روينا في تاريخ الأزرقي عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه قال: رأيت قريشا في الجاهلية يفتحون الكعبة يوم الاثنين والخميس١، وذكر ذلك الفاكهي، وذكر أيضا أنها كانت تفتح في الجاهلية يوم الجمعة لأنه قال: حدثنا أحمد بن صالح بن سعيد عن محمد بن عمرو السلمي، حدثني عبد الله بن يزيد عن سعيد بن عمرو عن أبيه قال: رأيت قريشا في الجاهلية يفتحون البيت يوم الاثنين ويوم الجمعة٢ انتهى.
وروينا فتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس: عن عثمان بن طلحة الحجبي من طريق ابن سعد.
وذكر ابن جبير في أخبار رحلته وكانت سنة تسع وسبعين وخمسمائة أن الكعبة تفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة إلا في رجب فتفتح كل يوم٣ انتهى.
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ١/ ١٧٤. ٢ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٣٣. ٣ رحلة ابن جبير: "ص: ١١٣.
[ ١ / ١٧٦ ]
قلت: وفتحها يوم الجمعة مستمر إلى الآن، وفتحها يوم الاثنين متروك، إلا أنه وقع في شهر رمضان، وشوال، وذي القعدة، من سنة إحدى وثمانمائة١، واختص النساء بدخولها في هذا اليوم لأمر أوجب ذلك.
وتفتح الكعبة غير يوم الجمعة أيضا، وذلك في أوقات متعددة من كل سنة، منها: في بكرة اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من كل سنة، ومنها: في بكرة اليوم التاسع والعشرين من رجب من كل سنة، ويختص النساء بدخولها في هذا اليوم أكثر من الرجال، وذلك قبل غسلها.
ومنها: في بكرة يوم عيد الفطر.
ومنها: في بكرة السادس والعشرين من ذي القعدة، ولا يدخلها في هذا اليوم إلا الأعيان من الناس، وفتحها في هذا اليوم لأجل غسلها.
ومنها: في زمن الموسم وذلك في بعض ليالي الثماني الأول من ذي الحجة من كل سنة، وفي بعض هذه الأيام.
وفتحها في هذه الأوقات: لأجل البر الذي تأخذه الحجبة ممن يرغب في دخولها، ثم لا تفتح فتحا عاما إلا بعد انقضاء ذي الحجة في أول جمعة من السنة التي تلي ذلك، إلا أنهم في سنة أربع عشرة وثمانمائة فتحت الكعبة بعد سفر الحجاج من مكة، وقبل دخول سنة خمس عشرة وصنع مثل ذلك الحجبة في سنة خمس عشرة، وذلك للرغبة في أخذ البر من الداخلين إليها.
وذكر ابن جبير من أوقات فتح الكعبة التي أشرنا إليها فتحها في اليوم التاسع والعشرين من رجب، وذكر أنها تغسل في ثاني هذا اليوم لأجل ما لعله أن يكون وقع من حدث الصغار الذين يدخلون مع أمهاتهم في اليوم التاسع والعشرين من رجب، وذكر أن للنساء احتفالا كثيرا في دخول الكعبة في هذا اليوم٢.
وذكر ابن جبير فتح الكعبة أيضا في يوم عيد الفطر بكرة٣ ولم يذكر فتحها في السادس والعشرين من ذي القعدة، وذكر أنها تفتح في السابع والعشرين من ذي القعدة فتحا عاما، وأن في هذا اليوم شمرت كسوته من جوانبها الأربعة التشمير الذي يسمونه إحرام الكعبة، ثم قال: ولا تفتح من حين إحرامها إلا بعد الوقفة، ثم قال بعد أن ذكر أن كسوة الكعبة وضعت على سطحها في يوم النحر وأسبلت عليها في يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المذكور: وشمرت أذيالها صونا لها من أيدي الأعاجم، وفي هذه الأيام
_________________
(١) ١ إتحاف الورى ٣/ ٤١٢. ٢ رحلة ابن جبير "ص: ١١٣، ١١٥". ٣ رحلة ابن جبير "ص: ١٣٤".
