اختلف العلماء -﵏- في ذلك؛ فحكى الشيخ أبو جعفر الأبهري عن الإمام مالك -رحمة الله عليه: أنه كره بيعها وكراها؛ فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ.
وقال اللخمي: اختلف قول مالك في كراء دور مكة وبيعها، فمنع من ذلك مرة، نقل ذلك عن الأبهري واللخمي: ابن رشد في "مقدماته"، وذكر أنه لم يختلف قول مالك وأصحابه في أن مكة افتتحت عنوة، وأنهم اختلفوا هل من بها على أهلها فلم تقسم لما عظم الله من حرمتها، أو أقرت للمسلمين، قال: وعلى هذا جاء الاختلاف في كراء بيوتها انتهى.
وجواز البيع والكراء في دور مكة ينبني على القول بالمن بها على أهلها، ومنع ذلك ينبني على القول بأنها أقرت للمسلمين، وفي هذا القول نظر؛ لأن غير واحد من علماء الصحابة وخلفائهم -﵃- اشترى دورا بمكة ووسع بها المسجد الحرام، وكذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁، وأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام -﵁- واشترى أمير المؤمنين معاوية -﵁- دار الندوة، ودار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -﵂- بمكة، وغير ذلك من دورها، وكل ذلك منقول من تاريخ الأزرقي١، وبعضه في غيره، واشترى لعمر -﵁- عامله على مكة دارا للسجن بها على ما رويناه في صحيح البخاري؛ لأنه قال: باب الربط والحبس في الحرم، واشترى نافع بن عبد الحارث دارا للسجن بمكة من صفوان بن أمية على أن عمر -﵁- إن رفض.
وروى الأصيلي وأبو ذر: على أن عمر ﵁.
وروى القابسي: على إن رضي عمر فالبيع بيعه، وأن عمر -﵁- لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ١٦٤.
[ ١ / ٤٣ ]
وعند أبي ذر في روايته: أربعمائة دينار، وروي في بعض النسخ: المسجد بدل الحرام، وفي بعض النسخ: دار السجن بالإضافة وفتح السين، وروي أيضا: بالبيع، فالبيع بيعه انتهى.
نقلت هذه الروايات من خط بعض مشايخنا، وروينا ذلك متصلا في تاريخ الأزرقي، وأفاد فيه غير ما في البخاري، لأن الأزرقي قال فيما رويناه عنه: حدثني جدي قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ، قال: إن نافع بن عبد الحارث ابتاع من صفوان بن أمية دار السجن -وهي دار أم وائل- لعمر بن الخطاب -﵁- بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر -﵁- فالبيع له، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة١ انتهى.
ونافع بن عبد الحارث -هذا- هو الخزاعي عامل عمر بن الخطاب على مكة، كان من كبار الصحابة وفضلائهم على ما ذكر ابن عبد البر٢، ولا يمتري في أنه لم يقدم على ما فعل إلا برضى أمير المؤمنين عمر بذلك وإذنه فيه، ومن المعلوم ضرورة أن أمير المؤمنين عمر -﵁- كان في العلم والورع بالمحل الأعلى، ولا ريب في أنه ومن ذكرنا من علماء الصحابة -﵃- أعلم ممن بعدهم بما يصلح في أرض مكة، وأنه لو كان عندهم علم عن النبي ﷺ بأنها أقرت للمسلمين لما أقدموا على ما فعلوا، ويبعد جدا أن يصح ذلك عن النبي ﷺ، ويخفى عليهم وعلى غيرهم من علماء الصحابة ﵃؛ فإنه لم يحفظ عن غيرهم أنه أنكر على أحد منهم ما فعل، ولو كان عندهم علم بخلاف ما فعل المشار إليهم لما سكتوا عن الإنكار عليهم.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- "من أكل من أجر بيوت مكة فإنما يأكل نارا" فقد اختلف في رفعه إلى النبي ﷺ ووقفه على عبد الله، والصحيح أنه موقوف عليه على ما ذكر الدارقطني٣، وعلى وقفه فلا حجة فيه على تحريم كرائها، وبتقدير رفعه فليس ذلك لعدم الملك، وإنما هو بحسب المكتسب، كما نهى ﷺ عن كسب الحجام.
وإنما كان الكراء فيها خبيثا، لما فيه من ترك مواساة المحتاجين من الحجاج بالسكنى، وقد قال السهيلي بوجوب السكنى بمكة للحجاج كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما حديث علقمة بن نضلة الكناني -ويقال الكندي-: "توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، ﵄- وما تدعى رباع مكة إلا السوائب" هكذا عند ابن
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ١٦٥. ٢ الاستيعاب ٣/ ٥٣٩. ٣ سنن الدارقطني ١/ ٥٧ رقم "٢٢٦".
[ ١ / ٤٤ ]
ماجه١، ولفظه عند الأزرقي "كانت الدور والمساكن على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃- ما تكرى ولا تباع، ولا تدعى إلا السوائب، ومن احتاج سكن، ومن استغنى أسكن"٢ انتهى.
فإنه لا دلالة فيه على نهي النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر -﵄- عن بيع دور مكة وكرائها، وإنما فيه دلالة على عدم وقوع ذلك في زمن المشار إليهم، ولا يلزم من عدم وقوع ذلك في زمنهم منعه، إذ الإنسان يترك ما يجوز له فعله دهرا طويلا، على أن دلالة حديث علقمة على عدم وقوع بيع دور مكة وكرائها في زمن المشار إليهم، معارضة بما وقع من شراء عمر وعثمان -﵄لدور مكة، ووقع ذلك في عهد النبي ﷺ، لأن الفاكهي قال في كتابه "أخبار مكة": حدثنا حسين بن حسن قال: كتبت إلى عبد الرحمن بن مهدي أسأله عن كراء دور مكة وشرائها، قال: فكتب إلي إنك كتبت إلي تسألني عن أشرية دور مكة وكرائها، فأما الشراء فقد اشترى الناس وباعوها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم٣ انتهى.
وحسين بن حسن هو المروزي صاحب ابن المبارك، قال فيه أبو حاتم صدوق٤. وقد روى عنه الترمذي، والنسائي، وإذا تعارض ذلك مع حديث علقمة فهو مقدم على حديث علقمة؛ لأن حديث علقمة حاصله شهادة على نفي، وفي مثل هذا يقدم المثبت، ويتعين حمل حديث علقمة على أن في عهد النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃- كان الغالب من فعل الناس بمكة تركهم بيع دورهم بمكة وكرائها لعدم الحاجة إلى ذلك، وتوسعة على الوافدين والمحتاجين، ولما كان وقوع خلاف ذلك نادرا لم يستحضره علقمة في حال تحديثه بحال دور مكة، ونفاه في حديثه، والله أعلم.
وعلقمة لا صحبة له، وإن كان ابن عبد البر قد ذكره في الصحابة في كتابه المسمى بالاستيعاب، وذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وذكر ابن منده أنه تابعي، والله أعلم.
وفي شراء عمر﵁- ومن ذكر معه دلالة واضحة على أن مكة مملوكة لأهلها، إما لِمَنِّ النبي ﷺ بها على أهلها، كما هو أحد القولين عند القائلين بأنها فتحت عنوة، أو لأنها فتحت صلحا، والوجه الأول أصوب؛ لأن فتحها صلحا يخالف ظاهر
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه "٣١٠٧"، وسنن الدارقطني "٢٢٨"، وفيهما زيادة هي: "من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن". ٢ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ١٦٣. ٣ أخبار مكة للفاكهي ٣/ ٢٥٦. ٤ الجرح والتعديل ٣/ ٤٩رقم ٢١٩.
