روينا في "تاريخ الأزرقي" عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي ﷺ في حديث حدث به: آن آدم ﵇ قال: أي رب إني أعرف شقوتي، إني لا أرى شيئا من نورك يتعبد فيه، فأنزل الله ﷿ عليه البيت المعمور على عرض البيت وموضعه، من ياقوتة حمراء، ولكن طولها كما بين السماء والأرض وأمره أن يطوف بها، فأذهب الله عنه الغم الذي كان يجد قبل ذلك، ثم رفع على عهد نوح١.
وأما بناء بني آدم للكعبة: فذكره الأزرقي، لأنه روى بسنده إلى وهب بن منبه قال: لما رفعت الخيمة التى عرى الله ﷿ بها آدم ﵇ من حلية الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت ومات آدم ﵇ فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم، حتى كان زمن نوح ﵇ فنسفه الغرق وغير مكانه حتى بُوِّئَ لإبراهيم -﵇ انتهى.
وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في الفصل الذي عقده لبنيان الكعبة: وكان بناؤها في الدهر خمس مرات، الأولى حين بناها شيث بن آدم ﵇ انتهى.
قلت: هذا يخالف ما تقدم في من بنى الكعبة أولا هل هو الملائكة أو آدم؟ ولعل السبب عند من قال إن شِيثًا أول من بنى الكعبة: كون بنائه كان بيتا بالطين والحجارة، بخلاف بناء آدم ﵇ فإنه كان بناء لأساس البيت كما في خبر بنيانه، وأنزل الله ﷿ عليه من الجنة البيت الذي كان يطوف به، وهو البيت المعمور كما سبق، ولعله الخيمة المشار إليها في خبر وهب بن منبه، والله أعلم.
ولعل سبب نسبة هذا البناء لشيث بن آدم كونه: كان وصي ابنه، كما يروى عن وهب بن منبه، والله أعلم.
وأما بناء الخليل ﵇ فهو ثابت كما في القرآن العظيم والسنة الشريفة، وهو أول من بنى البيت على ما ذكر الفاكهي عن علي بن أبي طالب ﵁ وجزم به الشيخ عماد الدين بن كثير في تفسيره، وقال: لم يجئ خبر عن معصوم، أن البيت كان مبنيا قبل الخليل٢ انتهى.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٥١. ٢ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٢٥، وتاريخ القطبي "ص: ٣٥" ومناهج الكرم "ورقة ٤١٠أ".
[ ١ / ١٢٦ ]
وروينا في تاريخ الأزرقي عن ابن إسحاق: أن الخليل ﵇ لما بنى البيت جعل طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وجعل عرض شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها بالأرض غير مبوب، وحفر جبا في بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت، وكان يبني وإسماعيل ينقل له الحجارة على رقبته١.
وذكر ابن الحاج المالكي في "منسكه" شيئا من خبر بناء إبراهيم ﵇ للكعبة فقال: وكان صفة بناء إبراهيم ﵇ للبيت أنه كان مدورا من ورائه، وكان له ركنان وهما اليمانيان فجعلت قريش حين بنوه أربعة أركان انتهى.
وروينا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أما والله ما بنياه يقصب ولا مدر٢، ولا كان معهما من الأعوان والأموال ما يسقفانه، ولكنهما أعلياه وطافا به. وروينا عن عثمان بن ساج أنه بلغه: أن الخليل ﵇ بنى الكعبة من سبعة أجبل.
وروينا عن أبي قلابة: أنه بناه من خمسة أجبل: حراء، وثبير، ولبنان، والطور، والجبل الأحمر.
وروينا عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يعني الخليل ﵇ بناه من خمسة أجبل: من طور سيناء وطور زيتا٣، ولبنان، والجودي٤، وحراء. قال: وذكر لنا أن قواعده من حراء انتهى.
ويروى أنه أسس البيت من ستة أجبل: من أبي قبيس، ومن الطور، ومن القدس، ومن ورقان، ومن رضوى، ومن أحد انتهى.
قلت: هذا يعكر على الحكمة التي ذكرها السهيلي في كون الخليل بنى الكعبة من خمسة أجبل، على ما قيل، لأنه قال بعد أن ذكر أن الخليل ﵇ بنى الكعبة من خمسة أجبل هي: طور زيتا، وطور سيناء، والجودي، ولبنان، وحراء: وانتبه الحكمة.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ١٥٠. ٢ القصب: الغاب، والمدر: الحجارة. ٣ طور زيتا" جبل في القدس مشرف على المسجد الأقصى ٤ الجودي: جبل يطل على دجلة وعلى جزيرة ابن عمر، وهي قرية من أعمال الموصل، وعلى هذا الجبل استوت سفينة نوح ﵇- لما نضب ماء الطوفان.
