أخبرني أبو هريرة ابن الحافظ الذهبي بقراءتي عليه في الرحلة الأولى بغوطة دمشق، أن يحيى بن محمد بن سعد الأنصاري أخبره سماعا وتفرد بالسماع منه قال: أنبأنا أبو المنجا بن اللتي وغيره قال: أنبأنا أبو حفص عمر بن عبد الله الحربي، قال: أنبأنا أبو غالب محمد بن عبيد لله العطار قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد البزار قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي قال: أنبأنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي١ قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي القرشي، ثم الأسدي قال: حدثنا عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي قال: حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن الزبير بن العوام ﵁ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من "لية" قال الحميدي: مكان بالطائف حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله ﷺ عند طرف القرن الأسود حذوها، فاستقبل "نَخِبا" قال الحميدي: مكان بالطائف يقال له نخب- ببصره، ثم وقف حتى اتفق الناس، ثم قال: "إن صيد وَجّ وعضاهه حرم محرم الله ﷿"، وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا. روينا هذا الحديث هكذا في الأول من مشيخة الفسو عن الحميدي، وهو في سنن أبي داود، ومسند ابن حنبل٢، وإسناده ضعيف على ما قال النووي، وقال: قال البخاري: لا يصح.
وقال في "الإيضاح": ويحرم صيد وج٣، وهو واد بالطائف، لكن لا ضمان فيه انتهى.
وذكر المحب الطبري في تحريم صيد وَجّ احتمالين، لأنه قال: وتحريمه يحتمل أن يكون على وجه الحمى له وعليه العمل عندنا.
ويحتمل أن يكون حرمه في وقت ثم نسخ. قال: ونخب بفتح النون وكسر الخاء المعجمة، واد بالطائف، وقيل: هو واد بأرض هذيل.. قال: والقرن جبل صغير، ورأسه مشرف على وهدة. قال: ووَجّ بفتح الواو وتشديد الجيم، قيل: هو أرض الطائف نفسه، يسمى بوج بن عبد الحق من العمالقة ٤ انتهى.
_________________
(١) ١ هو صاحب كتاب المعرفة والتاريخ". ٢ سنن أبي داود ٢/ ٢٩٠، مسند أحمد ١/ ١٦٥، وأخبار مكة للفاكهي ٥/ ٩٩، والحديث إسناده حسن. ٣ وج: واد من أودية الطائف المشهورة، يسمى أعلاه: المخاصكة، ووسطه المثناة، وأسفله، العرج، ومن مشهور قراه القديمة: الوهط. "انظر تفاصيل هذا الوادي في معجم معالم الحجاز للبلادي ٩/ ١٢١". ٤ القرى "ص: ٦٦٦".
[ ١ / ١٢٠ ]
ووح بالحاء: ناحية نعمان. ذكره الحازمي من الأماكن فيما حكى عنه النووي١، وذكر أن وجا بالجيم ربما اشتبه بوح بالحاء. قال: وقال الحازمي: وج اسم لحصون الطائف، وقيل: لواحد منها، قال: وقال في "التهذيب": هو واد بالطائف انتهى.
وقال صاحب المطالع: هو وادي وج على يومين من مكة انتهى.
قال المحب الطبري: وقد جاء في الحديث أن وجًّا مقدس٢ انتهى.
وروى الفاكهي: حديثا من رواية خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن آخر وطأة وطئها الله تعالى بوج" ٣.
وقال الفاكهي: قال سفيان يعني ابن عيينة في تفسيره: آخر غزاة غزاها رسول الله ﷺ: غزوة الطائف، لقتاله أهل الطائف وحصاره ثقيف انتهى.
وذكر الشيخ أبو العباس الميورقي ما يوافق هذا التفسير ويزيده، إيضاحا، لأنه قال: وروي في "الصحاح" للجوهري: آخر وطأة وطئها الله بوج.
