ورد عمر بن الخطاب ﵁ له إلى موضعه وهذا حين غيره السيل عنه:
روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام: هو هذا الذي هو به اليوم، وهو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي ﷺ، وأبي بكر وعمر ﵄ إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر، فجُعل في وجه الكعبة، حتى قدم عمر ﵁ فرده بمحضر من الناس، وذكر الأزرقي ما يوافق قول ابن أبي مليكة في موضع المقام عن عمرو بن دينار، وسفيان بن عيينة١.
وروى الفاكهي، عن عمرو بن دينار، وسفيان بن عيينة، مثل ما حكاه عنهما الأزرقي بالمعنى٢.
ونقل المحب الطبري في "القرى" عن مالك ما يخالف ذلك، لأنه قال: وقال: مالك في المدونة: كان المقام في عهد إبراهيم ﵇ في مكانه اليوم، وكان أهل الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر، فلما ولي عمر ﵁ رده بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قيس بها حين أخروه انتهى.
ثم قال المحب: وفي هذا مناقضة ظاهرة لما ذكره الأزرقي عن ابن أبي مليكة، وسياق لفظ حديث جابر ﵁ الصحيح الطويل، وما روي نحوه يشهد لترجيح قول ابن أبي مليكة، وذلك قوله: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ
_________________
(١) ١ أخبار مكة ٢/ ٣٣. ٢ أخبار مكة للفاكهي ١/ ٤٥٤، ٤٥٥.
[ ١ / ٢٧٤ ]
مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين الكعبة، والمتبادر إلى الفهم عند سماع هذا اللفظ أنه لم يكن حينئذ ملصقا بالبيت، لأنه لا يقال في العرف تقدم إلى كذا فجعله بينه وبين كذا إلا فيما يمكن أن يقدمه أمامه وأن يخلفه خلفه، وإن كان ملصقا تعين التقديم لا غير١ انتهى باختصار.
وقد ذكرنا في أصل هذا الكتاب بقية كلام المحب وكلاما لمالك ﵀ في المعنى وبينا ما في الصواب، والله أعلم.
وذكر موسى بن عقبة في "مغازيه"، وأبو عروبة في "الأوائل" له، والفاكهي في كتابه ما يوافق ما ذكره مالك في أن المقام كان في وجه الكعبة لاصقا، في الجاهلية.
فأما موسى بن عقبة فإنه قال فيما رويناه عنه: وكان زعموا أن المقام لاصق في الكعبة فأخره رسول الله ﷺ في مكانه هذا انتهى. ذكر ذلك في خبر فتح مكة.
وأما أبو عروبة: فإنه قال فيما رويناه عنه: وكان زعموا أن المقام لاصق في الكعبة فأخره رسول الله ﷺ في مكانه هذا انتهى. ذكر ذلك في خبر فتح مكة.
وأما أبو عروبة: فإنه قال فيما رويناه عنه: حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: كان المقام إلى جنب البيت، وكانوا يخافون عليه من السيول، وكان الناس يصلون خلفه انتهى باختصار لقصة رد عمر ﵁ للمقام إلى موضعه الآن، وما كان بينه وبين المطلب بن أبي وداعة السهمي في موضعه الذي حرره المطلب.
وقال أبو عروبة أيضا: حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج قال: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر ﵁ أول من رفع المقام فوضعه في موضعه الآن، وإنما كان في قُبُل الكعبة انتهى.
وأما الفاكهي فقال: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثنا عبد الجبار بن سعيد، عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن سعيد، عن نوفل بن معاوية الدئلي قال: رأيت المقام في عهد عبد المطلب ملصقا بالبيت مثل المهاة.
وروى الفاكهي بسنده إلى عبد الله بن سلام خبرا فيه أذان إبراهيم على المقام للناس بالحج، وفيه: فلما فرغ أمر بالمقام فوضعه قبلته فكان يصلي إليه مستقبل الباب.
وفيه: أن النبي ﷺ قدم مكة من المدينة فكان يصلي إلى المقام وهو ملصق بالكعبة حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
وقال الفاكهي: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثنا يحيى بن محمد بن ثوبان، عن سليم، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه قال: كان
_________________
(١) ١ القرى "ص: ٣٤٥، ٣٤٦". ٢ أخبار مكة للفاكهي ١/ ٤٤٢.
