ذكر قدر صلاة النبي ﷺ في الكعبة في دخوله هذا:
أما قدر هذه الصلاة: فركعتان على ما رويناه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وعن بلال من رواية ابن عمر ﵄ وعن جابر بن عبد الله ﵁، كما روينا في "شرح معاني الآثار" للطحاوي١، وعن عمر ﵁ أيضا كما روينا فيه عن عبد الرحمن بن صفوان ﵁ عن عمر ﵁ وجماعة ممن كان مع النبي ﷺ حينئذ، وعن عثمان بن طلحة ﵁ أيضا، كما رويناه فيه، وهو مقتضى حديث شيبة بن عثمان الحجبي وعبد الله بن عباس ﵄ ولا يثبت عنه، وعبد الرحمن بن صفوان القرشي، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين كما سيأتي مبينا في الترجمة التي بعد هذه الترجمة، ونشير هنا لحديث ابن عمر، وبلال ﵄ لموجب اقتضى ذلك.
فأما الحديث المروي عن ابن عمر ﵄ في ذلك من غير ذكر بلال فيه، فإنا رويناه في مسند أحمد بن حنبل؛ لأن عبد الله بن أحمد بن حنبل٢ قال في مسند أبيه وجدت في كتاب أبي: حدثنا يزيد قال: أنبأنا شعبة عن سماك يعني الحنفي قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول صلى رسول الله ﷺ في الكعبة ركعتين.
وأما الحديث الذي رويناه عن بلال ﵁ في ذلك من رواية ابن عمر ﵄ ففي صحيح البخاري، لأنه قال في كتاب الصلاة: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن سيف قال: سمعت مجاهدا قال: أتى ابن عمر ﵄ فقيل له: هذا رسول الله ﷺ دخل الكعبة، فقال ابن عمر: فأقبلت والنبي ﷺ قد خرج، فوجدت بلالا قائما بين الناس فسألت بلالا فقلت: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ فقال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين.
وأخرجه النسائي أيضا فقال: أخبرنا سليمان قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سيف بن سليمان فذكره.
وروينا ذلك في سنن النسائي أيضا من رواية السائب بن عمر، عن ابن مليكة، عن ابن عمر ﵄، أنه سأل بلالا ﵁: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ فقال: نعم، ركعتين بين الساريتين.
وروينا ذلك في "سنن الدارقطني" من رواية زهير بن معاوية عن ابن الزبير عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر ﵄ في حديث ابن الزبير، فسألت بلالا -﵁- فأخبرنا أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين.
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار ١/ ٣٩١. ٢ مسند أحمد ٦/ ١٥.
[ ١ / ١٩٠ ]
وروينا في الصحيحين ما يقتضي أن ابن عمر ﵄ نسي أن يسأل بلالا عن قدر صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وذلك من جملة حديث أخرجه البخاري عن شريح بن النعمان، عن فليج عن نافع عن ابن عمر، ﵄.
وأخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد وأبي الربيع والزهري وأبي كامل الجحدري كلهم، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع عن ابن عمر، ﵄.
وروينا ذلك أيضا في سنن ابن ماجه، وفي رواية ابن ماجة: ثم لمت نفسي أن لا أكون سألته يعني بلالا كم صلى رسول الله ﷺ.
فتكون هذه الأحاديث معارضة للأحاديث التي تقتضي أن ابن عمر ﵄ سأل بلالا ﵁ عن قدر صلاة النبي ﷺ هذه. وقد سبق ذكر هذه الأحاديث.
وذكر شيخنا العراقي في الجمع بين هذه الأحاديث ثلاثة احتمالات، واستبعد منها اثنين وسكت عن الثالث وهو على ما قال فما أنبأني به، ويحتمل أن ابن عمر وإن كان سمع من بلال أنه صلى ركعتين لم يكتف بذلك في أنه لم يصل غيرهما، لأن من صلى أربعا أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين، على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة كم هو المرجح في الأصول فلعل الذي نسي أن يسأل عنه بلالا ﵁ في أنه هل زاد على الركعتين شيئا أم لا؟ والله أعلم.
[ ١ / ١٩١ ]