[ ١ / ٤٥ ]
الأحاديث الواردة في صفة فتح مكة، ويخالف قول جمهور العلماء﵏- في أنها فتحت عنوة١، والله أعلم بالصواب.
وذكر السهيلي ما يقتضي ترجيح ما قيل من أن النبي ﷺ مَنَّ بمكة على أهلها مع كونه دخلها عنوة، وسيأتي ذلك قريبا -إن شاء الله تعالى.
وقد نقل الإمامان: ابن الحاج، وابن عطية المفسران المالكيان عن الإمام مالك -﵀- ما يقتضي أنها مملوكة لأهلها، وذكرا بعض الحجة على ذلك، فأما ابن الحاج: فإنه قال: وأباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة وكراء منازلها، منهم: طاوس، وعمرو بن دينار، وهو قول مالك، والشافعي، ثم قال: والدليل على صحة قول مالك، ومن قال بقوله فذكر دلائل على ذلك، ثم قال: وقوله ﵊ في حجة الوداع: "هل ترك لنا عقيل منزلا" مما يدل أنه ملك لأربابه، وأن عمر بن الخطاب﵁- ابتاع دار السجن بأربعة آلاف درهم، وأن دور أصحاب رسول الله ﷺ فيها إلى اليوم بأيدي أعقابهم، منهم: أبو بكر الصديق، والزبير بن العوام، وحكيم بن حزام، وعمرو بن العاص، وغيرهم -﵃- وقد بيع بعضها وتصدق ببعضها، ولم يكونوا ليفعلوا ذلك إلا في أملاكهم، وهم أعلم بالله ورسوله ممن بعدهم انتهى.
وأما ابن عطية: فإنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ [الحج: ٢٥]: أجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام، واختلفوا في مكة، فذهب عمر، وابن عباس، ومجاهد، وسفيان الثوري، وجماعة معهم، إلى أن الأمر كذلك في دور مكة، وأن القادم له النزول حيث وجّه، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وكان كذلك الأمر في الصدر الأول، ثم قال: وقال جمهور من الأئمة منهم مالك: ليست الدور كالمسجد، ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وهذا هو العمل اليوم، ثم قال بعد أن ذكر الخلاف في فتحها: هل هو عنوة أو صلح، فمن رآها صلحا: فإن الاستواء في المنازل عنده بعيد، ومن رآها عنوة: أمكنه أن يقول: الاستواء فيهما قرره الأئمة الذين لم يُقْطِعُوها أحدًا، وإنما سُكْنَى من أسكن من قبل نفسه، قال: وظاهر قوله ﵊: "وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ " يقتضي أن لا استواء بها، وإن كانت متملكة ممنوعة على النازلين، ثم قال: ومن الحجة لتملك أهلها: أن عمر -﵁- اشترى من صفوان بن أمية دار السجن بأربعة آلاف درهم، ويصح مع ذلك أن يكون
_________________
(١) ١ الروض الأنف ٣/ ١٠٢.
[ ١ / ٤٦ ]
الاستواء في وقت الموسم للضرورة والحاجة، فيخرج الأمر حينئذ عن الاعتبار بالعنوة أو بالصلح انتهى.
وذكر السهيلي -وهو من أئمة المالكية المعتبرين- ما يقتضي أن مكة مملوكة لأهلها، ونذكر كلامه لما فيه من الفائدة، ونصه: فصل: "ونذكر ههنا طرفا من أحكام أرض مكة" وقد اختلف هل افتتحها رسول الله ﷺ عنوة أو صلحا؟ لنبني على ذلك الحكم هل أرضها ملك لأهلها أم لا؟ وذلك أن عمر بن الخطاب -﵁- كان يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز﵁- إلى عامله بمكة أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج، فإن ذلك لا يحل لهم.
وقال مالك ﵀: إن كان الناس ليضربون فساططيهم بدور مكة لا ينهاهم أحد.
وروي أن دور مكة كانت تدعى السوائب، وهذا كله منتزع من أصلين: أحدهما قول الله ﵎: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ [الحج: ٢٥] . وقال ابن عمر، وابن عباس ﵃: الحرم كله مسجد.
والأصل الثاني: أن رسول الله ﷺ دخلها عنوة، غير أنه مَنَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعض الفقهاء، فإنها مخالفة لغيرها من وجهين، أحدهما: ما خص الله به رسول الله ﷺ فإنه قال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] .
والثاني: ما خص به الله مكة المشرفة، فإنه جاء أن لا تحل غنائمها، ولا يلتقط لقطتها، وهي حرم الله وأمنه، فكيف تكون أرضها أرض خراج، فليس لأحد افتتح بلدا أن يسلك به سبيل مكة، فأرضها -إذا- ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموا، وأن لا يأخذوا منهم كراء في مساكنها، فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا، وإن كانت ظواهر الحديث أنها فتحت عنوة انتهى.
وإيجاب السكنى بمكة للحجيج وترك أخذ الأجرة منهم على ما ذكره السهيلي لا ينافي كون مكة مملوكة لأهلها؛ لأن الإنسان يجب عليه بذل ماله لحاجة غيره إليه في مسائل كثيرة، منها: بذل الخيط لخياطة جرح، وبذل فضل الطعام والماء لمن اضطر إلى ذلك لسقي زرع أو غيره، وبذل العمد والخشب لحفظ جدار الغير إذا خشي سقوطه، ويجب الضمان في ذلك على من منع منهم، وفي أخذهم الثمن عن ذلك خلاف، وإيجاب ذلك حق للمواساة، فينزل عليه ما قيل في دور مكة، والله أعلم.
على أن كلام السهيلي -﵀- لا يفهم أن ما ذكره من الحكم في دور مكة يكون في حق غير الحاج.
[ ١ / ٤٧ ]
وقد وافق السهيلي على الاستدلال باشتراء عمر، وعثمان -﵄- الدور بمكة لتوسعة المسجد على أن دور مكة مملوكة لأهلها، لأنه قال: وفي اشتراء عمر، وعثمان، ﵄- الدور التي زاداها دليل على أن رباع مكة مملوكة لأهلها يتصرفون فيها بالبيع، والشراء، والكراء، إن شاءوا، وفي ذلك اختلاف انتهى.
وحكى ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات، وهي:
إجازة ذلك، وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم في "المدونة".
ومنع ذلك، وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن القاسم منه في كتاب الحج.
والكراهة مطلقا.
والكراهة في أيام الموسم خاصة، حكاه الداوودي عن مالك انتهى بالمعنى من كتاب "المقدمات" لابن رشد.
ونقل عنه ابن جماعة في "منسكه" ما يقتضي أنه حكاه في كتاب "البيان" الخلاف في بيع دور مكة وإجارتها لأنه قال: وذكر ابن رشد في "البيان والتحصيل" عن مالك ثلاث روايات: منع بيع دور مكة وكرائها، والإباحة، وكراهة كرائها في أيام الموسم خاصة١ انتهى.
وليس في كلام ابن رشد في "البيان" ما يشعر بذكر خلاف في البيع كما فهم ابن جماعة، وليس في كلام ابن رشد -أيضا- ما يشعر ببيان القول الأرجح في الكراء.