[ ١ / ٢٧٥ ]
المقام في وجه الكعبة، وإنما قام إبراهيم عليه حين ارتفع البنيان فأراد أن يشرف على البناء قال: فلما كثر الناس خشي عمر بن الخطاب ﵁ أن يطئوه بأقدامهم فأخرجه إلى موضعه الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان قدام الكعبة.
وقال الفاكهي: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال عبد العزيز: أراه عن عائشة ﵂ أن المقام كان في زمن النبي ﷺ إلى سقع البيت.
قال الفاكهي: وقال بعض المكيين: كان بين المقام وبين الكعبة ممر العنز١ انتهى.
وليس فيما ذكره مالك، وابن عقبة وأبو عروبة، والفاكهي من كون المقام كان عند الكعبة بيان موضعه عند الكعبة إلا أن في الخبر الذي رواه الفاكهي عن سعيد بن جبير ما يفهم منه تقريب بيان موضع المقام عند الكعبة، لأن فيه ما يقتضي أن موضعه الآن حذاء موضعه الذي كان به قدام الكعبة٢.
والمقام الآن في جوف الصندوق الذي في جوف الشبابيك الأربعة المتقدم ذكرها، ويحاذي الصندوق الذي فيه المقام من وجه الكعبة ذراعان بالحديد ونحو خمسة قراريط بذراع الحديد أيضا المتقدم ذكره، والذراعان هما نصف الحفرة المرخمة الملاصقة لشاذروان الكعبة، ونصف الحفرة المشار إليه هنا هو النصف الذي يلي الحجر بسكون الجيم وما زاد على الذراعين من القراريط التي هي كمال ما يحاذي الصندوق الذي فيه المقام وهي إلى طرف الحفرة مما يلي الحجر بسكون الجيم وإذا كان كذلك فيكون موضع المقام عند الكعبة تخمينا، والله أعلم.
وفيما بين نصف الحفرة مما يلي الحجر بسكون الجيم والقراريط الزائدة على الذراعين، لأن ذلك يحاذي الصندوق الذي فيه المقام الآن، وإذا كان كذلك فهو يوافق قول من قال إن موضع المقام الآن حذاء موضعه عند الكعبة، والله أعلم.
وذكر الفقيه محمد بن سراقة العامري في كتابه "دلائل القبلة" في موضع المقام عند الكعبة ما يخالف قول من قال إن موضعه اليوم بحذاء موضعه عند الكعبة، ونص ما ذكره ابن سراقة: ومن الباب يعني باب البيت إلى مصلى آدم ﵇ حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه التوبة، وهو موضع الخلوق من إزار الكعبة: أرجح من تسعة أذرع.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للفاكهي ١/ ٤٥٥، وأخبار مكة للأزرقي ٢/ ٣٥ من طريق: ابن أبي عمر، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه، ولم يقل عن عائشة. وسقع البيت ناحيته. ٢ أخبار مكة للفاكهي ١/ ٤٥٤.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وهناك كان موضع مقام إبراهيم ﵇، وصلى النبي ﷺ عنده حين فرغ من طوافه ركعتين وأنزل الله عليه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثم نقله ﷺ إلى الموضع الذي هو فيه الآن، وذلك على عشرين ذراعا من الكعبة لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف، حين كثر الناس وليدور الصف حول الكعبة ويرى الإمام من كل وجه، ثم حمله السيل في أيام عمر ﵁ وأخرجه من المسجد، فأمر عمر ﵁ برده إلى موضعه الذي وضعه رسول الله ﷺ فيه، وبين موضع الخلوق وهو مصلى آدم وبين الركن الشامي: ثمانية أذرع انتهى.
وقد سبق ما ذكرناه عن ابن سراقة في الباب الثامن من هذا الكتاب عند بيان مصلي آدم ﵇ وهذا يقتضي اتخاذ موضع مصل آدم ﵇، وموضع الخلوق، وموضع المقام عند الكعبة، وهو على مقتضى ما ذكر ابن سراقة في ذرع ما بينه وبين ركن الكعبة الذي يلي الحجر بسكون الجيم ويكون على ذراعين وثلثي ذراع بالحديد طرف الحفرة إلى جهة الحجر بسكون الجيم وعلى هذا فيكون موضع المقام عند الكعبة خارجا عن الحفرة: في مقدار ذراعين وثلثي ذراع، وعلى مقتضى ما قيل من أن موضعه اليوم حذاء موضعه عند الكعبة، يكون موضعه عند الكعبة في مقدار نصف الحفرة التي تلي الحجر بسكون الجيم والله أعلم بالصواب.
