وأما موضع الحجر: فهو ما بين الركن الشامي الذي يقال له العراقي والركن الغربي.
وأما صفته: فهو عرضة مرخمة لها جدار مقوس على صورة نصف دائرة.
وأما خبر عمارته: فذكر الأزرقي: أن المنصور العباسي لما حج دعا زياد بن عبيد الله الحارثي أمير مكة فقال: إني رأيت الحِجر حجارته بادية، فلا أصبحن حتى يصير جدار الحجر بالرخام. فدعا "زياد" بالعمال، فعملوه على السرج قبل أن يصبح، وكان قبل ذلك مبنيا بحجارة بادية ليس عليه رخام١.
قال: ثم كان المهدي بعد ذلك قد جدد رخامه.
وذكر الأزرقي أن رخام الحجر الذي عمل في زمن المهدي لم يزل فيه حتى رث في خلافة المتوكل، فقلع وألبس رخاما حسنا، وذكر أن ذلك في سنة إحدى وأربعين ومائتين٢ وأن ترخيمه في زمن المهدي في سنة إحدى وستين ومائة٣ ولم يذكر السنة التي أمر المنصور بعمل رخامه فيها. وأرخ ذلك بالسنة التي حج فيها المنصور، وهذا لا يفيد معرفة السنة التي فعل فيها ذلك، لأن المنصور حج وهو خليفة أربع حجات على ما ذكر العتيقي في تسمية "أمراء الموسم" في سنة أربعين ومائة٤، ثم في سنة أربع وأربعين ومائة٥، ثم في سنة سبع وأربعين ومائة٦، وتوجه إلى الحج في سنة ثمان وخمسين، فمات قبل أن يدخل مكة بعد أن أشرف عليها٧.
وإن كان حج بالناس في الثلاث السنين المتقدمة، لم يكن تعريف عمارته بالسنة التي حج فيها تعريفا تاما، والظاهر والله أعلم أن ذلك وقع في سنة أربعين ومائة، لأن في هذه السنة كان الفراغ من عمارة المسجد التي أمر بعملها المنصور على يدي زياد المذكور كما ذكره الأزرقي في ذلك٨.
وعمر المعتضد العباسي الحجر أيضا في خلافته في سنة ثلاث وثمانين ومائتين، على ما ذكره إسحق بن أحمد الخزاعي راوي تاريخ الأزرقي وألحقه فيه٩.
_________________
(١) ١ إتحاف الورى ٢/ ١٧٧. ٢ إتحاف الورى ٢ ٣١٥. ٣ إتحاف الورى ٢/ ٢٠٨، وأخبار مكة للأزرقي ١/ ٣١٣، ٣١٤. ٤ إتحاف الورى ٢/ ١٧٧، والمحبر "ص: ٣٥"، وتاريخ الطبري ٩/ ١٧٣، والكامل لابن الأثير ٥/ ٢٠٢، والنجوم الزاهرة ١/ ٣٤٠. ٥ إتحاف الورى ٢/ ١٨٠- ١٨٦، وسمط النجوم العوالي ٣/ ٢٥٣، والإعلام بأعلام بيت الله الحرام "ص: ٩١- ٩٥". ٦ إتحاف الورى ٢/ ١٨٨، وتاريخ الطبري ٩/ ٢٧٥، ومروج الذهب ٤/ ٤٠١، والكامل ٥/ ٢٣٥. ٧ يذكر أن المنصور حج أيضا سنة ١٥٢هـ. "مروج الذهب ٤/ ٤٠٢، والكامل لابن الأثير ٥/ ٢٤٥، وإتحاف الورى ٢/ ١٩١، والمحبر ص: ٣٥". ٨ إتحاف الورى ٢/ ١٧٧، ١٧٨. ٩ إتحاف الورى ٢/ ٣٥٣، وأخبار مكة للأزرقي ١/ ٣٢١.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وعُمِّرَ أيضا في أول خلافة الناصر العباسي، وذلك في سنة ست وسبعين وخمسمائة١.
وعمرَّه أيضا المستنصر العباسي.
وكذلك الملك المظفر صاحب اليمن.
وكذلك الملك الناصر محمد بن قلاوون، واسم هذين الملكين، واسم المستنصر العباسي مكتوب في رخام في أعلى الحجر. وفي الرخامة التي فيها خبر عمارة الملك الناصر أن ذلك سنة عشرين وسبعمائة٢.
وعمر أيضا في دولة الملك المنصور علي بن الملك الأشرف شعبان بن حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون بأمر الأميرين: بركة، وبرقوق، مدبري دولته، في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة٣.
ثم عمر في سنة إحدى وثمانمائة في العمارة التي أمر بعملها الملك الظاهر برقوق، واسمه مكتوب بسبب ذلك، وذلك في رخامة في أعلى الحجر، وفي فتحة الحجر الشرقية، وفي الفتحة الأخرى ذكر بعض ألقابه في تاريخ العمارة وهو مستهل شهر رمضان سنة إحدى وثمانمائة٤.
وعمر في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة كثير من رخامه عمارة جيدة بالجبس، لتداعي ذلك إلى السقوط، وذلك في رجب وشعبان من هذه السنة، وغالب ذلك في جُدُرِ الحِجر٥، ثم عمر كثير من رخامه في جداره في ظاهره، وباطنه، وأعلاه وفي أرض الحجر، وذلك في المحرم سنة ستة وعشرين وثمانمائة عمارة حسنة بالجص، بأمر متولي العمارة صاحبنا الأمير زين الدين مقبل القُدَيْدِي أثابه الله تعالى٦.