[ ١ / ١٢٧ ]
الله تعالى كيف جعل بناءها من خمسة أجبل: فشاكل ذلك معناها، إذ هثي قبلة الصلوات الخمس وعمود الإسلام، وقد بني على خمس١ انتهى.
وأما بناء العمالقة وجزهم للكعبة: فذكره الأزرقي، لأنه روى بسنده عن علي بن أبي طالب رضي لله عنه قال في خبر بناء إبراهيم ﵇ للكعبة ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم، ثم انهدم فبنته قريش٢ انتهى.
وذكره الفاكهي، لأنه روى بسنده عن علي ﵁ قال: أول من بنى البيت إبراهيم، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم هدم البيت فبنته العمالقة، ثم هدم فبنته قريش٣.
قلت: هذا يقتضي أن جرهما بنت البيت قبل العمالقة، والخبر الأول يقتضي أن العمالقة بنته قبل جرهم، وبه جزم المحب الطبري في "القرى"، والله أعلم.
وذكر المسعودي ما يقتضي أن الذي بنى الكعبة من جرهم هو الحارث بن مضاض الأصغر، لأنه لما ذكر خبرهم قال فيه: إن الحارث هذا زاد في بناء البيت ورفعه كما كان عليه من بناء إبراهيم٤ انتهى. والله أعلم بحقيقة ذلك.
وأما بناء قصي بن كلاب: فذكره الزبير بن بكار قاضي مكة في كتاب "النسب"، لأنه قال: وقال غير أبي عبيدة من قريش ابن عبد العزى بن عمران العنبسي: أخذ قصي في بنيان البيت وجمع نفقته، ثم هدمها فبناها بنيانا لم يبن أحد ممن بناها مثله، وجعل، وهو يبنيها يقول:
ابني وبيتي الله يرفعها وليبن أهل وراثها بعدي
بيتا بها وتمامها وحجابها بيد الإله وليس بالعبد
فبناها وسقفها بخشب الدوم الجيد وبجريد النخل، وبناها على خمسة وعشرين ذراعا، فلذلك يقول أعشى بكر بن وائل:
فإني وثوبي راهب اللج والذي بناها قصي وحده وابن جرهم
لئن شب نيران العداوة بيننا لتركلن مني على ظهر شيهم
وذكر الزبير بن بكار في مواضع أخر ما يشهد له، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في خبر قصي. ونقل ذلك كله عن الزبير: الفاكهي في كتاب "أخبار مكة" وقال بعد ذكره لخبر عبد العزيز بن عمران: يعني بالشيهم: القنفذ.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ١/ ٢٢٣. ٢ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٦٢. ٣ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ١٣٨. ٤ مروج الذهب ٢/ ٤٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
وذكر الفاكهي بناء قصي عن غير الزبير، لأنه قال في خبر قصي: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة، حدثنا عبد الله بن يزيد، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود قال: بلغني أن قصي بن كلاب بنى البيت بعد بناء إبراهيم، ثم بنته قريش١ انتهى.
وذكر أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقي في "مغازيه": أن قصي بن كلاب بنى البيت. وجزم به الماوردي في "الأحكام السلطانية"، لأنه قال: فكان أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم ﵇ قصي بن كلاب، وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل٢ انتهى.
ولم يذكر ذلك الأزرقي ﵀ والله أعلم بحقيقة ذلك.
وأما قول عبد العزيز بن عمران في الخبر الذي ذكره الزبير بن بكار: وبناها على خمسة وعشرين ذراعا، ففيه نظر، لأنه إن أراد به أن قصيا جعل ارتفاع الكعبة خمسة وعشرين ذراعا كان مخالفا لما اشتهر في الأخبار من أن الخليل ﵇ جعل طولها تسعة أذرع، وأن قريشا زادت في طولها تسعة أذرع، وإن أراد أن قصيا جعل عرضها خمسة وعشرين ذراعا: فالمعروف أن عرضها من الجهة الشرقية والغربية لا ينقص عن ثلاثين ذراعا في بناء الخليل لها، بل يزيد على خلاف في مقدار الزيادة، وإذا أراد عرضها من الجهة الشامية واليمانية: فعرضها في هاتين الجهتين ينقص عن خمسة وعشرين ذراعا ثلاثة أذرع أو أزيد.
