رجالته الموسومين به عند الباب الأول الذي يلي المدينة الذي يخرج منه الناس إلى النفير، وكذلك المحتسب، إلا أن المحتسب يتردد في الأسواق إذا طال أمر النفير وتأخر خبره، ويبعث على اللحوق بمن سار مع الأمير وبمن توجه إلى النفير فلا يزال الأمر على هذا حتى يعود السلطان إلى دار الإمارة ويخرج إلى النفير قواد الرجالة معروفون متى عقد السلطان لقائد من الفرسان فبعثه للقاء من ورد عليه من ذلك الوجه أضاف إليه قائدًا من قواد الرجالة، واتبعه من أجلاد الرجالة أهل القوة
_________________
(١) بغية الطلب: ٢٢٠ - ٢٢٣.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
والنشاط والنية من المطوعة المسجدية حتى إذا نزلوا أول منزل تبتل شيخ بل شيوخ من الصلحاء معروفون بحفظ من هناك من الغلمان المرموقين بالصباحة والوضاءة، فتنضاف طبقة طبقة إلى ذي معرفتهم وثقتهم وحصلوا تحت علمه ورايته، فلو هم أحدهم بالوضوء لصلاة لما أفرج عنه إلا برقيب ثقة أمين شيخ معروف يمضي معه لحاجته، حتى إذا فرغ منها عاد إلى جملته.
وقد رأينا في آخر أيام طرسوس رجلًا يعرف برؤبة يجتمع إليه الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يزيد عددهم على ألف صبي، كلهم بالسلاح الذي يمكن مثله حمل مثله وبمزاودهم، وقد عدوا فيها من صنوف أطعمة أمثالهم، يطوف جميعهم بمطرد يحمله رؤبة، يسيرون بسيره ويقفون بوقوفه، فلا يزال ذلك دأبهم حتى إذا عاد السلطان إلى مقر داره عند رجوعه من نفيره دخل أولئك الصبيان أمامه على مراتبهم، يصفهم قائدهم الأمثل فالأمثل، رماتهم عن قسي الرجل التي قد عملت على مقاديرهم ثم رماتهم عن القسي الفارسية، وربما كان فيه من أولاد اليمانية من يحمل القسي العربية بنبلها، فيدخلون فوجًا فوجًا صبيين صبيين، ثم من يحسن الثقاف فيثاقف قرينه ومثله وخدينه وشكله حتى يدخل كل صنف منهم في مرتبته، ثم يتلوهم رؤبة قائدهم بمطرده وعلامته، حتى إذا خرج [أحد] أولئك الصبيان من حد الطفولة واشتد عضده وقارب حد البلوغ أو بلغ أو تجاوز البلوغ قليلًا انضاف إلى قائد من قواد الرجالة الذين ذكرت، وصحبه في نفيره وغزوه وارتاد لنفسه الرفاق بحسب ما يختار تربه وجاره وقرينه، فإذا ألتحى وخرج عن حد المرد دخل في جمهور الناس حاذقًا بما يحتاج إليه ماهرًا بصيرًا بأمر جهاده وتدبيره أمره نافذًا يقظًا إن شاء الله.