أخبرني أحمد بن عمر البغدادي بقراءتي عليه بالقاهرة، والقاضي المفتي أبو بكر بن الحسين الشافعي بقراءتي عليه بطيبة، كلاهما عن الحافظ أبي الحجاج المزي، قال: أخبرنا الدرجي، قال: أنبأنا الصيدلاني، قال: أخبرتنا فاطمة الجوزدانية قالت: أخبرنا ابن ريذة، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن عبد الله بن المؤمل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محيصن، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من دخل البيت فصلى فيه دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له" ١. وفي لفظ: "من دخل البيت خرج مغفورا له" ٢.
وروى الفاكهي أخبارا في فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها، لأنه قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عمر، في دخول البيت دخول في حسنة وخروج من سيئة مغفورا له.
حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، وحدثنا أبو بشر، حدثنا ابن أبي الصيف، حدثنا إسماعيل بن كثير أبو هاشم جميعا عن مجاهد، قال: دخول البيت حسنة وخروجه خروج من سيئة مغفورا له٣.
_________________
(١) ١ أخرجه: البيهقي في سننه ٥/ ١٥٨. ٢ رواه الطبراني في الكبير والبزار بنحوه، وفي سنده "عبيد الله بن المؤمل" منفرد به "وثقه ابن سعد وغيره، وفيه ضعف" ذكر ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد٣/ ٢٩٣، وحسنه السيوطي في الجامع الصغير، والمناوي في الفيض ٦/ ١٢٤. ٣ أخبار مكة للفاكهي ٢/ ٢٩٢، وذكره السيوطي في الجامع الكبير عن ابن عباس، وعزاه للطبراني والبيهقي في السنن.
[ ١ / ٢١٢ ]
وقال الفاكهي أيضا: حدثني أحمد بن محمد القرشي، عن يوسف بن خالد، قال: حدثنا غالب القطان، عن هند بن أوس قال: حججت فلقيت ابن عمر، فقلت: إني أقبلت من الفج العميق أردت البيت العتيق، وأنه ذكر لي أن من أتى بيت المقدس يصلى فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال ابن عمر: رأيت البيت من دخله فصلى فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه١.
وقال الفاكهي: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الغازيان، قال: حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن عطاء قال: لأن أصلي ركعتين في البيت أحب إلي من أن أصلي أربعا في المسجد الحرام٢.
وقال الفاكهي: حدثنا أحمد بن حميد، عن الحسين بن الوليد، قال: حدثنا عباد بن راشد، عن الحسن قال: الصلاة في الكعبة تعدل مائة ألف صلاة انتهى.
وروينا عن الحسن البصري في رسالته المشهورة قال: قال رسول الله ﷺ: "من دخل الكعبة، دخل في رحمة الله ﷿، وفي حمي الله تعالى، وفي أمن الله ﷿، ومن خرج خرج مغفورًا له" انتهى.
وما أحسن ما أنشده الحافظ أبو طاهر السلفي لنفسه بعد دخول الكعبة:
أبعد دخول البيت والله ضامن بنفي قبيح، والخطايا الكوامن
فحاشاه، كلا، بل تسامح كلها ويرجع كل، وهو جذلان آمن
وقد اتفق الأئمة الأربعة على استحباب دخول البيت، واستحسن مالك كثرة دخولها، لأن في مناسك ابن الحاج قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف، عن مالك: أنه سئل عن الصلاة في البيت وعن دخوله كلما قدر عليه الداخل، فقال له: ذلك واسع حسن انتهى.
وروينا ذلك في "تاريخ الأزرقي" عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب- أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على ما قيل وصدقة بن يسار، ووردت أخبار استدل بها بعض العلماء على عدم استحباب دخول الكعبة، وقد ذكرها المحب الطبري مع الجواب عنها في كتاب "القرى"٣، وذكرنا ذلك بنصه في أصل هذا الكتاب، ونشير هنا لشيء من ذلك: أنبأنا عمن أنبأه المحب الطبري قال: "باب دخول الكعبة" وهو الباب الثامن والعشرون من كتابه "القرى"، حجة من قال: لا يستحب، عن عائشة قالت: خرج رسول
_________________
(١) ١ أخبار مكة للفاكهي ٢/ ٩٠. ٢ أخبار مكة للفاكهي ٢/ ٢٩٢. ٣ القرى "ص: ٤٩٤".
[ ١ / ٢١٣ ]
الله ﷺ من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع إلى وهو حزين، فقلت له: فقال: "إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي". أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، وأبو داود١.