ونقل القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" عن القاضي أبي علي سند بن عنان المالكي الأزدي المالكي صاحب "الطراز" ما يقتضي ترجيحا في ذلك؛ لأنه قال عقب ما نقله ابن رشد: ونقل "سند" في "الطراز" أن مذهب مالك المنع، وفيه إن قصد بالكراء الآلات والأخشاب جاز، وإن قصد البقعة فلا خير فيه٢ انتهى.
وكلام ابن الحاج في "منسكه" يشعر بترجيح القول بجواز بيع دور مكة وإجارتها على المذهب، لاقتصاره على ذلك في النقل عن الإمام مالك، ولاستدلاله على صحة ما نسبوه لمالك، وكذلك ابن عطية لاقتصاره في النقل عن مالك، على أن لأهل دور مكة الامتناع بها والاستبداد، ولا يبعد ترجيح جواز ذلك على القول بأن مكة فتحت عنوة كما ذكرناه من فعل خيار السلف له، وفعل الخيار من الخلف له في كل عصر، وحيث جاز بيع دور مكة فيجوز فيها الكراء، والهبة، والوقف، والشفعة، والقسمة، وغير ذلك من
_________________
(١) ١ هداية السالك ٢/ ٩٥٨، والبيان والتحصيل لابن رشد ٣/ ٤٠٥، ٤٠٦. ٢ هداية السالك ٢/ ٩٥٨، ٩٥٩.
[ ١ / ٤٨ ]
الأحكام التي تجوز في الأملاك، فإن قيل: يعارض ذلك بالنسبة إلى الشفعة قول مالك ﵀ في المدونة ولا شفعة في أرض العنوة ولا يجوز بيعها انتهى. لأن هذا يقتضي أن يكون هو الحكم في مكة، لأنها عنده فتحت عنوة، فالجواب، أن مكة وإن كانت فتحت عنوة فقد منَّ النبي ﷺ بها على أهلها، كما هو الراجح في ذلك، ففارقت بذلك غيرها من البلاد التي افتتحت عنوة، والله أعلم.
ويفارق مكة -أيضا- غيرها من البلاد في كراء دورها، فإنه مع القول بجوازه لا يخلو من كراهته، خصوصا في أيام الموسم، لأجل التوسعة بذلك على الحجيج، وورد عن كثير من السلف كراهة كراء بيوت مكة، وعن بعضهم التخفيف في ذلك في حق المضطر إليه، والله أعلم.
واختلف مذهب الإمام أبي حنيفة في أرض مكة، فروي عنه كراهة بيعها، فقيل: لا يجوز البيع، وذكر قاضيخان أنه ظاهر الرواية، وقيل: يجوز مع الكراهة، وأجاز ذلك صاحباه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعليه الفتوى على ما قال الصدر الشهيد الحنفي، وبه جزم حافظ الدين النسفي في كتابه "الكنز".
واختلف مذهب أبي حنيفة -أيضا- في إجازة أرضها، فروي عنه، وعن محمد بن الحسن عدم جواز ذلك. وروي عنهما جواز ذلك مع الكراهة.
واختلف في ذلك -أيضا- مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فروي عنه جواز ذلك ومنعه، وذكر الموفق بن قدامة الحنبلي أن رواية الجواز أظهر في الحجة.
وذكر ابن المُنْجا -من الحنابلة- أن رواية المنع هي المذهب.
ولم يختلف مذهب الشافعي في جواز بيع دور مكة وإجارتها، لأنها عنده فتحت صلحا، وقال بعضهم عنه: فتحت بأمان، والأمان في معنى الصلح.
وقال صاحب "الحاوي الكبير" القاضي أبو الحسن المعروف بالماوردي الشافعي: عندي أن أسفلها دخلها خالد بن الوليد -﵁- عنوة، وأعلاها فتح صلحا انتهى.
قال النووي: والصحيح الأول انتهى.
وفي صحته نظر، لأن الفتح صلحا إنما يكون بالتزام أهل البلد المفتتحة ترك القتال، ولم يلتزم ذلك أهل مكة عند فتحها، بل أعدوا جمعا لقتال المسلمين عند فتحها، ولم يقبلوا تأمين النبي ﷺ لهم، والدليل على ذلك ما رويناه في صحيح مسلم١ من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة - ﵁؛ فذكر حديثا في فتح
_________________
(١) ١ صحيح مسلم "الجهاد: ١٧٨٠".
[ ١ / ٤٩ ]
مكة قال فيه: ووبشت قريش أوباشا١ لها. وأتباعا، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سألنا. فقال رسول الله ﷺ: "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال: فانطلقا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، قال فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت٢ خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ٣ انتهى. باختصار.
وفي هذا دلالة صريحة على ما ذكرناه من عدم التزام قريش ترك قتال المسلمين يوم فتح مكة، وفي ذلك -أيضا- دلالة على أن ذلك وقع منهم يوم دخل النبي ﷺ مكة، وما كان ذلك منهما بعد تأمين النبي ﷺ وهو بمر الظهران لأنا روينا في مغازي موسى بن عقبة أن أبا سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام قالا للنبي ﷺ بعد أن أسلما بمر الظهران: يا رسول الله ادع الناس إلى الأمان، أرأيت إن اعتركت قريش وكفت أيديها آمنون هم يا رسول الله؟ قال ﷺ: "من كف يده وأغلق داره فهو آمن" قالوا: فابعثنا نؤذن فيهم بذلك، قال ﷺ "انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان، ودارك يا حكيم، وكف يده فهو آمن" قال: ودار أبي سفيان بأعلا مكة ودار حكيم بأسفل مكة.
وروينا في سيرة ابن إسحق "تهذيب ابن هشام"، ورواته عن البكائي عنه أن العباس بن عبد المطلب -﵁- قال للنبي ﷺ بعد إسلام أبي سفيان بمر الظهران: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال ﷺ "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" ٤ انتهى.
وروينا في هذين الكتابين ما يقتضي أن النبي ﷺ استثنى في تأمينه رجالا ونساء من أهل مكة أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، لجرائم لهم اقتضت ذلك.
ومن الأحاديث الدالة على عدم التزام قريش بمكة ترك قتال المسلمين يوم فتحها، وعلى عدم قبولهم تأمين النبي ﷺ بعد أن بلغهم تأمينه لهم، ما ذكره الفاكهي، لأنه قال: حدثنا محمد بن إدريس بن عمر من كتابه قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، فذكر خبرا طويلا في قصة الفتح، وفيه قال: فقال أبو سفيان: واصباح قريش، فقال العباس -﵁: يا رسول الله، لو أذنت لي
_________________
(١) ١ وبشت أوباشا: الأوباش: الجموع من قبائل شتى، والتوبيش: الجمع، أي جمعت لها جموعا من أقوام متفرقين في الأنساب والأماكن. ٢ في الصحيح "أبيدت" أي استؤصلت وأهلكت. وخضراؤها: سوادها ومعظمها. ٣ صحيح مسلم "الجهاد: ١٧٨٠". ٤ أخرجه أبو داود "٣٠٢١، ٣٠٢٢".
