ذكر بدء الطواف بهذا البيت العظيم وما ورد من طواف الملائكة:
روينا في تاريخ الأزرقي أن بعض أهل الشام سأل بمكة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن بدء الطواف بهذا البيت، فقال له علي بن الحسين: أما بدء الطواف بهذا البيت: فإن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
قالت الملائكة: يا رب، أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون ويتنازعون؟ أي رب اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها، ولا نسفك الدماء، ولا نتحاسد ولا نتباغض١ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ونطيعك ولا نعصيك. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] قال: فظنت الملائكة إنما قالوا ردًّا على ربهم ﷿ وأنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش، ورفعوا رءوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون إشفاقا لغضبه، وطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر
_________________
(١) ١ في أخبار مكة للأزرقي قدم "تباغض" على تحاسد وزاد "ولا نتباغى".
[ ١ / ٢٤٢ ]
الله إليهم، فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله تعالى تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد، وكساهن بياقوتة حمراء، وسمى البيت الضراح، ثم قال الله ﷿ للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش. قال: فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش، وصار أهون عليهم. وهو البيت المعمور الذي ذكره الله ﷿ يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا، ثم إن الله ﷿ بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتًا في الأرض بمثاله وقدره، وأمر الله من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، فقال الرجل: صدقت يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم١ انتهى.
وروينا نحوه بالمعنى مختصرا في كتاب "النسب" للزبير بن بكار قاضي مكة.
وروينا في "تاريخ الأزرقي" وغيره أخبارا أُخر تدل على طواف الملائكة بالبيت منها: ما رواه الأزرقي بسنده إلى وهب بن منبه قال: وقرأت في كتاب من الكتب الأولى ذكر فيه الكعبة، فوجد فيه، أنه ليس من ملك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقضّ من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعًا، ويركع في جوفه ركعتين ثم يصعد٢.
ومنها: ما رواه بسنده عن محمد بن المنكدر قال: كان أول شيء عمله آدم ﵇ حين أهبط من السماء طاف بالبيت الحرام، فلقيته الملائكة فقالوا: بر نسكك يا آدم فإنا قد طفنا بهذا البيت قبلك بألفي سنة.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ١/ ٢٢، ٢٢٢، أخبار مكة للأزرقي ١/ ٣٣، ٣٤. ٢ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٣٩.
[ ١ / ٢٤٣ ]