وقد استدل بهذا الحديث من كره دخول البيت، ولا دلالة فيه، بل نقول دخوله ﷺ دليل على الاستحباب، وتمنيه عدم الدخول فقد علله بالمشقة والشفقة على أمته، وذلك لا يرفع حكم الاستحباب.
ثم قال المحب: وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس، قال له رجل: أدخل رسول الله ﷺ الكعبة؟ قال: لا. أخرجاه وبوب عليه البخاري، "باب من قال: لم يدخل الكعبة"، وأجاب المحب الطبري عن هذا الحديث بأن عدم دخول النبي ﷺ الكعبة في عمرته هذه يجوز أن يكون لعذر، قال: ولعله تركه شفقة على أمته، كما دل عليه الحديث المتقدم٢ انتهى.
قلت: هذا الاحتمال بعيد، والاحتمال الأول هو الصواب، لموافقته ما ذكره العلماء في سبب كون النبي ﷺ لم يدخل الكعبة في عمرته المشار إليها، وهو عدم تمكنه ﷺ من أن يزيل من الكعبة ما كان فيها من الأوثان والصور، لكون مكة في أيدي المشركين وحكمهم إذا ذاكروا، والله أعلم.
وأما ما يطلب في الكعبة من الأمور التي صنعها النبي ﷺ فهو: التكبير والتسبيح والتهليل والتحميد والثناء على الله ﷿، والدعاء والاستغفار، لأحاديث وردت في ذلك، منها: ما رويناه عن أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع قِبَل البيت ركعتين وقال: "هذه القبلة"، أخرجه البخاري ومسلم٣.
وفي مسلم عن ابن جريج قلت لعطاء: ما نواحيه؟ أفي زواياه؟ قال: بل في كل قبلة من البيت.
وعند النسائي في هذا الحديث: سبح في نواحيه وكبر٤.
_________________
(١) ١ أخرجه: أحمد في مسنده ٦/ ١٥٣، والترمذي "٣/ ٢٢٣"، وابن ماجه "٣٠٦"، المستدرك ١/ ٤٧٩، والبيهقي في السنن ٥/ ١٥٩. ٢ القرى "ص: ٤٩٥، ٤٩٦". ٣ أخرجه: البخاري "٢/ ٥٠"، ومسلم "استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره: ٤/ ٩٦". ٤ سنن النسائي " "، مسند أحمد ١/ ٢١٠، ٤/ ٢.
[ ١ / ٢١٤ ]
وقوله: قِبل البيت، وهو بضم القاف والباء الموحدة، ويجوز إسكان الباء كما في نظائره، ومعناه على ما قيل: ما استقبلك فيها، وقيل: مقابلها.
وفي معنى قوله ﷺ: "هذه القبلة" ثلاثة احتمالات: أولها: أن معنى ذلك أن أمر القبلة قد استقر على استقبال هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم وصلوا إليه أبدا.
والاحتمال الثاني: أن معنى ذلك أن النبي ﷺ علمهم سنة موقف الإمام، وأنه يقف في وجه الكعبة دون أركانها وجوانبها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزية، وهذان الاحتمالان أبداهما الإمام أبو سليمان الخطابي الخ.
والاحتمال الثالث: أبداه الإمام النووي في "شرح مسلم" بعد ذكره لهذين الاحتمالين، وهو أن معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله لا كل الحرم ولا مكة، ولا كل المسجد الذي حول الكعبة بل هي الكعبة نفسها فقط، والله أعلم انتهى.
ومعنى قول عطاء: بل في كل قبلة من البيت: أي في كل قبلة من البيت قبلة، أو كل موضع من البيت قبلة، ذكر ذلك المحب الطبري، قال: ويكون قد دار النبي ﷺ في البيت جميعه داعيا ذاكرًا١.
ومن الأحاديث الواردة في المعنى الذي أشرنا إليه: ما رويناه في "سنن النسائي" أيضا من حديث أسامة بن زيد أنه دخل مع النبي ﷺ البيت، فمضى يعني النبي ﷺ حتى إذا كان بين الأسطوانتين اللتين يليان باب الكعبة جلس فحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم قام حتى أتى ما استقبل من دبر البيت فوضع وجهه وخده عليه، فحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله والمسألة والاستغفار ثم خرج، انتهى باختصار.
وروينا من حديثه أيضا في "سنن النسائي" قال: دخلت مع رسول الله ﷺ البيت فجلس فحمد الله وأثنى عليه وكبر وهلل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه، ثم هلل وكبر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج انتهى باختصار، وأخرجه أحمد أيضا.