وكل من بنى الكعبة بعد إبراهيم ﵇ لم يبنه إلا على قواعد، غير أن قريشا استقصرت من عرضها في الجهة الشرقية والغربية أذرعا عن أساس إبراهيم﵇ لأمر اقتضاه الحال، وصنع ذلك الحجاج بعد ابن الزبير عنادا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما بناء قريش الكعبة: فهو ثابت كما في السنة الشريفة الصحيحة عن النبي ﷺ، وحضره ﷺ، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، كما جزم به ابن إسحق وغير واحد من العلماء، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة كما جزم به موسى بن عقبة في "مغازيه" وابن جماعة في "منسكه"٣، ونقله مغلطاي عن تاريخ يعقوب بن سفيان، وقيل: ابن ثلاثين سنة حكاه ابن خليل في "منسكه" وجزم به، وهذا القول غير معروف، وأظنه سقط من كتابه لفظة: "خمس" بين "ابن" وبين "ثلاثين"، والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٥٦. ٢ الأحكام السلطانية "ص: ١٦٠". ٣ هداية السالك ٣/ ١٣٢٧، ١٣٢٨.
[ ١ / ١٢٩ ]
وقيل: إنه ﷺ كان حين بناء قريش للكعبة غلاما، ذكر هذا القول الأزرقي، لأنه قال في ترجمة ترجم عليها بقول: "ذكر ما كان عليه ذرع الكعبة حين صار إلى ما هو عليه إلى اليوم من خارج وداخل": ثم بنتها قريش في الجاهلية، والنبي ﷺ يومئذ غلام١ انتهى.
وذكر الفاكهي ما يوافق ذلك، وفيما ذكره بيان لسن النبي ﷺ حين كان غلاما، لأن الغلام يقع على الصبي من حين يولد إلى حين يبلغ، وما ذكره الفاكهي في ذلك مذكور في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ذكر ما كانت عليه الكعبة في عهد إبراهيم ﵇ من الطوال والعرض إلى يومنا هذا" لأنه قال: ثم بنتها قريش في الجاهلية، وقد كتبنا بناءها في موضع بناء قريش الكعبة، والنبي ﷺ يومئذ قد ناهز الحلم٢ انتهى.
وهذا القول، والقول الذي ذكره ابن خليل غريبان، لمخالفتهما المشهور في سنه ﷺ حين بنت قريش الكعبة، وهو ما ذكره ابن إسحاق أو ما ذكره ابن عقبة، ولم أر من ذكر ذلك القول الذي ذكره ابن خليل، والله أعلم.
وهو ﷺ الذي وضع الحجر الأسود موضعه من الكعبة حين اختلفت قريش في ذلك، وكان سبب بنائهم لها توهنها من الحريق الذي أصابها حين جمرت، والسيل العظيم الذي دخلها وصدع جدرانها بعد توهنها بالحريق، وجعلوا ارتفاعها من خارجها من أعلاها إلى الأرض ثمانية عشر ذراعا، منها: تسعة أذرع زائدة على طولها حين عمرها الخليل ﵇ واقتصروا من عرضها أذرعا جعلوها في الحجر، لقصر النفقة الحلال التي أعدوها لعمارة الكعبة عن إدخال ذلك فيها، ورفعوا بابها ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، وكبسوها بالحجارة، وجعلوا في داخلها ست دعائم في صفين، ثلاث في كل صف من الشق الذي يلي الحجر إلى الشق اليماني، وجعلوا في ركنها الشامي من داخلها درجة يصعد منها إلى سطحها، وجعلوها سطحا، وجعلوا فيها ميزابا يصب في الحجر، هذا ملخص بالمعنى مختصر مما ذكره الأزرقي في خبر بناء قريش، وقد ذكرناه بكماله في أصل هذا الكتاب، مع ما ذكره الأزرقي في خبر بناء قريش، وقد ذكرناه بكماله في أصل هذا الكتاب، مع ما ذكره ابن إسحق في ذلك بفوائد٣ أخر تتعلق بذلك.