[ ١ / ٥٠ ]
فأتيت أهل مكة فدعوتهم وأمنتهم، وجعلت لأبي سفيان شيئا يذكر به، قال: فانطلق العباس -﵁- حتى ركب بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، فانطلق فقال ﷺ: "ردوا على عمي فإن عم الرجل صنو أبيه" قال: فانطلق العباس حتى قدم على أهل مكة فقال: يا أهل مكة أسلموا تسلموا، قد استبطنتم بأشهب بازل، قال: وقد كان رسول الله ﷺ بعث الزبير من قبل أعلا مكة، وبعث خالد بن الولد من قبل أسفل مكة، فقال لهم العباس: هذا الزبير من قبل أعلى مكة وخالد بن الوليد من قبل أسفل مكة، وخالد وما خالد، وخزاعة المخزعة الأنواف، قال: ثم قال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قال ثم جاء ر سول الله ﷺ فتراموا بشيء من النبل، ثم إن رسول الله ﷺ ظهر عليهم فأمن الناس إلا خزاعة عن بني بكر، قال وذكر أربعة: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وابن خطل، وسارة مولاة بني هاشم، قال حماد: وسارة لا أدري في حديث أيوب أو في حديث غيره.
قال: فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١٣] الآية والتي بعدها، ثم قال بعد قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين﴾ [التوبة: ١٤] قال خزاعة: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ١٥]، قال خزاعة: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥]، قال خزاعة ١ انتهى.
وفي هذا الخبر مخالفة لما ذكره ابن عقبة، وابن إسحاق، من أمر النبي ﷺ بالكف عن قتال من لم يقاتل يوم فتح مكة إلا من استثناهم، وسيأتي- إن شاء الله تعالى- ما يدل للخبر الذي ذكره الفاكهي، والله أعلم.
ومن الأخبار الدالة على جمع قريش بمكة لقتال المسلمين يوم فتح مكة ما ذكره موسى بن عقبة في "مغازيه" لأنه قال في خبر الفتح: وبأسفل مكة: بنو بكر، وبنو الحارث بن عبد مناة، وهذيل، ومن كان معهم من الأحابيش استنصرت قريش بهم، فأمروهم أن يكونوا بأسفل مكة ثم قال: واندفع خالد بن الوليد ﵁حتى دخل مكة من أسفلها، فلقيته بنو بكر بن وائل، فقاتلوا فهزموا، وقتل من بني بكر قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا.
وذكر ابن إسحاق في سيرته "تهذيب ابن هشام" ما يقتضي ترك التزام قريش لقتال المسلمين يوم فتح مكة؛ لأنه قال في خبر فتحها: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي بكر: أن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو،
_________________
(١) ١ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢١٣، ٢١٤.
[ ١ / ٥١ ]
كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، ثم قال ابن إسحق بعد ذكره خبر الحماس بن قيس: فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بني منقذ، وكانا في خيل خالد بن الوليد -﵁- فشذا عنه، فسلكا طريقا غير طريقه، فقتلا، ثم قال ابن إسحق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي بكر قالا: وأصيب من جهينة سلمة بن الميلا من خيل خالد، وأصيب ناس من المشركين قريبا من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا انتهى.
فإن قيل: ما ذكره ابن إسحاق من جمع سهيل وصفوان وعكرمة أناسا لقتال المسلمين بمكة يوم فتحها لا يقتضي نسبة ذلك لغيرهم من قريش، ويكون ذلك مبينا لما وقع مجملا في حديث أبي هريرة من جمع قريش أوباشا لقتال المسلمين يومئذ كما سبق ذكره.
فالجواب أنه يبعد جدا أن يكون سهيل، وصفوان، وعكرمة، انفردوا بذلك عن قومهم مع كراهة قومهم لذلك، ولعل سبب نسبة ذلك إليهم دون من لم يذكر من قومهم كونهم الداعين إلى ذلك، ولو سلم كراهة غيرهم لذلك فلا يكفي ممن كره ذلك سكوته، بل لا بد من إنكاره بالقول والفعل بأن ينحاز عمن فعل ذلك ويعلم به الإمام، ولم يرد خبر تقوم به حجة تدل على أن أحدا من أهل مكة أنكر على سهيل، وصفوان، وعكرمة فعلهم هذا، ولا على التزام من كان بمكة من المشركين، ترك قتال المسلمين عند فتح مكة، ولو وقع ذلك لحفظ كما حفظ ما كان يشبه ذلك مما جرى في عام الحديبية، والله أعلم.
وإذا لم يقم دليل على التزام أهل مكة ترك قتال المسلمين يوم فتحها، وقام الدليل على فعلهم بخلاف ذلك من جمعهم لقتال المسلمين: تعين أن يكون فتح مكة عنوة، كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، فمن ذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة السابق: "ترون أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، قال فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ١.
وقال مسلم في بعض طرق هذا الحديث: حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا بهز، حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد، وزاد في الحديث، ثم قال بيديه بإحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصدا".
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "الجهاد: ١٧٨٠".
[ ١ / ٥٢ ]
ومن ذلك ما رواه مسلم١ بنسده إلى عبد الله بن رباح أنه قال: يا أبا هريرة لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ، فقال ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد -﵁- على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير﵁- على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة﵁ - على البياذقة وبطن الوادي، فقال ﷺ: "يا أبا هريرة ادع لي بالأنصار" ٢. فدعوتهم فجاءوا يهرولون، فقال ﷺ: "يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟ " قالوا: نعم، قال: "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأحفى بيده، ووضع يمينه على شماله وقال: "موعدكم الصفا" قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن"، وذكر بقية الخبر.
ومن ذلك ما ذكره أبو داود في سننه على ما رويناه عنه، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة -﵁- قال: إن النبي ﷺ لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام، وأبا عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد -﵃- على الخيل وقال: "يا أبا هريرة اهتف بالأنصار" قال: "اسلكوا هذا الطريق، فلا يشرفن لكم أحد إلا أنمتموه"، فنادى مناد: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان٣ فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" ٤.
وعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة فغصّ بهم، وطاف النبي ﷺ، وصلى خلف المقام، ثم أخذ بجنبتي الباب، فخرجوا فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام.
ونشير إلى بيان موضع الدلالة على أن فتح مكة عنوة من حديث أبي هريرة هذا، فمن ذلك قوله فيه، يعني النبي ﷺ- بيديه بإحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصدا" كذا في رواية مسلم عن عبد الله بن هاشم، عن بهز، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة -﵁". ومن ذلك قوله فيه قال: يعني النبي ﷺ: "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" وأحفى بيديه ووضع يمينه على شماله، كذا في رواية مسلم عن الدارمي، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت بسنده.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم "الجهاد: ١٧٨٠". ٢ في صحيح مسلم: "الأنصار". ٣ في سنن أبي داود "٣٠٢٤": من دخل دارا". ٤ أخرجه أبو داود "٣٠٢٤".
[ ١ / ٥٣ ]
ووجه الدلالة من قول النبي ﷺ هذا وإشارته بيده أن ذلك ليتضمن الحث على قتال المشركين بمكة عند إرادته فتحها.
ومن ذلك قوله فيه: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه؛ لأن معنى ذلك ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه، فوقع إلى الأرض، أو يكون المعنى: أسكتوه بالقتل كالنائم، قال: نامت الريح إذا سكنت، وضربه حتى سكت أي مات، ونامت الشاة وغيرها: ماتت، قال الفراء: النائمة الميتة، وقيل في معنى أناموه معنى يخالف ما ذكرناه، سنذكره فيما بعد مع بيان ما فيه من النظر.
ومن ذلك قول أبي سفيان بن حرب: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم وفي رواية: أبيدت ومعناها كمعنى أبيحت، والمعنى في ذلك أي استؤصلت قريش بالقتل وأفنيت، وخضراؤهم بمعنى جماعتهم، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة، ومنه السواد الأعظم، والإبادة على الوجه المشار إليه دليل على أن فتح مكة عنوة، لأن فتحها صلحا ينافي ذلك، والله أعلم.