وأحسن ما قيل في ذلك ما كان شيخنا أبو محمد محمد بن الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذر يقول: آخر غزوة وطأ الله بها أهل الشرك: غزوة الطائف بإثر فتح مكة شرفها الله تعالى. ذكر ذلك الميورقي في جزء ألفه سماه: "بهجة المهج في بعض فضائل الطائف ووج"، وفيه أسئلة غريبة.
ومما ذكره في فضل الطائف: وروي في قوله ﷿: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك﴾ أي بفتح مكة والطائف أهم البلاد عليه وأحبها إليه.
وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ ٤ [الزخرف: ٣١] قالوا: هما مكة والطائف، فقرن الله ﷻ الطائف ببيته، وفي ذلك غاية الفخر الذي تعجز العبارة عن كنهه وقدره وماهيته انتهى.
_________________
(١) ١ تهذيب الأسماء واللغات ٢ ق ٢/ ١٩٨. ٢ القرى "ص: ٦٦٦". ٣ أخبار مكة للفاكهي ٣/ ١٩٣، والحديث رواه أحمد ٦/ ٤٠٩، والبيهقي في سننه ١٠/ ٢٠٢. والترمذي ٨/ ١٠١. والطبري في الكبير ٢٤م ٢٣٩، ٢٤٠، والهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٥٤، وقال: رجاله ثقات، وذكره السيوطي في الكبير ١/ ٨٦٢ وزاد نسبته للبخاري في الأدب، وكذلك في ٢/ ٧٢١، وعزاه للعسكري في الأمثال. ٤ وقال الخازن: اختلفوا في هذا الرجل العظيم، قيل: الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف، وقيل: عتبة بن ربيعة من مكة، وكنانة بن عبد ياليل من الطائف، وقال ابن عباس: الوليد بن المغيرة من مكة، ومن الطائف: حبيب بن عمير الثقفي، وفي عبارة الفاكهي ارتباك مرجعه إلى سقوط تتمة القولين.
[ ١ / ١٢١ ]
وقال الفاكهي في الآية الآخيرة: إنها نزلت في مكة والطائف فيما يقال، وحكى في الرجل قولين١: أحدهما: أنه عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والآخر: أنه مسعود بن معتب الثقفي.
قال: وأما الطائف فهي من مخاليف مكة، وهي بلد طيب الهواء بارد الماء، كان له خطر عند الخلفاء فيما مضى، وكان الخليفة يوليها رجلا من عنده، ولا يجعل ولايتها إلى صاحب مكة انتهى.
وبالطائف آثار تنسب للنبي ﷺ، منها: السدرة التي انفرجت له نصفين حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين، وذلك لما اعترضته في طريقه، وهو سائر وسنان ليلا في غزوة الطائف، على ما ذكره ابن فورك٢، فيما حكاه عنه القاضي عياض في "الشفا"، وبعض هذه السدرة باق إلى الآن، والناس يتبركون به.
ومنها: مسجد ينسب للنبي ﷺ في مؤخر المسجد الذي فيه قبر عبد الله بن عباس ﵄، لأن في جداره القبلي من خارجه حجرا مكتوبا فيه: أمرت السيدة أم جعفر بنت أبي الفضل٣ أم ولاة عهد المسلمين أطال الله بقاءها بعمارة مسجد رسول الله ﷺ بالطائف، وفيه أن ذلك سنة اثنتين وتسعين ومائة٤.
والمسجد الذي فيه قبر ابن عباس ﵄ أظن أن المستعين العباسي عمره مع ضريح ابن عباس ﵄ واسمه مكتوب في المنبر الذي في هذا المسجد، واسم الملك المظفر صاحب اليمن مكتوب في القبة التي فيها ضريح ابن عباس ﵄ بسبب عمارته لها.
وبالطائف مواضع أخر تنسب للنبي ﷺ معروفة عند أهل الطائف.