وذكر الأزرقي والفاكهي في القدر الذي زادته قريش في طول الكعبة على بناء الخليل ﵇ أمرا يستغرب أما الأزرقي فإنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ما جاء في ذكر بناء قريش الكعبة في الجاهلية": حدثني جدي عن داود بن
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٧٨- ٨٠، والسير والمغازي لابن إسحاق ٢/ ١٠٨. ٢ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٢٦. ٣ أخبار مكة للأزرقي ١/ ١٥٧ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٠ ]
عبد الرحمن العطار قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم القاري، عن أبي الطفيل فذكر خبرا في بنيان قريش للكعبة، وفيه: ثم هدموها وبنوها عشرين ذراعا طولها١ انتهى.
وأما الفاكهي فإنه قال: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة بن أزهر قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن ابن الزبير ﵄ قال: قال عثمان بن عفان ﵁ وكان عالما بأمر الجاهلية وبنيان البيت قال: إن قريشا لما هدمت الكعبة فجعلوا يبنونها بأحجار الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، وكانوا ينقلون الحجارة من أجياد٢ انتهى باختصار.
ووجه الغرابة في ذلك مخالفته لما ذكره الأزرقي والفاكهي وغيرهما، من أن قريشا جعلوا طول الكعبة لما بنوها ثمانية عشر ذراعا.
وذكر الفاكهي أيضا في من وضع الحجر الأسود في الكعبة حين بنتها قريش أمرا يستغرب أيضا لأنه قال في أثناء خبر ذكره: وزعم عباد بن عبد الرحمن الأعرج مولى ربيعة بن الحارث قال: حدثني من لا أتهم عن حسان بن ثابت وكان قد شهد بناءها قال: رأيت عبد المطلب بن هاشم جالسا على سور الكعبة، وهو شيخ كبير قد ربط لها حاجباه، وهم يختصمون في الركن ليرفعوه إليه، فلما قضى فيه رسول الله ﷺ ما قضى، ورفعته قريش في الثوب حتى وضعه رسول الله ﷺ بيده، فرفعه إلى عبد المطلب، وكان هو الذي وضعه بيده، فقال له محمد بن علي حين حدثه: والله ما سمعت بهذا من أحد من أهل بيتي، وما سمعت أحدا يذكر إلا أن رسول الله ﷺ هو الذي وضعه بيده٣.
قال عثمان: قال محمد: وحدثت عن بعض أهل العلم أن عبد المطلب أخذه بيده، وجعلت قريش أيديها تحت يده، ثم رفعوا حتى انتهوا به إلى موضعه، فوضعه النبي ﷺ بيده، كل ذلك قد سمعناه في الركن٣ انتهى.
ووجه الغرابة في كون عبد المطلب وضع الحجر الأسود في الكعبة حين بنتها قريش، فمخالفته لما اشتهر من أن النبي ﷺ هو الذي وضع الحجر الأسود بيده في الكعبة حين بنتها قريش على ما هو مشهور في خبر بنائهم، ويتأيد ذلك بأن عبد المطلب مات وللنبي ﷺ ثمان سنين، وقيل: ثماني سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل: تسع سنين،
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٢٨٨، ١٨٩. ٢ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٢٧. ٣ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٣١ ]
وقيل: عشر سنين، وقيل: ست سنين، وقيل: ثلاث سنين، والكعبة بنيت وللنبي ﷺ خمس وثلاثون سنة وقيل: خمس وعشرون سنة على ما هو المشهور في سنه حين بنتها قريش١ وإذا كان كذلك فلا يكون عبد المطلب وضع الحجر الأسود بيده حين بنتها قريش، ولا حضر بناءهم لها، على أن الفاكهي ذكر في موضع آخر ما يقتضي أن عبد المطلب حضر بناء قريش، ذكر ذلك في خبر تبع.
وأما بناء ابن الزبير رضي لله عنهما للكعبة فإنه ثابت مشهور، وسبب ذلك توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير ﵄ بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة، لمعاندته يزيد بن معاوية، وما أصابها مع ذلك من الحريق، بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير ﵄ في خيمة له، فطارت الرياح بلهب تلك النار، فأحرقت كسوة الكعبة والساج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة، حتى أنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها.
ولما زال الحصار عن ابن الزبير ﵄ لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية، رأي ابن الزبير ﵄ أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر قليل، وكره ذلك نفر كثير، منهم ابن عباس ﵄.
ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة إلى منى مخافة أن يصيبهم عذاب وأمر ابن الزبير ﵄ لها يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وبناها على قواعد إبراهيم ﵇ وأدخل فيها ما أخرجته منها قريش في الحجر، وزاد في طولها على بناء قريش نظير ما زادته قريش في طول على بناء الخليل ﵇ وذلك تسعة أذرع، فصار طولها سبعة وعشرين ذراعا بتقديم السين وهي سبعة وعشرون مدماكا٢، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود اليوم، والآخر المقابل له المسدود، واعتمد في ذلك وفي إدخاله في الكعبة ما أخرجته قريش منها في الحجر حين أخبرته به خالته عائشة ﵂ يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ١/ ٢٢١، والمشهور أن النبي ﷺ كانت سنه عندئذ خمسا وثلاثين سنة، كما روى ابن إسحاق وغيره. ٢ المدماك: مقياس قديم لأهل مكة.
[ ١ / ١٣٢ ]
وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وجعل لها درجة في ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها، وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر، وجعل فيها روازن للضوء، هذا ملحق بالمعنى مختصر مما ذكره الأزرقي في خبر بناء ابن الزبير ﵄ للكعبة١ وما ذكره من أن زيادة ابن الزبير تسعة أذرع في طول الكعبة هو المشهور.
وروينا في صحيح مسلم من حديث عطاء بن أبي رباح قال: إن ابن الزبير ﵄ زاد في طول الكعبة عشرة أذرع، وفيه ما يقتضي أنه لم يهدم الكعبة في الوقت الذي ذكره الأزرقي.
وصرح ابن الأثير في "كامله" بأن عمارة ابن الزبير ﵄ للكعبة كانت سنة خمس وستين، ثم قال: وقيل: كانت عمارتها في سنة أربع وستين٢.
وهذا يوافق ما ذكره الأزرقي، والقول الأول موافق لما في مسلم، لأن فيه من حديث عطاء بن أبي رباح قال: لما احترق البيت زمان يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، وكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس في الموسم، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة: أنقضها ثم أبنيها، أو أصلح ما وَهَى منها؟
فقال له ابن عباس ﵄: إني أرى أن تصلح ما وَهَى منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وحجارة أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ، فقال ابن الزبير: لو أن أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف ببيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عزم على أمر، فلما مضت الثلاثة أجمع رأيه أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد عليه أمر من السماء، حتى صعد رجل فألقى منه حجارة، فلما لم ير الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغ به الأرض انتهى باختصار.
ووجه مخالفة هذا لما ذكره الأزرقي: أنه يقتضي أن ابن الزبير ﵄ لم يهدم البيت حتى صدر الناس من الموسم، وصدورهم منه كان بعد حجهم، وزمن الحج غير الزمن الذي ذكر الأزرقي أن ابن الزبير رضي لله عنهما هدم فيه البيت، وقد سبق ذلك قريبا، والله أعلم بالصواب.
وتكون عمارة ابن الزبير ﵄ للبيت على مقتضى حديث عطاء في آخر ذي الحجة من سنة أربع وستين، وفي سنة خمس وستين، وذلك يوافق ما جزم به ابن الأثير في عمارة الكعبة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٢٠١ وما بعدها. ٢ الكامل لابن الأثير ٤/ ٢٠٧.
[ ١ / ١٣٣ ]
ولم أر في تاريخ الأزرقي ذكر الوقت الذي فرغ فيه ابن الزبير من بناء الكعبة، وهو سنة خمس وستين، على ما ذكره المسبحي في "تاريخه" على ما وجدت بخط الحافظ رشيد الدين ابن الحافظ زكي الدين المنذري في اختصاره لتاريخ المسبحي، والله أعلم.
وذكر المحب الطبري ما يقتضي أن فراغ ابن الزبير ﵄ من عمارة الكعبة كان في ليلة سابع عشر من رجب من سنة أربع وستين لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ما جاء في عمرة التنعيم" في الباب الثامن والثلاثين من "القرى" بعد أن ذكر اعتمار ابن الزبير ﵄ من التنعيم لما فرغ من بناء الكعبة١: وذكر أبو الوليد أن هدم الكعبة كان يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين، والظاهر أن ابتداء البناء عقيبه، بعد الفراغ منه، وأهل مكة يعتمرون في ليلة سبع وعشرين من رجب في كل سنة، وينسبون هذه العمرة إلى ابن الزبير ﵄ ولا يبعد أن يكون بناء الكعبة امتد إلى هذا التاريخ، فإن تطابق الناس على ذلك يأثره الخلف عن السلف، وفعله كل سنة بأسبابه تدل على صحة النسبة إليه، وأنه اعتمر في ذلك الوقت، وأن الفراغ من بناء الكعبة كان في هذا التاريخ، والله أعلم.