ومن ذلك سؤال أبي سفيان من النبي ﷺ لمن دخل دار أبي سفيان، ولمن ألقى سلاحه ولمن أغلق بابه، وإجابة النبي ﷺ له إلى ما سأله.
وجه الدلالة من هذا على أن فتح مكة عنوة أنه لو كان فتحها صلحا لم يسأل أبو سفيان أمانا مخصوصا مع الاستغناء عنه بالأمان العام الذي هو مقتضى الصلح، كيف وفي الحديث ما يدل على أن الموجب لسؤال أبي سفيان الأمان المخصوص هو ما رأى من إبادة المسلمين لجماعة قريش بالقتل يوم فتح مكة، ولا يفعل المسلمون ذلك بالمشركين إلا حيث لم يكن لهم ذمة، أو كانت لهم فنقضوها، وهذا أظهر، لأن النبي ﷺ أمن أهل مكة نحو التأمين الذي سأله فيه أبو سفيان حين سأله في ذلك العباس بن عبد المطلب -﵁- بمر الظهران، تكرمة لأبي سفيان، وقد سبق ذكرنا لذلك.
وكان سؤال أبي سفيان للنبي ﷺ في الأمان، وذكره له حال قريش، والنبي ﷺ على الصفا بعد فتح الله عليه مكة، لأن في حديث أبي هريرة قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا: وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: يا رسول الله من دخل دار أبي سفيان فهو آمن؟ وذكر بقية الخبر، وقوله في الحديث الذي فيه هذا الكلام قبل ذكره: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه، يرد على من قال إن قوله ﷺ: "انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" أن ذلك كان قبل الفتح بيوم، ثم حصل الصلح في غده، لما تقدم من أن معنى قوله فما أشرف يومئذ أحد إلا أناموه، أي قتلوه، ولم يكن ذلك إلا في يوم فتح مكة.
[ ١ / ٥٤ ]
وقد أشار الإمام المازري إلى الرد بذلك على قائل المقالة المشار إليها، وأيضا فلا يلزم من قوله: "إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا" أن يكون ذلك وقع قبل الفتح بيوم، لإمكان أن يكون ذلك وقع في آخر الليلة التي وقع الفتح فيها صبيحتها، وأيضا فما ادعاه قائل هذه المقالة من حصول صلح في يوم فتح مكة قبل حصول القتال في هذا اليوم لا يقوم عليه دليل، والله أعلم.
ونشير إلى ضبط بعض الألفاظ في حديث أبي هريرة وهي: المجنبة، والبياذقة، فأما المجنبة: فبميم مضمومة وجيم مفتوحة ونون مكسورة. وأما البياذقة: فبباء موحدة ثم ياء مثناة تحتية وألف وذال معجمة وقاف، ووقع في بعض الطرق: الساقة بدل البياذقة، وقال بعض الرواة: الشارفة بشين معجمة وألف وراء مهملة وفاء، وفسره بالذين يشرفون على مكة، قال القاضي عياض: وليس هذا بشيء لأنهم أخذوا في بطن الوادي.
والساقة: بسين مهملة بعدها ألف وقاف- وهم الذين يكونون آخر العسكر على ما قاله القاضي، والبياذقة هم الحسر، كما في رواية مسلم، عن شيبان، عن سليمان بن المغيرة؛ لأن المعنى فيهما واحد، لأنهم الرجال الذين لا دروع لهم، والبياذقة فارسي معرب -على ما قيل- وهم أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف في أموره، سموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم على ما قيل، والحسر: بحاء مهملة مضمومة وسين مشددة مهملة.
ومن الدلائل على أن فتح مكة عنوة، ما رويناه عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟ " قلت: أم هانئ بنت أبي طالب، قال: "مرحبا بأم هانئ" فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب، فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلا أجرته: فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، قالت أم هانيء: وذلك ضحى. أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ مسلم في صحيحه١ وهو مما اتفق على صحته، ووجه الدلالة منه على أن مكة فتحت عنوة، وأنه لو كان فتحها صلحا لم يخف ذلك على علي بن أبي طالب﵁" لمكانه من النبي ﷺ، ولما أقدم على قتل من دخل من الأمان الذي هو مقتضى الصلح، فإن ذلك يغني عن جيرة أم هانيء، ولما سألت أم هانئ النبي ﷺ إنفاذ جيرتها. وقد أشار الإمام المازري إلى نحو ما ذكرناه من الاستدلال بهذا الحديث علي أن فتح مكة عنوة.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ٢/ ٢٧٣، ٢٧٤.
[ ١ / ٥٥ ]
والرجل الذي أجارته أم هانئ كما في هذا الحديث قيل: إنه ابنها جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومي لأن الحافظ أبا القاسم السهيلي لما ذكر أم هانئ بنت أبي طالب -﵂- قال: ولها ابن من هبيرة آخر اسمه يوسف، وثالث وهو الأكبر اسمه جعدة، وقيل: إياه عنت في حديث مالك: زعم ابن أم علي أنه قاتل رجلا أجرته فلان ابن هبيرة١ انتهى.
ونقل ذلك الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيبه"٢ عن الحافظ بن عبد البر، لأنه قال في ترجمة جعدة بن هبيرة هذا، وقال ابن عبد البر أيضا: يقال إنه الذي أجارته أم هانئ يوم الفتح فلان ابن هبيرة انتهى.
ولم أر كلام ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" بعد تتبعي لذلك في ترجمة جعدة بن هبيرة، وفي ترجمة أمة أم هانئ في تراجمها الثلاث، ولعله ذكر ذلك في غير الاستيعاب، والله أعلم.
وجاء حديث عنها أنها أجارت رجلين من بني مخزوم يوم الفتح، فتفلت علي ﵁- ليقتلهما، وهذان الرجلان هما الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة المخزوميان، قال الخطيب البغدادي، وقيل: هما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، ذكره ابن أبي إسحق فيما حكاه ابن بشكوال، والله أعلم.
ومما يدل لذلك أيضا: قوله ﷺ يوم فتح مكة في خطبته بها، لما ذكره حرمة مكة: "وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار"، وذكر بقية الحديث، وهو مخرج في الصحيحين٣ من حديث ابن عباس -﵄- قال الخطابي: إنما أحل له في تلك الساعة إراقة الدماء لا دم صيد وغيره مما حرم بالحرم من قطع شجر وتنفير صيد.
قال المحب الطبري: ويحتمل العموم، فإن انتشار العسكر لا يخلو من تنفير صيد، ودوس خلا، وقطعه، وغير ذلك، والعمد والخطأ فيه سواء، وقد استدل بهذا من قال إن فتح مكة عنوة٤ انتهى.
ومما يدل على أن مكة فتحت عنوة قوله ﷺ في خطبته بمكة يوم فتحها: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، ثم قال: "اذهبوا
_________________
(١) ١ الروض الآنف ٣/ ١٠٣ ٢ تهذيب الكمال ٤/ ٥٦٦ رقم ٩٣٠، وليس فيه العبارة الواردة في المتن. ٣ صحيح البخاري "١٥٨٧" صحيح مسلم "الحج: ٤٤٥"، والبيهقي في الشعب "٤٠٠٧" وأبو داود "٢٠١٨"، والترمذي "١٥٩٠" والنسائي "٢٨٧٤". ٤ القرى "ص: ٦٤١".