وروينا عن ابن عباس قال: دخل النبي ﷺ الكعبة وفيها ست سوار، فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل. أخرجه البخاري ومسلم٢ وأحمد بن حنبل.
_________________
(١) ١ القرى "ص ٤٩٩، ٥٠٠". ٢ صحيح البخاري ١/ ٣٧٥ كتاب الحج، مسلم "الحج: ١٣٣٠".
[ ١ / ٢١٥ ]
وروينا في مسنده١ عن الفضل بن عباس: أن رسول الله ﷺ قام في الكعبة وسبح وكبر ودعا الله ﷿ واستغفر ولم يركع ولم يسجد.
وروينا عن الفضل أيضا: أنه كان مع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة، قال: فلم يصل فيها ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين ثم جلس يدعو انتهى.
ولا تضاد بين قوله في هذا الحديث: "وقع ساجدا"، وبين قوله في الحديث الذي قبله: "ولم يسجد" لاحتمال أن يكون أراد بقوله: ولم يسجد، أي: في صلاة، ويؤيده قوله: "ولم يركع" والركوع إنما يكون في صلاة، ويكون سجود النبي ﷺ في الكعبة على تقدير ثبوت الحديث المتضمن لذلك شكرا لله تعالى، وقد أشار المحب الطبري، إلى التوفيق بين هذين الحديثين بما ذكرناه٢، والله أعلم.
ومن الأمور التي قيل إن النبي ﷺ صنعها في الكعبة، صبه الماء على جسده ﷺ، ذكر ذلك الفاكهي، لأنه قال: حدثنا سلمة بن شبيب أبو عبد الرحمن، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: سمعت أبا قدامة عامر الأحول يقول: إن رسول الله ﷺ دعا بدلو من ماء فصبه عليه في الكعبة انتهى.
وهذا غريب جدا، ولذا ذكرناه، والله أعلم بصحته، ولا أعلم أحدا من أهل العلم قال باستحبابه٣، والله أعلم.
ومن الأمور التي صنعها النبي ﷺ في الكعبة على ما قيل: إنه ألصق بها بطنه وظهره كما رويناه في معجم ابن قانع، لأنه قال: أخبرنا حسين بن اليماني، قال: حدثنا سهل بن عثمان العسكري، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن عبد الرحمن الزجاج قال: أتيت شيبة بن عثمان فقلت: يا أبا عثمان، زعموا أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة فلم يصل، فقال: كذبوا لقد صلى بين العمودين ركعتين ثم ألصق بها بطنه وظهره انتهى.
وقد أشار شيخنا الحافظ العراقي إلى استحباب هذا الفعل في الكعبة، وبدل لذلك ما رويناه في "مسند الشافعي" عن عروة بن الزبير أنه كان إذا طاف بالبيت استلم الأركان كلها وألصق بطنه وظهره وجنبه بالبيت الخ.
ورأيت لغير واحد من العلماء ما يقتضي عدم استحباب ذلك، لأن المحب الطبري قال في "القرى": ما جاء في كراهية أن يلصق ظهره إلى الكعبة:" عن عطاء، وقد سئل
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/ ٢١٠. ٢ القرى "ص: ٥٠١". ٣ أخبار مكة للفاكهي ٥/ ٢٣٤.
[ ١ / ٢١٦ ]
عن ذلك فكرهه، وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يسند ظهره، أخرجهما سعيد بن منصور انتهى.
ورأيت أيضا لإمامنا ما يقتضي أن ذلك غير مطلوب، لأنه قال: لا يعتنق شيئا من أساطينه، يعني البيت، وقد دخله ﷺ ولم أسمع أنه اعتنق شيئا من أساطينه١ انتهى.
والدلالة من كلام مالك على كراهيته ذلك ظاهرة، لأن اعتناق أساطين الكعبة كإلصاق البطن والظهر بها، والله أعلم.
وأما ما سوى ذلك من الأمور التي صنعها رسول الله ﷺ في الكعبة هو مذكور في هذه الأحاديث، فلا أعلم بين أهل العلم اختلافا في استحبابه، إلا سجدة الشكر في الكعبة، كما هو مقتضى حديث الفضل، ففيها خلافا بين أهل العلم، فإن مشهور مذهب مالك أن سجود الشكر مكروه من حيث الجملة، ومقتضى ذلك أن لا يفعل في الكعبة، على أن حديث الفضل الذي في هذه السجدة مختلف في ثبوته، والله أعلم.
_________________
(١) ١ القرى "ص: ٣١٨".
[ ١ / ٢١٧ ]