[ ١ / ١٧٧ ]
يفتح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العراقيين والخراسانيين، وسواهم من الواصلين مع الأمير العراقي١ انتهى.
وفي هذا دلالة على أن الكعبة تفتح في أيام الموسم وهو في زمن ابن جبير بعد الحج، لأن الحجاج العراقيين ما يصلون غالبا إلا موافين ليوم عرفة.
ولنختم هذه الترجمة بحكم سدانة الكعبة وبحكم ما يأخذه سدنتها ممن يدخلها، وللمحب الطبري في ذلك كلام شاف فنذكره: ونص كلامه: الحجابة منصب بني شيبة، ولاه رسول الله ﷺ إياها، كما ولى السقاية للعباس ﵃ ثم قال: "وسدانة البيت خدمتهم"، وتولي أمره وفتح بابه وإغلاقه، يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادن، والجمع سدنة، ثم قال: قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم. قالوا: وهي ولاية رسول الله ﷺ، وأعظم "مالك" رحمه الله تعالى أن يشرك معهم غيرهم٢.
قلت: ولا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته ولازموا في خدمته الأدب، أما إذا لم يحفظوا حرمته فلا يبعد أن يجعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته، وربما تعلق الجاهل الغبي الرأي المعكوس الفهم بقوله: "وكلوا بالمعروف" فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك، وأنه من أشنع البدع وأقبح الفواحش، وهذه اللفظة إن صحت رواية فيستدل بها على إقامة الحرمة، لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف، وإنما الإشارة والله أعلم إلى ما يقصدون به من البر والصلة من بيت المال على ما يقومون به من خدمته، والقيام بمصالحه، فلا يحل لهم منه إلا قدر ما يستحقونه، والله أعلم.
ثم قال بعد أن ذكر أحاديث تتعلق بالحجر بسكون الجيم: وفيها ما يقتضي أن سبب رفع قريش لباب الكعبة ليمنعوا من شاءوا ويدخلوا من شاءوا، وفي قوله: "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا"، وقوله: "وألصق بابها بالأرض"، دلالة على أن الناس غير محجوبين عن البيت، وأنه لا يحل منعهم، وما يأخذه السدنة على ذلك لا يطيب لهم إلا بطيب نفس من الدافعين، وإنما تجب أجرتهم على ما يتولونه من القيام بمصالحه من بيت المال.
قال أبو العالية الرياحي ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ [الأنفال: ٤١] قال: السهم المضاف إلى الله تعالى إنما هو لبيت الله تعالى، وأكثر أهل العلم على أنه أضاف الخمس إلى نفسه لشرفه، وسهم الله تعالى، وسهم رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ رحلة ابن جبير "ص: ١٤٤". ٢ القرى "ص: ٥٠٦".
[ ١ / ١٧٨ ]
واحد انتهى. ذكر ذلك مفرقا في موطنين من الباب الثامن والعشرين من كتابه القرى١ وعزا المحب الطبري الخبر الذي فيه، "وكلوا بالمعروف" إلى سنن سعيد بن منصور، وهو في طبقات محمد بن سعد كاتب الواقدي من حديث عثمان بن طلحة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في الباب السابع والثلاثين من هذا الكتاب إن شاء الله.
والأصل في غسل الكعبة لتطهيرها في الجملة، ذكر الفاكهي ما يدل له، لأنه قال في ترجمة ترجم عليها بقوله: ذكر أذان بلال بن رباح على الكعبة ورقيه فوقها يوم الفتح للأذان حدثني محمد بن علي المروزي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بلالا فرقي على ظهر الكعبة، فأذن الصلاة، وقام المسلمون فتجرروا في الأزر وأخذوا الدلاء، وارتجزوا على زمزم، فغسلوا الكعبة ظهرها وبطنها، فلم يدعوا أثرا من آثار المشركين إلا محوه وغسلوه٢ انتهى.
وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذه الترجمة لما وقع فيها من غسل الحجبة للكعبة، ويكون هذا الخبر كالشاهد بذلك، والله أعلم.
_________________
(١) ١ القرى "ص: ٥٠٨". ٢ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٢١.
[ ١ / ١٧٩ ]