[ ١ / ٥٦ ]
فأنتم الطلقاء" وهذه الخطبة في "السيرة" لابن إسحاق تهذيب ابن هشام" وتظهر الدلالة من ذلك على أن فتح مكة عنوة ببيان معنى قوله ﵊: "أنتم الطلقاء" ومعنى ذلك المطلوقون من الاسترقاق، أشار إلى ذلك ابن الأثير، في "نهاية الغريب" له لأن فيها قال في حديث حنين حين خرج إليها ومعه الطلقاء الذين خلا عنهم يوم الفتح - فتح مكة: أطلقهم ولم يسترقهم، وأحدهم طليق - فعيل، بمعنى مفعول- وهو الأسير إذا أطلق سبيله، ومنه الحديث: "الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف" كأنه ميز قريشا بهذا الاسم حيث هو أحسن من العتقاء انتهى.
وإذا كان هذا معنى الطلقاء، فخطاب النبي ﷺ لقريش بهذا الخطاب يقتضي أنهم كانوا حين خوطبوا بذلك في الأسر المقتضي للاسترقاق لولا أن النبي ﷺ تفضل عليهم بالإطلاق، ولولا ذلك لم يكن لاستعلامه ﷺ قريشا عن ما توقعونه منه محل لخطاب قريش بذلك بعد تأمينهم، وهذا من أظهر الدلائل على فتح مكة عنوة، ويبعد الانفصال عنه بجواب شاف إلا أن يقال إن ذلك مرسل، والمرسل لا يحتج به، ولو سلم ذلك، فالدلالة على فتح مكة عنوة ناهضة من غيره من الدلائل التي ذكرناها، والله أعلم.
وقد ذكر الأزرقي خطبة النبي ﷺ بمكة يوم فتحها بلفظ يقرب من لفظها السابق في المعنى وزيادة فيها، ونص ما ذكره الأزرقي فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، حدثني جدي أحمد بن محمد وإبراهيم بن محمد الشافعي قالا: أنبأنا مسلم بن خالد، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن عطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن وطاوس: أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة البيت فصلى فيه ركعتين، ثم خرج وقد لبط١ الناس حول الكعبة فأخذ بعضادتي الباب، فقال ﷺ: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ماذا تقولون وماذا تظنون؟ " قالوا: نقول خيرا، ونظن خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت فاسمح، قال: "فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين﴾ " [يوسف: ٩٢] انتهى. باختصار٢.
ومما يدل على أن فتح مكة عنوة ما رويناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل، لأنه قال: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر"، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح"، الحديث بطوله٣.
_________________
(١) ١ لبط: أي اجتمع، وتأتي أيضا بمعنى سعى، والمعنى الأول هو الأرجح. ٢ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ١٢١. ٣ مسند أحمد ٢/ ٢١٢.
[ ١ / ٥٧ ]
وذكره الفاكهي لأنه قال: حدثنا حسن بن حسين، أنبأنا ابن أبي عدي، حدثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة عنوة قال: "كفوا السلا ح إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلوا العصر، ثم أمرهم أن يكفوا السلاح، حتى إذا كان من الغد لقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قام فينا خطيبا وظهره إلى الكعبة فقال: "إن أعتى الناس على الله -﷿- من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحول ١ الجاهلية" ٢ انتهى باختصار.
ويحيى شيخ الإمام أحمد بن حنبل هو يحيى بن سعيد القطان، الإمام المشهور أحد الأعلام، وحسين: شيخه هو المعلم، وثقه غير واحد، وأخرج له الجماعة، وعمرو بن شعيب وإن لم يخرج له من الجماعة البخاري ومسلم فقد وثقه يحيى بن معين٣، وإسحاق بن راهويه، وصالح حرره وغيرهم من الأئمة، وقد احتج به غير واحد من الأئمة؛ لأني وجدت بخط الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام٤: قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلى بن المديني، وإسحاق بن راهويه، يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، قال البخاري من الناس بعدهم، وقال الشيخ محيي الدين النووي: الصحيح المختار الاحتجاج به، وقال الدارقطني وغيره: قد ثبت سماع شعيب عن جده عبد الله بن عمرو انتهى ما وجدته بخط الحافظ الذهبي.
وإذا تقرر ذلك فيكون الحديث المشار إليه صحيح الإسناد.
ووجه دلالته على أن فتح مكة عنوة أنه يقتضي إباحة القتال فيها يوم فتحها غالب هذا اليوم، وذلك ينافي أن يكون صلحا أو بأمان، والله أعلم.
ومما يدل على أن فتح مكة عنوة، ولو لم يقع فيه قتال، أن دخول النبي ﷺ ومن معه إليها من المسلمين كان على وجه القهر لأهلها لأنهم عدوا دخلوا ﷺ عام الحديبية عنوة على ما ذكره ابن إسحاق في السيرة، لأنه ذكر أن قريشا قالوا لبديل بن ورقاء الخزاعي ومن معه من خزاعة حين أبلغوهم عن النبي ﷺ أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته، ولا يريد قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا يحدث، وبذلك عنا العرب.
_________________
(١) ١ الذحل: الوتر وطلب المكافأة والذحل تأتي بمعنى العداوة أيضا. ٢ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢١٩. ٣ التاريخ، لابن معين ٢/ ٤٤٥، ٤٤٦. ٤ تاريخ الإسلام ٤/ ٢٨٥.
[ ١ / ٥٨ ]
وذكر ابن إسحاق أيضا أن عروة بن مسعود الثقفي قال للنبي ﷺ لما بعثته إليه قريش بالحديبية: إنها قريش خرجت معها العوذ١ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا٢ انتهى.
وإذا كان دخول النبي ﷺ عند أهل مكة، مع كونه لم يقصد فيه قتالا، وإنما قصد أداء نسك العمرة التي أحرم بها، وعورض في هذا فكيف بدخوله ﷺ إلى مكة وقت فتحها الله عليه؟ والقصد بدخوله يومئذ إظهار الإسلام بها، وإنقاذها من المشركين، ومعه من المسلمين في دخول مكة يوم الفتح أضعاف من كان معه من المسلمين يوم الحديبية؛ لأن عدد أصحاب الحديبية ألف وأربعمائة على ما في مسلم وغيره، وقيل: ألف وثلاثمائة، وعدد المسلمين يوم الفتح عشرة آلاف، وقيل: اثنا عشر ألفا، والله أعلم.
وقد حاول النووي -﵀- الجواب عما في حديث أبي هريرة، وحديث أم هانئ من الألفاظ التي تدل على أن فتح مكة عنوة، وفيما حاوله من الجواب نظر نشير إليه بعد ذكر كلامه، لأنه قال في الجواب عن أمر النبي ﷺ بحصد المشركين وقتل خالد ﵁ لهم: "وأما قوله ﷺ: "احصدوهم"، وقتل خالد ﵁- من قتل فهو محمول على من أظهر من كفار مكة قتالا" انتهى.
