ذكر عدد دخول النبي ﷺ الكعبة الشريفة بعد هجرته إلى المدينة وأول وقت دخل الكعبة فيه بعد هجرته:
أما عدد دخول النبي ﷺ الكعبة بعد هجرته: فروينا في ذلك أخبارا يتحصل من مجموعها أن النبي ﷺ دخل الكعبة بعد هجرته أربع مرات، وهو يوم فتح مكة، وفي ثاني يوم الفتح، وفي حجة الوداع، وفي عمرة القضية، وفي كل من هذه الدخلات خلاف، إلا الدخول الذي في يوم الفتح، ونشير إلى الأخبار الواردة في هذه الدخلات.
فأما دخوله يوم الفتح فرويناه في صحيح مسلم وغيره، كما سبق في حديث ابن عمر ﵄ ولفظ حديثه عن مسلم: قدم رسول الله صلى عليه وسلم يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة وأرسل إلى عثمان بن طلحة فجاء بالمفتاح ففتح الباب، قال: ثم دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، وذكر الحديث.
ولا تضاد بين حديث ابن عمر رضي لله عنهما هذا، وحديثه في صحيح مسلم الذي قال فيه: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح على ناقة لأسامة حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلحة فقال: "ائتني بالمفتاح" الحديث في قصة دخول النبي ﷺ الكعبة وصلاته فيها لأن المراد بعام الفتح في هذا الحديث يوم الفتح كما في الحديث السابق، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضان والمجمل منها يرد إلى المبين.
وقد أشار الإمام النووي ﵀ إلى اتفاق الخبرين، لأنه قال في شرح مسلم قوله: قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة.
هذا دليل على أن هذا المذكور في أحاديث الباب من دخوله ﷺ، وصلاته فيها كان يوم الفتح، وهذا لا خلاف فيه، ولم يكن يوم حجة الوداع انتهى.
وفي هذا الدخول وقع الاختلاف في كون النبي ﷺ صلى فيه.
وأما دخوله ﷺ في ثاني يوم الفتح: ففي مسند أحمد بن حنبل ما يدل له، لأنه قال: حدثنا هشيم قال: أنبأنا عبد الملك عن عطاء قال: قال أسامة بن زيد رضي لله عنهما: دخلت مع رسول الله ﷺ البيت فجلس فحمد الله وأثنى عليه وكبر وهلل، وخرج ولم يصل، ثم دخلت معه في اليوم الثاني، فقام ودعا الحديث، وقد سبق في هذا الباب بكماله.
وأما دخوله ﷺ في حجة الوداع: فرويناه في سنن أبي داود وابن ماجه، وجامع الترمذي، والمستدرك للحاكم، من رواية إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ وسبق ذلك في الترجمة التي قبل هذه الترجمة مع بيان ما في الحديث من الوهن، والله أعلم بالصواب.
وأما دخول النبي ﷺ في عمرة القضية فذكر المحب الطبري في "القرى" عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب ما يقتضي ذلك، لأنه قال في باب العمرة، وهو الثامن والثلاثون في ترجمة ترجم عليها بما جاء في عمرة الحديبية وعمرة القضية: وعن هشام، وعن أبيه قال: إن خراش بن أمية حلق رأس رسول الله ﷺ عند المروة ثم دخل البيت.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وعن سعيد بن المسيب قال: إن رسول الله ﷺ لما قضى نسكه دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بالظهر على ظهر الكعبة، وأقام رسول لله ﷺ بمكة ثلاثا، فلما كان ظهر اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو بن حويطب بن عبد العزى، ورسول الله جالس في مجلس من الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فقال: يا محمد قد انقضى أجلك فاخرج عنا، وكان ﷺ قد تزوج بميمونة الهلالية في طريقه، وذكر مناشدة سهيل النبي ﷺ إلى "سرف" وتعريسه فيه بميمونة، ولم يذكر المحب الطبري من خرج هذا الخبر ولا الخبر الأول، وهما يقتضيان دخول النبي ﷺ الكعبة في عمرة القضية، وخبر سعيد بن المسيب أصرح، لما فيه من القضايا التي وقعت في عمرة القضية على ما جاء في غير هذا الخبر، وهو تزويج النبي ﷺ ميمونة، وسؤال سهيل بن عمرو النبي ﷺ في الخروج من مكة وجواب النبي ﷺ له على نحو ما في هذا الخبر، ولست واثقا بصحة ما فيه من دخول النبي ﷺ الكعبة، وأذان بلال رضي لله عنه الظهر عليها، وعلى تقدير صحتها فإنهما يخالفان ما رويناه في الصحيحين، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي ﷺ الكعبة في عمرته؟ فقال: لا انتهى.