وقد اختلفت الأخبار فيمن وضع الحجر الأسود في موضعه من الكعبة حين بناها ابن الزبير ﵄ فقيل: وضعه عبد الله بن الزبير بنفسه، ذكر ذلك الأزرقي في خبر رواه عن الواقدي بسنده؛ لأن فيه: فلما بلغ البناء موضع الركن جاء ابن الزبير ﵄ حتى وضعه بنفسه، وشده بالقصبة٢ انتهى.
وقيل: وضعه عباد بن عبد الله بن الزبير، وهذا في خبر رواه الأزرقي٢ ذكر فيه أن عبد الله بن الزبير ﵄ أمر ابنه عبادا وجبير بن شيبة أن يجعلا الركن في ثوب ويخرجاه، وهو يصلي بالناس في صلاة الظهر في يوم شديد الحر، لئلا يعلم الناس بذلك فيتنافسوا في وضعه، وفيه: ففعلا ذلك، وفيه: فكان الذي وضعه في موضعه هذا عباد بن عبد الله بن الزبير، وأعانه عليه جبير بن شيبة.
وقيل: وضعه حمزة بن عبد الله بن الزبير بأمر أبيه، نقل ذلك السهيلي٣ عن الزبير بن بكار.
ورأيت في تاريخ الأزرقي وكتاب الفاكهي ما يقتضي أن الحَجَبة وضعوه في موضعه ومعهم حمزة بن عبد الله بن الزبير، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ القرى "ص: ٦٢٢". ٢ أخبار مكة للأزرقي "١/ ٢٠٨. ٣ الروض الأنف ١/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٣٤ ]
فيتلخص من ذلك أربعة أقوال فيمن وضع الحجر الأسود حين بنى ابن الزبير ﵄.
وأما بناء الحجاج للكعبة فهو أيضا ثابت مشهور، ذكره الأزرقي وغيره، وملخص ذلك أن الحجاج بعد محاصرته ابن الزبير وقتله كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها، وأحدث فيها بابا آخر، واستأذنه في رد ذلك على ما كان عليه في الجاهلية، فكتب إليه عبد الملك أن يسد بها الغرب، ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير ﵄ في الحجر، ويكبسها به على ما كانت عليه ففعل ذلك الحجاج.
وبناؤه في الكعبة، الجدار الذي من جهة الحجر بسكون الجيم والباب الغربي المسدود في ظهر الكعبة عند الركن اليماني وما تحت عتبة الباب الشرقي، وهو أربعة أذرع وشبر، على ما ذكر الأزرقي، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير ﵄ وهذا ملخص مما ذكره الأزرقي في ذلك بالمعنى١.
وكان ذلك في سنة أربع وسبعين من الهجرة على ما ذكره ابن الأثير٢، وقيل: سنة ثلاث وسبعين على ما ذكر الذهبي في العبر.
ثم إن عبد الملك بن مروان ندم على ما وقع منه في أمر الكعبة، وقال: وددت والله أنى كنت تركت ابن الزبير وما تحمل حين أخبره الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أنه سمع من عائشة ﵂ حديثها عن النبي ﷺ الذي اعتمده ابن الزبير ﵄ فيما فعله في الكعبة.
أخبرني بحديث عائشة ﵂ الزاهد عبد الرحمن بن أحمد المصري سماعا بالقاهرة في الرحلة الأولى: أن يونس بن إبراهيم العسقلاني أخبره سماعا، عن أبي الحسن علي بن الحسين البغدادي، عن أبي بكر بن الزاغوني ونصر بن نصر العكبري، قال الزاعوني: أنبأنا ابن نصر الزينبي. وقال العكبري: أنبأنا أبو القاسم بن البسري، قالا: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا بكار بن قتيبة قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا سليمان بن حبان قال: حدثنا سعيد بن مينا، عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال أخبرتني عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، ولزدت ستة أذرع من الحجر في البيت فإن قريشا استقصرت ذلك لما بنت البيت" ٣.
وقد اختلفت الروايات فيما تركته قريش من الكعبة في الحجر، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الحجر.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٢١٠. ٢ الكامل لابن الأثير ٤/ ٣٦٥. ٣ أخرجه مسلم كما سبق.
[ ١ / ١٣٥ ]