وتأويل النووي لقوله ﷺ: "احصدوهم" إما أن يقتضي أن المأمور بحصدهم لإظهار القتال معروفون بأسمائهم أو غير معروفين بأسمائهم، والأول لا يقوم عليه دليل، والثاني مسلم، وهو يقتضي أن المأمور بحصدهم غير محصورين، فيكون الأمر بالحصد عاما في جميع المشار إليهم، وهو دليل على الفتح عنوة، لأن الصلح لو وقع منع من ذلك، ولا يعارض كون الأمر بحصد المشار إليهم عاما في جميعهم الأمر الوارد بعدم مبادأة المشار إليهم بالقتال، كما هو مقتضى الخبر الذي رويناه في "مغازي موسى بن عقبة"، "وسيرة ابن إسحق"، ولفظ ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة انتهى؛ لأن المنع في مبادأة المشار إليهم بالقتال لا يقتضي تخصيص أحد منهم بترك قتاله، وإنما عدم مبادأتهم بالقتال رفقا بهم أجمعين، رجاء إسلامهم، فيكثر بهم عدد المسلمين، ويحتمل أن يكون الأمر بعدم مبادأتهم بالقتال كان قبل أن يبلغ
_________________
(١) ١ العوذ: بالذال المعجمة: جمع عائذ: وهي الحديثة النتاج من الإبل، والمطافيل التي معها أولادها. يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا ألبانها، ولا يرجعوا حتى يناجزوا محمدا. ٢ تهذيب سيرة ابن إسحق "ص: ٢٢١".
[ ١ / ٥٩ ]
النبي ﷺ عن قريش أنهم لم يقبلوا تأمينه، وجمعوا الأوباش لقتاله، كما هو مقتضي حديث أبي هريرة ﵁ السابق في فتح مكة، لأن فيه: ووبشت قرش أوباشا لها وأتباعا فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، فإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا انتهى. وأنه لما بلغ النبي ﷺ ذلك عن قريش أمر بحصدهم، كما في حديث أبي هريرة -﵁، ويتأيد ذلك بأن القتال المأذون فيه في حديث أبي هريرة -﵁ أبلغ من القتال المأذون فيه في الخبر الذي ذكر ابن إسحاق، لقوله في حديث أبي هريرة -﵁: "احصدوهم حصدا" وذلك يقتضي الإبلاغ في القتل، وإذا حمل الخبران على ما ذكرناه لم يبق بينهما تعارض، والله أعلم.
وقال النووي في الجواب عن تأمين النبي ﷺ لمن دخل دار أبي سفيان، ومن ألقى سلاحه، وتأمين أم هانيء: وأما أمان من دخل دار أبي سفيان، ومن ألقى سلاحه، وأما أم هانيء، فكله محمول على زيادة الاحتياط لهم بالأمان انتهى.
وهذا الكلام يشعر بأن النبي ﷺ أمن أهل مكة أمانا عاما، وخص منهم بالتأمين من دخل دار أبي سفيان، ومن ألقي سلاحه، ومن أجارته أم هانيء، فإن زيادة الاحتياط لهؤلاء بالأمان لا يكون إلا بأن يكون تأمين النبي ﷺ على هذه الصفة وفي ذلك نظر، لأنه لم يرد خبر يشعر بأن النبي ﷺ أمن أهل مكة أمانا عاما، وإنما أمن من دخل دار أبي سفيان، ودار حكيم، ومن دخل المسجد، ومن أغلق بابه عليه، ومن ألقى سلاحه، على ما يتحصل من مجموع الأخبار التي سبق ذكرها، واستثنى من ذلك جماعة من الرجال والنساء بجرائم اقتضت ذلك.
وقال النووي في الجواب عن هَمِّ علي بن أبي طالب -﵁- بقتل الرجلين اللذين أجارتهما أم هانيء: وأما هَمِّ علي بن أبي طالب -﵁- بقتل الرجلين اللذين أجارتهما أم هانيء، فلعله تأول فيهما شيئا، أو جرى منهما قتال أو نحو ذلك انتهى.
وهذا الكلام يقتضي أن عليًّا أراد قتل الرجلين؛ لتأوله فيهما ما يوجب ذلك، أو لأنه جرى منهما قتال، وغاية ما يتأول علي -﵁- فيهما أنهما مستحقان القتل لفعلهما ما يوجب ذلك من قبل، والأصل خلاف ذلك، ولو سلم فمستحق القتل لا يقتل بغير مؤامرة الإمام، والأصل -أيضا- أنه لم يجر منهما قتال في يوم فتح مكة، وإذا دار الأمر بين التأويل لسيدنا "علي" بشيء على خلاف الأصل، وبين التأويل له بما يوافق الواقع، فالتأويل له بالموافق أولى، وهو كون الفتح عنوة، ولا لوم في القتل فيهما، والله أعلم.
[ ١ / ٦٠ ]
وقال النووي في الجواب عن قوله في حديث فتح مكة: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه، ومن قال: فتحت صلحا -يعني مكة- يقول: أناموه أي ألقوه على الأرض من غير قتل إلا من قاتل، والله أعلم انتهى.
وفي هذا التأويل نظر من أوجه، منها: أن القصد بالإلقاء إلى الأرض من غير قتل هو الإرهاب، وهو يحصل بدون ذلك، مثل الإشارة بالسيف وشبهه، فيجتزي بذلك إذا كان الفتح صلحا.
ومنها: أن الإلقاء إلى الأرض يبعد وقوعه من غير زيادة عليه في حق كل من عارض المسلمين يوم فتح مكة بقتال، وإنما يتأتى ذلك من الراكب للراكب، ومن الماشي للراكب، ومن الماشي للماشي، وأما من الراكب للماشي فيبعد تأتيه في حق كل من عارض، إلا أن ينزل الراكب عن فرسه، وفي وقوع ذلك من كل راكب لكل ماش عارض بقتال بُعْدٌ، والله أعلم.
ومنها: أن ما ذكره أبو سفيان من إثارة قريش واستباحتها يقتضي أن المفعول فيهم يومئذ أعظم من إلقائهم إلى الأرض من غير قتال، لأن ذلك لا يعبر عنه بما ذكره أبو سفيان، والله أعلم.
وقد ذكر النووي -﵀- حجة الشافعي -﵁- على أن مكة فتحت صلحا، قال: واحتج الشافعي -﵁- بالأحاديث المشهورة أنه ﷺ صالحهم بمر الظهران قبل دخوله مكة انتهى.
وهذا الصلح المشار إليه لا يخلو من أمرين، أحدهما، أن يكون المراد به تأمين النبي ﷺ أهل مكة على الصفة التي سبق ذكرها، والآخر أن يكون عقد منهم عقد هدنة كما وقع في عام الحديبية، فإن كان الأول فإطلاق الصلح إنما يكون إذا انضم إليه التزام أهل مكة لموجب التأمين، وهو الكف عن قتال المسلمين يوم فتح مكة، ولا يقوم دليل على التزام أهل مكة لذلك، ويقوم الدليل على خلافه، لأن في حديث أبي هريرة -﵁- السابق في خبر فتح مكة: أن قريشا جمعوا أوباشا وقالوا نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وأن أصيبوا أعطينا الدي سئلنا انتهى.
والذي سئلوا هو الكف عن القتل، فدل ذلك على أنهم لم يلتزموه، ولم يرد خبر يشعر بأن أحدا من قريش أنكر على سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، جمعهم لقتال المسلمين يومئذ، ولا أن أحدا من قريش تبرأ ممن جمع لذلك، مشعر برضا الجميع بذلك، والله أعلم.