وذكر الحافظ أبو محمد القاسم ابن الحافظ أبي القاسم على ابن عساكر خبرا في فضل أهل الطائف، نقله عن المحب الطبري في "القرى"، ونص ذلك على ما في
_________________
(١) ١ أخبار مكة للفاكهي ٣/ ١٩١، وإهداء اللطائف للعجيمي "ص: ٥٤"، وتفسير الطبري ٢٥/ ٦٥، وتفسير ابن كثير ٦/ ٢٢٤. ٢ هو أبو بكر محمد بن الحسن الأصبهاني المنوفي سنة ٤٠٦هـ "ترجمته في الوافي بالوفيات ٢/ ٣٣٤، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٧٢، إنباه الرواة ٣/ ١١٠، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢١٤- ٢١٦، ومرآة الجنان ٣/ ١٧، ١٨، النجوم الزاهرة ٤/ ٢٤٠، شذرات الذهب ٣/ ١٨١. ٣ يقصد بها السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد وأم ولي عهده الأمين، ونسب المأمون والمعتصم إليها تجوزا، وكانت قد زارت الحجاز، وأدخلت فيه بعض الإصلاحات، وبنت العمائر وأجلها عين زبيدة التي بمكة. ٤ إتحاف الورى ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩، وأخبار مكة للأزرقي ٢/ ٢٣١، ٤٣٢، وفيهما أن ذلك كان سنة ١٩٤هـ وهو الصحيح.
[ ١ / ١٢٢ ]
"القرى" عن عبد الملك بن عباد بن جعفر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول من أشفع له يوم القيامة من أمتي: أهل المدينة وأهل الطائف" ١ انتهى.
واختلف في سبب تسمية الطائف بالطائف، فقال السهيلي: ذكر بعض أهل النسب أن الدمون بن الصدف واسم الصدف: مالك بن مالك بن مربع بن كندة- من حضرموت، أصاب دما من قومه، فلحق ثقيفا فأقام بها وقال لهم: ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدكم، فبناه فسمي به الطائف٢، ذكره البكري٣، واعترض عليه السهيلي فيما ذكره في نسب الدمون. وأفاد شيئا من خبره وخبر ولده، وذكر ابن الكلبي ما يوافق هذا القول.
وقيل في تسمية الطائف: أن جبريل ﵇ طاف به حول الكعبة على ما ذكر بعض المفسرين لأنه قال في تفسير قوله تعالى في سورة "ن": ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]: أن جبريل ﵇ اقتلعها من موضعها. فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها الله تعالى حيث الطائف اليوم، فسميت باسم الطائف الذي طاف عليها وطاف بها انتهى باختصار من كتاب السهيلي٤.
ونقل الميورقي عن الأزرقي: أن الطائف سمي الطائف لطواف جبريل ﵇ به سبعا حول البيت لما اقتلعه من الشام، لدعوة الخليل إبراهيم -﵇- حيث يقول: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] الآية، والله أعلم بالصواب.
وقد أتينا على جملة من فضل الطائف وخبره.
ومن غريب خبره: ذكر الميورقي، عن الفقيه أبي محمد عبد الله بن حموا النجاري، عن شيخ الخدام بالحرم النبوي بدر الشهابي: أنه بلغه أن ميضاه وقعت في عين الأزرق في الطائف، فخرجت بعين الأزرق بالمدينة على ساكنها السلام.
_________________
(١) ١ أخرجه: البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٤٠٤، ٤١٥، من طريق عبد الملك بن أبي زهير، وابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ٥١٠، وعزاه لابن منده، وأبي نعيم وابن عبد البر في كتبهم عن الصحابة وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣١٨، وعزاه للبزار والطبراني، وذكره ابن حجر في الإصابة ٢/ ٢٣ وقال: رواه البزار في مسنده، وابن شاهين. والقرى "ص: ٦٦٦". ٢ الروض الأنف: ٤/ ١٦١. ٣ معجم ما استعجم ٢/ ٥٥٧. ٤ الروض الأنف ٤/ ١٦٢.
[ ١ / ١٢٣ ]