ذكر هذا الخبر جماعة من العلماء مطولا ومختصرا، كما ذكرته في أصل هذا الكتاب، واقتصرت هنا من ذلك على ما ذكرته عن الإمام أبي القاسم الزمخشري لحسن اختصاره مع ما فيه من الفوائد، ونص كلامه:
روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء، وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا، فأغضبه ذلك، وقيل: أججت رفقة من العرب نارا، فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف ليهدمن الكعبة، فخرج من الحبشة ومعه فيل اسمه محمود، وكان فيلا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره، وقيل: ثمانية، وقيل: كان معه ألف فيل، وقيل: كان وحده، فلما بلغ المغمس١خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى، وعبأ جيشه، فقدم الفيل، فكانوا إذا وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل الله إليه طيرا سوداء، وقيل: خضراء، وقيل: بيضاء، مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه، أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، ثم قال: فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر
_________________
(١) ١ المغمس: بفتح الميم الأولى وضمها، واد قريب من مكة من ناحية الشرق "الروض الأنف ١/ ٦٨".
[ ١ / ٢٥٢ ]
اسم من يقع عليه ففروا فهلكوا في كل طريق وسهل، وأما أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي، فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع الحجر عليه فخر ميتا بين يديه، وذكر أن أهل مكة احتووا على أموال الحبشة، وأن عبد المطلب جمع من جواهرهم وذهبهم ما كان سبب يساره١ انتهى باختصار.
وقال السهيلي: وكانت قصة الفيل في أول المحرم سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين٢.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما الخوارزمي محمد بن موسى فقال: كان قدوم الفيل مكة وأصحابه لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم. قال: وقد قال ذلك غير الخوارزمي، وزاد: يوم الأحد، قال: وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة.
ونقل الحافظ الدمياطي عن أبي جعفر محمد بن علي: أن قدوم الفيل كان في النصف من المحرم انتهى.
فيتحصل من هذا أن في تاريخ قدوم الفيل من شهر المحرم ثلاثة أقوال: هل هو أوله، أو نصفه، أو لثلاث عشرة ليلة بقيت منه؟ والله أعلم بالصواب.
هلاك من أراد الكعبة بسوء ٣:
وجاء في هلاك من أراد الكعبة بسوء أخبار أُخر:
منها: ما رويناه عن أم المؤمنين أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: "ليخسفن بقوم يؤمون البيت ببيداء من الأرض" ٤.
ومن الأخبار الواردة في الانتقام ممن أساء الأدب في الكعبة أو حولها: ما رويناه في "السيرة" لابن إسحاق وغير ذلك عن عائشة ﵄ أنها قالت: ما زلنا نسمع أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين٥، والله أعلم.
ومن ذلك: ما رويناه في المعجم الكبير للطبراني عن حويطب بن عبد العزى قال: كنا جلوسا بفناء الكعبة في الجاهلية فأتت امرأة تعوذ بها من زوجها، فمد يده إليها فيبست، فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل٦ انتهى.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ١/ ٦٨- ٧١. ٢ الروض الأنف ١/ ٧١. ٣ ما بين القوسين عنوان من وضع المحقق. ٤ أخرج نحوه الأزرقي ٢/ ٢٣، وانظر مثير الغرام "ص: ٢٩١". ٥ سيرة ابن هشام ٣/ ٢٩١. ٦ المعجم لكبير للطبراني ١/ ٢٣١، وعبد الرزاق "٨٨٦٦" لكن قال إن العائذ أَمَةٌ، وأن الذي جذبه سيدتها، والأزرقي ٢/ ٢٥.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ومن ذلك: ما رويناه في تاريخ الأزرقي في خبر ذكره عن ابن جريج فيه شيء من خبر الحمس وغيرهم، لأن فيه قال: وجاءت امرأة أيضا تطوف عريانة، وكان لها جمال، فرآها رجل فأعجبته، فدخل الطواف فطاف إلى جنبها لأن يسمها، فأدنى عضده من عضدها، فخرجا من المسجد من ناحية بنى سهم هاربين على وجوههما، فزعين لما أصابهما من العقوبة، فلقيهما شيخ من قريش خارجا من المسجد فسألهما عن شأنهما، فأخبراه بقصتهما، فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابهما فيه ما أصابهما ليدعوان الله تعالى ويحلفان أن لا يعودا فرجعا إلى مكانهما فدعوا الله ﷾ وأخلصا النية في أن لا يعودا، فافترقت أعضادهما، فذهب كل واحد منهما في ناحية١ انتهى.
وذكر المحب الطبري هذا الخبر مختصرا وعزاه لابن الجوزي، وعزاه ابن الجوزي لغير ابن جريج، فنذكر ذلك كما هو مذكور في "القرى" ولفظه فيه: وعن مسعر، عن علقمة بن مرثد قال: بينما رجل يطوف بالبيت إذ برق له ساعد امرأة، فوضع ساعده على ساعدها متلذذا به، فلصقت ساعداهما، فأتى بعض الشيوخ فقال: ارجع إلى المكان الذي فعلت فيه فعاهد رب البيت ألا تعود، ففعل فخلي عنه٢ انتهى.
وذكر السهيلي هذا الخبر مختصرا، وفيه ما يفهم منه غير ما سبق، فاقتضى ذلك ما قاله، لأنه قال بعد أن ذكر شيئا من خبر الحمس والحلة وطواف الحلة بالبيت عراة، ومما ذكر من تعريهم في الطواف، أن رجلا وامرأة طافا كذلك، فانضم الرجل إلى امرأة تلذذا واستمتاعا، فلصق عضده بعضدها ففزعا عند ذلك، وخرجا من المسجد وهما ملتصقان، فلم يقدر أحد على فك عضده من عضدها حتى قال لهما قائل: توبا مما كان في ضميركما، وأخلصا لله التوبة. ففعلا، فانحل أحدهما عن الآخر٣ انتهى.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ١٧٧. ٢ القرى "ص: ٢٧٢"، ومثير الغرام "ص: ٢٩١" وأخرجه عبد الرزاق "٨٨٦٧". ٣ الروض الأنف ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ٢٥٤ ]