وإن كان المراد الثاني، فهو غير معروف، فضلا عن أن يكون فيه أحاديث مشهورة، ويبعد جدا أن يكون في ذلك حديث مشهور، ويخفى ذلك حتى لا يعرف له
[ ١ / ٦١ ]
محل في كتب العلماء، وأيضا فعقد الهدنة إنما يكون بسؤال من اضطر إليها، والاضطرار إليها في الفتح للمشركين، لوفور قوة المسلمين يومئذ، ولم يسأل المشركون ذلك مشافهة ولا مراسلة، لأنه لم يحضر عند النبي ﷺ بمر الظهران- ممن كان على الشرك- غير أبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وكان معهما بديل بن ورقاء الخزاعي، ولم يكن حضورهم إليه لأداء رسالة عن قريش، وإنما قريش بعثتهم ليتحسسوا لهم أخبار رسول الله ﷺ، على ما ذكره ابن إسحق، فإنها غيبت عليهم، لأن النبي ﷺ سأل الله ﷿- عند توجهه من المدينة أن تعمى الأخبار عن قريش حتى يبغتها في دارها، فاستجاب الله -﷿- دعوته، ولم يشعر بهم أحد من أهل مكة، إلا وهم بمر الظهران، وكانوا في وجل من النبي ﷺ لنقضهم عهد الحديبية، لأن بعضهم قاتل ليلا مع كنانة خزاعة حلفاء النبي ﷺ، ورفد بعضهم كنانة بالسلاح١.
وذكر موسى بن عقبة ما يقتضي أن بعض المسلمين أخذوا أبا سفيان ومن معه قهرا، وأحضروهم إلى النبي ﷺ، فأسلموا، وأن أبا سفيان وحكيما سألا النبي ﷺ الأمان لمن كف من قريش عن قتاله، فأجابهم النبي ﷺ إلى ذلك، والذي حملهم على ذلك الرغبة فيما يصلح لقومهما، ولم يكن لمن خرج مخرجهما أن يعقد على من وراءه، عقد هدنة إلا بعد إعلام من وراءه بما رأى، وأن يثق منهم في ذلك الرضا، وقد أنكر بعض العلماء أن يكون أهل مكة عقدوا مع النبي ﷺ صلحا عند فتحها، لأنه ذكر أن حال أهل مكة جرى في أرضها، وفي أنفسهم، وفي أموالهم، مجرى حال أهل الصلح، لا أنهم عقدوا معه صلحا، إذا لم يأت أثر في شيء من هذا بمصالحتهم إياه، وبالله التوفيق انتهى بلفظه إلا قليلا فبالمعنى، وهذا في شرح مسلم للإمام المازري، أو للقاضي عياض، على الشك مني لبعد العهد بذلك، والله أعلم.
وقد ذكر النووي -﵀- حجة الشافعي -﵁- على جواز بيع دور مكة وإجارتها، فقال: قوله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". استدل به الشافعي وموافقوه على أن دور مكة مملوكة يصح بيعها وإجارتها، لأن أصل الإضافة إلى الآدميين يقتضي الملك وما سوى ذلك مجاز انتهى.
وفي هذا الاستدلال نظر لأنه ليس في معنى قوله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان" إشعار بإضافة غيرها من دور مكة لأهلها من مسلمة الفتح، حتى تكون دورهم مملوكة لهم، كملك أبي سفيان، وإذا كان كذلك لم ينهض من قوله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان" دلالة على ملك غير أبي سفيان من مسلمة الفتح لدورهم بمكة، لكون ذلك لا
_________________
(١) ١ الروض الأنف ٢/ ٢٦٣.
[ ١ / ٦٢ ]
يدل لملك غيره، وهذا يخالف رأي من استدل به على أن دور مكة مملوكة لأهلها، ويبعد أن يقاس على دار أبي سفيان غيرها من دور مكة التي كانت لغيره من مسلمة الفتح، لأن ملك أبي سفيان لداره لا ينبغي أن يختلف فيه، لكونه أسلم قبل أن يدخل النبي ﷺ مكة بمر الظهران، وبإسلامه أحرز نفسه وماله، ومثله في ذلك حكيم بن خزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي، لأنهما أسلما معه بمر الظهران على خلاف في بديل، فإنه قيل: أسلم قبل الفتح، وغيره من مسلمة الفتح في ملكهم لدورهم بمكة خلاف بين أهل العلم سببه الخلاف في فتح مكة، هل هو عنوة أو صلح، وفي كونه صلحا نظر سبق بيانه، وأقرب ما يستدل به على ملك دور مكة، كون النبي ﷺ منَّ بها على أهلها فلم يقسمها، والله أعلم.
ورأيت في شرح مسلم المشار إليه ذكر السبب الذي لأجله قيل إن مكة فتحت صلحا، لأن فيه: وإنما شُبِّهَ على القوم لأجل أنه ﷺ لم يستبح أموالها، ولا قسمها بين الغانمين، فلما رأى الشافعي ﵁- هذا، وخروجه عن الأصل اعتقد أنه صلح، وهذا لا تعلق له فيه، لأن الغنيمة لا يملكها الغانمون بنفس القتال على قول كثير من أصحابنا، وللإمام أن يخرجها عن الغانمين، ويمُنُّ على الأسرى بأنفسهم وحريمهم وأموالهم، وكأنه ﷺ رأى من المصلحة بعد الفتح والاستيلاء عليهم أن يبقيهم لحرمة العشيرة وحرمة البلد، وما رجي من إسلامهم وتكثير عدد المسلمين بهم، فلا يرد ما قدمناه من الأدلة الواضحة بمثل هذا المحتمل، وفي شرح مسلم المشار إليه.
وقال بعض أصحاب الشافعي بقوله: إن النبي ﷺ دخل مكة صلحا، أي فعل فيها فِعْلَه في مَن صالحه، فمَلَّكَه نفسَه وماله وأرضه، لأنه لم يدخلها إلا بعد أن أمَّن أهلها كلهم، وهذا من قول أصحابه اعتذار من قوله الذي انفرد به، وميل إلى قول الجماعة من افتتاحها عنوة، وإنما من عليهم وعفا عنهم وملكهم أموالهم انتهى.
وقد رأيت ما يدل على أن الإمام الشافعي لم ينفرد بقوله: إن مكة فتحت صلحا، لأني رأيت في نسخة من "المهذب" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، بخط سليمان بن خليل، حاشية بخطه أولها: ومذهب الشافعي -﵀: أن رسول الله ﷺ فتح مكة صلحا بأمان قومه لهم قبل دخوله، وروي ذلك عن أبي بن عبد الرحمن، ومجاهد، وذكر بقية الحاشية، وفوقها مكتوب بخط ابن خليل أيضا، صورته من "الشامل" انتهى.
وأظن أن "الشامل" المشار إليه هو الشامل للشيخ أبي نصر بن الصباغ١ الشافعي،
_________________
(١) ١ هو الإمام أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ، توفى سنة ٤٧٧هـ "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي ٥/ ١٢٢- ١٣٤"، وكتابه "الشامل" في فروع الشافعية مخطوط في دار الكتب المصرية برقم "١٣٩-١٤١ فقه شافعي" ومعهد المخطوطات برقم ١٨٥-١٩٤ فقه شافعي".
[ ١ / ٦٣ ]
وقد بيض ابن خليل بين أبي، وبين ابن عبد الرحمن، وما عرفت من المشار إليه بذلك، هل هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو غيره؟ والله أعلم.
وقد طال الكلام فيما يتعلق بتحقيق فتح مكة، ولكن يحصل بذلك من الفوائد ما لا يوجد مجتمعا في غير هذا المحل، وظهر بذلك رجحان كونها فتحت عنوة، والله أعلم.
[ ١ / ٦٤ ]