وقد خفي علينا شيء كثير من خبر عمارة الحجر من دولة المعتضد العباسي إلى خلافة الناصر، فإنه لا يبعد أن يخلو في هذا الزمن الطويل من عمارة، والله أعلم.
وممن عمره الوزير جمال الدين المعروف بالجواد، وذلك في عشر الخمسين وخمسمائة٧ ظنا والله أعلم.
وأما ذرعه: فقد ذكره الأزرقي وابن جماعة، فقال الأزرقي فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: عرضه من جدار الكعبة من تحت الميزاب إلى جدار الحجر: سبعة عشر ذراعا.
_________________
(١) ١ إتحاف الورى ٢/ ٥٤٤. ٢ إتحاف الورى ٣/ ١٧٢. ٣ إتحاف الورى ٣/ ٣٣٤. ٤ إتحاف الورى ٣/ ٤١٢. ٥ إتحاف الورى ٣/ ٥٦٦. ٦ إتحاف الورى ٣/ ٥٩٨ز ٧ إتحاف الورى ٢/ ٥١٦.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وثمانية أصابع، وذرع ما بين بابي الحجر: عشرون ذراعا، وعرضه: اثنان وعشرون ذراعا، وذرع الجدار من داخله في السماء: ذراع وأربعة عشر إصبعا، وذرعه مما يلي، الباب الذي يلي المقام: ذراع وعشرة أصابع، وذرع جدار الحجر الغربي في السماء: ذراع وعشرون إصبعا، وذرع طول الحجر من خارج مما يلي الركن الشامي، ذراع وستة عشر إصبعا، وطوله من وسطه في السماء: ذراعان وثلاثة أصابع١، وعرض الجدار: ذراعان إلا إصبعين٢، وذرع باب الحجر الذي يلي المشرق مما يلي المقام: خمس أذرع وثلاثة أصابع، وذراع باب الحجر الذي يلي المغرب: سبعة أذرع، وذرع تدوير الحجر من داخله، ثمانية وثلاثون ذراعا، وذرع تدوير الحجر من خارج: أربعون ذراعا وستة أصابع٣ انتهى كلام الأزرقي.
وأخبرني خالى عن ابن جماعة قال: ذرع دائر الحجر من داخله من الفتحة إلى الفتحة: واحد وثلاثون وثلث. ومن خارجه من الفتحة إلى الفتحة: سبعة وثلاثون ونصف وربع وثمن، ومن الفتحة إلى الفتحة على الاستواء: سبعة عشر ذراعا.. ومن صدر دائر الحجر من داخله إلى جدار حجر البيت تحت الميزاب: خمسة عشر ذراعا. وعرض جدار الحجر: ذراعان وثلث ذراع وثمن ذراع. وارتفاعه عن أرض المطاف مما يلي الفتحة التي من جهة المقام: ذراع وثلثا ذراع وثمن ذراع. وارتفاعه مما يلي الفتحة الأخرى، ذراع ونصف وثلث وثمن. وارتفاعه من وسطه: ذراع وثلثا ذراع. وسعة ما بين جدار الحجر والشاذروان عند الفتحة التي من جهة المقام: أربعة أذرع وثلث. والخارج من جدار الحجر في هذه الجهة عن مسامته الشاذروان: نصف ذراع وثمن. وسعة الفتحة الأخرى: أربعة أذرع ونصف. والخارج من جدار الحجر في هذه الجهة عن مسامته الشاذروان: نصف ذراع وثلث ذراع. كل ذلك حرر بذراع القماش المستعمل في زماننا بمصر٤ انتهى.
وقد حررنا أمورا تتعلق بالحجر، فكان ما بين وسط جدار الكعبة الذي فيه الميزاب إلى مقابله من جدار الحجر: خمسة عشر ذراعا، وكان عرض جدار الحجر من وسطه: ذراعين وربع. وسعة فتحة الحجر الشرقية: خمسة أذرع. وكذلك سعة الغربية بزيادة قيراط. وسعة ما بين الفتحتين من داخل الحجر، سبعة عشر ذراعا وقيراطان، وارتفاع جدار الحجر من داخله عند الفتحة الشرقية: ذراعان إلا قيراطا. ومن خارجه عندها: ذراعان وقيراطان. وارتفاع جدار الحجر داخله ومن وسطه: ذراعان إلا ثلث. ومن
_________________
(١) ١ يضيف الأزرقي هنا قوله: "الرخام من ذلك: ذراع وأربعة عشر إصبعا". ٢ في أخبار مكة للأزرقي ١/ ٣٢٠، ٣٢١، إضافات اختصرها "الفاسي" هنا. ٣ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٣٢٠ن ٣٢١. ٤ هداية السالك ٣/ ١٣٣٤، ١٣٣٥.
[ ١ / ٢٨٧ ]
خارجه: ذراعان وقيراطان، وارتفاع جدار الحجر من داخله عند الفتحة الغربية: ذرعان إلا قيراطا. ومن خارجه عندها: ذراعان وثمن ذراع، كل ذلك بذراع الحديد.
وذكر ابن خرداذبه في ذرع دور الحجر ما يستغرب، لأنه قال: وذرع دور الحجر: خمسون ذراعا١ انتهى.
وإنما كان هذا مستغربا لمخالفته ما ذكره الأزرقي في ذلك٢، فإن ما ذكره ابن خرداذبه يزيد على ما ذكره الأزرقي عشرة أذرع.
_________________
(١) ١ المسالك والممالك "ص: ١٣٣". ٢ أخبار مكة للأزرقي ١/ ٣٢١.
[ ١ / ٢٨٨ ]