١ - لاهتمام القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة وبيان أحوالهم واستخراج الدروس والعبر من أحوالهم ومآلهم وكذلك قصص الفراعنة وقارون وغير ذلك كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾.
٢ - اهتمام القرآن الكريم بدراسة تبدل الأحوال والأوضاع وحثّ الناس على تدبّر الوقائع واكتشاف سنن الله في الكون ومنها السنن التأريخية كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾.
٣ - اهتمت السنة النبوية الشريفة بقصص الأنبياء والصالحين من الأمم السابقة وإستنباط العظات والعبر -كقوله ﵊: "إنه كان فيمن قبلكم الحديث".
[ ١ / ٦ ]
٤ - أوصى الإسلام [كتابًا وسنة] بتتبع سيرة الرسول ﵊ فكان ذلك عاملًا آخر من عوامل اهتمام المسلمين بالسير والمغازي كجزء من التأريخ الإسلامي.
يقول الدكتور الدوري: إن القرآن نصّ على أن أقوال الرسول - ﷺ - موصى بها وأن سيرته مثل للمسلمين يقتدون به وهنا نجد دافعًا مباشرًا لدراسة أقوال الرسول وأفعاله [بحث في نشاة علم التأريخ / ١٨].
٥ - كان العرب أصحاب شعر وحكايات وقصائد تروي بطولات القبيلة ومواقف رموزها المشهودة -يضاف إلى ذلك كله قوة الحافظة عند العرب تعويضًا عن أميّتهم كما قال ﵊ "إنا أمة أمية". يقول الأستاذ محمد فتحي عثمان وهو يتحدث عن خصائص العرب يومها: فهي أمة تميّزت بالحفظ والهداية وبالبلاغة والشعر، وبالحرص على الأنساب والفخر بها وكل هذه الثلاثة معين على ازدهار التأريخ [المدخل إلى التأريخ الإسلامي / ١١٤].
٦ - اهتمام الخلفاء المتعاقبين على إدارة الحكم بالمغازي والسير وتأريخ من سبقهم من الملوك والخلفاء وحثّ النسابة والإخباريين على تدوين ما لديهم من الأخبار والأنساب وغير ذلك يقول الأستاذ شاكر مصطفى: فلقد كانت رغبة بعض الأمويين والولاة في المعرفة التأريخية وإن كانت لها أسبابها بالنسبة إليهم مشجعًا لإدخال هذه المعرفة بين المعارف النبيلة المطلوبة في المجتمع الإسلامي. وإذا كان معاوية قد استدعى عبيد بن شرية من صنعاء ليسأله عن ملوك العرب والعجم ويأمر بتسجيل ما يقول ويجلس كل مساء لسماع أخبار التأريخ وكان مروان بن الحكم يدني مجلس حكيم بن حزام ليسمع منه أخبار المغازي وعبد الملك يطلب أخبارها من التابعين وكان عروة بن الزبير راوية التأريخ على صلة بعبد الملك وابنه الوليد وبعمر بن عبد العزيز فقد عرفنا أيضًا أن هشام بن عبد الملك وضع لابن شهاب الزهري كاتبين يكتبان عنه سنة فلما مات الزهري وجدت له أكوام من الكتب في خزائن الأمويين [التاريخ العربي والمؤرخون / ص ٦٧].
٧ - إن إنشاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ للدواوين وتسجيل أسماء المجاهدين الفاتحين حسب قبائلهم وأسرهم شجّع ظهور النسابة الخبراء في أنساب القبائل على اختلافها وأضحى الأنساب فيما بعد جزءًا من التأريخ حتى
[ ١ / ٧ ]
أن البلاذري قد ألف سفرًا عظيمًا بترتيب أشهر الأنساب متضمنًا الآباء والأبناء ومنهم الخلفاء الراشدون وبقية الخلفاء من بني العباس وبني أمية ويعتبر كتابه مصدرًا متقدمًا ثمينًا.
يقول الأستاذ محمد فتحي عثمان [وقد اشتهر الصديق أبو بكر بحفظ الأنساب وأعان إنشاء عمر (للديوان) على حفظ الأنساب أيضًا وكان من دواعيه تنظيم العطاء وقد شجّع الأمويون على حفظ الأنساب وظهر النسابون الأوائل في عهدهم واشتهر في هذا المجال دغفل بن حنظلة الشيباني سنة ٧٠ هـ]. [المدخل إلى التأريخ الإسلامي / ١٣٦].
٨ - كان الخلفاء الأمويون ومن بعدهم العباسيون حريصين كل الحرص على تمييز الأراضي المفتوحة صلحًا أو عنوة وما إلى ذلك إلى أراضي خراجية أو عشرية حرصًا منهم على نظافة بيت المال وعدم السماح لدخول المال الحرام فيه وكان ذلك يعني اهتمامهم وسؤالهم عن الفتوحات الإسلامية الكبرى وأخبارها.
وحتى غير الخلفاء وبالأخص العلماء ومنهم الفقهاء قد اهتموا بهذا الجانب كثيرًا حتى أنك ترى إمامًا فقيهًا كالقاضي أبي يوسف يؤلف كتابًا في الخراج يروي قيه بالسند الموصول وقائع بعض الفتوحات الإسلامية في العراق وغيره.
٩ - حثّ الرسول ﵊ أمته من بعده على احترام الصحابة الكرام وإجلالهم والاقتداء بهم وخاصة الخلفاء الراشدين وتتبع سيرتهم وخاصة في أبواب السياسة الشرعية كقوله ﵊ في الحديث النبوي الشريف "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ".
وهذا عامل آخر يضاف إلى عوامل أخرى دفعت الأئمة الأعلام إلى الاهتمام بتأريخ الراشدين كجزء من التأريخ الإسلامي وكتاب حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني زاخر بسير الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
١٠ - إن ورود نصوص من السنة الشريفة تبيّن فضل جيل الصحابة وقوتهم على التابعين والتابعين على من بعدهم وكذلك تجمهر عدد كبير من التابعين حول الصحابة لأخذ العلم الشرعي دفع العلماء إلى تصنيف كتب في الطبقات وخاصة
[ ١ / ٨ ]
طبقات الصحابة والتابعين فهذا سابق وهذا مهاجر وذاك أنصاري وهذا بدري وهذا من مسلمة الفتح ثم تأتي طبقات التابعين من بعدهم وكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد خير شاهد على ذلك.