والمراد بهذه العمرة عمرة القضية على ما قال العلماء، كما قال النووي عنهم في شرح مسلم وغيره.
وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله لم يدخل النبي ﷺ الكعبة في عمرة القضية، كما هو مقتضى هذين الخبرين، وإنا ذكرناهما لغرابتهما.
وأما دخوله ﷺ في يوم الفتح وحجة الوداع: فهو رأي أبي حاتم بن حبان، لأنه جمع بذلك بين اختلاف بلال وأسامة في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، ونص كلامه والأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين، أحدهما يوم الفتح وصلى فيه، والآخر في حجة الوداع ولم يصل فيه انتهى.
وقد وافق ابن حبان على ما ذكره من دخول النبي ﷺ في حجة الوداع: البيهقي، لأنه قال: إن النبي ﷺ صلى في داخل الكعبة في حجة الوداع، حكى ذلك عن البيهقي: ابن جماعة في منسكه.
وأما دخول النبي ﷺ الكعبة في ثاني يوم فتح مكة: كما هو مقتضى حديث أسامة ﵁ الذي جمع به ابن جماعة: فلم أر أحدا من أهل العلم قال به إلا ابن جماعة في منسكه، والله أعلم.
[ ١ / ٢١٠ ]
وأما أول وقت دخل فيه النبي ﷺ الكعبة بعد هجرته: فيوم فتح مكة، لأنه لم يدخلها في عمرة القضية على مقتضى حديث ابن أبي أوفى السابق ذكره في الصحيحين، ولا يعارض ذلك الخبران المقتضيان لدخول النبي ﷺ في عمرة القضية، لأنهما لو صحا لكان ما في الصحيحين مقدما عليهما، فكيف وفى صحتهما نظر والله أعلم.
وأما السبب الذي لم يدخل النبي ﷺ لأجله الكعبة في عمرة القضية: فذكر النووي فيه كلاما لغيره لا يخلو من نظر، لأنه قال لما تكلم على حديث ابن أبي أوفى: قال العلماء: وسبب عدم دخوله ﷺ: ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه لتغييرها، فلما فتح الله تعالى عليهم مكة دخل البيت وصلى فيه، وأزال الصور قبل دخوله، والله أعلم انتهى.
قلت: في هذا الكلام ما يقتضي أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة يوم فتح مكة حتى أخرج منها ما كان ينبغي إخراجه من الصور وغير ذلك، ووقع في مسند أبي داود السجستاني من حديث ابن عباس ﵄ ما يدل لذلك.
وقد روينا ما يخالف ذلك؛ لأن أبا داود الطيالسي قال في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران قال: حدثني عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد ﵄ قال: دخلت مع رسول لله ﷺ في الكعبة، ورأى صورا فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون".
ورجال هذا الحديث يحتج بهم، وهو يقتضي أن النبي ﷺ دخل الكعبة في الفتح والصور فيها، وأنه أزالها بعد دخوله، ويدل لذلك أيضا ما رويناه في تاريخ الأزرقي عن عبد العزيز١ بن أبي داود، قال: إن النبي ﷺ بعث الفضل بن عباس رضي لله عنهما- بعد دخوله معه الكعبة ليأتيه بماء ليطمس به الصور في الكعبة٢.
ويدل لذلك أيضا: قول ابن إسحاق في السيرة في قصة الفتح: فلما قضى- يعني النبي ﷺ- طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له. فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها انتهى.
وهذا يقتضي أن النبي ﷺ دخل الكعبة وفيها الصور، وأنه دخل الكعبة حين فتحت له في هذا التاريخ، ولم يشتغل ﷺ بشيء سوى ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) ١ هكذا وردت بالأصل، وهو يشير إلى الرواية التي وردت وهي عن عبد المجيد بن أبي رواد لا عن عبد العزيز. ٢ أخبار مكة ١/ ١٦٥.
[ ١ / ٢١١ ]