وأما الموضع الذي ربط فيه المقام في وجه الكعبة: بأستارها إلى أن حج عمر بن الخطاب ﵁ فرده، وذلك أن يصد الطائف من الحجر الشامي في حجارة شاذروان الكعبة إلى أن يبلغ الحجر السابع، فإذا بلغ الحجر السابع فهو موضعه، وإلا فهو التاسع من حجارة الشاذروان أيضا١ انتهى.
وذكر الفاكهي في موضع آخر من كتابه ما يقتضي أن هذا علامة للموضع الذي ذكر عبد الله بن السائب المخزومي أنه رأي النبي ﷺ يصلي عنده يوم فتح مكة، وذكر الأزرقي مثل ذلك، والله أعلم.
وما ذكره ابن سراقة من أن النبي ﷺ رد المقام إلى موضعه الآن، يشهد له ما ذكره ابن عقبة، وما ذكره يخالف ما ذكره سعيد بن جبير، وعطاء، وغيرهم من أن عمر ﵃ أول من رده إلى موضعه الآن.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ٣٥.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن الولاة حولته إلى مكانه هذا، وهذا يفهم أن الذي رده غير عمر ﵁ فيتحصل فيمن رده إلى موضعه الآن ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النبي ﷺ.
والثاني: أنه عمر.
والثالث: غبر عمر ﵁، والله أعلم.
والمشهور أنه عمر، وردّ الخبر الذي ذكره الفاكهي عن سعيد بن جبير ما يفهم أن رد عمر ﵁ للمقام إلى موضعه الآن لئلا تطؤه الناس، والمعروف أن رد عمر ﵁ له إلى موضعه الآن لكون السيل المعروف بسيل أم نهشل أزاله عن موضعه الأول، والله أعلم.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن رجلا من آل عائذ بن عبد الله بن مخزوم قال لعمر رضي لله عنه إنه يعلم موضع المقام الأول، والمعروف أن الذي قال ذلك لعمر هو المطلب بن أبي وداعة السهمي، كما ذكر الأزرقي١، والفاكهي، وغيرهما والله أعلم.
وما ذكره ابن سراقة في ذرع ما بين موضع المقام الآن ووجه الكعبة لا يستقيم، لنقص ما ذكره ابن سراقة في ذلك عما ذكره الأزرقي، لأن فيه نقصا كثيرا، والذراع الذي حرر به ابن سراقة ذراع اليد، وكذلك الأزرقي، وفيما ذكره ابن سراقة نظر من غير هذا الوجه.
وذكر ابن جبير في أخبار "رحلته" ما يقتضي أن الحفرة المرخمة التي في وجه الكعبة علامة موضع المقام في عهد الخليل ﵇ إلى أن رده النبي ﷺ إلى الموضع الذي هو الآن مصلى٢. وفي هذا نظر، لأن موضع المقام الآن هو موضعه في عهد الخليل ﵇ من غير خلاف عُلِمَ في ذلك، وأما الخلاف ففي موضعه اليوم، هل هو موضعه في زمن النبي ﷺ كما ذكر ابن أبي مليكة، أو لا كما قال مالك، والله أعلم.
وفي كلام ابن جبير نظر من وجه آخر بيناه في أصل هذا الكتاب، والله أعلم.
ولم أر في تاريخ الأزرقي ذكر السَّنة التي رد فيها عمر ﵁ المقام إلى موضعه هذا لما غيره عنه السيل٣، وهو سنة سبع عشرة من الهجرة على ما ذكره ابن جرير، وكذا ابن الأثير في "كامله"٤، وقيل: ثماني عشرة، ذكره ابن حمدون في "تذكرته"، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ٣٣. ٢ رحلة ابن جبير "ص: ٦٢". ٣ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ٣٥. ٤ تاريخ الطبري ٤/ ٦٨، وإتحاف الورى ٢/ ٧، والكامل لابن الأثير ٢/ ٢٢٧، والذهب المسبوك "ص: ١٤"، وأخبار مكة للأزرقي ٢/ ٦٨، ٦٩.
[ ١ / ٢٧٨ ]